أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمادة جبر - الطبقة الوسطى -الطارئة/المصطنعة- في فلسطين















المزيد.....

الطبقة الوسطى -الطارئة/المصطنعة- في فلسطين


حمادة جبر
(Hamada Jaber)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 20:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لطالما شكلت الطبقة الوسطى، في مختلف المجتمعات الحديثة، العمود الفقري للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فهي الطبقة التي تنتج النخب المهنية والثقافية، وتحمل قيم التعليم والعمل والكفاءة، وتدافع عن القانون والمؤسسات، كما تؤدي دوراً محورياً في حماية المجتمع من التطرف والانهيار. لكن الحديث عن الطبقة الوسطى في فلسطين اليوم يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت هذه الطبقة تؤدي دورها التاريخي الطبيعي، أم أنها تحولت إلى طبقة طارئة ومصطنعة، اختُزل وجودها بمستوى الدخل والاستهلاك فقط؟

في التجارب الطبيعية، لا تُخلق الطبقة الوسطى بقرار سياسي أو إداري، ولا تُقاس فقط بحجم الراتب أو القدرة على الاستهلاك، بل تُبنى تاريخياً عبر اقتصاد منتج، وتعليم نوعي، واستقرار اجتماعي، وفرص متكافئة، واستقلال نسبي عن السلطة. ولهذا ارتبطت الطبقة الوسطى التقليدية دائماً بقيم المسؤولية العامة، والمشاركة السياسية الواعية، والدفاع عن الإصلاح، والقدرة على إنتاج نخبة مجتمعية تؤمن بفكرة الدولة والقانون.

غير أن الحالة الفلسطينية تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فبفعل طبيعة الاقتصاد المشوه، والاعتماد الواسع على التمويل الخارجي، وتضخم القطاع البيروقراطي، وضعف القطاعات الإنتاجية، نشأت فئة واسعة تُصنف اجتماعياً ضمن الطبقة الوسطى، لكنها تفتقر إلى الخصائص التاريخية والأخلاقية والسياسية التي ميزت الطبقة الوسطى التقليدية. إنها طبقة طارئة أو مصطنعة؛ تبدو طبقة وسطى من حيث مستوى الدخل أو نمط الاستهلاك، لكنها في جوهرها غير قادرة على أداء الوظيفة الاجتماعية التي تجعل من الطبقة الوسطى ركيزة لبناء المجتمع وحمايته.

الفرق الجوهري بين الطبقة الوسطى التقليدية والطبقة الوسطى الطارئة لا يكمن فقط في مصدر الدخل، بل في طبيعة العلاقة مع المجتمع والسياسة والدولة. فالطبقة الوسطى التقليدية تنظر إلى نفسها باعتبارها شريكاً في مشروع وطني واجتماعي طويل الأمد، ولذلك تميل إلى الدفاع عن المؤسسات العامة، والمطالبة بالإصلاح، والانخراط في المشاركة السياسية الفاعلة والبناءة. وهي بطبيعتها طبقة نقدية، لا تخشى مساءلة السلطة، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر العدالة وسيادة القانون.

أما الطبقة الوسطى الطارئة، فإن مشاركتها السياسية غالباً ما تنحصر في إطار الوجاهة الاجتماعية، أو السعي إلى النفوذ، أو ممارسة “التسحيج” السياسي والإعلامي بهدف حماية الامتيازات المكتسبة. فالعلاقة هنا ليست علاقة مواطنة وحقوق، بل علاقة زبائنية تقوم على الولاء مقابل المكاسب. ولذلك تتحول السياسة، بالنسبة لهذه الفئة، من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للحفاظ على الموقع الشخصي والاجتماعي.

وما يزيد خطورة هذه الظاهرة أن الطبقة الوسطى الطارئة تدرك هشاشة موقعها. فهي لم تصل إلى مكانتها عبر تراكم اقتصادي منتج أو استقرار مهني طويل الأمد، بل عبر ظروف سياسية أو بيروقراطية أو شبكات مصالح مؤقتة. ولهذا تعيش هاجس السقوط الدائم وفقدان الامتيازات. وعلى عكس الطبقة الوسطى التقليدية التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها عبر التعليم والعمل والإنتاج، فإن الفئة الطارئة تفتقر إلى هذه القدرة، لأنها لا تستند إلى قاعدة اقتصادية أو معرفية متينة. ومن هنا يصبح الفساد، بالنسبة لبعض هذه الفئات، وسيلة دفاع عن الذات أكثر منه مجرد انحراف أخلاقي. فالمحسوبية، واستغلال النفوذ، وتبادل المصالح، والفساد شبه العلني، تتحول إلى أدوات لحماية الموقع الاجتماعي المكتسب حديثاً. وكلما ازداد الشعور بعدم الاستقرار، ازدادت الحاجة إلى توظيف السلطة والعلاقات الشخصية للحفاظ على الامتيازات.

تكمن الخطورة الأكبر عندما تصبح هذه الفئة الطارئة هي الفئة السائدة داخل ما يسمى “الطبقة الوسطى”. ففي هذه الحالة، تتغير منظومة القيم داخل المجتمع نفسه. إذ تتراجع قيمة الكفاءة والعمل والإنتاج، لصالح قيم الاستعراض والاستهلاك والولاء الشخصي. كما تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى مصدر امتيازات، ويتراجع الإيمان بفكرة الصالح العام لصالح الفردية والانتهازية.

والأخطرمن كل ما ذكر، أن صعود هذه الطبقة الطارئة يتم غالباً على حساب الطبقة الوسطى التقليدية الحقيقية؛ أي فئات المعلمين، والأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، وأصحاب الأعمال الصغيرة، والمثقفين، الذين كانوا تاريخياً يمثلون الحامل الاجتماعي لقيم التنوير والإصلاح. فهذه الفئات تعاني اليوم من التآكل الاقتصادي والاجتماعي، بينما تتوسع فئات جديدة تعتمد على النفوذ والعلاقات أكثر من اعتمادها على الكفاءة والإنتاج.

إن أزمة الطبقة الوسطى في فلسطين ليست مجرد أزمة اقتصادية مرتبطة بتراجع الدخل أو ارتفاع تكاليف المعيشة، بل هي أزمة بنيوية تمس طبيعة المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يفقد طبقته الوسطى الحقيقية يفقد تدريجياً توازنه واستقراره، لأن البديل يكون إما طبقة ثرية طفيلية مرتبطة بمراكز النفوذ، أو طبقات واسعة مهمشة وفقيرة فاقدة للأمل والثقة بالمستقبل.

ولهذا فإن إعادة بناء طبقة وسطى فلسطينية حقيقية لا يمكن أن تتم عبر زيادة الرواتب أو توسيع الاستهلاك فقط، بل عبر بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي، وتعزيز التعليم النوعي، وترسيخ سيادة القانون، وخلق بيئة سياسية تقوم على المشاركة والمساءلة لا على "الزبائنية" والولاء الشخصي. فالطبقة الوسطى تُبنى عبر العمل والإنتاج والاستقلال، ولا يمكن تصنيعها بقرارات مؤقتة أو امتيازات عابرة.

أخيراً، لا أعرف إن كان مصطلح "طبقة وسطى طارئة" قد استخدم سابقاً، ولكن نشوء هذه الفئة الطارئة على الطبقة الوسطى جاء إما نتيجة غياب سياسات تمنع مثل هذه الظاهرة، او نتيجة سياسات مقصودة لإنتاج تلك الفئة لاستخدامها لمآرب سياسية لا يمكن أن تكون وطنية، والحالة الفلسطينية الراهنة دليل على ذلك. لذلك فإن معركة استعادة الطبقة الوسطى الحقيقية في فلسطين ليست قضية اقتصادية فقط، بل قضية وطنية واجتماعية تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، ولأن الطبقة الوسطى الحقيقية تٌبنى ولا تصطنع كما ذكرنا سابقاُ، يؤسفني القول أن إستعادة تلك الطبقة ودورها غير وارد وغير واقعي في المدى المنظور، لكن لمحاولة البدء بإصلاح عقود من السياسات الهدامة، وقبل فوات الأوان، هناك حاجة ملحة ومصيرية للضغط على سلطة الأمر الواقع لاتخاذ قرارات وتبني سياسات إصلاحية شاملة ذات مصداقية، وفورية.



#حمادة_جبر (هاشتاغ)       Hamada_Jaber#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بين الغموض النووي وحافة الهاوية
- توسدتني!
- هل كان أمن أوروبا الاستراتيجي ضحية الديمقراطية والبيروقراطية ...
- قتل رحيم؟!
- لفني
- اقتراح لمحاولة توحيد واستنهاض “اليسار الفلسطيني-
- التضامن الدولي وحركة BDS
- رسالة إلى الإسرائيليين
- إلى القيادة وكوادر فتح واليسار: إن لم يكن الآن، فمتى؟
- الأمن السيبراني العالمي ومستقبل الانترنت
- اطلبوا الشرعية ولو في الصين!
- الدبلوماسية الصينية تحت الاختبار
- النفوذ الأمريكي قادر على خفض التصعيد في فلسطين
- شروط انطلاق مقاومة فلسطينية شعبية واسعة ومستمرة ومؤثرة
- حماس على خطى فتح ومنظمة التحرير!
- عام على انتفاضة الكل الفلسطيني ومعركة -سيف القدس-: فرصة ضائع ...
- الرقمنة والخصوصية في الصين
- إعادة الحياة لنهر الأردن والبحر الميت
- فلسطين: شغور منصب الرئيس
- هل أخطأ مروان الرغوثي؟


المزيد.....




- بعد تحذير إيران للسفن.. ما المسارات الثلاثة عبر مضيق هرمز؟
- نتنياهو -يحتاج إلى عدو خارجي للبقاء في السلطة-.. شاهد ما قال ...
- ارتديا نقابا.. مصر: القبض على شخصين سرقا شقة سيدة مسنة بعد ت ...
- -ذيول النظام السابق-.. نجيب ساويرس يعلق على تفجير دمشق لمحاو ...
- اغتيال عراقجي وقاليباف خلال المفاوضات.. كيف تدخلت واشنطن في ...
- إسرائيليون يحيون 1000 يوم على هجوم 7 أكتوبر
- -لا نقصف أثناء الفطور لكننا فعلناها-.. كواليس الساعات الأخير ...
- بعد الإقصاء أمام سويسرا.. رياض محرز يعلن اعتزاله اللعب الدول ...
- انطلاق مراسم تشييع خامنئي في مسار يمتد أسبوعا بين مدن إيراني ...
- سوريا.. جدل حول افتتاح صالون تجميل في النبك ومطالبات بمراعاة ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمادة جبر - الطبقة الوسطى -الطارئة/المصطنعة- في فلسطين