محمد الرحالي
باحث في الترجمة والأدب والسينما
(Mohammed Rahali)
الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 08:48
المحور:
الادب والفن
اليوم الأول من الأيام الدكتوراه
الثلاثاء 23 يونيو 2026
احتضنت كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بآيت ملول، التابعة لجامعة ابن زهر، يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، فعاليات اليوم الأول من الأيام الدكتورالية المنظمة من طرف مختبر الدراسات البينية للغات والديناميات الفنية والاجتماعية (LILDAS)، تحت شعار: «الديناميات اللغوية والثقافية والاجتماعية: إعادة التشكل وآفاق بينية في العلوم الإنسانية والاجتماعية».
تنسيق الأستاذات الدكتورات الفاضلات:
دة تليلة منتصر
دة عائشة بارا
دة زهرة طيفور
وقد شكل هذا اللقاء العلمي مناسبة أكاديمية متميزة جمعت باحثين وأساتذة ودكتورات ودكاترة من مختلف الجامعات المغربية، في إطار حوار علمي متعدد التخصصات، هدفه استكشاف التحولات التي تعرفها العلوم الإنسانية والاجتماعية في ظل المتغيرات الرقمية والثقافية واللغوية المعاصرة.
استهلت فعاليات اليوم الأول باستقبال المشاركين وتسجيلهم، قبل أن تنطلق الجلسة الافتتاحية التي تميزت بكلمات رسمية ألقاها كل من السيد رئيس جامعة ابن زهر، والسيد عميد كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية، ومدير مختبر LILDAS، إضافة إلى كلمة اللجنة المنظمة. وقد أكدت مختلف التدخلات أهمية هذه الأيام الدكتورالية باعتبارها فضاءً للحوار العلمي الرصين، ومنصة لتبادل الخبرات بين الباحثين الشباب والأساتذة الباحثين، مع التشديد على ضرورة الانفتاح على المقاربات البينية التي أصبحت تفرضها التحولات المتسارعة في ميادين المعرفة والبحث العلمي.
بعد ذلك احتضنت قاعة المؤتمرات المحاضرة الافتتاحية الموسومة «أخلاقيات البحث العلمي في زمن الذكاء الاصطناعي»، التي قدمها الأستاذ الدكتور عبد الكريم مادون. وقد ناقشت المحاضرة الإشكالات الأخلاقية والمعرفية التي أفرزها توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، مبرزة ضرورة الموازنة بين الاستفادة من الإمكانات التقنية المتقدمة والحفاظ على قيم الأمانة العلمية، وأصالة الإنتاج الأكاديمي، واحترام الملكية الفكرية، بما يضمن توظيفًا مسؤولًا لهذه التقنيات داخل الجامعة ومؤسسات البحث العلمي.
الجلسات العلمية الموازية (الفترة الصباحية)
انطلقت بعد ذلك الجلسات العلمية الموازية، التي عكست ثراء البرنامج وتنوع محاوره. فقد احتضنت قاعة المؤتمرات جلسة باللغة العربية بعنوان «المجتمع، الهوية والثقافة»، حيث توزعت المداخلات بين قضايا التنشئة الاجتماعية، والهوية الثقافية، والكتابة الرحلية، والصحة النفسية. وقد أبرزت هذه المداخلات العلاقة الوثيقة بين التحولات الاجتماعية وإعادة بناء الهويات الفردية والجماعية، كما أكدت أهمية المقاربات متعددة التخصصات في تحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية الراهنة، مع استحضار الأبعاد التاريخية والنفسية والثقافية التي تؤطرها.
وفي Career Center انعقدت جلسة «IA et apprentissage des langues»، التي شكلت أحد أبرز محاور المؤتمر بالنظر إلى راهنية موضوعها. فقد ناقش المتدخلون مختلف أوجه توظيف الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغات، بدءًا بإشكالية تكافؤ الفرص الرقمية، مرورًا بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في الممارسات الصفية، وصولًا إلى تأثير هذه التقنيات في إعادة تشكيل الخطاب التربوي والتواصل البيداغوجي داخل الجامعة. وأجمع المتدخلون على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتطوير تعليم اللغات، شريطة تأطيره بمنظور تربوي وأخلاقي يضمن جودة التعلمات ويحافظ على الدور المحوري للأستاذ.
أما Salle des Ré-union-s فقد احتضنت جلسة «Plurilinguisme, alternance codique et immersion»، التي سلطت الضوء على قضايا التعدد اللغوي والتناوب اللغوي وسياسات الانغماس اللغوي. وقد كشفت المداخلات عن تعقيد المشهد اللغوي المغربي، وأبرزت أن التعدد اللغوي لم يعد مجرد ظاهرة تواصلية، بل أصبح مدخلًا لفهم التحولات الثقافية والهوياتية والتربوية. كما تناولت بعض العروض أثر التداخل اللغوي في بناء الكفايات الكتابية، إضافة إلى دراسة تمثلات اللغة داخل السينما الأمازيغية، بما يعكس انفتاح اللسانيات على الدراسات الثقافية والفنية.
واتسمت المناقشات العامة التي أعقبت هذه الجلسات بحيوية علمية لافتة، حيث انخرط الباحثون والأساتذة في نقاشات معمقة حول الإشكالات المنهجية التي طرحتها الأوراق البحثية، خاصة ما يتعلق بعلاقة الذكاء الاصطناعي بالبحث الأكاديمي، وإشكالات التعدد اللغوي، والتحولات التي تعرفها الهوية في ظل البيئة الرقمية، وهو ما أضفى على الجلسات طابعًا حواريًا تفاعليًا عزز من قيمتها العلمية.
الجلسات العلمية الموازية الثانية (12:15–14:00)
بعد الاستراحة، استؤنفت أشغال اليوم الأول من خلال سلسلة ثانية من الجلسات العلمية الموازية، التي عكست استمرار الزخم المعرفي الذي طبع الفترة الصباحية، وأبرزت انفتاح المؤتمر على قضايا الهوية، والتربية، والخطاب، والتحولات الثقافية التي يشهدها المجتمع المعاصر.
ففي قاعة المؤتمرات انعقدت جلسة «Identités, hybridations et négociation culturelles»، التي انشغلت بمساءلة مفهوم الهوية في ضوء التحولات الاجتماعية والثقافية والرمزية التي يشهدها العالم المعاصر. وقد افتتحت الجلسة بمداخلة «Pour une conception cosmopolite de l identité» التي دعت إلى إعادة التفكير في الهوية باعتبارها بناءً دينامياً منفتحاً على التفاعل الثقافي، بعيداً عن التصورات الجوهرانية المغلقة. كما ناقشت المداخلات اللاحقة تمثلات الهوية في الرواية المغربية، وإشكالية التهجين الثقافي داخل الفضاءات الهجرية، إضافة إلى دور الدبلوماسية الثقافية المغربية في إعادة تشكيل الصورة الرمزية للمملكة على المستوى الدولي. وقد خلصت النقاشات إلى أن الهوية المعاصرة لم تعد معطى ثابتاً، بل أصبحت سيرورة تفاوض مستمرة تتداخل فيها الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية.
وبموازاة ذلك، احتضن Career Center جلسة «Formation des enseignants»، التي ركزت على رهانات تطوير التكوين البيداغوجي للأساتذة في ظل التحولات الرقمية والمجتمعية. فقد تناولت المداخلات أثر تكنولوجيا المعلومات والاتصال في تجديد الممارسات التعليمية، وأهمية التكوين المستمر في تحسين الكفايات المهنية للمدرسين، فضلاً عن مناقشة قضايا التواصل داخل مراكز التكوين، وتمثلات مدرسي اللغة الفرنسية بالمغرب للممارسات البيداغوجية الحديثة. وأكدت مختلف العروض أن إصلاح المنظومة التعليمية يظل رهيناً بتأهيل العنصر البشري، والارتقاء بجودة التكوين الأساسي والمستمر، بما يستجيب لمتطلبات المدرسة المغربية الحديثة.
أما قاعة الاجتماعات فقد خصصت لجلسة «Discours, idéologies, pouvoir et persuasion»، التي قاربت الخطاب بوصفه أداة لإنتاج السلطة وصياغة التأثير الاجتماعي. وتوزعت المداخلات بين دراسة التحولات التي عرفتها استراتيجيات الإقناع من الخطاب التقليدي إلى الخطاب الرقمي، وتحليل الخطاب العلمي خلال جائحة كوفيد-19، واستراتيجيات التواصل الرقمي في المجال السياحي، إلى جانب استكشاف أثر الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الخطابات الثقافية واللغوية، وانتهاءً بدراسة الكتابة متعددة الأصوات في الرواية المغربية المعاصرة. وقد أبرزت المناقشات أن الخطاب لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل أساسي في إنتاج المعنى وتوجيه الرأي العام وصياغة التمثلات الجماعية.
وقد اتسمت المناقشات العامة التي أعقبت هذه الجلسات بعمق علمي واضح، إذ انخرط الباحثون في حوار أكاديمي مثمر حول التقاطعات المنهجية بين اللسانيات، والدراسات الثقافية، وتحليل الخطاب، والعلوم التربوية، مؤكدين أن المقاربة البينية أصبحت ضرورة معرفية لفهم التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المعاصر.
خاتمة اليوم الأول
اختُتمت أشغال اليوم الأول في أجواء علمية اتسمت بالتفاعل والحيوية، حيث أبانت مختلف الجلسات عن المستوى المتميز للأبحاث المقدمة، وعن قدرة الباحثين الشباب على الانخراط في القضايا العلمية الراهنة، من خلال مقاربات نقدية ومنهجيات متنوعة. كما كشفت الأوراق البحثية عن حضور قوي لموضوعات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وإعادة تشكيل الهوية، والتعليم، وتحليل الخطاب، بما ينسجم مع الرؤية العامة للأيام الدكتورالية الرامية إلى استشراف آفاق جديدة للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ويمكن القول إن اليوم الأول أسهم في ترسيخ ثقافة الحوار الأكاديمي، وتعزيز التواصل بين الباحثين المنتمين إلى جامعات ومختبرات بحثية مختلفة، كما وفر فضاءً لتبادل الخبرات ومناقشة الإشكالات المعرفية والمنهجية التي تواجه البحث العلمي في السياق الرقمي المعاصر، مما مهد لانطلاق أشغال اليوم الثاني في أجواء علمية واعدة.
تقرير حول أشغال اليوم الثاني من الأيام الدكتورالية
الأربعاء 24 يونيو 2026
انطلقت أشغال اليوم الثاني من الأيام الدكتورالية، المنظمة من طرف مختبر الدراسات البينية للغات والديناميات الفنية والاجتماعية (LILDAS)، صباح يوم الأربعاء 24 يونيو 2026، في أجواء علمية اتسمت بالجدية والتفاعل، حيث واصلت الجلسات العلمية استكشاف الإشكالات المعرفية والمنهجية المرتبطة بالديناميات اللغوية والثقافية والاجتماعية، في ظل التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة. وقد تميز برنامج هذا اليوم بتنوع موضوعاته وانفتاحه على حقول معرفية متعددة، مما جسد بوضوح الطابع البيني الذي قامت عليه هذه التظاهرة العلمية.
الجلسات العلمية الموازية الأولى (09:00–10:30)
استهلت الفترة الصباحية بثلاث جلسات علمية متوازية، عالجت موضوعات الذاكرة والتراث، وتعليم اللغات، والخطاب الرقمي، من خلال مقاربات جمعت بين اللسانيات، والدراسات الثقافية، والعلوم التربوية، وتحليل الخطاب.
ففي قاعة المؤتمرات انعقدت جلسة «Mémoire, patrimoine et transmission culturelle»، التي ركزت على أهمية الذاكرة الجماعية والتراث بوصفهما ركيزتين في بناء الهوية الثقافية وصون الموروث الحضاري. وقد تناولت المداخلات موضوعات متنوعة، من بينها الأمثال الأمازيغية باعتبارها حاملة للتمثلات الثقافية، والأدب الشفهي ودوره في ترسيخ الانتماء، والحضور الأمازيغي في الشعر الحساني، إضافة إلى توظيف الذاكرة في السرد الرقمي والألعاب الإلكترونية. وأبرزت مختلف العروض أن التراث لا ينبغي النظر إليه باعتباره ماضياً منغلقاً، وإنما باعتباره مورداً ثقافياً متجدداً يعاد إنتاجه وتأويله باستمرار في ضوء التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.
وفي Career Center احتضنت جلسة «Didactique du français : manuels, consignes et évaluation»، التي ناقشت عدداً من القضايا المرتبطة بتدريس اللغة الفرنسية بالمغرب، ولاسيما تحليل التعليمات البيداغوجية في الكتب المدرسية، وممارسات التمايز البيداغوجي داخل الفصول الدراسية، وإشكالية التقويم الشفهي في التعليم الثانوي. وقد أكدت المداخلات أن تطوير تعليم اللغات الأجنبية يقتضي مراجعة الوسائل التعليمية وأساليب التقويم بما ينسجم مع المقاربات الحديثة، ويضمن تكويناً أكثر عدالة وفاعلية للمتعلمين.
أما قاعة الاجتماعات فقد احتضنت جلسة «Discours numériques, réseaux sociaux et subjectivités»، التي تناولت التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية في أنماط التواصل وبناء الذات. فقد ناقشت الأوراق البحثية خطاب جيل الشباب داخل الفضاءات الرقمية، وإعادة تشكيل الخصوصية في عصر المنصات الاجتماعية، وتأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في صناعة الصورة الذاتية، إضافة إلى تحولات الهوية الذكورية في الفضاء الرقمي، والابتكارات المعجمية التي أفرزها التواصل الإلكتروني. وقد أبرزت النقاشات أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح مجالاً لإعادة إنتاج القيم والتمثلات والهويات الاجتماعية، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات تحليلية جديدة تستجيب لهذه التحولات.
وقد أعقب هذه الجلسات نقاش علمي اتسم بثراء الأفكار وتنوع المقاربات، حيث ركز المتدخلون على ضرورة تعزيز الحوار بين العلوم الإنسانية والتقنيات الرقمية، بما يتيح فهماً أكثر عمقاً للظواهر الثقافية والاجتماعية المستجدة، ويواكب التحولات التي يشهدها المجتمع المعاصر.
الجلسات العلمية الموازية الثانية (10:45–12:15)
بعد استراحة قصيرة، استؤنفت أشغال اليوم الثاني من خلال ثلاث جلسات علمية متوازية، اتسمت بعمقها المعرفي وانفتاحها على الإشكالات الراهنة التي تعرفها العلوم الإنسانية والاجتماعية، خاصة في ظل التحول الرقمي وما فرضه من مراجعات إبستمولوجية ومنهجية مستمرة. وقد كشفت هذه الجلسات عن تنوع المقاربات البحثية، كما أبرزت قدرة الباحثين الشباب على استيعاب التحولات الجديدة وإعادة توظيفها في مشاريعهم العلمية.
في قاعة المؤتمرات انعقدت جلسة «Littérature, numérique et reconfigurations épistémologiques»، التي شكلت إحدى أبرز المحطات الفكرية في المؤتمر، بالنظر إلى راهنية موضوعاتها وما تطرحه من أسئلة حول مستقبل الدراسات الأدبية في البيئة الرقمية. وقد افتتحت الجلسة بمداخلة «La métacritique à l épreuve de la “crise” : reconfigurations épistémologiques de la critique littéraire dans l espace numérique»، التي تناولت التحولات التي تعرفها الممارسة النقدية في ظل الوسائط الرقمية، مبرزة أن الأزمة التي يعيشها النقد الأدبي ليست أزمة نهاية، بل تمثل لحظة لإعادة بناء أسسه النظرية وتجديد آلياته المنهجية، من خلال الانفتاح على الدراسات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمقاربات البينية. كما ناقشت بقية المداخلات توظيف النص الأدبي الرقمي في التعليم، ومستقبل تدريس الأدب في العصر الرقمي، إضافة إلى أثر الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل التمثلات الثقافية داخل السينما المغربية. وقد أبرزت المناقشات أن الأدب لم يعد معزولاً عن الثورة الرقمية، بل أصبح جزءاً من فضاء معرفي جديد يفرض إعادة النظر في مفاهيم النص والقراءة والتلقي والنقد.
وفي Career Center احتضنت جلسة «Humanités numériques, IA et médiation culturelle»، التي تناولت دور الإنسانيات الرقمية في تطوير آليات الوساطة الثقافية، من خلال تحليل استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في نشر الثقافة، ودراسة توظيف التقنيات الرقمية في تعليم اللغة الفرنسية، فضلاً عن مناقشة أثر الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الصورة السياحية لمدينة أكادير، وتحليل العلاقة بين الخوارزميات والتحولات السوسيومجالية داخل منطقة سوس ماسة. وقد أظهرت المداخلات أن الوساطة الثقافية لم تعد تقتصر على المؤسسات التقليدية، بل أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يفرض تطوير رؤى جديدة لفهم الثقافة في العصر الرقمي.
أما قاعة الاجتماعات فقد شهدت انعقاد جلسة «Genre, corps et voix féminines»، التي سلطت الضوء على قضايا النوع الاجتماعي وتمثلات الجسد والخطاب النسوي في الأدب والعلوم الإنسانية. وقد تناولت المداخلات مفهوم التقاطعية باعتباره أداة تحليلية لفهم علاقات الهيمنة، كما ناقشت تجليات السيطرة الأبوية في الأدب الإفريقي الفرنكوفوني، وتحولات الصوت النسائي المغاربي، إضافة إلى صورة المرأة المغربية في شبكات التواصل الاجتماعي في ظل التحولات الرقمية. وأجمعت النقاشات على أن المقاربات النسوية المعاصرة أصبحت أكثر انفتاحاً على التحليل السوسيولوجي والثقافي والإعلامي، بما يسمح بفهم أعمق للتحولات التي تعرفها أدوار النساء وتمثلاتهن داخل المجتمع المعاصر.
وقد اتسمت المناقشات التي أعقبت هذه الجلسات بعمق علمي ملحوظ، حيث ركزت على أهمية المقاربة البينية في معالجة القضايا الراهنة، وعلى ضرورة توظيف المناهج الحديثة التي تجمع بين النقد الأدبي، والعلوم الاجتماعية، والدراسات الرقمية، بما يعزز قدرة البحث العلمي على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.
الجلسات العلمية الموازية الثالثة (12:30–14:00)
اختُتم البرنامج العلمي لليوم الثاني بمجموعة ثالثة من الجلسات الموازية التي عكست اتساع آفاق البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من خلال تناول قضايا الهجرة، والتعدد الثقافي، والممارسات البيداغوجية، والدراسات اللغوية والأدبية المقارنة. وقد أكدت هذه الجلسات، بما تضمنته من أوراق علمية متنوعة، أن الرهان الحقيقي للبحث المعاصر يتمثل في بناء معرفة منفتحة على مختلف الحقول العلمية، وقادرة على مواكبة التحولات الفكرية والاجتماعية التي يعرفها العالم اليوم.
في قاعة المؤتمرات التأمت جلسة «Migrations, multiculturalisme et altérité»، التي قاربت قضايا الهجرة والاختلاف الثقافي وتمثلات الآخر في الأدب والفنون. وقد تناولت المداخلات، من خلال نماذج روائية وسينمائية، إشكالات التعايش بين الثقافات، وبناء الهوية في سياقات الهجرة، وأخلاقيات تمثيل الآخر داخل الخطاب الأدبي. كما سلطت بعض الأوراق الضوء على مفهوم الأثر والذاكرة في كتابات باتريك شاموازو، وعلى العلاقة المعقدة بين المؤلف والشخصية الروائية، بما يفتح آفاقاً جديدة للتفكير في مفاهيم الهوية والذات والكتابة. وقد أبرزت المناقشات أن الأدب يظل فضاءً رحباً للحوار بين الثقافات، ولتفكيك الصور النمطية وإعادة بناء قيم الانفتاح والتعدد.
وفي Career Center انعقدت جلسة «Pratiques pédagogiques»، التي ركزت على تجديد الممارسات التعليمية في ضوء التحولات الرقمية والاجتماعية. وقد ناقشت المداخلات أثر منصات التواصل الاجتماعي في إنتاج المحتوى البيداغوجي، وإمكانات تدريس الثقافة من خلال الأدب، وتأثير اقتصاد الانتباه والمحتويات الرقمية القصيرة في القدرات المعرفية للطلبة، إضافة إلى توظيف الأغنية الأمازيغية باعتبارها وسيطاً تعليمياً يعزز التعدد اللغوي ويطور الكفايات التواصلية. وقد خلصت النقاشات إلى أن تجديد الممارسة التربوية يقتضي الانفتاح على الوسائط الرقمية الحديثة، مع المحافظة على الأهداف التكوينية للمدرسة والجامعة، وتطوير طرائق تدريس تستجيب لانتظارات المتعلمين في العصر الرقمي.
أما قاعة الاجتماعات فقد احتضنت جلسة «Explorations into Language, Literature and Culture»، التي تميزت بطابعها الدولي وباعتماد اللغة الإنجليزية في تقديم المداخلات. وقد تناولت الأوراق البحثية موضوعات تتعلق بالترجمة القانونية، وعلاقة السفر بإعادة تشكيل الذاكرة والهوية، واستراتيجيات تطوير الكفايات الشفوية في تعليم اللغة الإنجليزية، إضافة إلى دراسة مذكرات اللاجئين السوريين بعد أحداث الربيع العربي. وقد أبرزت هذه الجلسة البعد المقارن والانفتاح الدولي الذي ميز الأيام الدكتورالية، مؤكدة أهمية الدراسات العابرة للغات والثقافات في تعزيز الحوار الأكاديمي وإغناء البحث العلمي.
اختتام الأيام الدكتورالية
اختُتمت أشغال الأيام الدكتورالية بحفل رسمي خُصص لتوزيع شواهد المشاركة على الباحثين والمؤطرين وأعضاء اللجان العلمية والتنظيمية، في أجواء سادتها روح التقدير والاعتزاز بنجاح هذه التظاهرة الأكاديمية. وقد شكلت هذه المناسبة فرصة للتنويه بالمستوى العلمي المتميز للمداخلات، وبالانخراط الفاعل للباحثين الشباب في مناقشة قضايا راهنة تمس مختلف مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما نوه المتدخلون بالجهود التي بذلتها اللجنة المنظمة واللجنة العلمية في إعداد برنامج متوازن جمع بين الرصانة الأكاديمية والانفتاح على المستجدات المعرفية.
الخلاصة العامة
أكدت الأيام الدكتورالية، التي نظمها مختبر LILDAS بجامعة ابن زهر، المكانة المتنامية للبحث البيني في معالجة الإشكالات المعاصرة، من خلال الجمع بين اللسانيات، والدراسات الأدبية، وتحليل الخطاب، والعلوم التربوية، والدراسات الثقافية، والإنسانيات الرقمية. وقد أبرزت المداخلات أن الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وإعادة تشكيل الهوية، والوساطة الثقافية، وتجديد الممارسات التعليمية، أصبحت من أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
كما عكست هذه التظاهرة العلمية دينامية البحث الجامعي المغربي، وقدرته على إنتاج معرفة علمية رصينة تستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتؤكد في الوقت نفسه أهمية الانفتاح على المقاربات متعددة التخصصات، وتعزيز التعاون بين المختبرات الجامعية، وتشجيع الباحثين الشباب على تطوير مشاريعهم العلمية ضمن بيئة أكاديمية قائمة على الحوار والتفاعل وتبادل الخبرات.
وبذلك تكون الأيام الدكتورالية قد حققت أهدافها العلمية والمعرفية، وأسهمت في ترسيخ ثقافة البحث الرصين، وتعزيز التواصل بين مختلف الفاعلين في الحقل الأكاديمي، بما يجعلها محطة علمية متميزة في مسار البحث الجامعي المغربي، وجديرة بأن تتكرر في دورات قادمة أكثر اتساعاً وانفتاحاً على القضايا المستجدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
#محمد_الرحالي (هاشتاغ)
Mohammed_Rahali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟