محمد علي
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 21:01
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
في مايو 2026، شهدت إيطاليا موجة من الغضب والتساؤلات حول المقترحات الجديدة لتعديل مناهج الفلسفة في المدارس الثانوية. فقد أقر جوزيبي فالديتارا، وزير التعليم في حكومة ميلوني اليمينية، تعديلات أثارت جدلًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية. تضمنت التعديلات تقليصًا أو حذفًا كاملًا لعدد من المفكرين الذين لعبوا دورًا أساسيًا في الفكر السياسي الحديث، مثل كارل ماركس، والمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي، ورائد الحداثة العلمانية الهولندي باروخ سبينوزا، وعدد آخر من الفلاسفة والمفكرين، في مقابل مقترحات تعكس صعود الفلسفة المثالية على حساب الفلسفة المادية، وأيضًا إضافة بعض الشخصيات التي تُعد أفكارها مثالًا واضحًا على الفاشية. فمن بين الذين أُدرجوا مثلًا: بينيديتو كروتشه وجيوفاني جنتيلي. ويمثل الأخير تحديدًا مثالًا واضحًا على محاولة الحكومة الإيطالية إدراج الأفكار الفاشية داخل منظومة التعليم، فقد كان جنتيلي، إلى جانب كونه فيلسوفًا مثاليًا، وزيرًا للتعليم في عهد الديكتاتور بينيتو موسوليني، بل إنه شارك في تأليف كتاب “عقيدة الفاشية” (La dottrina del fascismo) عام 1932 مع موسوليني.
بالنسبة للحكومة الإيطالية، جاءت تلك التعديلات ضمن مشروع لتحديث المناهج وإعادة تنظيمها. أما بالنسبة لعدد كبير من الأكاديميين وأساتذة الفلسفة والمثقفين، فإن هذه الخطوة تُعد جزءًا من مشروع سياسي يحاول تغيير المنهجية الفكرية والسياسية في إيطاليا.
في تصريح لجورجيو سيزارال، أستاذ الفلسفة السياسية في قسم الفلسفة والتراث الثقافي بجامعة كافوسكاري (Ca’ Foscari University of Venice)، وكان واحدًا من بين 60 فيلسوفًا وقّعوا على عريضة مفتوحة تعترض على تلك المقترحات، قال: “أعتقد أن هناك دافعًا سياسيًا وراء ذلك، فعلى مدى سنوات، حاولت حكومة ميلوني بطرق مختلفة فرض ما يسمونه هم أنفسهم هيمنة ثقافية جديدة”.
لقد كشفت هذه القضية أن المناهج الدراسية لم تكن، وما زالت ليست، مجرد قوائم بالمواد الدراسية، بل إنها ساحة للصراعات الاجتماعية والسياسية الجذرية حول الذاكرة والتاريخ والهوية والثقافة.
لماذا ماركس وجرامشي تحديدًا؟
إن شبحًا يطوف في إيطاليا: شبح كارل ماركس. كارل ماركس تحديدًا ليس مجرد مفكر مرتبط بالأفكار التي شكلت تاريخ الحركات العمالية والاشتراكية، ولكنه أحد أكثر الفلاسفة تأثيرًا في العلوم الاجتماعية والفلسفة والاقتصاد الحديث. فلا يمكن فهم تطور الفكر السياسي والاجتماعي في القرنين التاسع عشر والعشرين من دون المرور على كارل ماركس أو التطرق إلى أفكاره. ولا يتعلق استهداف كارل ماركس هنا بمجرد مكانته داخل التاريخ الفلسفي فقط، رغم إسهاماته الواضحة، ولكن لأن كارل ماركس ما زال يمثل أحد أهم الأدوات والأفكار لفهم الرأسمالية الحديثة وأزماتها. ويذهب ماركس في تحليله إلى أبعد من مجرد فهم آلية عمل النظام وتحليله، فيصل إلى تجاوز هذا النظام برمته وبناء مجتمع اشتراكي. لم يكن شاغل ماركس فقط محاولة تفسير كيفية عمل النظام الرأسمالي، بل إن الجزء الأهم من عمله هو محاولة تغيير هذا النظام. تتجسد هذه الفكرة في مقولته في “أطروحات حول فيورباخ”: “الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم، لكن المهم هو تغييره”. ومن هذا المنطلق، وصل ماركس في تحليله إلى أن الرأسمالية تحمل في طياتها بذور فنائها، وأن البروليتاريا هي الأداة التاريخية التي ستقضي عليها. لهذا بقيت تحليلات ماركس حول الاستغلال والتفاوت الطبقي وتركيز الثروة والاغتراب موضوعًا دائمًا للنقاش داخل الأوساط الأكاديمية، ومصدرًا دائمًا للقلق والتهديد داخل الحكومات اليمينية والدكتاتورية.
بالنسبة لليمين الأوروبي، لا يُنظر إلى ماركس على أنه فيلسوف من الماضي، بل يُنظر إليه بوصفه الرجل الذي ألهمت أفكاره أجيالًا من الحركات العمالية واليسارية. ولهذا فإن الصراع حول تدريس ماركس في المناهج الإيطالية يتعلق بما يمثله من إرث نقدي يشجع على مساءلة النظام القائم بدلًا من اعتباره أمرًا طبيعيًا وأبديًا.
إذا كان ماركس يمثل تهديدًا لليمين الإيطالي من زاوية الاقتصاد والتحليل الطبقي، فإن أنطونيو جرامشي يمثل تهديدًا آخر من ناحية الثقافة والوعي والسلطة. لا يمثل جرامشي مجرد مفكر ماركسي آخر، ناهيك عن كونه مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي عام 1921، بل إن جرامشي أحد أعظم المفكرين في التاريخ الإيطالي. قضى جرامشي سنوات طويلة داخل السجون الفاشية محاولًا تحليل آليات الاستغلال الاقتصادي، وتفسير سبب استقرار الأنظمة الاجتماعية رغم وجود هذا القدر من التفاوت والظلم. ومن هنا، طوّر جرامشي مفهوم “الهيمنة الثقافية”، الذي أصبح أحد أهم المفاهيم في الفكر السياسي الحديث. رأى جرامشي أن الطبقات الحاكمة لا تسيطر على المجتمع بالقوة فقط، ولكن أيضًا باستخدام أدوات تجعل تلك السيطرة أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. فالمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والفن لا تمثل في فكر جرامشي مجرد أدوات لنقل المعرفة والفكر فقط، بل تساهم في تشكيل القيم والأفكار التي تحدد ما يُفترض أن يعتبره الناس طبيعيًا وبديهيًا.
ومن هذا المنطلق، يمكننا قراءة ما يحدث في إيطاليا كصراع على الهيمنة. فالصراع ليس حول ما يضاف أو يُحذف من المناهج فقط، بل حول من يمتلك القدرة على تحديد الأفكار التي تُمرَّر إلى الأجيال الجديدة، ومن يمتلك القدرة على تحديد هوية جيل بأكمله.
في أثناء محاكمته عام 1928 تحت حكم نظام موسوليني، صرح المدعي العام في قضية جرامشي: “يتعين علينا أن نمنع هذا الدماغ من العمل لمدة عشرين عامًا”. والآن، وبعد قرابة قرن من تلك المحاكمة، يسعى اليمين الإيطالي، في محاولة يائسة، إلى تقليص وحذف جرامشي من المناهج في إيطاليا، محققًا نبوءة جرامشي ذاته حين قال إن التعليم أحد الوسائل التي تستخدمها الأنظمة لفرض هيمنتها الثقافية على المجتمع وتمرير سردياتها.
اليمين الأوروبي: من السياسة إلى الثقافة
منذ وصول حكومة جورجيا ميلوني في 2022، لم يقتصر مشروعها على إدارة الدولة من خلال برنامج اقتصادي معين فقط، بل كانت وما زالت تسعى إلى إعادة تشكيل المجال الثقافي نفسه بوصفه ساحة صراع مركزية على السلطة والهوية. منذ صعود اليمين المحافظ والقومي إلى الحكم، برز خطاب متكرر حول ضرورة استعادة الدولة مما وصفوه بـ”الهيمنة اليسارية”، واستبدالها بـ”هيمنة الفكر المحافظ والقومي”. وهم يحاولون تنفيذ ذلك من خلال اعتلاء المناصب العليا في المؤسسات الثقافية، وإدخال نهج في تدريس الفلسفة يتعارض مع “الفكر العقلاني المادي الماركسي في العالم الحديث”، كما وصفه جورجيو سيزارال.
لا تقتصر هذه الظاهرة على إيطاليا فقط. ففي السنوات الأخيرة، شهدت عدة دول أوروبية، مثل المجر وبولندا، محاولات لإعادة تعزيز الهوية القومية والمحافظة، وغالبًا ما رافق ذلك اهتمام متزايد بالسيطرة على المؤسسات التعليمية والثقافية. غير أن الحالة الإيطالية أكثر خصوصية بسبب حضور التراث الجرامشي، إلى جانب صعود الفاشية وسقوطها، مما يجعل أي إعادة لتشكيل المجال الثقافي تبدو محملة بدلالات تاريخية وسياسية أكثر حدة من غيرها من الدول الأوروبية.
إن الخطر في ذلك المشروع ليس فقط في الحذف أو الإضافة إلى المناهج، ولكنه يتمثل في طريقة التفكير في المجتمع والتاريخ والسلطة.
لا يمكننا النظر هنا إلى هذا التغيير في المناهج على أنه مجرد تعديل أو خلاف أكاديمي، أو إضافة فلاسفة مقابل حذف فلاسفة آخرين. فإذا أردنا أن نفهم حقيقة تلك التعديلات، ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق هي سؤال: كيف ستفيد تلك التعديلات الأنظمة اليمينية؟
الدولة في المجتمعات الرأسمالية لا تعمل فقط من خلال أدوات القمع المباشر، ولكن من خلال مؤسسات إنتاج الوعي. تلك المؤسسات تحتاج، لفرض هيمنتها دائمًا، إلى إنتاج “حس مشترك” جديد يجعل أفكار الدولة تبدو طبيعية ومقبولة وبديهية في نظر المجتمع؛ تلك الأفكار التي تترسخ داخلنا منذ الولادة حول أنانية البشر بالضرورة، وطبيعية العنصرية، والحاجة الدائمة إلى رئيس، وأن الاستغلال جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي. وبذلك يرى جرامشي أن الحس المشترك هو ذلك الخليط من العادات والتقاليد التي نكتسبها من محيطنا بلا وعي، ترسانة البديهيات التي تزرعها الطبقات الحاكمة في عقول الجماهير. وعن طريق ذلك الحس، تستطيع السلطة بناء توافق اجتماعي يجعل رؤية الطبقات المهيمنة للعالم هي الحقيقة الوحيدة الممكنة، فتصبح سردية تلك الطبقات للتاريخ هي الرؤية الوحيدة التي يمكن الاعتداد بها. على سبيل المثال، جاءت التعديلات بقراءات مختلفة لبعض الأحداث التاريخية؛ فوصفت التعديلات الجديدة الثورة الروسية بـ”انقلاب نوفمبر 1917″، ووصفت أحداث صعود موسوليني بأنها ناتجة عن المهارة التكتيكية والتحالف البرلماني. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحذف فلاسفة، ولكنه امتد ليصل إلى تزوير بعض الأحداث التاريخية، لتصوير ثورة بقدر الثورة الروسية، وما قادته الطبقة العاملة الروسية من نضال مع البلاشفة، على أنها “انقلاب”، وتصوير فاشي مثل موسوليني على أنه عسكري ماهر يتمتع بعقل تكتيكي ينبغي دراسته.
يخشى اليمين الأوروبي ظهور جيل أكثر وعيًا وتنظيمًا، جيل يمتلك وعيًا أكبر بموقعه الطبقي وبالآليات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل حياته اليومية. لذلك ينظر اليمين بعين التهديد إلى المناهج التي تشجع على التحليل الاجتماعي والنقد التاريخي.
المقاومة كسلاح مستمر
لم تمر تلك التعديلات من دون مقاومة. فبعد صدورها، وقّع 60 فيلسوفًا عريضة مفتوحة للاعتراض عليها، وحصدت أكثر من 14 ألف توقيع مؤيد عبر الإنترنت. (3) جاءت تلك الاعتراضات باعتبارها دفاعًا عن استقلالية المعرفة وعن حق الطلاب في التعرف على مختلف القراءات والفلسفات، بما فيها تلك التي تفكك المجتمع الرأسمالي وعلاقات السلطة. يدافع المعارضون لتلك التعديلات عن حق الطلاب في امتلاك “حس سليم”، وعن وعي قادر على امتلاك عقل نقدي حقيقي؛ حس قادر على تجاوز بديهيات الأنظمة واكتشاف التناقضات الكامنة خلفها.
إن الصراع على مناهج الفلسفة في إيطاليا ليس صراعًا حول الماضي الفكري والفلسفي للبلاد، ولكنه صراع حول المستقبل، ونوعية المواطنين الذين تريد الحكومة اليمينية صناعتهم، ونوع الوعي الذي يمكن أن ينشأ داخل المجتمع.
#محمد_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟