أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عدي مروان ورده - اغتيال الكفاءة: ثأر الرجل العادي















المزيد.....

اغتيال الكفاءة: ثأر الرجل العادي


عدي مروان ورده

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 22:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


قد تحدث الكارثة ولكن ليس الآن، ربما كان هذا شعور معظم الناس قبل يومٍ واحد من بدء الحرب العالمية الثانية، ولكن العقل البشري لا يقرّ من أجل حماية نفسه، بإمكانية وقوع الكارثة آنيًا.
مع نهاية عام 2010 كانت أيضًا بداية نهاية عالم الفرص والمساواة، والأخطر هو انهيار معيار الكفاءة وبداية الدخول نحو عالم الفوضى والتفاوت الطبقي وشح الفرص وتحييد الكفاءة، وهذا الأمر دخل في بنية الاقتصاد والسياسة والتعليم وأصبح من الصعب بمكان عكسه. وفي هذا السياق قال المؤرخ العالمي يوفال حراري إن واقع المجتمعات الاقتصادي والسياسي، بات في بنيته الكثير من العشوائية، لدرجة أنه من الصعب التنبؤ بالمستقبل حتى لبعد عشر سنوات، ولكن في هذا المقال سنسبح بعكس التيار وسنحاول رسم ملامح المرحلة المقبلة بناءً على العوامل التي بدأت تنخر في بنية النظام العالمي منذ عام 2010 وما بني فوق ذلك وإلى أين يتجه هذا كله.
الميزة نفسها التي جعلت القرن العشرين هو عصر الكفاءة والفرص والصعود الطبقي هي نفسها التي ستكون مدخلًا للعوامل التي ستخلق بنية للفوضى لاحقًا. أهم ميزة في القرن العشرين كانت هي كسر التراتبية الطبقية وهرم القوة وطبعًا ديناميكية هذه الميزة أقوى في الدول الديمقراطية، لأنها خلقت إمكانية لتغيير هرم السلطة بشكل دائم، يعني تخيل لو كنت مهاجرًا من قرية نائية، فإنه بإمكانك أن تصبح نائبًا في البرلمان في إحدى الدول المتقدمة، إذا تحصلت على الكفاءة اللازمة، وهذا التنقل بين الطبقات على المستوى الاقتصادي أو السياسي، كان يعتبر ضربًا من ضروب المستحيل في القرن التاسع عشر وما قبله، حيث كان المسار شبه المحتوم إذا كنت ابن طبقة فلاحية، أنك لن تغادر قريتك وستبقى فلاحًا طول حياتك، من دون أن تفكر حتى باحتمالية وجود مسار آخر، ولكن البنية التحتية للقرن العشرين، المتمثلة في انتشار التعليم، وثورة وسائل النقل، وانتشار قطاعات عمل جديدة، أوجدت احتمالات أمام الفرد العادي لكي لا يبقى أسير مصيره.
شغف الإنسان العادي هذا للتخلص من مصيره والخروج من الطبقة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتمي لها أسرته، مع تقنيات أمّنت ذلك، هي التي كانت مدخلًا لهذه الفوضى.
قبل عام 2010 كان المجال العام محاطًا بأسوار إسمنتية صلبة، ولا تستطيع أن تصبح شخصًا مؤثرًا ومشهورًا إلا إذا كنت تملك أعمالًا إبداعية استثنائية سواء في الرسم أو التمثيل أو الكتابة أو التأليف الموسيقي أو حتى في الحقل الأكاديمي أو العلمي، مترافقة مع إنجازات متفردة وتفرض نفسها على المجال العام، ولكن ثورة وسائل التواصل الاجتماعي حطمت هذه الأسوار وهذه الأسوار ببساطة هي معيار الكفاءة، وبالتالي تغير المجال العام بشكل جذري وبنيوي، وأصبح مشاعًا للجميع بعد أن كان حصنًا لأصحاب الكفاءة أو على نحو أدق حتى ممن استطاع الوصول منهم.
وبالتالي انفصل التفرد في القدرات عن المكافأة العملية والاجتماعية المتمثلة بالشهرة والحضور والتقدير في المجال العام، وأصبح الإنسان العادي يرغب بشكل متزايد في إلغاء عامل المؤهلات، وظهر ذلك في ذروة توسع الأفكار الليبرالية بالمعنى الشعبي الساذج وليس بالمعنى التنويري والحقوقي والحداثي، التي تزرع فكرة أن كل شخص مبدع وكل شخص متفرد من دون تحقق العمل الدال على تلك الصفة، وباختصار أعطت التكنولوجيا الشخص العادي أدوات الثأر من معيار الكفاءة.
وقد اكتمل هذا الثأر مع سقوط آخر حصون الكفاءة وهي اللغة مع انتشار مولدات النصوص باستخدام الذكاء الصناعي مثل ChatGPT وGemini AI، حيث وفروا ببساطة للأفكار الخاطئة والمفاهيم السطحية أرضية لغوية، والتحايل على الكفاءة لم يقتصر على مرحلة الذكاء الصناعي والتواصل الاجتماعي، فمنذ بداية القرن الواحد والعشرين ازداد بشكل ملحوظ إمكانية تحصيل أي درجة أكاديمية على الأخص الفروع التي كانت محرمة على الطلاب ذات العلامات المتدنية مقابل المال كالطب والهندسات بفروعها المختلفة.
قتل الكفاءة وتحييد المؤهلات بحجة فتح المجال والفرص أمام الجميع والإيمان الأعمى بالمساواة كنتيجة تفسير طوباوي وشعبي لفكرة الليبرالية، يراكم ممارسات ونتائج خاطئة على مستوى السياسة والاقتصاد والطب والتعليم والذوق العام وحتى التفكير الجمعي للشعوب، فعلى سبيل المثال وصول شخصية شعبوية مثل ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، وتهاون خوارزميات السوشيال ميديا مع الخطاب المتطرف، والتطبيع مع الأفكار المتطرفة على مستوى العالم، وازدياد الفساد المؤسسي وازدياد رقعة الحروب والعنف، وانخفاض جودة الإنتاج الفني، كل هذا المسار سيؤدي إن لم يكن إلى انهيار كبير في النظام الدولي فعلى الأقل سيؤدي إلى فوضى ستخلف أزمات عميقة للغاية على مستوى العالم.
الأمر الأخطر أن البنية التي أشعلت الحربين العالميتين الأولى والثانية تتكرر نفسها الآن، وهي أن تطور أدوات تكنولوجية ثورية كالذكاء الصناعي وثورة الاتصالات التي تغير في البنية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية على المستوى الدولي بشكل مخيف بتسارعه من دون وجود سياسات وبنية قانونية تواكب هذا التغير في هذه القطاعات المختلفة أو تضبطه، أو تتحكم في توجهه.
وهذا ما حصل بداية القرن العشرين حين تطورت قدرات الدول العسكرية بسبب التقنيات الجديدة آنذاك من دون وجود قوانين دولية تضبط العلاقة بين الدول أو تحظر استخدام السلاح النووي، ولم تتطور تلك القوانين الدولية إلا بعد المرور بتلك الكارثتين، وهذا لا يعني أن هذا السيناريو الكارثي للحربين العالميتين قد يتكرر بالضرورة، ولكن المسارات الحالية للوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وتأثيراتها على تشكيل الوعي العام للشعوب تشير بأننا نسير بخطى ثابتة نحو الفوضى، ومظاهرها واضحة تبدأ بالفوضى الأخلاقية، فهناك شبه غياب لتحديد ما هو مقبول أخلاقيًا أم غير مقبول، وصولًا إلى ازدياد وتيرة العنف بين الدول وانخفاض شبه متدرج للدبلوماسية الدولية بشكل ملحوظ منذ عام 2020 كما في الحرب الإيرانية الإسرائيلية والروسية الأوكرانية، والانقسام الدولي حولهما، إلى جانب تساهل جمعي مع الخطابات المتطرفة حتى في المجال العام، الذي كان محظورًا عليه هذا النوع من الخطابات.
هذا التهاون مع انحدار المعايير العقلانية مقابل التطبيع مع التطرف، مدعوم باقتصاد وتكنولوجيا تؤمّن له أرضية لغوية مقنعة وجذابة في الشكل وفارغة في المضمون، ويترافق هذا كله مع ازدياد معدلات الفقر والبطالة والفوارق الطبقية على مستوى العالم، وبالطبع فإن كل هذه المسارات تشكل أرضية صلبة لخلق فوضى عالمية، لا نعلم حتى اللحظة ما هو شكل الأزمة التي ستتجلى بها.



#عدي_مروان_ورده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطاب الليبرالي العربي: مزيدٌ من الإسهام في الوهم أم قراءة ...
- لماذا الأسد وليس لوكاشينكو؟
- المستقبل المعكوس: تحوّلات الانفتاح والبراغماتية
- حوار الحضارات ونهاية الحقبة الإبراهيمية
- الحقيقة الفارغة
- الثورة السورية والعولمة (السلم المنهار)
- المستقبل في مخبز الغيب سوريا و العقد القادم
- الطقوس مقابل الدولة
- عنف بلا شكل - بحث في مسألة العقوبات من الحوار الإسلامي العلم ...
- هرم الإرهاب
- الاصطفاف الضائع


المزيد.....




- ريابكوف: الحوار الروسي الأمريكي يواجه حالة جمود والتقدم مرهو ...
- -أحبك إلى الأبد-.. أرملة نجم ليفربول ديوغو جوتا تستذكره بمق ...
- ريابكوف: الولايات المتحدة تبتعد عن تفاهمات أنكوريدج حول تسوي ...
- وسائل إعلام: مسؤولون في -مجلس السلام- سيجتمعون في قبرص الأسب ...
- كيم جونغ أون يؤكد تقدم برنامج تسليح البحرية الكورية الشمالية ...
- ريابكوف: مواجهة مباشرة مع الغرب ستقود إلى عواقب كارثية وروسي ...
- الجيش الأمريكي يخطط لإنشاء مواقع تدريب تحاكي ظروف القتال في ...
- ريابكوف: موسكو كانت على اطلاع على مفاوضات طهران وواشنطن وتوا ...
- رئيس -اللجنة المركزية- في إسرائيل: تأجيل الانتخابات في حالات ...
- ريابكوف: ثمة تقدم في مسألة إصدار التأشيرات الأمريكية للدبلوم ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عدي مروان ورده - اغتيال الكفاءة: ثأر الرجل العادي