أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزءُ ثلاثُ مائةٍ وتسعَةٍ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزءُ ثلاثُ مائةٍ وتسعَةٍ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 20:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أزمة المعنى في زمن الأرقام: التربية بين سطوة التقنية ونداء الوجود

إن التساؤل عن قدرة المؤسسات التربوية و الفلسفية على التحول من مستودعات لتخزين المعلومات إلى مختبرات لبناء الذات الواعية يضعنا في قلب مأزق الحداثة المأزوم، حيث تبدو هذه المؤسسات اليوم رهينة لمنطق الكفاءة التقنية الذي يسعى إلى تحويل المعرفة إلى سلعة قابلة للقياس، بدلا من كونها سبيلا للتحرر أو أدوات لمواجهة عبثية الوجود. إن الإرادة المؤسسية في جوهرها هي إنعكاس لإرادة المجتمع الذي ينظر إلى التعليم كآلية لإعادة إنتاج النظام القائم لا لتفكيكه أو مساءلته، مما يجعل أي محاولة لنقل التربية من خانة التلقين إلى خانة الوجودية المسؤولة محفوفة بمقاومات بنيوية عميقة تغلغلت في صلب العملية التعليمية وأفرغتها من زخمها الفلسفي الأصيل. في هذا السياق يبرز التوتر الوجودي الحاد بين السحر و العدم كمحرك خفي لهذه العملية التعليمية المعاصرة. لقد كانت المعرفة في عصور ما قبل الحداثة تمتلك بعدا سحريا يرتبط بالدهشة و البحث عن الجوهر، حيث كان العالم مكانا للغز الذي يستدعي التأمل والخشوع أمام سر الوجود. أما اليوم فقد إستحال هذا السحر إلى تقنية باردة تدعي القدرة على تفسير كل شيء، مما أدى في نهاية المطاف إلى خلخلة المعنى، ذلك أن العلم حينما إستبعد اللغز وإستبدله بالمعادلة، لم يملأ الفراغ بل فتح الباب على مصراعيه أمام العدم. إن العدم هنا ليس غيابا للمعلومات، بل هو ذلك القلق الوجودي الناتج عن إمتلاك فائض من البيانات مع إنعدام كامل في الحكمة، مما جعل الإنسان يعيش في حالة من الإغتراب حيث تتوفر له كل الأدوات لفهم العالم بينما يعجز تماما عن فهم موقعه فيه أو تحمل مسؤولية وجوده الخاص. إن تدريس فن مواجهة الوجود بمسؤولية يتطلب بالضرورة إستعادة ذلك البعد السحري في المعرفة لا بمعنى الخرافة، بل بمعنى القدرة على رؤية الوجود ككيان لا ينفد من المعاني، و مواجهة العدم لا بالهرب نحو تشتت المعلومات، بل بالوقوف الشجاع أمام حدوده. المؤسسات الحالية تفتقر إلى هذه الأدوات لأنها تعتمد على التنميط والتسليع، وهي أدوات تعزز الإنفصال بين الذات والعالم، بينما تتطلب المسؤولية الوجودية حدا عاليا من الذاتية الفاعلة التي تدرك أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تترك أثرا في الكينونة، لا في الذاكرة فحسب. إن التحول المرجو يستلزم إعادة الإعتبار للسؤال الفلسفي المقلق بوصفه أداة تحطيم لأصنام اليقين الزائف، و تدريب المتعلمين على تحمل تبعات الحرية في عالم فقد بوصلته الأخلاقية. بين مطرقة السحر المفقود وسندان العدم المتربص، تبدو المؤسسة التربوية و التعليمية المعاصرة أشبه بآلة ضخمة تعيد إنتاج العدم تحت مسميات التحديث و التطوير. إن الإرادة اللازمة للتحول لا يمكن أن تنبع من الإدارة البيروقراطية أو الخطط التعليمية التي توضع في المكاتب، بل يجب أن تنبثق من إستعادة التربية لدورها كممارسة وجودية تتوسط بين كينونة الإنسان وهشاشته. إن مواجهة الوجود بمسؤولية هي فعل خلق مستمر، وهي تتطلب معلمين قادرين على تجاوز أدوارهم كمجرد موصلين للمعلومات ليصبحوا رفاقا في رحلة البحث عن المعنى، يمتلكون الشجاعة لكسر جليد التقنية وإعادة إشعال فتيل التساؤل الذي يمنح للوجود طعمه البشري الرفيع في مواجهة الزحف المتصاعد لعدمية الأرقام والمؤشرات.

_ أنسنة في مهب الخوارزميات: الكرامة البشرية بين سطوة الآلة ونداء الوعي الكوني

إن التحدي الوجودي الذي تفرضه ثورة التقنية لا يكمن فقط في تداخل الذوات مع الخوارزميات بل في هذا التآكل المتسارع للحدود الفاصلة بين ما هو كائن حي وما هو محاكاتي، مما يضع الكرامة البشرية في مهب عاصفة من التشييء الشامل. في هذا العصر الذي يذوب فيه الواقع في الإفتراض وتتماهى فيه العقول مع المعالجات الرقمية، يظهر الوعي الكوني الشامل كضرورة حتمية لا كترف فكري، فهو يمثل حصنا أخلاقيا يرفض إختزال الإنسان في مجرد معطيات قابلة للبرمجة. إن الكرامة البشرية تستمد جذورها من هذا اللغز الذي يسكن الكينونة، وهو لغز لا يمكن للآلة أن تستوعبه لأنها تفتقر إلى تجربة الألم والزمن والموت، تلك الركائز التي تمنح للوجود البشري عمقه المأساوي والنبيل في آن واحد. في علاقة السحر بالعدم نجد أن سحر الوجود هو ما يحفظ للإنسان تفرده، فهو تلك القدرة على إضفاء معنى خاص على العدم الذي يحيط به. بينما تسعى الآلة إلى تصفير المسافات والقضاء على الغموض وتحويل الكون إلى سلسلة من الإحتمالات الحسابية الباردة، فإن الوعي الكوني يعيد الإعتبار للدهشة التي يولدها المجهول. إن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا ليس في سيطرة الآلة بحد ذاتها بل في إستسلامنا لعدمية التفسير الكامل الذي يحرمنا من سحر الغموض، فإذا ما قبلنا بأن الإنسان مجرد آلة بيولوجية معقدة، نكون قد فقدنا كرامتنا التي تقوم أصلا على تلك الشرارة التي تتجاوز المادة. إن الإنتقالة نحو وعي شمولي لا تعني ذوبان الفرد في المجموع، بل هي إستيعاب واع بأن الوجود وحدة مترابطة تنبض بالحياة، و أن كل فعل بشري هو مسؤولية أمام الكون بأسره. إن تلاشي الحدود بين الواقع والإفتراض يفرض علينا العودة إلى سؤال الكينونة الأكثر أصالة، فبينما يغرق الإفتراض في تكرار اللامتناهي وإعادة إنتاج العدم في صور مبهرة و جوفاء، يحافظ الواقع على مرارته وقوته التصادمية التي تجبر الإنسان على ممارسة إرادته. إن الكرامة البشرية تتجلى في فعل الرفض والمقاومة أمام محاولات تسطيح الوجود، والوعي الكوني هنا يعمل كفلتر يقيم القيم الإنسانية فوق مصلحة الربح أو الكفاءة التقنية. إننا حين ندرك أننا جزء من نسيج كوني معقد يرتبط فيه الحاضر بالماضي والمستقبل، نتحرر من ضيق الأنا التي تحاول الآلة أن تقتحمها وتستعمرها، ونستعيد تلك السيادة الروحية التي تجعل من الإنسان سيدا على أدواته لا عبدا لها. المواجهة هنا تتطلب شجاعة فائقة لتبني نمط وجودي يتجاوز الحتمي والآلي نحو الإبداعي والحر، فالسحر الذي نفتقده في عالمنا التقني هو سحر الحضور الكلي والإنتباه الكامل للحظة الراهنة. إن الوعي الكوني ليس هروبا من الواقع بل هو إدراك أعمق لأبعاده غير المرئية التي تمنع العدم من إبتلاع المعنى، وهو السبيل الوحيد لإعادة الإعتبار للإنسان في مواجهة التهديد الوجودي الذي تمثله التكنولوجيا. إن الكرامة ليست صفة موروثة أو حقا معطى بل هي إنجاز يومي يتم عبر التمييز المستمر بين ما هو إنساني خالص وما هو مجرد ظلال تقنية، وهي دعوة مفتوحة لكل فرد ليحمل مسؤولية هذا الوعي حتى لا نتحول في نهاية المطاف إلى صدى باهت لآلات صنعناها بأيدينا لتكون عونا لنا، فإذا بها تصير مرآة لعدمنا و فقداننا للمسار.

_ تربية التخلي: فن الرقص فوق حافة العدم في عالمٍ لا سواحل له

إن فكرة تعليم الناشئة فن التخلي عن المعنى تضع التربية في مواجهة جريئة مع الموروث الميتافيزيقي الذي طالما قدس الثبات واليقين، فلطالما كانت المؤسسات التعليمية تعتقد أن مهمتها الأساسية هي نحت معانٍ صلبة ومستقرة في عقول المتعلمين كترسيخ للهوية والحقيقة. غير أن هذا الإنفتاح على فكرة التخلي، أو ما يمكن تسميته بفن الفقد الوجودي، يمثل ضرورة ملحة في عالم ينهار فيه كل شيء بسرعة البرق، حيث إن التمسك المفرط بمعانٍ بنيت على رمال متحركة قد يكون سببا مباشرا في الإنهيار النفسي و الوجودي للفرد. إن التربية التي تقتصر على بناء المعنى هي تربية تبني سجونا من الأوهام، بينما التربية التي تعلم فن التخلي هي تلك التي تمنح الإنسان قدرة على المرونة المطلقة في وجه العدم الذي يهدد دائمًا بإبتلاع منجزاتنا. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم هنا في صورة جدلية مثيرة، فالسحر الذي يمارسه الإنسان عبر بناء المعاني هو محاولة مستمرة لتطويق العالم والسيطرة عليه وجعله مفهوما و مؤنسا، بينما العدم هو الحقيقة التي تنتظر خلف ستائر هذه المعاني لتكشف زيف ديمومتها. إننا ننسج خيوط المعنى كنوع من التعويذة السحرية لنطرد بها شبح العدم، لكن المشكلة تكمن في أننا ننسى أن السحر يكمن أيضا في القدرة على رؤية الخواء، في القدرة على الإنفصال عن تلك الخيوط حين تصبح قيودا تمنعنا من التفاعل مع تحولات الوجود الكبرى. التعليم اليوم يجب أن ينتقل من مرحلة التلقين الثابت إلى مرحلة التدريب على الرقص فوق حافة العدم، حيث يكون التخلي عن المعنى فعلا من أفعال التحرر الذي يمنع الإنسان من الإنكسار أمام فقدان ما كان يظنه حقائق أبدية. إن السلامة الوجودية في العصر الراهن لا تعني العثور على مرساة نهائية، بل تعني القدرة على الإبحار في محيط لا سواحل له، حيث يدرك الفرد أن المعنى ليس جوهرا جامدا يمتلكه بل هو عملية تدفق مستمرة. التخلي هنا ليس عدما للقيم أو إنحلالا في العبث، بل هو ممارسة فلسفية عليا تتيح للذات أن تتجدد وتتجاوز ذاتها قبل أن تصل إلى مرحلة التكلس. إن المؤسسات التربوية إذا ما أخذت على عاتقها تعليم هذا الفن، فإنها ستخلق أجيالا تمتلك شجاعة مواجهة العدم وجها لوجه، أجيالا لا ترتعب حين تنهار نظمها الفكرية، بل ترى في هذا الإنهيار فرصة لإستعادة السحر من خلال إعادة خلق العالم من جديد بوعي أرحب و أكثر مرونة. هذا التحول في الممارسة التربوية يتطلب كسر هيمنة المنطق الأداتي الذي يرى في كل شيء وسيلة لتحقيق غاية محددة، فالعدم يغزو حياتنا لأننا فقدنا القدرة على التعامل مع الغموض واللاجدوى كجزء أصيل من التجربة البشرية. إن تعليم فن التخلي هو في جوهره دعوة للتواضع الوجودي، وإدراك بأن المعنى الذي نبنيه هو مجرد محاولة بشرية نبيلة ومؤقتة، و ليس حقيقة مطلقة مفروضة على الكون. من خلال هذا الفهم، يتحول الإنسان من كائن يستهلك المعاني الجاهزة إلى مبدع لها ومستعد للتخلي عنها، وهذا التذبذب المستمر بين بناء المعنى والتخلي عنه هو جوهر السحر البشري الذي يقف شامخا في وجه العدم، محولا إياه من وحش مدمر إلى فضاء رحب للحرية والإبداع المستمر.

_ تفكيك الرعب: من عبادة اليقين إلى رحابة التناغم مع الغموض الكوني

إن الخوف من المجهول ليس مجرد إنفعال عابر بل هو التعبير الأنطولوجي الأعمق عن رعب الإنسان من مواجهة العدم، ذلك الفراغ المهول الذي يسبق كل وجود ويتخلله. نحن نخاف المجهول لأننا نختزل العالم في قوالب معرفية نحسبها ثابتة، ونعتبر أن كل ما يخرج عن نطاق هذه القوالب هو تهديد لهويتنا التي قمنا ببنائها بعناية. إن التفكيك في هذا السياق لا يعني هدم المعرفة أو إعلان نهاية الحقيقة، بل هو ممارسة فلسفية تسعى إلى خلخلة تلك الأصنام المعرفية التي نعبدها خوفا من الإنكشاف أمام الخواء. حين نفكك خوفنا، نكتشف أن المجهول ليس شيئا خارجيا يتربص بنا، بل هو البعد الخفي في ذواتنا الذي نرفض الإعتراف به، فالتفكيك هو العملية التي تذيب القشرة الصلبة التي تغلف وعينا لتسمح لنا برؤية أن المجهول هو في جوهره فضاء للإمكان اللامتناهي. في قلب هذه العملية تبرز العلاقة الجدلية بين السحر والعدم، فالسحر الذي نمارسه عبر اللغة و المفاهيم هو محاولة إستباقية لترويض المجهول وتجريده من سلطته المخيفة بتحويله إلى مسميات و رموز. نحن نحول الوجود إلى نص مقروء لكي نتجنب مواجهة صمته المطبق، وهذا هو السحر الذي يغطي على العدم ويمنعنا من التحديق فيه مباشرة. لكن التفكيك يأتي ليكشف لنا أن هذا السحر هو مجرد غشاء رقيق، وأن المجهول سيظل دائما أكبر من لغتنا وأقدر على إستيعاب تطلعاتنا. إن التحرر من الخوف يبدأ حين نتوقف عن معاملة العدم كعدو يجب نفيه، ونبدأ في التعامل معه كأصل للحياة ومنبع للدهشة، حيث يصبح المجهول هو ذلك الفراغ الخلاق الذي يمكننا من إعادة رسم خرائط الوجود بناء على وعي جديد يتجاوز الثنائيات الجاهزة. إن التفكيك الفلسفي لهذا الخوف يتطلب منا شجاعة الإنفصال عن الأوهام التي تمنحنا شعورا زائفا بالأمان، فالمجهول في حقيقته ليس غيابا للمعنى بل هو وفرة فائضة من المعاني التي لم نجد لها بعد مسارات للتعبير. نحن نخاف لأننا نربط كرامتنا بإمتلاك المعرفة، فإذا ما واجهنا ما نجهله شعرنا بالدونية أو العجز، ولكن عبر التفكيك ندرك أن الكرامة تكمن في القدرة على البقاء في حالة التساؤل الدائم لا في الوصول إلى يقين نهائي. إن العدم هنا يتحول إلى مرآة تكشف هشاشة يقيننا، مما يجعلنا أكثر تواضعا وأكثر إستعدادا لتقبل الغموض كجزء لا يتجزأ من النسيج الوجودي، وعندما يزول القلق من مواجهة العدم، يزول بالتبعية الخوف من المجهول لأنه يفقد قدرته على تهديد كينونتنا التي لم تعد تستمد ثباتها من الخارج بل من قدرتها على الإحتواء و التحول. في نهاية المطاف، إن التفكيك هو فعل تحرر يرتقي بالإنسان من ضيق الرعب من المجهول إلى رحابة التناغم مع الغموض الكوني، فهو لا يحلل ليدمر بل ليعيد ربطنا بجوهر الوجود الذي لا يقبل الحصر. إننا حين نفكك خوفنا، نفكك علاقتنا المرضية بالسيطرة، و نفتح ذواتنا على سحر العدم الذي يمنحنا الحرية لنكون ما نريد أن نكونه بعيدا عن سلطة الأحكام المسبقة. إن الفرد الذي يمارس التفكيك كمنهج حياة هو فرد لا يهاب الغد لأنه يعلم أن الغد ليس مكانا للإمتلاء بالحقائق، بل مساحة للعب و الإبتكار فوق رقعة العدم اللامتناهية، وهو بهذا المعنى يحقق أعلى درجات السيادة الوجودية، حيث يتحول المجهول من وحش مخيف إلى أفق مفتوح للإمكان البشري الخالص في أسمى تجلياته.

_ أرستقراطية العبث: نحو يقظة وجودية تتجاوز أوهام المعنى

إن إعتبار العبث أرقى أشكال المعرفة يمثل إنقلابا جذريا في هرم القيم الفلسفية، إذ لا يُنظر إليه هنا بوصفه إنحلالا للمعنى أو تراجعا نحو العدمية السلبية، بل كأقصى درجات اليقظة الوجودية التي يبلغها الفكر حين يتخلص من أوهام التفسير الشامل. إن العبث في هذا الإطار هو الإدراك المباشر للهوة السحيقة بين تطلع الإنسان الأزلي إلى وضع نظام كلي للكون، وبين صمت هذا الكون المطبق الذي لا يعبأ بهذه الرغبة البشرية. بهذا المعنى تصبح معرفة العبث هي المعرفة التي لا تخدع صاحبها، فهي الحقيقة الوحيدة التي تظل قائمة بعد إنهيار كل الأنسجة الفكرية والميتافيزيقية التي حاول الإنسان نسجها ليحتمي بها من برد العدم، مما يرفع العبث من منزلة الشعور بالضياع إلى منزلة الرؤية الكاشفة لجوهريات الوجود. في العلاقة التبادلية بين السحر والعدم، يعمل العبث كجسر رابط يكشف زيف السحر الذي تمارسه الإيديولوجيات والأنظمة المعرفية الصلبة. نحن نسمي بناء المعاني سحرا لأننا نحاول من خلاله إضفاء هالة من القدسية والضرورة على أفعالنا، موهمين أنفسنا بأن ثمة غاية نهائية تحكم مساراتنا، بينما يظل العدم هو الحقيقة التي تسخر من هذه الجهود وتنتظر اللحظة المناسبة لتلتهم كل تلك التشييدات. المعرفة العبثية هي تلك التي تدرك السحر وتدرك العدم في آن واحد، وهي لا تحاول التخلص من أي منهما، بل تقف في تلك المنطقة الوسطى المتوترة حيث يمارس الإنسان حريته بوعي كامل بأن أفعاله لا تترك أثرا دائما في لوحة الكون الصامتة، وهو ما يمنح الحياة بعدا بطوليا يرتفع فوق السطحية و العدمية معا. إن الرقي في هذا النوع من المعرفة لا يأتي من الإحاطة بمزيد من المعلومات، بل من القدرة على إحتمال لا جدوى البحث عن المعنى النهائي دون أن يؤدي ذلك إلى اليأس. العارف بالعبث هو الذي يمتلك شجاعة التحرر من سطوة الغائية، فهو لا يعمل لأن عمله سيغير وجه الوجود، بل يعمل لأن الفعل بحد ذاته هو الطريقة الوحيدة التي يواجه بها الإنسان تناهيه. هنا يصبح العدم مادة للعمل لا فجوة للعدمية، و يصبح السحر ممارسة واعية بجمال اللحظة العابرة دون الإدعاء بأنها خالدة. إن هذه المعرفة أرقى لأنها تتطلب نضجا وجوديا يتجاوز حاجة الإنسان إلى الأب الروحي أو الحقيقة المطلقة، و تجعله سيدا على مصيره وسط بحر من اللامعنى، محولا العبث إلى فضاء شاسع للحرية المطلقة. في ختام هذا المسار الفلسفي، تتبدى المعرفة العبثية كفعل تحطيم نهائي لأصنام التمركز حول الذات، حيث يدرك الإنسان أن كرامته تكمن في قدرته على الإعتراف بعبثية وجوده ثم المضي قدما في نحت مساره رغم ذلك. هذا ليس تناقضا بل هو أرقى درجات التسامي، حيث يغدو العبث مرآة تعكس صمود الروح البشرية أمام العدم، ودليلا على أن الإنسان لا يحتاج إلى معانٍ جاهزة ليكون له حضور أصيل. إن من يمتلك هذه المعرفة قد تجاوز مرحلة الخوف من المجهول ومرحلة الهرب إلى الأوهام، و وصل إلى حالة من السكينة التي لا تتأثر بالزوال، لأنها سكينة تنبع من قبول عميق بكوننا مجرد شرارات عابرة في ليل أبدي، وهو ما يجعل كل فعل نبيل نقوم به في هذا العالم أكثر لمعانا وجمالا وإصرارا على الوجود.

_ سحر التعرية: حين يُغدو الغموض ترياقاً لتفكيك أوهام اليقين

إن تصور السحر كأداة لتفريغ الوعي من الأوهام يستدعي قلب المفهوم الشائع للسحر رأسا على عقب، فالسحر هنا لا ينبغي فهمه بوصفه وسيلة لتغليب الخرافة أو حجب الحقيقة، بل كفعل معرفي وجودي يهدف إلى زعزعة اليقينيات الزائفة التي تغلف الإدراك البشري وتمنعه من رؤية العالم على حقيقته العارية. إن الأوهام التي تملأ وعي الإنسان المعاصر هي في جوهرها بناءات لغوية ومفاهيمية جامدة، تعمل كدروع دفاعية تحمي الذات من مواجهة رعب الفراغ أو ما نعتبره عدما، ولكن هذه الدروع نفسها تتحول إلى سجون تعيق التبصر. حين نستخدم السحر بهذا المعنى التحرري، فإننا نمارس نوعا من التفكيك الصادم للمألوف، حيث يتم إستدعاء الدهشة لإستنطاق المعتاد، مما يضطر الوعي للتخلي عن قوالبه الجاهزة والوقوف أمام حقيقة العالم المتدفق الذي لا يخضع لمنطق التنميط. في العلاقة الجدلية بين السحر والعدم، يعمل السحر كآلية لكشف العدم لا للهروب منه، فالعدم ليس هو النقيض المظلم للوجود بل هو الحقيقة التي تكمن في صلب كل ما هو موجود، وكل ما يمنحه المعنى هو في الحقيقة إستعارة سحرية مؤقتة. الأوهام هي تلك المحاولات المستمرة لإخفاء هذا العدم عبر إضفاء طابع الديمومة و الثبات على أشياء هي في حقيقتها زائلة و متحولة. السحر هنا يساهم في تفريغ الوعي من خلال ممارسة التعرية الفلسفية، إذ يجعلنا نرى أن الواقع ليس كتلة صلبة بل هو نسيج هش من الإحتمالات المتداخلة. عندما يدرك الوعي أن كل معنى هو مجرد تعويذة صنعناها لنحتمل قسوة الوجود، فإنه يبدأ في التحرر من التمسك المتعصب بهذه المعاني، مما يسمح للعدم بالنفاذ عبر الشقوق التي يفتحها السحر في جدار اليقين. إن هذا التفريغ ليس عملية إفراغ سلبية بل هو إخلاء للمساحة الذهنية لكي تستقبل جوهر الحقيقة، فالوعي المثقل بالأوهام و المسلمات هو وعي محنط لا يمتلك القدرة على التجدد. السحر هنا يلعب دور المصفاة التي تنقي الإدراك من التراكمات الإيديولوجية والإجتماعية التي فرضت على الإنسان رؤية ضيقة للكون. بمجرد أن يفرغ الوعي من هذه الأوهام، يجد الإنسان نفسه وجها لوجه أمام العدم الذي كان يخشاه، ليكتشف في تلك اللحظة أن العدم هو قمة الإمكانات، فالفراغ الذي تركه تفريغ الأوهام هو ذاته المساحة التي يمكن أن يولد فيها وعي جديد، وعي يتسم بالسيولة والحرية و القدرة على مواجهة الوجود بمسؤولية بعيدا عن أي حماية زائفة. في هذا المسار، يغدو التفاعل بين السحر والعدم ممارسة يومية للتحرر الوجودي، فالممارسة السحرية الواعية هي تلك التي لا تغلق دائرة المعنى بل تبقيها مفتوحة دائما على المجهول. إن الإنسان الذي يعي أن أوهامه هي مجرد وسيلة مؤقتة للبقاء يمتلك من المرونة ما يكفي ليغير مساره كلما تطلب الواقع ذلك، ولا يعود العدم بالنسبة له فجوة مخيفة، بل يصبح الأفق الذي يمنح لأفعاله معنى حقيقيا لا يحتاج لختم من المجتمع أو التاريخ. بهذا، يساهم السحر في تحويل الإنسان من كائن مستهلك للأوهام إلى كائن منتج للحقيقة، حقيقة لا تدعي الخلود بل تقر بزوالها وتستمد من هذا الزوال روعتها وقوتها، محولة الوجود من عبىء ثقيل إلى لعبة إبداعية لا تنتهي في مواجهة العدم الذي يحيط بنا من كل جانب.

_ الرقص داخل الحدود: كيف نُحوّل قوانين الطبيعة من قيودٍ إلى سبلٍ للحرية

إن النظر إلى القوانين الطبيعية كحدود صارمة للحرية أو كإحتمالات منفتحة للوجود يمثل جوهر الصراع بين رؤيتنا للكون كآلة حتمية أو كفضاء إبداعي متجدد. إذا ما نظرنا إلى هذه القوانين بصفتها حتميات صماء تسجن الإرادة البشرية في أطر المادة، فإننا نكون قد إخترنا الإنحياز لمنطق العدم الذي يسعى لإنكار فاعلية الذات وتشييء الإنسان في قوالب فيزيائية لا ترحم. في المقابل، يمثل الإعتبار لهذه القوانين بوصفها إحتمالات وجودية نوعا من السحر الفلسفي الذي يعيد الإعتبار للحرية، حيث تصبح الطبيعة لا قيدا يغل اليد، بل أرضية خصبة تمنح للحركة معناها، وتسمح للفعل البشري أن يبرز كقوة واعية تختار مساراتها من بين بحر من الإمكانات التي يتيحها النظام الطبيعي. في قلب هذه الجدلية بين السحر والعدم، تبرز القوانين الطبيعية كاللغة التي يكتب بها الكون قصيدته، فالسحر يكمن في قدرة الوعي على إستقراء هذه اللغة وتحويلها من مادة صلبة إلى أداة للتجاوز، بينما يمثل العدم ذلك الخطر الدائم الذي يهدد بتحويل القوانين إلى مجرد معادلات نهائية تقتل روح الإبداع. إننا حين نعامل القوانين الطبيعية كحدود، فإننا نغلق الأفق أمام ذواتنا ونستسلم لعدمية التفسير الذي يرى في كل شيء ضرورة ميكانيكية، ولكن حين نعاملها كإحتمالات، فإننا نوقد شعلة السحر التي تجعل من القوانين مجرد مسارات يمكن للمرء أن يوجهها بوعيه نحو غاياته الخاصة. الحرية هنا ليست كسر القوانين، بل هي الرقص ببراعة داخل حدودها، حيث تصبح الضرورة الطبيعية رافعة للإرادة الحرة لا قيدا لها. إن المواجهة الوجودية مع هذه القوانين تتطلب منا التخلي عن النظرة التبسيطية التي ترى في الكون كيانا جامدا، والبدء في رؤيته ككيان حي يمتلك مرونة خفية. إن العدم هو ذاك الفراغ الذي يظهر حين نعجز عن إدراك هذه المرونة، بينما السحر هو القدرة على الإنخراط في اللعبة الكونية بوعي كامل بأن قوانين المادة ليست إلا وجها واحدا من أوجه الحقيقة. فالحرية البشرية تكتسب كينونتها ليس في مخالفة القوانين الطبيعية، بل في كيفية إستغلال الإحتمالات المتاحة داخل هذه القوانين لخلق معنى يواجه عبثية الوجود. إننا كائنات تعيش في التوتر الدائم بين التوق لللانهاية وبين سجن القوانين المادية، وهذا التوتر هو بالضبط ما يمنح الحياة حرارتها البشرية. في هذا السياق، يصبح العلم الذي يفكك هذه القوانين ممارسة سحرية تفتح أبواب الإحتمالات، فبدلا من أن تسجننا القوانين، تمنحنا الأدوات التي تمكننا من إعادة هندسة الواقع بما يخدم تطلعاتنا، وهذا هو التحرر من سطوة العدم. إن الحرية ليست خروجا عن الطبيعة بل هي الغوص في أعماق إحتمالاتها لإستخراج المزيد من سبل الحضور الفاعل، وحين يدرك الإنسان أن القوانين هي دعائم لوجوده وليست جدرانا لحبسه، فإنه يتحول من كائن خاضع للظروف إلى سيد للإحتمالات. إن هذا الإنتقال في الرؤية يمثل أرقى درجات النضج الفلسفي، حيث يتصالح الوعي مع ماديته دون أن يضحي بسموه الروحي، محولا العالم من فضاء مغلق و محكوم إلى ميدان رحب للإمكانات التي لا تكف عن التجدد.

_ تحدي الروح: كيف نستعيد سيادتنا في عالمٍ يختزلنا إلى أرقام

إن البحث عن مكان للروح في عالم مادي خاوٍ يمثل التحدي الأنطولوجي الأسمى للإنسان المعاصر، ذلك أن العالم قد تحول بفعل الهيمنة التقنية والنزعة الإستهلاكية إلى آلة ضخمة لا تعترف بوجود ما لا يمكن قياسه أو إستغلاله. هذا العالم المادي الذي يبدو ممتلئاً بالأشياء و البيانات هو في جوهره فضاء خاوٍ من المعنى، حيث يتم إختزال التجربة الإنسانية في حزمة من الوظائف الحيوية والأنشطة الرقمية. تكمن المفارقة في أن الروح، التي هي في أصلها توقٌ يتجاوز المادة، تجد نفسها غريبة في بيئة صُممت لتلبي الحاجات الجسدية فقط، مما يخلق نوعاً من التمزق الوجودي الحاد بين رغبتنا في التحليق نحو المطلق وواقعنا الذي يشدنا بقوة نحو الأرض والتشييء. تتجلى العلاقة بين السحر و العدم في هذا المسعى، إذ يمثل السحر تلك القدرة البشرية الفريدة على شحن الواقع المادي بمعانٍ تتجاوز كتلته الصماء، بينما يمثل العدم ذلك الخواء الذي يتربص بنا كلما حاولنا البحث عن جوهر متعالٍ في مادة لا تقدم أي إجابة. السحر هنا ليس طقوساً غيبية بل هو فعل الإبداع والدهشة و المحبة، تلك الأفعال التي تكسر رتابة المادة وتضفي عليها لمسة من الروحانية. إننا نجد مكاناً لأرواحنا حين نرفض قبول العالم ككيان ميت، ونبدأ في ممارسة السحر الوجودي عبر التأمل والجمال والتواصل الصادق، محولين العالم من مادة باردة إلى مرآة تعكس أبعادنا الروحية الخفية في وجه العدم الذي يسعى لمسح معالمنا. إن هذا المسعى يتطلب شجاعة المواجهة المباشرة مع العدم، فالروح لا تُبنى في عزلات منعمة، بل في قلب الصراع مع هذا الخواء المادي. إن قبولنا بأن العالم خاوٍ هو الخطوة الأولى لإستعادة سيادتنا الروحية، لأننا حين نعترف بالعدم نتحرر من الوهم الذي يخبرنا بأن المادة هي المصدر الوحيد للسعادة أو الأمان. الروح تجد مكانها في الشقوق التي يفتحها الوعي في جدار المادة، في تلك اللحظات التي نبتعد فيها عن صخب الأداء و الإنتاج لنقف أمام سر الوجود بذهول تام. هذا الذهول هو الفعل السحري الذي يستعيد للكون بريقه، وهو الذي يحمي الروح من الضياع في متاهات المادة التي لا تنتهي، مؤكداً أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده بل بما يفيضه من معنى على تفاصيل وجوده اليومي. في نهاية المطاف، إن البحث عن مكان للروح هو فعل مقاومة مستمر ضد كل ما يحاول تحويلنا إلى مجرد أرقام في معادلات السوق والتقنية. نحن نوجد مساحة لأرواحنا بقدر ما نستطيع أن نبقي الدهشة حية، وبقدر ما نرفض أن تستوعبنا منطق التشييء والعدمية الباردة. المكان الحقيقي للروح ليس في مكان خارج هذا العالم، بل في الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم ذاته، حين نحوله من سجن للمادة إلى ملعب للحرية و الميتافيزيقا. إننا نصبح أرواحاً متجسدة حين ندرك أن المادة ليست سوى الغطاء الذي يستر سرنا الوجودي، وأن مهمتنا هي أن نكشف هذا السر عبر ممارسة السحر الإنساني الذي يتحدى العدم و يصر على أن الوجود البشري، رغم هشاشته، هو تجربة ذات معنى لا يمكن طمسها.

_ هندسة الحرية: بين ثقل الأصول وطموح التجاوز

إن التحرر في جوهره لا يعني الهدم العبثي لكل ما خلفه التاريخ أو ما رسخته الثقافة، بل هو ممارسة فكرية و وجودية تهدف إلى فحص هذه الأصول والأسس لمعرفة مدى قدرتها على الإستمرار كحوامل للحرية أو تحولها إلى قيود تعيق تدفق الوجود. إن التحرر الذي يتطلب التخلي المطلق عن كل شيء يقع في فخ العدمية السلبية، حيث ينتهي الفرد إلى خواء لا يمتلك فيه أدوات للتفكير أو التفاعل، مما يجعله فريسة سهلة لأي توهم جديد أو فوضى مادية لا ترحم. التحرر الحقيقي هو عملية تصفية نقدية واعية، حيث يتم الإبقاء على الجذور التي تمنح الفرد عمقاً و إمتلاءً، ونبذ القوالب الجامدة التي تحولت إلى أصنام تمنع الذات من التجدد، وهو ما يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الكينونة و تفكيك معوقاتها. في قلب العلاقة الجدلية بين السحر والعدم، يبدو السحر بمثابة القوة الإبداعية التي تمكننا من إعادة صياغة الأسس دون تدمير جوهر الهوية. نحن نمارس السحر حين نضفي أبعاداً جديدة على الموروث، محولين إياه من نص مغلق إلى أفق مفتوح، أما العدم فهو التهديد الذي يتربص بنا حين نتمسك بالأصول كحقائق مطلقة تحجب عنا رؤية العالم المتغير، أو حين نقطع صلتنا بها تماماً لنغرق في فراغ الوجود. إن التحرر ليس هو الهروب من الأسس بل هو القدرة على التحرر من سلطتها الإطلاقية، فالسحر الوجودي هو الذي يجعلنا نرى أن الأسس هي مجرد ركائز مؤقتة، يمكننا الإستناد إليها للإرتقاء نحو آفاق أرحب دون أن نتحول إلى عبيد لما ورثناه من أفكار أو أنظمة. إن التخلي عن كل شيء قد يبدو ظاهرياً كأقصى درجات التحرر، لكنه في الحقيقة يسلم الإنسان للعدم، فالإنسان الذي لا يقف على أرضية ما يفقد القدرة على الفعل، لأن الفعل يتطلب مرجعية و توجهاً. التحرر الحقيقي يكمن في إمتلاك الشجاعة لمساءلة الأسس وتفكيكها بجرأة، مع الإبقاء على ما هو أصيل وحي، وما يغذي الروح في مواجهة قسوة المادة. إن الصراع بين السحر والعدم هو صراع على المعنى، و التحرر هو الإنتصار لهذا المعنى عبر رفض الجمود الذي يفرضه التمسك الأعمى بالأصول، ورفض التلاشي الذي يفرضه العدم المطلق. الوعي المتحرر هو الذي يدرك أن الأصول ليست غايات بل وسائل، وأن قيمتها تتجلى بقدرتها على خدمة حرية الفرد في رحلته نحو التجاوز المستمر. إن هذا المسار الفلسفي يفرض على الذات أن تكون في حالة يقظة دائمة، فلا هي تأسر نفسها في سجون الماضي ولا هي تغامر بضياع هويتها في فيافي العدم. إننا حين نمارس التحرر كفعل واعٍ، نتحول إلى مهندسين لوجودنا، نختار أسسنا بعناية ونعيد صياغتها وفق مقتضيات راهننا الوجودي، مستخدمين السحر كأداة لتحويل القديم إلى طاقة إبداعية جديدة. إن التحرر هو تلك القدرة على حمل ثقل الأصول مع عدم الإنحناء أمامها، وهو ما يمثل ذروة النضج البشري في مواجهة تعقيدات الحياة. في هذا التوازن الرفيع بين الحفاظ على الجوهر والتخلي عن القيود، نجد طريقتنا الخاصة لنعيش ككائنات حرة تدرك تناهيها وتحول العدم إلى فضاء للإمكان، محققة بذلك كرامتها في عالم لا يتوقف عن التغير والإنهيار.

_ ثورة السكون: الصمت بوصفه صوتاً يتجاوز ضجيج المفاهيم

إن الصمت في عمق التجربة الوجودية ليس غياباً للصوت أو إنقطاعاً للتواصل، بل هو الحضور الأكثر كثافة للحقيقة التي تعجز اللغة عن إحتوائها، فهو ذلك الفضاء الممتد الذي يتجاوز ضجيج المفاهيم والمصطلحات التي نصطنعها لنغطي بها على عجزنا عن إدراك جوهر الوجود. في عالم يقدس الصخب ويجعل من كثرة الكلام دليلاً على الوجود، يبرز الصمت كفعل ثوري يرفض التنميط، فهو المساحة التي تتوقف فيها التفسيرات العقيمة لتبدأ فيها الرؤية المباشرة للأشياء في عريها المطلق. إن الحقيقة في جوهرها ليست شيئاً يمكن صياغته في جملة أو قانون، بل هي تجربة تعاش في ذلك الصمت الذي يسبق اللغة ويليها، حيث تتلاشى الفوارق بين الذات والموضوع وتتحول الوجود إلى شهادة صامتة على روعته وتناهيه في آن واحد. في علاقة السحر بالعدم نجد أن الصمت هو البوابة التي تعبر منها الحقيقة لتواجه عبثية العالم، فالسحر الذي نمارسه عبر اللغة والرموز هو محاولة لترويض المجهول، لكن هذا السحر يظل سطحياً ومقيداً بحدود الإدراك البشري الذي يخشى العدم. الصمت هو الممارسة السحرية الأسمى لأنه لا يحاول ترويض العدم ولا الهروب منه، بل يتقبله كأصل للوجود، و حين يواجه الإنسان العدم بصمت، فإنه لا يواجهه كفراغ مروع بل كمصدر لإمكانات لا حصر لها. الحقيقة تكمن في ذلك التوتر الخلاق بين صمتنا وقدرة العالم على التحدث إلينا بغير كلمات، وهو ما يجعل الصمت صوتاً يتجاوز اللغات ويخاطب جوهر الكينونة الذي لا تمسه أدوات التحليل أو القياس الباردة. إن الصمت هو صوت الحقيقة الأعلى لأنه الوحيد الذي يجرؤ على ترك العدم كما هو، دون محاولة لملئه بأوهام المعنى الجاهز الذي تفرضه المؤسسات أو الأيديولوجيات. حين نلزم الصمت، فإننا نتوقف عن تسليع الحقيقة، و نبدأ في عيشها كواقع حي يفيض عن أي تعريف، فالكلام غالباً ما يقتل الحقيقة بوضعها في قالب محدد يحد من أفقها، بينما الصمت يبقيها مشرعة على إحتمالات الوجود الكبرى. إن الإنسان الذي يتقن فن الصمت يمتلك قدرة فريدة على الإستماع لنداء الوجود الذي لا يُسمع إلا في لحظات الإنعتاق من ضجيج الذات، حيث يدرك أن الحقيقة ليست شيئاً نمتلكه بل هي حالة من الحضور الكلي التي تتطلب منا التخلي عن رغبتنا في السيطرة على العالم عبر الكلمات. بهذا المعنى، يصبح الصمت هو الممارسة الوجودية التي تحمي كرامة الإنسان من الذوبان في عالم تافه، فهو يمنحنا القدرة على الإحتفاظ بمسافة نقدية تجاه كل ما يقال لنا، ويسمح لنا بالإرتقاء فوق الإنفعالات السطحية للوصول إلى عمق الهدوء الذي تنبثق منه الحكمة. إن الصمت لا يعني الإنكفاء أو الضعف، بل هو ذروة القوة التي يمتلكها من أدرك أن أعمق الحقائق لا تحتاج إلى أدلة أو براهين لغوية لتكون قائمة، بل تحتاج فقط إلى وعي حاضر لا يخشى مواجهة العدم. في سكوننا، نتحول إلى مرايا كونية تعكس جوهر الحقيقة الذي تعجز كل لغات البشر عن وصفه، محققين بذلك توازناً روحياً فريداً يجعل من الوجود رحلة مقدسة بين صمتين، صمت ما قبل الولادة وصمت ما بعد الرحيل، وفي كل لحظة بينهما، يظل الصمت هو صوتنا الأكثر صدقاً وأمانة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- نظرةٌ في عيونِ الأزل: سيرةُ الغربةِ والسكينة
- فاطمة.. قناعُ الذاكرة وسيفُ الغيبِ المسلول
- الإستعمار الرقمي: الحرب الأثيرية الكبرى للسيطرة على الوعي ال ...
- مقدمة في تقاطعات الوعي الرقمي والظواهر الخارقة
- حروب ما وراء المادة: الإستراتيجيات الخفية للهيمنة الكونية
- حروب الأثير: معركة الوجود الأخير للذات البشرية
- حروب الأثير: الصراع الخفي على روح الإنسان وعقل المستقبل
- إنجيل الرخاء الكوني: البيان التأسيسي لإمبراطورية العقل والمغ ...
- مقدمة في فلسفة التغييب وتفكيك الميتافيزيقا الموجهة
- نهاية القطيع: مانيفستو السيادة المطلقة في عصر التنوير الكوني
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...


المزيد.....




- الرئيس البولندي حول تجريد زيلينسكي من وسام -النسر الأبيض-: ت ...
- فانس يدعو حزب الله لوقف النار: سنعمل على منع إسرائيل من شن ه ...
- فيتسو: لن أفوت أي فرصة للحوار مع بوتين
- ماروتشكو: ضربات الجيش الروسي قطعت إمدادات العدو في قسطنطينوف ...
- الكونغو الديمقراطية تعلن ارتفاع إصابات إيبولا إلى 956 حالة ب ...
- رئيس وزراء هنغاريا يضع شرطا لقبول أوكرانيا في الاتحاد الأورو ...
- ميروشنيك: تمجيد أوكرانيا لـ-جيش المتمردين- يمنح بولندا مبررا ...
- السودان: أكبر أزمة لجوء في العالم
- قبيل انطلاق المفاوضات في سويسرا.. الحرس الثوري يعلن إغلاق مض ...
- ما هي المعدات التي يطالب زيلينسكي بيلاروسيا بإزالتها من الحد ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزءُ ثلاثُ مائةٍ وتسعَةٍ-