أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - فاطمة.. قناعُ الذاكرة وسيفُ الغيبِ المسلول















المزيد.....

فاطمة.. قناعُ الذاكرة وسيفُ الغيبِ المسلول


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 14:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة لحظات في عمر الإنسان لا تُقاس بالساعات والدقائق، بل بمدى قسوة الندوب التي تخلفها في الروح. حين يجد المرء نفسه فجأة في عراء المواجهة، محاصراً بضجيج الكراهية و ضيق أفق الجهلاء، لا يجد أمامه سوى خيارين: إما أن يستسلم لتيار العبث، أو أن ينقب في أعماق ذاكرته عن بصيص حكمةٍ تنجيه. لم تكن تلك الأيام مجرد عابرٍ من الزمن، بل كانت مخاضاً قاسياً، قضيته بين مطرقة الحذر و سندان الشراك التي نصبها حاقدون لا يدركون أنهم لا يحفرون إلا لأنفسهم.
لقد إنقضى عام ونصف، تقريباً، على تلك الحقبة العصيبة التي تجرعت فيها مرارة الألم ولهيب الغيظ. كنتُ حينها أشبه بمن يمشِي في حقلٍ من ألغام، تحاصرني نيران الأعداء من كل حدب و صوب؛ أولئك الذين أعمتهم بصيرتهم، فآمتلأت قلوبهم بسواد الحقد وضغينة المقهورين.
في تلك الأثناء، كنتُ أمارس أرقى درجات الترفع، محاولاً حماية صون كرامتي، نائياً بنفسي عن السقوط في فخاخهم الغبية وشراكهم البائسة. كانت أيامي تمضي ثقيلةً، كئيبةً، مشحونةً بترقبٍ حذر، حيث كنت أراقب بذهولٍ كيف ينسج هؤلاء الذين لا يملكون من أمرهم سوى جهلهم خيوط ألاعيبهم الواهية.
ومع إنحسار تلك الغمة، بدأت أهبط إلى قاع ذاكرتي، أقلب صفحات تلك الأيام المرة، باحثاً في دهاليزها عن ومضةِ حكمةٍ أو مخرجٍ نضجَ في أتون تلك التجربة، ليكون درساً لي ونجاةً من غباء الموقف الذي فُرض عليّ قسراً.
كان الليل قد آنتصف، وإرتدت الدنيا رداءً من الصمت المهيب، إذ كنتُ قد فرغتُ لتوّي من تلاوة وردي الذي أواظب عليه، فصفت روحي و تماهت مع سكون المكان. في تلك اللحظة التي تلاشت فيها حواجز اليقظة لتمتزج بغشاوة المنام، إنبثقت في ذهني فكرةٌ كالبرق الخاطف؛ فكرةٌ لم تكن وليدة تفكيرٍ بارد، بل وليدة إنكسارٍ ملحٍّ يبحث عن نصرةٍ من وراء حجاب.
قلتُ في نفسي، والهمُّ يثقل كاهلي: لماذا لا أستنجدُ بسكان العوالم الخفية؟ لعلّ في هذه الليلة المباركة روحاً من أرواح الغيب تستجيب لنداء الملهوف. لم أكن أبتغي روحاً بعينها، رغم إلمامي بمسالك هذا العالم وصلتي الوثيقة بأطيافه، لكنني كنتُ في تلك اللحظة أربأ بنفسي عن تعقيدات الطقوس الصارمة وشروطها التي تكبّل الروح وتستنزف الوقت. كنتُ أبحث عن عفوية الإتصال، وعن مددٍ يأتيني بلا قيود، مددٍ يفيض بالسكينة والقدرة.
إستجمعتُ إرادتي، وبينما كنتُ أترنح في المنطقة البرزخية بين عالمي الظاهر وعالمهم الغيبي، رفعتُ نداءً يقطرُ شجناً و توسلاً، صرخةً صامتةً تخرق أستار المدى:
أيتها الأرواح الروحانية، يا أهل الغيب الساكنين في طيات هذا الليل البهيم، يا من ترقبون حركاتنا وسكناتنا.. مَن منكم يغيثني غياث الملهوف، وينجدني نجدة الحيران؟ ها أنا ذا أضع أمري بين أيديكم، يا مَن لا يغيب عن بصيرتكم ما أُكِنُّ في صدري من غيظٍ أوقده جهلُ الجاهلين، وما أحاط بي من شرور. أين الروحُ التي تملكُ من النور والقدرة ما يكاشفني على خبايا أمري؟ أين من يمدّ إليّ يداً من وراء الغيب، لا لتنتصر لي فحسب، بل لتضع حداً لتلك المؤامرات، وتفكك شراك هؤلاء الحاقدين، و تكفيني بأسهم الذي يرتدُّ عليهم خيبةً وخذلاناً؟
لم تكن كلماتي مجرد حروفٍ تتناثر في الفضاء، بل كانت زفرةَ روحٍ إستنفدت سبل الأرض، فآستدارت بوجعها نحو السماء، بإنتظار إشارةٍ من خفيٍّ لا يدركه إلا من خبرَ أسرار الوجود، و من وقف بقلبه على مشارف الغيب في ليلةٍ لا يُردُّ فيها سائل.
وما إن إستسلمت الروح لغواية الرقاد، حتى تحررت كينونتي من أسرِ الجسد، تاركةً إياه ممدداً على سرير الزمن، يلملم شتات أيامه الخربة، بينما إنطلقت روحي تهيم في مروج الغيب الرحيب. وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها حدود المكان، تجلى لي مشهدٌ يخطف الأنفاس بجماله العذري، كأنه نقشٌ من تاريخٍ قديمٍ إستيقظ فجأة في عوالم الحلم.
رأيتُ فتاةً، تفيض ملامحها بصفاء البراءة الأمازيغية، كأنها قمرٌ أطلّ من أعالي جبال سوس، تلفّها هيبة الحياء بزيّها التقليدي الذي يحكي قصص الأجداد في كل خيطٍ من خيوطه. لم تكن وحيدة، بل كانت في معية ركبٍ من ثلاثة إخوة وثلاث أخوات، جميعهم يرتدون ذات الزي السوسي البديع، الذي كان يزداد بهاءً حين تداعبُ أطرافه نسمات البحر.
كان المشهد في غاية الغرابة والجمال؛ فقد إمتطى كل أخٍ و أختٍ دراجةً ناريةً رباعية العجلات، وكأنهم فرسانُ عصرٍ جديد بعباءةٍ من أزلٍ بعيد. آنطلقوا جميعاً يختالون على رمال شاطئ أكادير، في ذلك المدى الفسيح الممتد قرب ضريح سيدي بوقنادل . كانت عجلاتهم تغوص في الرمال لتصنع أثراً يذوب مع كل موجة، بينما كانت الرياح تعزف أهازيجَ سوسيةً في أرجاء المكان.
بدا لي المشهدُ وكأنه طقسٌ روحيٌّ بإمتياز، حيث تمتزج حداثة الآلة بعراقة الزي، في لوحةٍ تجسدت فيها أسرار الغيب بوضوحٍ يضاهي الواقع، وكأنَّ أرواح تلك الأرض قد إستجابت لندائي، وتجلت لي في صورة هؤلاء الفتية الذين أقبلوا وكأنهم حراسُ الساحل ليوقدوا في روحي قبساً من نور التبصّر وسط عتمة أيامي.
في تلك اللحظة التي تلاشت فيها أبعاد الواقع، و آنصهرت حدود الرؤيا بالحقائق الغيبية، توقفت مواكبُ الدراجاتِ الرباعية في سكونٍ مهيبٍ على رمال شاطىء أكادير الذهبية. خيّم صمتٌ أزليٌّ على المكان، وكأن الرمال نفسها إنحنت إحتراماً لتلك القادمة من خلف حُجُبِ الأسرار.
نزلَتْ تلك العذراء السوسيةُ الجميلة من دراجتها، فبدت كأنها شعاعُ ضياءٍ تجسّد في هيئة بشرية، يفوحُ من ملامحها عطرُ التاريخ ووقارُ الجبال. و بمجرد أن خطت خطواتها نحوي، إنزاحت الغشاوة عن بصيرتي، وفاضت في قلبي المعارفُ الربانية، لأدرك بوضوحٍ لا يقبل الشك أنها تلك الجنيةُ المكنونة، العلويةُ المقام، التي تتناقلُ أخبارها ألسنةُ أربابِ الحكمة، وتلهجُ بذكرها قلوبُ العارفين. إنها إبنة الفقيه السوسي، تلك الدرّةُ المصونة التي إصطفاها الولي الصالح سيدي حماد وموسى، فتبنّاها في كنفِ ولايته، وربّاها على مكارم الأخلاق والأنوار الربانية، حتى غدت في الغيبِ منارةً يهتدي بها السالكون.
إقتربت مني بوقارِ الملوك، ونورانيةِ الزهّاد، وفي لحظةٍ من السموّ لا تُوصف، مدت يدها الرقيقة نحوي، مقدمةً لي هديةً تحمل في طياتها دلالاتٍ لا يدرك كنهها إلا مَن خاض غمار العرفان، وهي قطعةٌ من "علكةٍ مغربية" (شوينغوم)، تلك الهديّةُ البسيطةُ في مظهرها، العظيمةُ في سرّها، التي تُعدّ في تقاليد العارفين القربانَ الأسمى والأكثر خصوصيةً في حضرةِ هذا المقام الروحاني.
لقد كانت اللحظةُ أعمق من أن تُحتوى في كلمات؛ فبينما كانت يدي تمتدُّ لتأخذ تلك الهديّة، شعرتُ وكأنني أستلمُ مفتاحاً من مفاتيح النصر، وعهداً من عهود الغيب. لم تكن مجرد علكةٍ أُقدِّمها أو أستقبلها، بل كان إلتزاماً روحياً متبادلاً، وإشارةً واضحةً بأنَّ قوى الغيب قد إنحازت لجانبي، وأنَّ الحمايةَ التي طالما نشدتها قد أصبحت واقعاً، وأنَّ خيوط المؤامرات التي نسجها الأعداء ستتفكك أمام بركةِ هذه التجليّات.
كانت نظراتها تحملُ وعداً بالسكينة، وتثبيتاً للفؤاد، في مشهدٍ سرياليٍّ يجمع بين خشونةِ الرمال وعذوبةِ الإنكشاف، بين بساطةِ الدنيا و هيبةِ العالم العلوي، لتمضي تلك الليلةُ في ذاكرتي ليس كحلمٍ عابر، بل كمرتكزٍ إستندتُ إليه لأواجهَ أعاصير الأيام، موقناً بأنَّ مَن كان سندهُ هذا العالم، فلن يضيره كيدُ الحاقدين ولا مكرُ الجاهلين.
في تلك اللحظة التي تلقيتُ فيها هديتها، إستقرت في أعماق يقيني حقيقةٌ لا مراء فيها؛ لقد أقبلت هذه الروحانيةُ الربانية لا لزيارةٍ عابرة، بل لتكون سيفاً مسلطاً على رقابِ من ظلموني، و درعاً حصينةً تذودُ عن حياضي. وبمجرد أن أطبقتُ يدي على هديتها، إنثالت حواسي عائدةً إلى الجسد، لكنني لم أستفق كمن ينهضُ من نومٍ عميق، بل إستيقظتُ كمن عبَر جسراً من نورٍ لا يحدّه أفق.
لقد تلاشت الفوارق بين عالمي النوم واليقظة، فباتا نسيجاً واحداً متصلاً؛ شعرتُ بأنّ كينونتي قد إمتدت لتشمل العالمين، فلم يعد النومُ غياباً، ولا اليقظةُ حضوراً منفصلاً. و في هذا التداخل الروحاني العجيب، بدأت عجلة القدر تدورُ لصالحي بقوةٍ لم أعهدها من قبل. وكأنَّ كلماتِ إستغاثتي في جوف الليل قد إستُجيبت بقرارٍ نافذٍ من القوى الخفية؛ إذ بدأ أعدائي يتساقطون أمامي تباعاً، كالذباب الذي يصرعهُ صقيعُ الشتاء، في مشهدٍ من الإنهيار الذاتي الذي تحكمهُ يدُ الخفاء و سلطانُ العرفان.
لم يكن حضورها في حياتي ليقف عند تلك الليلة، بل أصبحت هذه الروحانية التي تراءت لي في هيئة لآلة فاطمة الشلحة تتردد على بصيرتي مراراً، كأنها ظِلٌّ إلهيٌّ يراقبُ سير المعركة. تارةً رأيتها في منامي تتجلى بصورة ضابطةٍ في سلك الشرطة، تجلسُ بوقارٍ مهيب، تمسكُ بقلمها لتدوّنَ شكوايَ التي لا تضيعُ عند ديوانِ العدالة الغيبية، متعهدةً لي بالنيل منهم، واضعةً حداً لجبروتهم الزائف.
وتارةً أخرى، كانت تتجلى لي بصفةِ قريبتي التي تحملُ إسم فاطمة، تقتربُ مني بصورةٍ مألوفة، لتؤكد لي أنَّ الحمايةَ ليست بعيدةً عن دمي و محيطي، وأنَّ ما أعدتُه من كيدٍ في خفاءٍ قد آنكشفَ أمام سطوةِ هذا المدد. لقد أدركتُ حينها أنَّ الأعداء، مهما تعاظمت غطرستهم، ليسوا إلا أوراقاً ذابلةً أمام عاصفةٍ روحيةٍ هبت من ذلك المقام السوسي الكريم، لتطهر طريقي من دنسهم، وتعيد لي توازني الذي حاولوا عبثاً أن يزعزعوه.
لم يدمِ الهدوء الذي لفّ حضوري بها طويلاً، إذ خبا ذلك التواصل الروحاني الذي طالما أنار دربي، وكأنه غاب في لجج الغيب، تاركاً في نفسي توقاً لإستعادة ذلك المدد السوسي العظيم الذي يتناقله شيوخُ العرفان. وبينما كان الصمت يغلفُ أيامي، إنفتحت بواباتُ الرؤيا قبل يومين على مشهدٍ غامض؛ وجدتُ نفسي تائهاً في بلادٍ تتماهى فيها الحدود، حيث تتداخلُ أزقةُ الواقع مع شوارعِ الخيال في نسيجٍ مكانيٍّ مراوغ.
فجأة، وجدتُ خطايَ تقودني إلى حي الزيدانية في وادي زم؛ ذلك الحيّ الهامشيّ الذي إستيقظ في أعماقي كأنه طيفٌ من زمنٍ ولّى، مُعيداً لي ذكرياتِ شبابي قبل ثمانية وعشرين عاماً. أحسستُ بوقع أقدامي وهي تركضُ في تلك المسالك القديمة، عابراً بقلبٍ يملؤه الحنين نحو طريق بني حسان، حيث كانت الحياة تنبضُ ببساطتها وأحلامها الأولى.
تجاوزتُ حدود الزمان لأجدَ نفسي واقفاً في حي المقاومة، أمام منزلٍ غريبِ الملامح، غريبِ الألفة، بيتٌ شعرتُ في أعماقِ حلُمي أنني أعرفه، لكنّ غبار السنين كان قد طمس ملامحه في ذاكرتي الواعية، حتى إستعصى على التذكر. و بينما كنتُ في حيرتي، إنفتحت أبوابُ المنزل لتخرج منها فاطمة الزعراطية، وفي تلك اللحظة، إنزاحت الحجبُ عن بصيرتي لأدرك أنها ليست مجرد طيفٍ عابر، بل هي تذكيرٌ بإمرأةٍ من ماضيّ السحيق، فتاةٌ عرفتها قبل عقودٍ من الزمان، وكأنَّ الغيبَ يعيدُ ربط خيوط حكايتي القديمة بحاضري، في مشهدٍ يمزج بين دلالات الماضي و غموض الرؤى.
تتجلى الحكمةُ في أبهى صورها حين تُدرك البصيرةُ أنَّ شخوص الرؤى ليست سوى أقنعةٍ يرتديها النورُ ليتسلل إلى أدران الروح، فيطهرها من دنس العالم. لقد أيقنتُ بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ ظهور فاطمة الزعراطية في ذاك التيه المكاني، لم يكن إلا تجلياً آخر لتلك الروح الربانية السوسية؛ لالة فاطمة الشلحة، التي إنبثقت من مكنونات الغيب لتكشف عن وجهها البهيّ خلف قناعٍ من ذكرياتٍ عتيقة، إستدعتها لترمم ما تصدّع في نفسي من أثر الزمان.
لم يكن حضورها ذاك في حي المقاومة، أو وقوفها على عتبة ذلك المنزل المنسي، ضرباً من العبث أو شططاً في الخيال، بل كان تدخلاً سماوياً مقصوداً. لقد أتت لتطهر مسامَّ روحي من أدران الحسد العالق، ولتغمر كياني بعبقٍ إلهيٍّ يفوق في نقائه عطور أهل الصفاء، ذلك العطر الذي يفوحُ من تلك الروح التي ترعرعت في أحضان أولياء سوس الأفاضل، وتغذت من علومهم الراسخة وحكمتهم التي تجاوزت حدود المادة.
لقد تبيّن لي، في لحظةٍ من الكشف الرفيع، أنَّ قدومها لم يكن إلا لفكّ طلاسم وثاق الحسد الذي كاد يطبق على أنفاسي؛ لقد أتت لتنزع عني برودة الضغينة ورياح الحقد التي فاحت كالنار المستعرة من نفوس أولئك الذين لا يعدون كونهم جيفاً بشرية تقتات على ألم الآخرين. نعم، لقد تلبدت أجواء حياتي في ذكرى ميلادي بظلالهم القاتمة، وفاحت روائح ضغينتهم التي أرادت تعكير صفو وجودي، فجاءت هي بأنوارها السوسية لتكسر ذلك الحصار، وتطهر مطلع عامي الجديد من دنسهم الذي لا يُغتفر.
تلك الذكرى، وتلك الحكاية التي تكمن خلفها، هي سرٌ من الأسرار التي لا تُباح، وجرحٌ في تاريخي أبتْ روحُ لالة فاطمة الشلحة إلا أن تضمدها بلمسةٍ من نور. لقد أدركتُ أنَّ مساري الروحي، بظهورهِ وتواريهِ، ما هو إلا رحلةُ تطهيرٍ مستمرة، حيث تُغسل الروح بماءِ المعرفة وتُعطّر ببخورِ القبول، لتقف في النهاية شامخةً أمام هؤلاء الجيف، الذين لا يملكون سوى الغيظ، بينما أملكُ أنا مددَ السماءِ وأرواحَ العارفين.
إنَّ هذا التداخل بين الماضي والحاضر، بين حبيبتي فاطمة الزعراطية ولالة فاطمة الربانية، ليس إلا دليلاً على أنَّ الحقيقة واحدة، وإن تعددت صورها في مرآة الرؤيا. لقد إنقشع الضباب، وآنجلى الموقف، وأصبحتُ موقناً أنَّ من تولته عنايةُ الأرواح السوسية، لا يضيره نعيقُ الحاقدين ولا كيدُ الذين أعمت البغضاءُ بصيرتهم، ففي كل مرةٍ يشتدُّ فيها حبلُ المحنة، تظهرُ هي، بتلك الهيبة الربانية، لتعيدَ ترتيبَ الفوضى في حياتي، وتكتبَ بمدادِ النور نهايةَ كل ضغينة.
إنَّ من النفوسِ ما يُذيقُكَ صقرَ الوجدِ، ويُجرعُكَ كؤوسَ الغدرِ في رمشةِ عينٍ؛ نفوسٌ طُبعت على الظلمِ، وأُشربت قلوبُها بظلالِ الحقدِ، كأنَّ في أعماقِها لجّةً من ضغينةٍ لا تطيقُها جهنمُ بزمجرتِها، وتهوي أمامَ جمرِها الجبالُ صاغرةً مندحرة.
اللهم إني أسألك، وأنا المكلومُ الراجي، بفيضِ رحمتِك التي وسعت كل شيء، وبنورِ وجهِك الذي أضاءت به الظلمات، أن تجعلَ لي من لدنك سلطاناً نصيراً. اللهم يا من بيدك ملكوتُ كل شيء، يا من تسمعُ دبيبَ النملِ في الليلةِ الظلماء، وتُجيبُ دعوةَ الملهوفِ إذا ناداك، أسألك أن تكسو روحي بدرعٍ من نورك لا تخرقهُ سهامُ الحساد، و لا تنفذُ إليهِ شظايا الأحقاد.
والسلام عليكم ورحمة الله



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإستعمار الرقمي: الحرب الأثيرية الكبرى للسيطرة على الوعي ال ...
- مقدمة في تقاطعات الوعي الرقمي والظواهر الخارقة
- حروب ما وراء المادة: الإستراتيجيات الخفية للهيمنة الكونية
- حروب الأثير: معركة الوجود الأخير للذات البشرية
- حروب الأثير: الصراع الخفي على روح الإنسان وعقل المستقبل
- إنجيل الرخاء الكوني: البيان التأسيسي لإمبراطورية العقل والمغ ...
- مقدمة في فلسفة التغييب وتفكيك الميتافيزيقا الموجهة
- نهاية القطيع: مانيفستو السيادة المطلقة في عصر التنوير الكوني
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الْإِنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- لِإنْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...
- الِانْطِوَلُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَا ...


المزيد.....




- مقتل مشتبه به في إطلاق نار جماعي بعد مواجهة لساعات مع الشرطة ...
- ترامب يعيد نشر بيان رئيس وزراء باكستان عن موعد توقيع الاتفاق ...
- إصابة 7 مدنيين جراء قصف أوكراني استهدف سوق سفاتوفو في لوغانس ...
- الصحة اللبنانية: ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية إلى ...
- جرس إنذار: أوروبا تندد بوقف -أنثروبيك- الوصول إلى نماذج -فاب ...
- السفير الأمريكي لدى إسرائيل: بقاء الدولة العبرية وازدهارها ي ...
- ألمانيا: ارتفاع عدد الجرائم ذات الدوافع السياسية بنسبة 40 با ...
- تقرير دولي جديد.. الجيش الإسرائيلي مسؤول عن أكثر من نصف ضحاي ...
- -أمر مثير للقلق للغاية-.. ابنة الشقيق الأكبر لترامب تتحدث عن ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يطلق النار على مزارعين في حوض اليرم ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - فاطمة.. قناعُ الذاكرة وسيفُ الغيبِ المسلول