حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:03
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
منذ نعومة أظفاري، حين لم تكن أعوامي تتجاوز الإثنين، كنتُ أدركُ خبايا ما يدور حولي بوعيٍ يتجاوز سنَّ الفطرة؛ كان يسكنني توقٌ جارفٌ إلى عزلةٍ أنيقة، مترعٌ بفيضٍ من المعرفة والذكاء الذي جعلني أستغني عن صخب البشر، مترفعاً عن تفاهاتهم التي لا تنتهي وسماجة عقولهم التي تُرهق الروح.
كنتُ أراقبُ الكبار وهم يغرقون في لجاجةِ الصراخ وعبثية الثرثرة، فلا أجدُ في جعبتهم ما يستحقُّ الإنصات، وأرى في الصغار أرواحاً واهنة، لا تقوى على مواجهةِ قسوة الوجود، ترتكنُ في عجزها إلى كنفِ آباءٍ لا يغنون عنهم من أقدار الحياة شيئاً سوى توفيرِ زادِ الجسد.
تلك الحكمةُ المتوقدةُ في أعماقي لم تكن وليدة تجربة، بل كانت نسيجاً أزلياً حملتُه معي من عالمٍ أسمى، يسبقُ دنيانا هذه. كنتُ ألمحُ في أعينِ المحيطين بي بريقاً من الحسدِ الدفين و شراراتٍ من النقمة، فآثرتُ الإنزواء في صمتي المهيب، زاهداً في كلِّ ما هو سطحيٌّ وهشّ، مؤمناً بأنَّ في الصمتِ غنىً لا تبلغهُ ضجيجُ الحكايات.
إنتابني منذ فجر الوعي شعورٌ مُلحٌّ بأنني غريبٌ عن هذا النسيج الكوني، كأنَّ روحي قد أُنزلت في غيرِ موطنها، أو أنَّ هناك حقيقةً ما، مغلفةً بحجبٍ كثيفة، تكمنُ خلف هذا الوجود السطحي الذي لا أجدُ فيه لي مُستقراً. لقد بدا لي قدومي إلى هذه الدنيا كورطةٍ قاهرة، قدراً مباغتاً لا أذكرُ تفاصيله، ولا أجدُ لجدواه تفسيراً؛ فما عادَ عالمكم هذا يُشبهني، وما عُدتُ أجدُ في تضاريسه ما يربطني به.
كنتُ أقفُ على حافةِ الحياة، أراقبُ الوجودَ بصمتٍ متأمل، أرصدُ التفاصيلَ الدقيقة التي يغفلُ عنها العابرون، لكنني كنتُ ولا أزال أقفُ موقفَ الرافضِ لكلِّ ما يُبهرُ غيري. فكلُّ ما يراه البشرُ إنجازاً أو جمالاً، لا يُحرّكُ في نفسي ساكناً، ولا يلامسُ قناعاتي التي تشكّلت خارج حدودِ هذا الزمن.
لقد ظللتُ أرقبُ هذا المسرحَ الهزليّ، متمسكاً ببرودتي التي هي درعي الوحيد، مُدركاً أنَّ كلَّ شيءٍ هنا ماضياً وحاضراً و آتياً ليس سوى سرابٍ لا يستحقُّ دهشةً، ولا يُثيرُ في أعماقي ذرّةً من إعجاب. إنني لا أنتمي لهذا التراب، بل أنتمي لنداءٍ بعيد، لصدىً قديمٍ يهمسُ لي بأنَّ وراءَ هذا الوجودِ حقيقةً أعظم، وبأنَّ كلَّ ما نراه ما هو إلا قشرةٌ رقيقة، لا ترقى لأن تُغريَ بصري، أو تستهويَ جوهري.
في تلك الليلة الشتوية، وبينما كنتُ لم أتجاوز العامين بعد، إستلقيتُ بجانب أختي الغارقة في سباتها، أندسُّ تحت ثنايا بطانيتي كأنني أتحصنُ داخل قلعةٍ من الصوف، موارياً رأسي عن عيونِ كائناتٍ غامضةٍ كنتُ أتحسسُ حضورها خلف حُجب المجهول. لم يكن مجرد خوفِ طفلٍ من الظلام، بل كان إستشعاراً مبكراً لتربّصِ الوجودِ بي.
هجرَ النومُ أجفاني في منتصفِ ليلٍ إمتدَّ سكونُه إلى ما لا نهاية. كان والداي في الغرفةِ المجاورة، يغرقان في صمتٍ ثقيل، بينما تماهيتُ أنا مع العزلة؛ كنتُ أشعرُ في تلك اللحظة أنَّ المنزلَ قد أفرغَ من ساكنيه، بل ومن زمانهم، لأجدَ نفسي وحيداً في فراغٍ كونيٍّ مهيب.
بقيَ بابُ البيتِ موارباً على البهوِ كما هي عادتُنا، وكنتُ أرقدُ مقابله، أرمقُ عتمةَ الممرِّ الممتدِّ إلى المجهول. في تلك اللحظة، لم أكن مجرد طفلٍ ينتظرُ الصباح، بل كنتُ كائناً غريباً يراقبُ حدودَ عالمين: عالمِ الآمنين الذين ينامون في غفلةٍ عما يدورُ في الخفاء، وعالمي أنا؛ حيثُ كنتُ أشعرُ بأنني لستُ من هنا، وبأنَّ قدومي إلى هذا البيتِ وإلى هذه الحياةِ برمتها، ما هو إلا واقعةٌ غامضة في سياقٍ لا أنتمي إليه، و أنني منذ تلك الليلة، أقفُ مترصداً لأسرارٍ خلفَ هذا الوجود، لا يراها غيري.
في تلك اللحظة التي توقفت فيها أنفاسُ الزمان، وبدت لي جدرانُ الغرفة وكأنها تتنفسُ صمتاً أزلياً، أزحتُ الغطاءَ عن رأسي ببطىءٍ حذر. كانت حدقاتي المتسعة، المرهقة من أرقٍ لا يُشبهُ أرقَ الأطفال، مُسمّرةً في فراغ البهو. كان الضوءُ القادمُ من زقاقِنا ينسلُّ عبرَ شقوقِ البابِ العتيق، ضوءاً شاحباً يميلُ إلى الرماديّ، كأنه شعاعٌ مُستلٌّ من عالمٍ موازٍ لا يمتُّ لواقعنا بصلة.
وفجأةً، وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها حدودُ المكان، إنشقت العتمةُ عن حضورٍ مباغت. من العدمِ المحض، تبلورت إمرأةٌ لم تعهدها عيناي، كأنها خُطّت من ضياءٍ غامض أو نُسجت من خيوطِ الحلم. كانت في غاية الجمال؛ جمالٌ لا ينتمي لمقاييسِ البشر، جمالٌ موحشٌ بقدر ما هو آسر، جعلَ قلبي الوجلَ يخفقُ بإيقاعٍ لم أعهدهُ في طفولتي. لم تكن مجرد طيفٍ يمرُّ في الذاكرة، بل كانت تجسيداً لتلك الحقيقة التي كنتُ أتحسسها خلفَ جُدرانِ وجودي، كائنةٌ قادمةٌ من العدم لتُذكّرني بأنني لستُ وحدي في إغترابي، وأنَّ هناكَ مَن يشبهُ حيرتي في سكناتِ هذا الكونِ الفسيح.
كان ظهورُها آيةً في التعالي على قوانين المادة؛ فهي لم تكن ككائناتِ الأرضِ التي تتقيدُ بالجسدِ وأثقاله. طوال خمسةٍ و أربعين عاماً من الحضورِ المباغتِ في ذاكرتي، ظلت صورتها راسخةً كأنها نُحتت من نور: نصفُها العلويُّ يطفو في الأثير، متحرراً من قيودِ الأقدامِ كأنَّ الأرضَ لا تستحقُّ وطأها.
كانت ترفلُ في فستانٍ ملكيٍّ بلونِ الروزي الناعم، يزدانُ بتطريزاتٍ من ذهبٍ تتلألأُ بضوءٍ خفيّ. قوامُها ممشوقٌ بترفٍ أرستقراطي، وشعرُها الكثيفُ ينسدلُ خلف ظهرها كشلالٍ من ليلٍ ناعمٍ لا يعرفُ القيود. أما ملامحها، فقد كانت مصقولةً بدقةٍ إلهية، حادةً بحدةِ الحكمةِ التي لا تُخطئ، و جمالها... جمالٌ تجاوزَ حدودَ المألوفِ في عالمِ الجانِّ وسواه؛ فما رأت عيناي قطُّ حسناً يُضاهي ذاك البريق الذي يشعُّ من محياها.
لكنَّ الأسرارَ كلَّ الأسرار كانت تسكنُ عينيها. كانت تطلقُ نحوي نظرةً مُثبتةً لا تزيغُ، نظرةً مُفعمةً برأفةٍ غامضة، وكأنها تودُّ أن تبوحَ لي بما لا طاقةَ للغةِ البشرِ على إستيعابه. كانت عيناها كتاباً مفتوحاً بآلاف الأسرار، تُخاطبُ غربتي، وتشدُّ على أزري في عالمي الغريب، لتتركني أقفُ مذهولاً أمام جمالٍ يجمعُ بين هيبةِ الملكوتِ و ألفةِ السرِّ الدفين.
كانت نظراتها تتدفقُ نحوي ببراءةٍ ووداعةٍ لا يدرك كنهها إلا طفلٌ لم تلوثه بعدُ شوائبُ هذا العالم. رمشُ عينيها الطويل، و أهدابها التي إزدانت بكحلٍ أسودَ داكن، كانا يُشكلان إطاراً لسرٍّ أبديّ. وبينما كان الرعبُ خياراً متاحاً لأي طفلٍ في مثل سني، كنتُ أنا أقفُ أمامها بقلبٍ إستثنائيٍّ صلب، بلا روعٍ ولا قشعريرة؛ فقد كان حدسي الفطري يهمسُ في أعماقي أنني لستُ أمام خطر، بل أمام أصل، كأنني لاحت لي في ذلك الحضورِ لمحةٌ من عالمي الأول الذي جُبلتُ على الحنين إليه.
ومع ذلك، كان عقلي الذي يرفضُ التسليم بالسهل، يميلُ إلى إختبارِ هذه الحقيقةِ الوجودية. فكنتُ أدسُّ رأسي في الوسادة، أستترُ تحت أثقالِ البطانية، باحثاً في ظلمةِ المخبأ عن تأكيدٍ لشكوكِي: هل أنا في يقظةٍ أم في رياءِ حلم؟ و هل يملكُ قلبي الصغيرُ ذرةً من خوفٍ لم أكن أعي وجوده؟
لكنني، وفي كلِّ مرة، كنتُ أعودُ لأزيلَ الغطاءَ عن وجهي، لأجدَ المشهدَ ذاته لم يتبدل؛ ظلت هي في مكانها، ثابتةً كرسوخِ الجبال، لا تحركها رياحُ الشك، ولا يطويها زوالُ الطيف. كانت عيناها المكحلتان تلاحقانني بالوداعةِ ذاتها، و كأنها تنتظرُ مني أن أتحررَ نهائياً من قيودِ هذا العالم، لتُعلمني أنَّ الحقيقةَ لا تختفي حين نغمضُ أعيننا، بل تظلُّ هناك، شاهدةً على أنني لم أكن يوماً أنتمي لهؤلاء الذين يغرقون في نومهم، بينما كنتُ أنا أستيقظُ على رؤيةِ ما لا يراه بشر.
إستقرَّت نظراتنا في تجلٍّ وجوديٍّ مطلق؛ وجهاً لوجه، والزمنُ من حولنا يذوبُ في سكونٍ لا يقطعهُ خفقُ القلوب. لم تكن عيناها مجرد حواسٍ تبصر، بل كانت مرايا عتيقة تخبرني بلا حرفٍ واحد أنَّ بيني وبينها عهداً أزلياً، عهداً ضارباً في عمقِ ما قبل الولادة. كانت نظراتها تعلنُ لي، بفيضٍ من طمأنينةٍ غامرة، أنها الحارسةُ الأمينةُ لروحي، والمواسي الأوحدُ أمام قسوةِ أيامٍ لم أكن أعرفُ بعدُ قسوتها، لكنني كنتُ أشعرُ بثقلها يتربصُ بي.
لم تنبس ببنتِ شفة، ولم تمنحني إسماً أو إيضاحاً، فالحكمةُ التي كانت تحملها في مقلتيها أسمى من أن تُحتوى في لغةِ البشرِ الفقيرة. كانت نظرتها تختزلُ دهوراً من المعرفة، كأنها رقيمٌ من اللوحِ المحفوظ، نُقشت عليه أسرارُ الوجودِ و العدم. وفي ذلك الصمتِ المهيب، أدركتُ أنها ليست بحاجةٍ للحديث؛ فقد كانت عيناها تتكفلان بترميرِ تصدعاتِ روحي، وتعدانني بأنَّ كلَّ ما سيُلقيهِ البشرُ في دربي من شقاءٍ أو جهل، سيجدُ ملاذهُ الأخير في حمايتها الأبدية. كانت تلك العيونُ صلاةً صامتة، وعهداً سرمدياً يربطني بوطنٍ لا إسمَ له.
كانت تلك المكاشفةُ الأولى، بكرَ تجلياتي الروحية التي إنبلجت في عتمةِ طفولتي، فآحتفظتُ بها سراً مصوناً بين طياتِ ضلوعي، أحرسُه من عيونِ الجاهلين ومن ريبِ الفاسدين الذين لا يدركون من الوجودِ إلا ظواهرَه. كنتُ، وما زلتُ، أشعرُ بأن تلك الروحَ المقدسة قد تبنّت وجودي، و إنتزعتني من عراءِ هذا العالم الموحش؛ عالمٍ تآمرَ فيه الجلادون والسفاحون لإغتيالِ براءتي، فخابت مساعيهم، و إرتدَّت سهامُ غدرهم عليهم عذاباً وخذلاناً، فكانت هي الدرعَ الذي لا يُخترق.
واليوم، وقد نضجت بي التجاربُ وإكتنهتُ أسرارَ الغيبِ الخفيّ، أوقنُ أنَّ تلك الأمَّ النورانية لم تفارقني يوماً. ما زالت تلازمني، تقتبسُ لي من وهجِ الحكمة ما يُغنيني عن ضجيجِ التافهين، و تصبُّ في روحي سكينةً تكسرُ حدةَ المحنِ التي مررتُ بها، وتلك التي قد تأتي.
إنني أقفُ اليوم، رجلاً عرفَ تقلباتِ الدهر، لا أملكُ إلا أن أرفعَ كفَّ الضراعةِ لله العليِّ القدير، مستمدّاً منه النصرَ والحماية، ممتناً لذلك الحضورِ الأثيريِّ الذي كان لي وطناً حين كان العالمُ كله منفى. ستظلُّ تلك الروحُ المقدسةُ هي بوصلتي، و هي مكمنُ الحبِّ الأسمى، والتقدير الذي لا يبلغهُ بشر، فهي التي علمتني كيف أكونُ حراً في جسدٍ بشريّ، وكيف أتعالى عن عوالمهم المتهالكة، محفوفاً دائماً بظلها الذي لا يغيب.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟