أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة عبدالله - دراسة نقدية في نص غربال الضوء















المزيد.....

دراسة نقدية في نص غربال الضوء


فاطمة عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 00:24
المحور: الادب والفن
    


دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله...
جدلية العتمة والنور في قصيدة ( غربال الضوء) للشاعرة آمال صالح ، مقاربة بنيوية أسلوبية...
تنتمي قصيدة (غربال الضوء) إلى قصيدة النثر الحديثة التي تبني شعريتها على كثافة الصورة الرمزية وتنامي الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية المتفاعلة. ولا تستمد القصيدة قيمتها الجمالية من مرجعياتها الخارجية بقدر ما تستمدها من بنائها النصي القائم على جدلية العتمة والنور، والانكسار والخلاص، والجرح والعشق. ومن هذا المنطلق، اعتمدت هذه الدراسة المنهج البنيوي الأسلوبي مع انفتاح تأويلي رمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل النص ورصد الثنائيات الدلالية التي تنتظم حركته الشعرية و صولاً إلى صورته المركزية الكبرى: " الكون أعار النهار غربالاً " بوصفها البؤرة الرمزية التي تتجمع عندها رؤيته الجمالية والفكرية.
ولعل أول ما يكشف عنه هذا البناء النصي هو المسار الدلالي الذي تنتظم وفقه حركة القصيدة، حيث تتدرج من فضاء العتمة والانكسار إلى أفق النور والتطهير...

البنية الدلالية: من العتمة إلى التصفية
تقوم القصيدة على حركة تصاعدية تبدأ من تجربة الفقد والانكسار وتنتهي إلى لحظة تطهير روحي. يفتتح النص فضاءه الشعري بقوله:
" حين خرجتُ من سجنك
ظننتُ النهارَ سراباً "
فالسجن هنا ليس مكاناً واقعياً ، بل بنية رمزية تحيل إلى حالة من الأسر الوجداني. ومنذ البداية يقدم النهار بوصفه قيمة مفقودة أو مشكوكاً في حقيقتها بما يشي باضطراب الرؤية بعد تجربة الخروج.
وتتعزز هذه الرؤية حين يصبح الليل نفسه:
" سجينٌ آخر " إذ تتلاشى الحدود التقليدية بين السجان و المسجون وبين الحرية والقيد لتغدو الذات محاطة بدائرة من الانغلاق الوجودي.
وإذا كانت البنية الدلالية للنص تقوم على جدلية العتمة والنور، فإن تجسد هذه الجدلية فنياً يتحقق عبر شبكة من الصور الشعرية المنزاحة التي تمنح التجربة كثافتها الجمالية و طاقتها الإيحائية....

شعرية الصورة والانزياح
تعتمد القصيدة على الانزياح بوصفه الآلية الأساسية لإنتاج الشعرية. فالأشياء لا تؤدي وظائفها المعتادة، بل تتحول إلى كيانات رمزية جديدة. الليل " يرتّل فراغاً " والكون " يسمع" والشمس " تلتقي بالعطر" .
هذا الخرق المتعمد للمنطق المرجعي يخلق ما يسميه جان كوهن "اللغة الشعرية المنحرفة عن الاستعمال المعياري" حيث يتولد المعنى من المفاجأة لا من التقرير.
ومن أجمل صور النص:
" تتمازج خيوطه البنفسجية
مع لهفةِ بحّارٍ تائه "
إذ تتداخل الرؤية البصرية (الخيوط البنفسجية) مع الانفعال النفسي (اللهفة) فتتشكل صورة مركبة تجمع الحسي والوجداني في بنية واحدة.
وتنسجم البنية التصويرية في (غربال الضوء) مع ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن " الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي ظهورٌ مفاجئ للوجود في اللغة" إذ لا تستعيد الشاعرة صوراً جاهزة، بل تبتكر رؤية جديدة للعالم من خلال الصورة المركزية: " الكون أعار النهار غربالاً "وهي صورة تفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد وجودية وفلسفية أرحب. وإذا كان الانزياح قد أسهم في تشكيل البنية التصويرية للقصيدة، فإن القيمة الجمالية الأعمق لهذه الصور تتجلى في انخراطها ضمن نسق رمزي متماسك يمنح النص أبعاده التأويلية والوجودية...
البنية الرمزية
تتأسس القصيدة على بنية رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة إلى فضاء تأويلي مفتوح، حيث يغدو الضوء والليل والجرح والعشق عناصر ضمن شبكة من الرموز المتفاعلة. وتبلغ هذه البنية ذروتها في الصورة الختامية:
" الكونُ أعار النهارَ غربالاً ، ليصفو الضوءُ من ظلاله"
فالغربال هنا لا يؤدي وظيفة مادية، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتمييز وإعادة تشكيل التجربة الوجدانية. ومن هذا المنظور يصدق على النص ما ذهب إليه بول ريكور بقوله: " الرمز يعطي الفكر ما يدعو إلى التفكير " إذ لا يقدم الرمز في القصيدة معنى جاهزاً أو مغلقاً ، بل يفتح أفقاً من التأويلات الممكنة ويحفز القارئ على المشاركة في إنتاج الدلالة واكتشاف مستوياتها العميقة. وتستدعي مركزية الضوء في هذه القصيدة بعض التجارب الشعرية الحديثة التي جعلت من النور رمزاً للتحول الداخلي والخلاص الوجودي غير أن ( غربال الضوء) تنفرد بمعالجة هذا الرمز معالجة مغايرة ، إذ لا تقدم الضوء بوصفه نقيضاً جاهزاً للظلام، بل تجعله ذاته موضوعاً للتنقية والمراجعة. وبهذا تنتقل الدلالة من ثنائية التعارض إلى أفق أكثر تركيبا، حيث يغدو الخلاص فعلاً داخلياً مستمراً لا حالة نهائية مكتملة. ولا تنفصل هذه البنية الرمزية عن المستوى المعجمي للنص، إذ تتجسد دلالاتها عبر شبكة من المفردات المتقابلة التي تسهم في ترسيخ جدلية العتمة والنور وتمنح القصيدة وحدتها الدلالية الداخلية....
الحقل المعجمي ووحدة النص
يتأسس المعجم الشعري في القصيدة على حقلين دلاليين رئيسين:
حقل العتمة: سجن، سراب، ليل، فراغ، بؤرة، ظلال، جرح.
حقل النور:نهار، نجمة، بريق، شمس، نور، دفء، عشق.
وتنتظم القصيدة كلها داخل التوتر بين هذين الحقلين. غير أن الحركة النهائية لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بعملية مصالحة وتجاوز تؤسس لرؤية تركيبية تتجاوز الثنائية التقليدية ،حين:
" يمسّ الليلَ القاسي،
فيلينُ حدُّه "
فالليل لا يهزم و إنما يعاد إنتاج دلالته في سياق أكثر تركيباً...

و عليه يمكن القول أن ، قصيدة (غربال الضوء) تكشف عن بناء شعري متماسك يقوم على تفاعل الحقول الدلالية والصور الرمزية ضمن حركة نصية تتدرج من الانكسار إلى الخلاص. وقد أظهرت القراءة البنيويةالأسلوبية أن فاعلية النص لا تنبع من موضوعه الوجداني فحسب، بل من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية ذات أفق إنساني و تأملي أوسع. ومن هنا تتجلى قيمة القصيدة في إحكام بنيتها الداخلية وفي نجاحها في إنتاج معنى يتجاوز المباشرة نحو فضاء رمزي مفتوح على التأويل.

النص :
غربال الضوء

حين خرجتُ من سجنك
ظننتُ النهارَ سرابًا
لا يعبر نافذتي،
وأن الليلَ
سجينٌ آخر

يرتّل فراغًا
يفضي إلى بؤرةٍ
خارج الصوت
والمدى

أين وجدانٌ
يكتبُ
حمرةَ العشق؟
تتمازج خيوطه البنفسجية
مع لهفةِ بحّارٍ تائه

أين ذلك البريق
لنجمةٍ موعدُها
قريب؟
تتشابك الأصابع حولها
وتعيدُ الوقتَ
إلى دورانٍ حميم

وحين يسمعنا الكون،
تلتقي الشمسُ بالعطر،
ويصيرُ النور
أقوى من كلّ المعارك الخاسرة

يمسّ الليلَ القاسي،
فيلينُ حدُّه،
ويتعلمُ الإصغاء

الكونُ أعار النهارَ غربالًا،
ليصفو الضوءُ
من ظلاله،
ويُغلقُ الجرحُ
على دفءِ العشق .

الشاعرة آمال صالح



#فاطمة_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة نقدية في قصيدة غربال الضوء
- دراسة نقدية في نص( أتوضأ بالدم) للشاعر محمد النبالي من إنجاز ...
- دراسة نقدية في نص ( همس التصدع) للشاعرة مرشدة جاويش من إنجاز ...
- دراسة نقدية لرواية حورية و الوحش للأديبة فاطمة محمود سعدالله
- قراءة نقدية في رواية حورية و الوحش
- تفكيك النبوءة و تأنيس الرؤيا : دراسة نقدية في شعرية د.مرشدة ...
- قراءة نقدية في الديوان الشعري( رقصات الصمت تحت جنح الظلام) ل ...
- قراءة نقدية تفكيك البنية الرمزية و الاستراتيجيات الحداثية في ...
- الرمزية والجمال الوجودي في حوار الأزهار/ قراءة نقدية


المزيد.....




- مستشهداً بكلمات أغنية لأم كلثوم.. البرادعي يعلق على -الخلاف- ...
- ناشطة فنلندية: منظمة -بلود آند أونر- النازية تجند الشباب الأ ...
- وداعًا -ليلو-.. وفاة الممثلة ديفي تشيس عن عمر ناهز 35 عاماً ...
- أكثر من مجرد مهرجان.. كيف يجمع -موازين- الموسيقى وكأس العالم ...
- الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة: مخرجات الحوار الم ...
- ديمة قندلفت تسرق الأضواء بأدائها الغنائي.. وتُكرَّم في روترد ...
- كيف تُصنع نجومية “الإندي”؟ فضيحة تكشف التلاعب بترندات الموسي ...
- 48 منتخبا و96 لحنا.. الموسيقى ترسم هوية جديدة لكأس العالم 20 ...
- السيادة اللغوية والمعرفية: قراءة في مقدمة محمود شاكر لـ -الظ ...
- حين تحترق الكتب.. الحرب على ذاكرة بيروت الثقافية


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة عبدالله - دراسة نقدية في نص غربال الضوء