أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن عجمي - السوبر تخلف المعرفي















المزيد.....

السوبر تخلف المعرفي


حسن عجمي

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 22:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نحيا في عصر السوبر تخلف المعرفي القائم على التسليم بمعارف مُحدَّدة سلفاً بدلاً من إنتاج معارف جديدة ومفيدة نظرياً وعملياً. السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷ إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. فكلما اعتبرنا أنَّ المعارف مُحدَّدة مُسبَقاً و لم نشارك في بناء كلّ الأفكار والنظريات المنطقية الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كالميادين العلمية والفلسفية) والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة، تطوَّر التخلف المعرفي و ساد وأصبح بذلك سوبر تخلفاً معرفياً. السوبر تخلف المعرفي هو تطوير التخلف من خلال اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً وعدم إنتاج معارف جديدة مغايرة للمعارف الماضوية والسائدة.

يسيطر السوبر تخلف المعرفي على الشرق والغرب معاً. يتمثل السوبر تخلف المعرفي في اعتبار أنَّ تراث الفقهاء والفلاسفة والعلماء حاو ٍ على المعارف الحقيقية والحقة بدلاً من اعتبار أنَّ المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل بل يحتاج إلى إنتاجه بشكل مستمر وجديد ومغاير للمعارف الماضوية والسائدة حالياً. مثل تفصيلي على ذلك هو التأكيد على أنَّ التراث العلمي القائل بوجود أعراق بشرية مختلفة هو الصادق بينما البحث العلمي البيولوجي الأكثر تطوّراً يرينا بأنَّ كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة غير متجزئة لأنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها. أما مثل آخر فهو الإصرار على أنَّ تراثاً دينياً معيّناً دون سواه هو الصادق أو الأصدق بينما البحث المعرفي الأدق يرينا بأنَّ كلّ الأديان تتشابه إن لم تكن تتطابق كالتشابه في الإيمان بقوى ما ورائية غير منظورة تتحكّم بالكون ومصيره.

بالإضافة إلى ذلك، كلّ تراث ديني تتنوّع مذاهبه كالاعتقاد بحرية الإنسان المطلقة والاعتقاد بعدم امتلاك الإنسان لأيّة حرية (بل الاعتقاد بأنه مجبور بقضاء و قدر) والاعتقاد بأنه في منزلة بين منزلتيْن منزلة الجبر ومنزلة الحرية. وبذلك كلّ تراث ديني حاو ٍ على تنوّع فكري مشابه إن لم يكن مطابقاً للتنوّع الفكري في أيّ تراث ديني آخر. من هنا، يستحيل الاعتماد على التراث الديني للحصول على أيّة معرفة. أيّ تراث يحتوي على معلومات بدلاً من احتوائه على المعرفة. فالمعلومات إما صادقة و إما كاذبة بينما المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل. كلّ تراث (بما في ذلك التراث الديني والفلسفي والعلمي) غير مُحدَّد من جراء تنوّعه وإمكانية تفسيره وتأويله بتفاسير وتآويل مختلفة. و بما أنَّ التراث غير مُحدَّد، إذن نحن مَن نحدِّده بما ننتج من تآويل وتفاسير جديدة. من هنا، المعرفة الحقة هي مشروع يطالبنا بتحقيقه بشكل مستمر. ولذلك السوبر تخلف المعرفي (المناقض للمعرفة الحقة) كامن في اعتبار أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً (بدلاً من أن تكون مشاريع مستقبلية) مما يدفعنا إلى عدم إنتاج أيّة معارف جديدة فيحتِّم بذلك انهيار الحضارة الإنسانية لكونها قائمة على تطوير المعارف والارتقاء بها.

السوبر تخلف المعرفي هو اسغلال التراث الديني والفلسفي والعلمي من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب من خلال اعتبار أنَّ تراثاً معيّناً هو الصادق دون سواه مما يؤدي إلى رفض الآخرين ويقضي على حرية الفرد في إنتاج إبداعه الخاص والفريد. و مثل ذلك الإصرار على أنَّ نظرية علمية واحدة فقط كنظرية النسبية لأينشتاين هي النظرية الصادقة في الفيزياء دون سواها مما يدفع بنا نحو رفض الآراء العلمية المخالفة لها ويؤدي بنا إلى عدم إنتاج أيّة نظريات علمية جديدة بسبب قناعتنا بصدق تلك النظرية المتاحة لنا في التراث العلمي. أما الحقيقة الحقة فهي أنَّ كلّ الميادين المعرفية والإبداعية و التي من ضمنها العلوم الطبيعية كالفيزياء ليست سوى مشاريع فكرية تطالبنا بإنجازها بشكل مستمر. فلا يقينيات في العِلم مما يفسِّر تغيّر المعارف العلمية وتطوّرها. و بما أنه لا توجد يقينيات في العِلم، إذن العِلم مجرد مشروع مستقبلي يُبنَى على ضوء ما نبني ونصوغ من فكر ونماذج معرفية. و بهذا نستنتج بحق بأنَّ العِلم غير مُحدَّد لأنه مشروع مستقبلي ولذا يحتاج إلينا لكي نحدِّده باستمرار مما يفسِّر تغيّر العلوم المستمر واستدامة الإبداع العلمي.

من المنطلق السابق، السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷ إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. وبذلك السوبر تخلف المعرفي يقضي على الحرية الفكرية والإبداع من جراء اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً فيقضي أيضاً على إنسانية الإنسان الكامنة في الحرية والإبداع. على أساس هذه الاعتبارات، السوبر تخلف المعرفي يؤدي لا محالة إلى انهيار الحضارة القائمة على الإنجازات الإبداعية. فعندما نعتبر أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً، حينئذٍ سوف نُسجَن بتلك المعارف المُحدَّدة مما يقضي على الحرية الفكرية والإبداع فيحتِّم زوال إنسانيتنا القائمة على الإبداع والحرية.

أما إذا اعتبرنا أنَّ المعرفة غير مُحدَّدة سلفاً على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، فحينها سوف تطالبنا المعرفة بتحديدها المستمر مما يضمن استمرارية البحث المعرفي. و في هذا فضيلة معرفية كبرى. و إذا سعينا في إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كميادين العلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية) على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، وعلماً بأنَّ كلّ الأفكار والنظريات الممكنة تتضمن الأفكار والنظريات التي لم تُكتشَف بعد، فحينئذٍ نضمن إنتاج أفكار ونظريات جديدة مختلفة عن الأفكار والنظريات الماضوية والسائدة. و في هذا أيضاً فضيلة معرفية كبرى. هكذا التحرّر من السوبر تخلف المعرفي ضمان استمرارية البحوث المعرفية وضمان إبداع نماذج فكرية ومعرفية جديدة مما يضمن بدوره استدامة تطوّر الحضارة الإنسانية.

لا يكتفي السوبر تخلف المعرفي برفض العِلم والمنطق وسجننا بمعتقدات ماضوية بل أيضاً يستغل المعرفة من أجل نشر الجهل والتعصب. مثل ذلك استغلال معرفتنا بوجود ثقافات مختلفة للاستنتاج بأنَّ الصراع قائم لا محالة بين تلك الثقافات بسبب اختلافها مما يبرِّر سيادة الصراع بين المنتمين إلى ثقافات مختلفة. هكذا في عصور السوبر تخلف المعرفي يتم استغلال المعرفة لنشر التعصب والجهل معاً. فالاستنتاج الحق هو أنَّ الاختلاف الثقافي دليل على غنى الحضارة الإنسانية التي ينتمي إليها كلّ البشر من جراء أنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية والقدرات العقلية والأخلاقية ذاتها رغم إنتاجهم لثقافات متنوّعة. مثل آخر على استغلال المعرفة لنشر الجهل هو استغلال معرفتنا بأنَّ النظريات العلمية متغيّرة وتُستبدَل بنظريات علمية أخرى مختلفة للاستنتاج بأنَّ العِلم باطل وبذلك لا بدّ من رفضه بدلاً من الاستنتاج بأنَّ تغيّر العلوم دليل على أنَّ العِلم عملية تصحيح مستمرة و في ذلك فضيلة كبرى تشير إلى مصداقية العلوم.



#حسن_عجمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السوبر تخلف السياسي
- السوبر تخلف الإعلامي
- فلسفة لا مُحدَّدية العلوم
- فلسفة لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية
- فلسفة لا مُحدَّدية الزمكان
- فلسفة لا مُحدَّدية الجُسيمات ما دون الذرية
- فلسفة لا مُحدَّدية الجينات البيولوجية
- لا مُحدَّدية الحياة
- لا مُحدَّدية المادة والطاقة
- الكون اللامُحدَّد واللامتناهٍ
- لا مُحدَّدية المحتمل والواقع
- فرضية لا مُحدَّدية الانتظام والفوضى
- فرضية لا مُحدَّدية القوى الطبيعية
- فرضية لا مُحدَّدية الوجود
- فرضية لا مُحدَّدية المعلومات
- فرضية لا مُحدَّدية المعرفة
- قوانين لا مُحدَّدية الكون
- الهوية السوبر خلاّقة
- السوبر تخلف و الذكاء الاصطناعي السوبر خلاق
- السلام السوبر خلاّق


المزيد.....




- مصافحة ترامب الحارة والطويلة لبريجيت ماكرون بحضور زوجها تثير ...
- من دون --رئيس أركان الظل-.. نتنياهو -وحيدا- أمام -أزمة- الان ...
- لبنان يعلن مقتل أربعة أشخاص في هجمات إسرائيلية على الجنوب
- -باعوا إخوانهم وخذلوا إسرائيل-: هجوم من اليمين الإسرائيلي عل ...
- إنجازات عسكرية بلا مكاسب سياسية.. مأزق نتنياهو يتعمق داخل إس ...
- صورة تذكارية للقادة المشاركين في مجموعة السبع
- مصر.. عقوبة صارمة ضد إعلامي شهير بعد تصريحات صادمة
- 8 أسئلة -غير محسومة- في اتفاق ترامب مع إيران
- ترامب: رئيس أمريكي قوي هو الضمان لبقاء مضيق هرمز مفتوحا بشكل ...
- شريطة الوفاء بالعهود.. فانس يغري إيران باستثمارات دولية كبرى ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن عجمي - السوبر تخلف المعرفي