أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر















المزيد.....

إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر


محمد ياوز حسن نجم

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:33
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


الديمقراطية في المجتمعات الهشّة: حين تتحول الحرية إلى طريقٍ نحو الخراب
لطالما ردّد العالم العربي بيت الشاعر أبو القاسم الشابي:
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر."
تحوّل هذا البيت إلى شعارٍ للثورات، ورمزٍ للإيمان بإرادة الشعوب وقدرتها على كسر القيود وصناعة المستقبل. لكن التجارب السياسية الحديثة، خصوصاً في الشرق الأوسط والعالم النامي، كشفت حقيقة أكثر تعقيداً وأشد قسوة:
ليس كل شعبٍ يريد الحياة فعلاً.
فبعض الشعوب، حين تُمنح فرصة الحرية، لا تبني دولةً أفضل، بل تعيد إنتاج الاستبداد بوسائل ديمقراطية. وبعضها يختار الطائفية على المواطنة، والعاطفة على العقل، والزعيم على المؤسسة، والخرافة على العلم.
ومن هنا تأتي العبارة الصادمة:
"إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر."
إنها ليست شتيمة للشعوب، بل محاولة لفهم كيف يمكن للأمم أن تشارك أحياناً بوعي أو دون وعي في تدمير مستقبلها بنفسها.
الديمقراطية ليست علاجاً سحرياً
واحدة من أكبر الأساطير السياسية الحديثة هي الاعتقاد أن الديمقراطية وحدها قادرة على إنقاذ المجتمعات.
في الواقع، الديمقراطية ليست نقطة البداية، بل نتيجة متقدمة لمسار طويل من بناء الدولة والمؤسسات والثقافة المدنية.
فالانتخابات وحدها لا تصنع الحرية، تماماً كما أن وجود المستشفى لا يعني وجود الصحة.
قد تمتلك الدولة:
صناديق اقتراع،
أحزاباً سياسية،
ودستوراً مكتوباً،
لكنها تبقى دولة فاشلة إذا كان المجتمع:
غارقاً في الأمية،
أسير الهويات الطائفية،
خاضعاً للدعاية،
أو فاقداً للثقة بالمؤسسات.
في هذه البيئة، تتحول الديمقراطية من أداة للتحرر إلى وسيلة لإنتاج الفوضى أو الشرعية الشكلية للاستبداد.

لماذا تختار الشعوب من يدمرها؟
هذا السؤال ليس عربياً فقط، بل سؤالٌ ناقشه كبار علماء الاجتماع والفلسفة السياسية عبر التاريخ.
فالجماهير لا تصوّت دائماً وفق المصلحة العقلانية طويلة الأمد، بل غالباً وفق:
الخوف،
الهوية،
الغضب،
الحاجة الاقتصادية،
أو الرغبة في الانتقام.
الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل حذّر من "استبداد الأغلبية"، حيث يمكن للأغلبية نفسها أن تصبح خطراً على الحرية.
أما عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون فشرح كيف تفقد الجماهير قدرتها النقدية عندما تتحول إلى كتلة عاطفية يسهل توجيهها بالشعارات.
بينما رأى إريك فروم أن الإنسان قد يهرب من الحرية عندما تصبح الحرية مسؤولية ثقيلة، فيبحث عن زعيم قوي يمنحه شعوراً بالأمان ولو على حساب كرامته.
وهكذا، يصبح التصويت أحياناً تعبيراً عن الخوف لا عن الوعي.

الاستبداد ثقافة قبل أن يكون نظاماً
المشكلة الحقيقية ليست في الدكتاتور وحده، بل في البيئة الاجتماعية التي تسمح بعودته دائماً.
فالاستبداد لا يعيش فقط داخل القصر الجمهوري، بل داخل:
المدرسة،
العائلة،
الخطاب الديني،
الثقافة الشعبية،
وحتى داخل عقل المواطن نفسه.
عندما يعتاد المجتمع على:
تقديس القائد،
رفض النقد،
الخوف من الاختلاف،
والطاعة العمياء،
فإنه يصبح مهيأً لإعادة إنتاج الطغيان مهما تغيرت الأسماء والشعارات.
ولهذا، فإن إسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة إسقاط النظام العميق للاستبداد.
قد يسقط الدكتاتور، لكن تبقى العقلية التي صنعته.
الدولة الضعيفة تنتج ديمقراطية خطيرة
في الدول المستقرة، تعمل الديمقراطية داخل مؤسسات قوية تحمي القانون وتمنع الانهيار.
أما في الدول الهشّة، فقد تتحول الديمقراطية إلى ساحة صراع مفتوح بين:
الطوائف،
القبائل،
الميليشيات،
المال السياسي،
والتدخلات الخارجية.
عندما تكون الدولة ضعيفة، يصبح التصويت أقرب إلى تعدادٍ ديموغرافي منه إلى قرار سياسي واعٍ.
في هذه الحالة، لا يفوز الأفضل، بل:
الأكثر تعبئة،
الأكثر تطرفاً،
أو الأكثر قدرة على استغلال الخوف الجماعي.
وهنا تبدأ المأساة:
يدخل المجتمع الانتخابات أملاً بالحياة، فيخرج منها أكثر انقساماً وضعفاً.

التعليم أهم من الحرية السياسية
لا يمكن فصل الديمقراطية عن التعليم.
فالمواطن غير القادر على التفكير النقدي يصبح فريسة سهلة:
للدعاية،
للمعلومات الكاذبة،
للخطابات الشعبوية،
وللسياسيين الذين يتاجرون بالعاطفة والدين والخوف.
ولهذا، فإن بناء المدارس والجامعات قد يكون أهم من بناء مراكز الاقتراع.
الديمقراطية تحتاج مواطناً يفهم:
معنى الدولة،
معنى القانون،
معنى المصلحة العامة،
وحدود السلطة.
أما حين يصبح الجهل واسعاً، فإن الحرية نفسها قد تتحول إلى أداة لتدمير المجتمع.

الشعوب ليست بريئة دائماً
من السهل تحميل كل شيء للاستعمار أو المؤامرات الخارجية أو الأنظمة السابقة، وهذه العوامل حقيقية بلا شك.
لكن المجتمعات أيضاً تتحمل جزءاً من المسؤولية عندما:
ترفض النقد،
تقدّس الزعماء،
تهاجم الكفاءات،
تكافئ الفساد،
أو تختار الخطاب العاطفي على البرامج الواقعية.
فلا توجد أمة تتقدم فقط لأنها تريد التقدم، بل لأنها تمتلك ثقافة تسمح لها بتصحيح أخطائها.
الديمقراطية الحقيقية ليست حق التصويت فقط، بل القدرة على مراجعة الذات والاعتراف بالفشل وتغيير الاتجاه.

الحرية دون وعي قد تصبح انتحاراً جماعياً
أخطر لحظة في تاريخ أي مجتمع هي تلك اللحظة التي يمتلك فيها حرية الاختيار دون أن يمتلك الوعي الكافي لاستخدامها.
فالحرية قوة هائلة، لكنها قد تكون مدمرة إذا وقعت في بيئة:
منهارة تعليمياً،
ممزقة اجتماعياً،
أو محكومة بالخوف والكراهية.
وحينها، قد تنتخب الشعوب من:
يقمعها،
يسرقها،
يدفعها للحرب،
أو يعيدها عشرات السنين إلى الخلف.
ليس لأن الشعوب شريرة، بل لأن الوعي السياسي لا يولد تلقائياً مع الحرية.
بل يحتاج إلى أجيال من التربية المدنية وبناء الإنسان.
خاتمة
ربما لم يكن السؤال الحقيقي يوماً:
"هل تريد الشعوب الحرية؟"
بل:
"هل تعرف الشعوب كيف تحمي الحرية بعد حصولها عليها؟"
فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل منظومة أخلاقية وثقافية ومؤسساتية معقدة.
وعندما تدخل المجتمعات الهشّة هذه التجربة دون إعداد تاريخي وفكري، فإن النتيجة قد لا تكون الحياة التي حلم بها الشعراء، بل نسخة جديدة من الفوضى والاستبداد والموت البطيء.
ولهذا، قد يصبح البيت الأكثر واقعية في بعض الأزمنة:
"إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر."



#محمد_ياوز_حسن_نجم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها- هل الحَ ...
- السلاح والعقيدة والدولة: هل يمكن بناء عراق قوي دون إلغاء اله ...
- بناء السيناريوهات المستقبلية: كيف يتوقع المحلل اتجاه الأحداث ...
- الرأسمالية الاجتماعية: هل تكون الأيديولوجية التي يحتاجها الع ...
- وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟
- استشراف المستقبل السياسي: كيف يبني المحلل السيناريوهات؟ وعي ...


المزيد.....




- لافروف: ملتزمون بأمن الملاحة في العالم
- اتفاقية سعودية تركية في مجال النقل
- -إنذار كاذب- يتسبب بإخلاء وإغلاق جزئي داخل البنتاغون
- بعد إعلان السيطرة على وادي السلوقي.. قائد في لواء غولاني: -م ...
- ترامب يهدد بضرب إيران -بقوة شديدة- والسيطرة على جزيرة خرج
- ملفات إبستين تعيد فتح لغز اختفاء شابة ألمانية منذ عام 2015
- الجزائر وفرنسا.. حوار ندّي وتقارب حذر
- قاليباف يحذر أمريكا من نقطة الصفر ومستنقع لا نهائي بعد تهديد ...
- ترامب يعلن إلغاء الضربات وعمليات القصف التي كانت مقررة ضد إي ...
- السفير الأميركي في إسرائيل: منطلقات دعمنا لتل أبيب عقائدية و ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر