أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - هدي رضا - ترامب والإعلام: معركة تبرز عظمة النظام الأمريكي














المزيد.....

ترامب والإعلام: معركة تبرز عظمة النظام الأمريكي


هدي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 20:13
المحور: الصحافة والاعلام
    


المشهد يبدو للوهلة الأولى فوضوياً، بل ومربكاً للمتابع من خارج البيئة السياسية الأمريكية. رئيس الولايات المتحدة —الرجل الذي يُوصَف غالباً بأنه الأقوى في العالم— يقف خلف منصته ليشتم وسائل إعلام كبرى، يصفهم بـ "أعداء الشعب" وصُنّاع "الأخبار الزائفة". وفي المقابل، لا تتوقف هذه المنصات الإعلامية عن تفنيد تصريحاته، وملاحقة خطاباته بالنقد والتحليل والاتهام، وتوجيه أعنف السهام لشخصه وسياسته.
في ثقافتنا السياسية الشرق أوسطية، هذا المشهد كفيل بإعلان حالة الطوارئ. ففي دول مثل الدول العربية، خُرقت "هيبة" المسؤول أو نُقد رأس الدولة —مجرد النقد وليس السب الصريح— يعني غياباً فورياً وراء الشمس، وإغلاقاً للمؤسسة، وتهميشاً لا رجعة فيه للصوت المعارض تحت دعاوى حماية الأمن القومي واستقرار الوطن.
لكن المفارقة المبهرة في الحالة الأمريكية هي: أن الرئيس، بكل نفوذه وصلاحياته، لا يملك أن يُغلق محطة تلفزيونية واحدة، ولا يستطيع جرجرة مذيع إلى السجن لأن رأيه لم يعجبه. هنا تحديداً، يتجلى جوهر المنظومة الغربية التي لا تقوم على قدسية الأفراد، بل على حصانة المؤسسات.
أولاً: الرئيس موظف.. وليس رمزاً مقدساً
في الفلسفة التي قام عليها الدستور الأمريكي، الرئيس ليس الأب الروحي للأمة، ولا الحاكم بأمر الله، بل هو "موظف عام مؤقت" استأجره الشعب لإدارة شؤون البلاد لمدة محددة. هذه النظرة البراجماتية تجعل من منصب الرئاسة هدفاً مشروعاً ومستباحاً للنقد والمسائلة اليومية.
حين يهاجم الإعلام ترامب، وحين يرد ترامب بالشجب والشتائم والبيانات العنيفة، فهو لا يفعل ذلك ترفعاً أو طيبة خاطر، بل لأنه لا يملك خياراً آخر. المنظومة الدستورية مصممة عبر "شبكة توازن وفصل للسلطات" تغل يد الحاكم عن إبادة معارضيه، وتجبره على خوض المعركة بأدوات القانون والسياسة، لا بأدوات البطش الأمني.

ثانياً: "السلطة الرابعة" وحصانة الخطأ
لم تكتسب الصحافة الأمريكية هذه القوة من فراغ، بل من حماية قانونية صارمة جعلت "حرية التعبير" خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. القانون الأمريكي، وتحديداً منذ الحكم التاريخي للمحكمة العليا في قضية (نيويورك تايمز ضد سوليفان) عام 1964، وضع معياراً تعجيزياً لمقاضاة وسائل الإعلام بتهمة التشهير بالشخصيات العامة.
لكي يربح مسؤول سياسي قضية ضد صحيفة، يجب أن يثبت أنها نشرت أكاذيب بـ "سوء نية متعمد"، وهي تعلم تماماً أنها كاذبة بقصد تدميره. هذا البناء القانوني خلق درعاً حصيناً للإعلام، يتيح له المغامرة، والنقد، وحتى الخطأ في التحليل، دون خوف من الإغلاق أو الملاحقة السياسية. الإعلام هناك ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو "سلطة رابعة" تراقب السلطات الثلاث الأخرى وتمنعها من التغول.

ثالثاً: مفارقة القوة والاستقرار
البعض قد يظن أن هذا الصدام الدائم بين رأس السلطة التنفيذية والإعلام يضعف الدولة أو يهدد السلم المجتمعي. لكن التجربة أثبتت العكس تماماً؛ هذا الصخب هو دليل عافية المنظومة.
لقد دخل ترامب البيت الأبيض، وخرج منه بالانتخابات، وعاد إليه مجدداً، وظلت ماكينة الإعلام تعمل بكفاءة ونفس السقف من الحرية والجرأة. لم تهتز أركان النظام القضائي، ولم تتحرك الدبابات لإغلاق القنوات، ولم يتغير الدستور لترضية رغبات الرئيس الانتقامية ضد منتقديه.
إن الانبهار الحقيقي بالنظام الأمريكي لا ينبع من كونه نظاماً مثالياً بلا أخطاء، بل من كونه نظاماً استطاع بصياغته الدستورية والمؤسسية أن يجعل القوانين أقوى من النفوذ، والمؤسسات أبقى من الأفراد. في أمريكا، يذهب الرؤساء وتتغير الإدارات، وتبقى شتائم ترامب مجرد حبر على ورق أو كلمات في الفضاء الرقمي، بينما تظل الصحافة واقفة على أقدامها، تمارس دورها كرقيب لا ينحني لأقوى رجل في العالم.



#هدي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فخ -الحداثة الانتقائية-: كيف يُهدر العمل المنزلي في ميزان -ا ...
- هرم -ماسلو- المقلوب: في نقد الرومانسية الزائفة للفقر
- فخ -المشاركة- الصورية: الانتهازية الفكرية بين شعارات الحداثة ...
- الميدان المهجور.. تأملات في -إنجاز الذكورة- على أنقاض تغييب ...
- إبستين و معايرة الغرب.. لماذا نحترم -الفضيحة- ونخشى -المكاشف ...


المزيد.....




- قصف إسرائيلي على مصنع للبتروكيماويات في إيران وسط أول تبادل ...
- ترامب يعلن -قرب وقف فوري لإطلاق النار- بين إيران وإسرائيل.. ...
- عقوبات أوروبية على طهران بسبب مضيق هرمز.. كيف ردت إيران؟
- معَنَّفات على -الخط الساخن- بألمانيا.. تفاقم الظاهرة أم ارتف ...
- فوز حزب العقد المدني الحاكم في أرمينيا بالانتخابات البرلماني ...
- اجتماع أوروبي لبحث تصاعد أزمات الشرق الأوسط والحرب في أوكران ...
- جيل زد يصارع في مدغشقر للحفاظ على مكتسباته
- قلعة الشقيف.. ساحة للموت والدعاية من شارون إلى نتنياهو
- دلالات التصعيد الإسرائيلي ومستقبل اتفاق غزة
- لبنان..”ملح” المعادلات وعقدة الكيان


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - هدي رضا - ترامب والإعلام: معركة تبرز عظمة النظام الأمريكي