|
|
في القيادة (في زكري مذبحة اعتصام القيادة العامة في السودان ٣ يونيو ٢٠١٩)
أبوسبيب حسين الصادق
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 08:11
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
نزلت الطائرة في مطار أديس أبابا المكتظ بالمسافرين من كل صوب. كانت روحي تتلوي جوعاً لكوب من القهوة الأثيوبية الأصيلة، علها تطفيء حدة الترقب وتعطيني قليل من السكينة، فقد كنت قلقاً من تأخر الطائرة أو عدم تمكني من بلوغ وجهتي التي اتنازع شوقا لبلوغها. تجولت بين المقاهي الي ان دلفت الي احداها، سألت النادلة الأثيوبية المتأنقة عن نوع القهوة المتوفر لديهم وسعره، وعرضت ثمناً مضاعفاً ان هي أتتني بقهوة علي الطريقة الأثيوبية، ولكنها اعتذرت بلطف أن ذلك غير ممكن هنا! تناولت كوباً من القهوة الخجولة وتحركت مسرعا في اتجاه باب مغادرة طائرتي المتجهة للخرطوم. وصلت الخرطوم في ظهر يوم غائظ ، وما ان غادرت رجلي اخر عتبات السلم المعدني للطائرة ووطئت أرض المطار حتي صرت أرتجف بشدة واغرورقت عيناي بالدموع، توقفت جانبا لأتبين ما يعتريني فدفعني أحد أفراد أمن المطار بعبارات جافة نحو البص الذي يقل المسافرين الي صالة الوصول. وفي الطريق الي المنزل سلك أخي فتح الرحمن الذي استقبلني طريقا يلتف بعيدا عن موقع الإعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش والذي أغلق الطريق المعتاد سلوكها في السابق، تعلل بأن الجو حار لزيارة موقع الاعتصام في هذا الوقت، وكأنما قرأ ما يجول بخاطري من مشاعر متضاربة. "ثم ان الوالدة تجلس بانتظار وصولك منذ الصباح"، اردف وهو يقود العربة وينظر بعيداً. بعد افطار سريع اثر يوم صيام طويل وشاق، استقليت العربة مع عصام ابن عمي وزوج أختي هدي وابنائهما، جلس التوأم ذو الخمس سنوات علي حجري وما ان تحركت العربة حتي بدأءا الصياح وهما يرددان هتافات وشعارات الثورة، كانا في غاية المرح لأننا متجهين الي ساحة الإعتصام. طفقا يرددان أغنية لمغني "الراب" السوداني "أيمن ماو": "رصاصة حيّة - ثورة ويقولوا ليك مطاطة – ثورة ديل جنجويد – ثورة جنجويد رباطة .... " أخرجت تلفوني الذكي واوصلته بجهاز الصوت في العربة عن طريق البلوتوث، وشغلت نفس الأغنية بصوت مرتفع، التمعت عينا الصبيين بجذل وصار كل من بالعربة يردد مقاطعها معاً بنفس الطريقة الهتافية. سلك عصام بالعربة طرقا متعرجة الي أن توقفنا بالقرب من نادي الشرطة ببري. ترجلنا صوب احدي المتاريس العالية وما ان اقتربنا حتي استقبلنا اثنان من الثوار بابتسامات هاشة وصياح مرحب: "أرفع يدك فوق .. التفتيش بالذوق أرفع يدك حبة .. التفتيش بمحبة" عبرنا التفتيش عند الترس وكأنما عبرنا البرزخ! فقد تبدل احساس الترقب، ليحل محله مهرجان من الفرح والحبور والتصميم والأمل والرهبة والانتصار والتحدي والوعي والتضامن . خنقتني العبرات واغرورقت عيناي بالدموع فاتخذت مسارا طرفياً لأخفي مشاعري، كانت الجدران المقابلة مليئة برسوم الشهداء ولوحات وأعمال الغرافيتي والاعمال التشكيلية التي تعبر عن روح وأهداف الثورة العظيمة. أخرجت تلفوني وبدأت أصوّر مشدوهاً فتصايح حولي الثوار مداعبين ومرحبين: "أهلاً مرحب بالسيّاح!" هممت بمعانقتهم ولكني اكتفيت بترديد هتافهم الي ان ابتعدوا مهرولين لجانب آخر من جوانب ساحة الإعتصام. بهرتني التصاميم المشبعة بروح المقاومة والصمود وقوة الألوان والزوايا والمنحنيات فسرحت أتأمل تفاصيلها الواحدة تلو الأخري، وخيّل الي وسط الظلال والدموع المترقرقة في عينيّ أني أري فرشاة الرسّام ما زالت تجول وتغدق علي اللوحة المزيد من الألق، وتخطّ المزيد من الرسائل الخفية المتضاربة ، رأيت الألوان تعانق بعضاً داخل اللوحة الواحدة .. يحتضن الأزرق الأحمر ممسكاً بالأسود، ويمد الأخضر زراعاً ليتلقف الأصفر المتسرب بتباهتٍ الي الأبيض.. تصورتهم رفاقاً يتكئون علي بعضهم وهم يرددون الهتافات .. تخيلتهم ثواراً يتقافزون لتفادي ضربات الكجر والرباطة ويرفعون من سقط جريحاً او شهيد، تبينت بحراً متلاطم الأمواج يقذف خارجه وطناً مغسولاً من كل أدران الظلم وروائح الفساد والاستبداد، ناصعاً معبأ بالعدل والسلام والحرية، وخالياً من كل عنصرية وتعصب واضطهاد. تفحّصت وجوه الشهداء التي بدت جميعاً مألوفة للغاية، وجوه مليئة بالأمل والتحدي والطمأنينة ، وكأنما اتخذوا وضعية الصور تلك وهم موقنون أنها ستعرض عند استشهادهم هنا وفي هذه البقعة المقدسة بالذات. مددت يدي أتلمّس ملامحهم الوضاءة الواحد تلو الآخر، وأبعث اليهم سلاماً صامتاً علّي أحظي بشرف مخاطبتهم والتواجد معهم في هذا المكان. ثم انتبهت الي السطور التي كُتبت تحت كل صورة، لم يكن نعياً وإنما مناجاة تبارك انتصارهم وتمجّد تضحياتهم الجسام، قرأت وأصابعي ما زالت تتبّع ملامحهم وتجهد في سبيل مد حبل الوصل لأرواحهم الطاهرة: "الي محمد عيسي (ماكور) مع المحبة: ضحكات السوق، طعم الشاي في كوب الشاي، الطرفة المنثورة في الزحام، صيحات الناس ..." "الي معاوية بشير خليل: في الفريق ياهو الركيزة .. هو البشيل حمل الرباعة .. وعنده كلمة علي الجماعة ..." "الي محجوب مع المودة: لم يكن وجهك محجوباً وأنت تودع أصحابك في فناء الجامعة، بل فيّاضاً وطيّباً شفّ عن روحك النقية ...." "أحمد ابراهيم تبيدي: معززاً مكرماً مهندماً بناصع البياض .. موكب يحفني بمرقد أخير .. أموت لا أخاف، كيفما يشاء لي مصيري ..." "مهند أحمد محمود: ورأيت الشهداء واقفين .. كل علي نجمته سعداء بما قدموا للموتي الأحياء من أمل " "الي عبد الرحمن الصادق من أبيه: من الذي قتلك يا عبدالرحمن؟ أما ان سألتني عن الأشواق يا حبيب الروح، فإن مكامن الروح حيث أنت ... " "مآب حنفي السيد البكري: كان مآب طويلاً كمآذن بلادي ، شامخاً كتبلدي الغرب ، أنيقاً لطيفاً باسماً" "حسن محمد عمر: صار جسمي وردةً في موتهم ، ذبلت في اليوم الذي سبق الرصاصة، وازدهرت غداة أكملت الرصاصة جثتي .." وتستمر القائمة التي تبعث في جسدك القشعريرة وتنقلك الي عالم غير المكان وزمان غير الزمان. لا أدري كم من الوقت قضيت هناك، أمام تلك الصور الي أن أفقت علي صوت أحد الثوّار يقدم لي كرسياً للجلوس، بلعت غصّتي ورددته بصمت وجرجرت رجلي مغادراً "معرض صور الشهداء" الي جانب آخر من ساحة الإعتصام وأنا اردد مقولة الفيتوري (ابتسم، إن حزنك أكبر منك، وأعمق مما يري الميّتون). لم يبهرني وأنا أتجول بين فعاليات ساحة الإعتصام ما كان يطرح ويتداول من قضايا علي المنصات العديدة، بالرغم من عمقها والحاح مواضيعها، وانما شدهتني هتافات الثوّار وشعاراتهم التي يصدحون بها ملء أفواههم وهم يتجولون بين المنصات والخيم. ليس لثوريتها ودقة معانيها فحسب، وانما طريقة إلقائها بنبرات واثقة وأسلوب يتخلله مزيج من التصميم والجدية والصرامة والمرح والأداء المسرحي مجتمعين. تتردد الهتافات وتعاد وتكرر بشكل لا نهائي كما خيّل لي ، او هكذا وددت أن تكون، وما ان تبتعد مجموعة بهتافها ويبدأ هزيمها بالخفوت حتي تظهر أخري مؤكدة بقاء هذه الشعارات سمة لا تزول لهذا المكان : "حرية ، سلام وعدالة .. والثورة خيار الشعب" "ما راجع أنا ليّ مطالب .. جيبوا حكومة الحكم المدني .. ودم الكوز القتل الطالب" "أيّ كوز – آآآآآآي .. ندوسو دوس – جيبو .. ما بنخاف ما بنخاف ما بنخاف" "يا انت يا وطنك -- وطني .. جهز عديل كفنك – جاهز" "أعفيلي يا يمة، منك تراني بعيد .. أنا ما مفارقك يوم، أنا عمري بيكي بزيد .. بس إنت أدعيلو ، وطني البريدو شديد .. ما يتظلم تاني، ما يروح ضحية شهيد" "شفّاتنا جوا بوليس جري .. شارعنا ده فوقو الشرا .. ثورتنا دي ما بتقدرها .. ثوّار ونحب الجرجرة .. " "ياخوانا الموت .. الموت بي جاي .. موت ما عادي .. موت في رمضان وبي دوشكا كمان .. ومعاه جنة" "شهدانا ما ماتوا .. عايشين مع الثوّار .. المات ضمير خائن... حالفين نجيب التار" "سقطت .. ما سقطت صابنها ... الكهرباء قطعت صابنها .. قطعت ما قطعت صابنها" "سقطت بس .. سقطت يا قوم .. جوا الخرطوم ... سقطت بهناكا .. بي صوت كنداكة .." "كدراوية .. يا عزة ... صبة مية المية .. يا عزة .. ثورتنا دي سلمية .. يا عزة .." "ياخوانا الشاي .. الشاي بي جاي .. شاي ما عادي ..شاي كوفتي كمان، بي موية صحة.. ومعاه كيكة" "الطقة الطقة .. تعال اتعشي .. ولو متعشي أقعد حلّي" تبعت بعضهم هنا وهناك، أصيح كدرويش متوهّج مسّه الذكر فتماهي لا يذكر من هو او أين يكون، أترنح الي أن تستوقفني فعالية ما فأترجّل اليها منصتاً بنصف وعي وانطفاءتين، اتلفّت يمنة ويسري أبحث عن قدامي الرفاق ووجوه قد تكون مألوفة أكاد أستجديها الظهور. واستمر كرنفال الشعر والهتاف المحبب ليملأ المكان حيوية وأمل الي أن تعثرت بمجموعة متجولة أقل صخباً وأحسن تنظيماً، تردد الأغاني الوطنية وهي تعزف علي آلات موسيقية مختلفة، تبعتهم الي أن استقروا في الجانب الشمالي لساحة الإعتصام - باتجاه مستشفي جامعة الخرطوم - لأجد نفسي وسط مهرجان غنائي صاخب . فهنا مجموعة تصدح ب"عازة في هواك" علي انغام وتريات شجية، وغير بعيد عنهم إيقاع قوي يتسارع ب "أصبح الصبح" و"علي أجنحة الفجر ترفرف فوق أعلامك"، ومجموعة تصدح ب "أنا سوداني أنا"، وآخر يتجول بمجموعته بالكمان ويتغنون "أحبّ مكان وطني السودان" و "أنا أفريقي أنا سوداني". ذبت في الألحان ودفقت ما جاش من العواطف وأنا أعانق هذا هنا وأسالم تلك هناك ، قابلت هناك بعض الأصدقاء ورفقاء الدرب الا أن جميع الوجوه في تلك الناجية بدت معتادة وحميمة وقد غطي الكثير منها الدموع. عبرت "أعالي النفق" وسط طرقهم المبعثر الصخيب ، والذي بدأ متناغماً بشكل خفي مع أسماء القتلة واللصوص من الكيزان التي دمغت جانبي النفق من تحتهم، انسجمت الدقات المنثورة مع كل مقطع قرأته من تلك الأسماء المقيتة حتي خيّل الي أنهم يطلقون لعناتهم عليهم، اسماً بعد اسم، بلغتهم الخاصة. تعثرت ب"مفروش" الكتب فانتقيت إيماءات بيضاء لعزلتي الآتية علي خطي "جورج ماورر"، وعندما لاحت بواكير الفجر هممت بالمغادرة لتناجيني نداءات حرّاس المتاريس بوعي عالٍ ومنطق صلد: "بس انت حاول بيت.. فرشة ومعجون نديك .. شاي الصباح نسقيك .. وزلابية نجازفها ليك .. تلفونك نشحنه ليك.. وايفاي نوصله ليك .. ورصيد نحوله ليك .. كنداكة نعرسها ليك ..." "يا ماشي لي بيتكم.. جيب لينا زول بدلك .. يفهم قضيتنا ..." رحلت عن ساحة الإعتصام والوطن الحبيب، وتم القتل والإغتصاب والحرق الممنهج لكل ذلك ، نكايةً في قيم الحرية والسلام والعدالة ، ليغرس خنجراً ويفتح جرحاً لا يندمل في قلوبنا جميعاً.
#أبوسبيب_حسين_الصادق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حلم
-
عجالة الرحيل
-
ات غروب
المزيد.....
-
بريطانيا على حافة الاستقطاب.. مقتل نوفاك يؤجج خطاب اليمين ال
...
-
كيف يدعم نهج ترامب المناهض للهجرة اليمين المتطرف في ألمانيا؟
...
-
Nandita Haksar: Human Rights Discourse Has been Turned Into
...
-
جامعة الدول العربية: يوم البيئة العالمي فرصة لتجديد الالتزام
...
-
ملف الحماية الإنسانية في قبضة “الأمن القومي”
-
محصِّلو فواتير المياه يحتجون في القناطر الخيرية
-
Will Governments Make Tobacco Industry Pay for All the Harms
...
-
Gandhi, Meet the Frankfurt School and Habermas: Bridging the
...
-
How Propaganda and False Information are Undermining Humanit
...
-
شطب مرشحين عن حزب اليسار بسبب إشادتهم بحرکة حماس
المزيد.....
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
المزيد.....
|