علي إبراهيم آلعكلة
كاتب
(Ali Ogla)
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:49
المحور:
الادب والفن
ولد يتيماً،
فربّته الأرصفة قبل أن تربيه البيوت،
واحتضنته الشوارع الباردة حين ضاقت به الدنيا.
كبر وهو يتعلّم كيف يقسو،
وكيف يخبئ جوعه ووجعه خلف وجهٍ لا يعرف الرحمة.
كان يرى المجتمع خصماً له،
ويؤمن أن الحياة سرقته أولاً،
لذلك مضى يسرقها من الآخرين دون تردد.
ومع كل سرقة،
كان يشعر بانتصارٍ صغير يشبه الانتقام.
ألقي القبض عليه غير مرة،
وأودع سجن الأحداث،
لكن القضبان لم تغيّر شيئاً في داخله،
بل زادته تمرّداً وخبرة.
ومع مرور السنوات،
كبرت سرقاته كما كبر هو،
حتى صار اسماً معروفاً في عالم اللصوص،
وتحوّل إلى زعيمٍ يتفنن في اقتناص ضحاياه.
وفي مساءٍ عابر،
وقعت عيناه على فتاة تسير وحدها في الشارع،
تبدو غافلة ومتعبة.
اقترب منها بخفّة معتادة،
وهمّ أن ينتزع ما في حقيبتها،
لكنها شعرت به،
فالتفتت إليه بعينين مرتجفتين،
وقالت بصوتٍ مكسور:
إن المال الذي معها
هو كل ما تملك لإطعام أطفالها الأيتام.
تجمّد في مكانه للحظة.
شيءٌ قديم تحرّك في داخله،
كذكرى بعيدة خرجت من تحت الركام.
رأى نفسه فجأة…
ذلك الطفل اليتيم الذي كان ينام جائعاً
وينتظر رحمة لا تأتي.
حاول أن يقمع ذلك الشعور،
فالعاطفة في أزقة المهمشين ضعفٌ لا يُغتفر،
لكنه فشل.
تركها تمضي بسلام،
ومضى هو مثقلاً بشيءٍ لم يعرفه منذ زمن طويل:
تأنيب الضمير.
مرّت الأيام،
لكن صورتها لم تفارقه،
ولا ذلك الحزن الدافئ في عينيها.
وفي يومٍ لم يستطع مقاومة فضوله،
وصل إلى بيتها المتواضع.
وقف أمامها طويلاً،
يتأمل نظرتها التي كان ينبعث منها
رفقٌ غريب وحنينٌ هادئ،
شعورٌ لم يألفه في حياته القاسية.
حينها أدرك الحقيقة التي حاول الهرب منها:
لقد أحبّها.
هي لم تسرق ماله،
ولا قوته،
ولا هيبته بين اللصوص…
بل سرقت قلبه،
كما سرق هو قلوب الناس وأمانهم من قبل،
لكن بطريقةٍ مختلفة تماماً.
#علي_إبراهيم_آلعكلة (هاشتاغ)
Ali_Ogla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟