أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حميد عقبي - عندما يصبح ضرب طفل ترندًا: اليمن بين اللقطة والمأساة الكبرى















المزيد.....

عندما يصبح ضرب طفل ترندًا: اليمن بين اللقطة والمأساة الكبرى


حميد عقبي

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 15:18
المحور: المجتمع المدني
    


يتضح من ردود فعل المؤثرين على تيك توك ومنصات التواصل الاجتماعي أن لقطة ضرب الطفل، المرتبطة بواقعة الفنانة اليمنية ماريا القحطاني وأخيها وحارسها، والتي حدثت خلال فعاليات افتتاح مجمع سياحي في عدن، كانت ببساطة حادثة اقتراب طفل من الفنانة المشهورة، فكان رد فعل الأخ المرافق دفعة عنيفة وقوية، ثم قام الحارس برأسه الضخم بردع الطفل بوحشية.

لكن هذه الحادثة لم تُقرأ كحادثة إنسانية فقط، بل تحولت سريعًا إلى مادة للترند. خلال ساعات قليلة، امتلأت الصفحات بمئات الفيديوهات، والتعليقات، والتحليلات العاطفية، والمزايدات الأخلاقية، حتى صار المشهد أقرب إلى سوق مفتوح للمشاهدات منه إلى وقفة حقيقية أمام كرامة طفل يمني أُهين أمام الناس.

صحيح أن الغضب كان مفهومًا، وصحيح أن الاعتذار العلني الذي قدمته ماريا في اليوم الثاني جاء تحت ضغط تسونامي هذا الغضب، لكن السؤال الأهم ليس: من اعتذر؟ ولكن: لماذا لا نستيقظ إلا عندما تتحول المأساة إلى فيديو قصير؟

المشكلة ليست في الدفاع عن الطفل. الدفاع عنه واجب أخلاقي وإنساني. المشكلة أن هذا الدفاع نفسه جرى استثماره بطريقة تكشف عطبًا أعمق في وعينا العام. كثير من مشاهير السوشيال ميديا لم يتعاملوا مع المشهد كجرح صغير داخل جرح يمني هائل، بل كفرصة لصناعة محتوى.

كل واحد أراد أن يكون أكثر غضبًا من الآخر، أكثر بكاءً، أكثر بطولة، وأكثر قربًا من “الناس”. لكن هذا القرب المعلن من الناس يصطدم بحقيقة موجعة، ألا وهي: أين هذا الغضب والأطفال ما يزالون يموتون من الجوع؟ أين كانت هذه الأصوات العالية أمام المجاعة اليمنية المستمرة، وانهيار الرواتب، ومرضى المستشفيات، والنازحين، والبيوت التي بلا خبز ولا دواء؟

تقول اليونيسف إن أكثر من ألف طفل يمني دون الخامسة يموتون يوميًا لأسباب مرتبطة بالفقر والمرض ونقص الرعاية. كما تشير تقارير أممية إلى أن نصف أطفال اليمن دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد. هذه الأرقام ليست لقطة عابرة، وليست فيديو مؤلمًا مدته عشر ثوانٍ، بل مأساة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات. ومع ذلك لا تتحول إلى ترند يومي. لم نرَ مئات الفيديوهات عنها كل صباح. لم يتسابق المؤثرون إلى فتح بثوث مباشرة عن طفل مات لأنه لم يجد الحليب، أو عن أم باعت آخر ما تملك لتشتري علاجًا، أو عن أب فقد كرامته أمام طابور المساعدات.

هنا تتجلى المفارقة القاسية: طفل يُضرب في مكان عام، فيشتعل الفضاء الرقمي. لكن مئات الأطفال يُسحقون يوميًا بالجوع، والمرض، والحرب، واللامبالاة، فلا يحدث الاشتعال نفسه. ليس لأن الطفل المضروب لا يستحق التضامن، بل لأنه يكشف كيف صرنا نرى الألم حين يكون صالحًا للمشاهدة فقط.

الألم الذي يأتي في صورة واضحة، مع وجه مشهور، ولقطة مثيرة، وسردية سهلة: ضحية وجلاد وجمهور. أما الألم البطيء، ألم الجوع، وألم الأمهات، وألم الأجساد الهزيلة، فلا يجلب التفاعل ذاته لأنه لا يمنح المؤثر فرصة بطولة سريعة.

لقد تحولت السوشيال ميديا اليمنية، في جزء كبير منها، إلى ماكينة انتقال من ترند إلى ترند. اليوم طفل مضروب، غدًا خلاف فنانين، بعد غد فضيحة شخصية، ثم قضية عائلية، ثم بكاء مباشر، ثم اعتذار، ثم مصالحة، ثم نسيان كامل. وفي كل مرة تُقدَّم هذه الحركة بوصفها انتصارًا للناس أو دفاعًا عن الوطن. لكن عن أي وطن هذا الذي تُختزل كرامته في موجة تعليقات؟ أي وطن هذا الذي لا يجد مكانًا في خطاب مشاهيره إلا عندما يكون قابلًا للتسويق؟ وأي كرامة تبقى إذا كان الطفل يُدفع بالحارس، ثم يُدفع مرة أخرى إلى شاشة المحتوى، ثم نطلب منه أن يكون سببًا لزيادة المتابعين؟

ما حدث مع هذا الطفل يجب أن يُدان بوضوح. لا يحق لأي حارس، أو مرافق، أو قريب من فنان أو فنانة، أن يتعامل مع طفل فقير أو معجب أو فضولي كأنه شيء زائد في الطريق. الطفل لم يكن عائقًا أمنيًا، وليس جسدًا صغيرًا يمكن دفعه لأن نجمة تمر. لكن الإدانة الحقيقية لا يمكن أن تكتمل إلا عندما نضع الواقعة في سياقها اليمني الأوسع.

هذا الطفل ليس فردًا معزولًا. هو صورة مكثفة لطفولة يمنية كاملة تُردع كل يوم: تُردع بالجوع، وتُردع بالحرب، وتُردع بالفقر، وتُردع بانهيار التعليم، وتُردع حين يصبح مستقبلها مادة للخطابات والمزايدات.

الغريب أن النقاشات لا تذهب غالبًا إلى هذه الجذور. لا تسأل: لماذا يوجد طفل في هذا الوضع؟ لماذا تتحول الطفولة اليمنية إلى هامش؟ لماذا صار الفقر مشهدًا عاديًا؟ لماذا يتصرف بعض المشاهير وكأن الناس مجرد جمهور، لا بشر لهم كرامة؟ بدلًا من ذلك، ينحرف النقاش إلى سباب، وتشهير، ومقاطع رد، ومقاطع رد على الرد، حتى تضيع القضية الأصلية.

يصبح الطفل مجرد ذريعة. يصبح الاعتذار مادة جديدة. ويصبح الغضب نفسه سلعة.

نحن أمام حالة مرضية في علاقة الشهرة بالواقع. بعض مشاهير تيك توك يعيشون في بلد موجوع، أو ينتمون إلى بلد موجوع من الخارج، لكنهم يتعاملون مع هذا الوجع كخلفية بعيدة. يتحدثون باسم اليمن، يرفعون شعارات اليمن، يقولون إنهم يفرحون الناس، أو يمثلون الوطن، أو يفتحون له نافذة على العالم. لكن الوطن ليس رقصة، ولا بثًا مباشرًا، ولا هدية افتراضية، ولا عدد مشاهدات. الوطن طفل جائع، أم مفجوعة، مدرسة مهدمة، طبيب بلا راتب، ومواطن يجر كرامته في الشوارع بحثًا عن دواء أو رغيف.

إن هذه اللحظة هي زمن يسقط فيه الجميع: يسقط الحارس الذي ردع الطفل، ويسقط المشهور الذي لم يفهم معنى الناس، ويسقط المؤثر الذي استغل الوجع، ويسقط الجمهور عندما يستمر في التصفيق لأيام ثم ينسى، ونسقط نحن حين نسمح للترند أن يكون بديلًا عن الضمير.

فالطفل إذن لا يحتاج إلى موجة غضب ليومين فقط، بل إلى مجتمع يحميه. واليمن لا يحتاج إلى نجوم يعتذرون تحت الضغط، بل إلى وعي يعيد للإنسان قيمته قبل الصورة، وللطفولة كرامتها قبل المشاهدة.

إن اليمن الحزين لا تنقصه اللقطات المؤلمة. ما أكثرها. لكنه يحتاج إلى من يرى ما وراء اللقطة. يحتاج إلى من يقول إن ضرب طفل فضيحة، لكن موت الأطفال جوعًا فضيحة أكبر. يحتاج إلى من يرفض أن تتحول المأساة إلى مادة للربح الرمزي والمالي. سنجوع، ونُردع، ونُهان، ثم نصفق لمن يقولون إنهم يتكلمون باسمنا.

هذه هي التراجيديا الطويلة: أن يتحول الضحايا إلى جمهور، وأن يتحول المتفرجون إلى قضاة، وأن يظل الطفل اليمني في النهاية وحيدًا، بين حارس غليظ، ومؤثر جائع للمشاهدات، ووطن لم يعد يعرف كيف يحمي صغاره.



#حميد_عقبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند م ...
- الباحث العراقي د. نائل حنون يوجه اتهامات غير منهجية لرائد ال ...
- -فيلا ملاك الموت-... رواية عن بشرٍ نساهم العالم ونساهم الحرو ...
- Julia and Sheikh Al-Tihami by Hamid Oqabi/ جوليا والشيخ الته ...
- كتاب -تأملات ومراجعات في الشعر الشعبي التهامي اليمني – من ال ...
- لوحة -الركام-، بين الصمت والأنقاض: الفنان الأمريكي براين كار ...
- تفكيك ادعاء “اختراع” الرواية القصيرة جداً دفاع عن الوعي الأد ...
- فيلم «أضواء المدينة» لشارلي شابلن :مدخل لفهم صورة المهمشين و ...
- آلام فرتر رواية قصيرة ومكثفة جدًا للأديب الألماني الشهير يوه ...
- مقالة للدكتورعبد الاله الصائغ، عن الرواية القصيرة جدًا منشور ...
- روايات قصيرة جدًا للكاتب الأمريكي جون شتاينبك The Short Nove ...
- ثلاث روايات قصيرة جدا للكاتب وليم فوكنر Three Famous Short N ...
- روايات قصيرة جدا كاملة : الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف..نموذجا ...
- حول الرواية القصيرة جدًا أو الميكرو نوفيلا
- شكرا ساركوزي لمنعك البرقع بفرنسا
- نعم..من حق فرنسا منع النقاب و البرقع
- حوار مع الناقد السينمائي ذ/عمر الفاتحي


المزيد.....




- الخارجية الإيرانية: العقوبات الأميركية على كوبا تعد اعتداء ع ...
- فشل مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي في الأمم المتحدة وسط م ...
- بتنسيق استخباراتي تركي سوري.. اعتقال 10 مطلوبين من تنظيم الد ...
- مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين: أكثر من 30 عملية قمع نُفذت بح ...
- مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين: أكثر من 30 عملية قمع نُفذت بح ...
- مكتب إعلام الأسرى: أوضاع إنسانية صعبة في سجن الدامون تشمل س ...
- ?? مكتب إعلام الأسرى: نطالب بتحرك حقوقي عاجل لوقف الانتهاكات ...
- استهداف مقر -الأونروا-...محاولة لطمس الهوية وشطب -حاملة الأخ ...
- فشل مفاوضات الأمم المتحدة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ...
- البعثة الإيرانية بالأمم المتحدة: ممارسات التعطيل التي مارسته ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حميد عقبي - عندما يصبح ضرب طفل ترندًا: اليمن بين اللقطة والمأساة الكبرى