أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حميد عقبي - من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند ميرا صدام حسين٠٠ نموذجًا!














المزيد.....

من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند ميرا صدام حسين٠٠ نموذجًا!


حميد عقبي

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 22:47
المحور: المجتمع المدني
    


من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند ميرا صدام حسين٠٠ نموذجًا!

ما يحدث في اليمن اليوم، مع قضية المرأة التي تُقدَّم نفسهاعلى أنها “ميرا صدام حسين”، لا يمكن قراءته كحادثة معزولة أو مجرد موجة عابرة من فضول السوشيال ميديا. فالقضية تكشف شيئًا أعمق بكثير يتعلق بطبيعة المجتمع الذي يعيش منذ أكثر من أحد عشر عامًا تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي والتعب النفسي، وفي الوقت نفسه تحت سلطة خطاب إعلامي وسياسي نجح تدريجيًا في إعادة توجيه اهتمام الناس من القضايا الكبرى إلى المعارك الصغيرة والعاطفية والمثيرة للضجيج.

من الطبيعي أن يتعاطف الناس مع امرأة أو مع مظلومية إنسانية، لكن غير الطبيعي أن تتحول قضية غامضة ومليئة بالاستعراض إلى حدث وطني يستهلك ملايين التعليقات والمناشدات والوساطات القبلية، بينما تغيب القضايا الأكثر قسوة: الرواتب المقطوعة، انهيار الخدمات، الفقر، الجوع، المرض، انعدام الكهرباء والمياه، وهجرة الشباب. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يحدث عفوي تمامًا؟ أم أن السلطة، أي سلطة تعيش أزمة شرعية واختناقًا اقتصاديًا، تدرك جيدًا فائدة هذه “المعارك الجانبية”؟

الأنظمة المغلقة عبر التاريخ كانت بحاجة دائمًا إلى تحويل اهتمام الناس من الأسئلة الخطيرة إلى الإثارة اليومية. فبدل أن يسأل المواطن: لماذا لا توجد دولة ومؤسسات ورواتب وحقوق؟ يصبح مشغولًا بفضيحة، أو قصة غامضة، أو مقطع فيديو، أو خلاف قبلي، أو قضية أخلاقية صغيرة. وهكذا يتحول المجتمع بالتدريج إلى جمهور ضخم يستهلك الانفعال بدل التفكير.

في الحالة اليمنية تبدو الظاهرة أكثر خطورة، لأن الحرب الطويلة أنهكت الناس نفسيًا وجعلتهم يبحثون عن أي قصة تمنحهم شعورًا بالمشاركة الجماعية. السوشيال ميديا هنا لا تعمل فقط كوسيلة ترفيه، إنها اليوم كبديل عن السياسة نفسها. المواطن الذي لم يعد قادرًا على تغيير الواقع الحقيقي، يجد نفسه غارقًا في “الترند”، يعلّق ويغضب ويدافع ويهاجم، وكأنه يمارس دورًا عامًا، بينما الواقع المادي يزداد سوءًا.

لهذا تبدو بعض القضايا وكأنها تُترك عمدًا لتتضخم. ليس بالضرورة عبر مؤامرة مباشرة أو إدارة دقيقة لكل تفصيل، بل عبر فهم السلطة لطبيعة المزاج العام. فالسلطة الذكية لا تحتاج دائمًا إلى اختراع القصة، يكفي أحيانًا أن تسمح لها بالنمو، أن لا توقفها بسرعة، أن تترك الإعلام والمنصات والمشائخ يدخلون في الدوامة، لأن النتيجة النهائية مفيدة: الناس منشغلون بشيء آخر.

والمثير أن المجتمع نفسه يبدأ بالمشاركة في هذه اللعبة دون وعي. فالمشائخ، والإعلاميون، والناشطون، وحتى المواطن البسيط، يتحولون جميعا إلى أدوات داخل ماكينة ضخمة لصناعة الانتباه. فجأة تصبح قضية فردية أهم من مصير ملايين البشر. وتصبح المناشدات العاطفية أكثر حضورًا من أي حديث عن العدالة أو بناء الدولة أو الحقوق السياسية.

هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا في التاريخ اليمني. فالكثير من الباحثين تحدثوا عن قدرة الأنظمة التقليدية على إبقاء المجتمع داخل دوائر جانبية تستنزف طاقته تجعله منشغلاً بالجن والعفاريت وتؤكد للعالم أن الشعب اليمني بدائي ومتخلف. ولهذا يستحضر البعض سياسات الإمام يحيى حميد الدين، الذي كان يريد أن يظل المجتمع فقيرًا ومعزولًا عبر مزيج من الهيبة الدينية والطقوس والانشغال بالتفاصيل الصغيرة التي تُبقي الناس بعيدين عن التفكير في شكل الدولة الحديثة أو حقوقهم السياسية. الحكاية الشهيرة المتعلقة باستخدام القطران الذي يستخدم جرب الجمال وتحوله إلى ممارسة اجتماعية واسعة تحمي الناس من الأرواح الشريرة، وهكذا تُستدعى اليوم هذه الأساليب كرمز لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع حين يغيب التعليم والوعي النقدي.

لكن من الظلم أيضًا اختزال الشعب اليمني في صورة “الجهل الجماعي”. فالمجتمعات المنهكة بالحروب الطويلة تصبح أكثر قابلية للانفعال وضعيفة أمام الضخ الإعلامي. الناس الذين يعيشون القهر اليومي يبحثون عن أي قصة تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالهروب أو المشاركة أو الأمل أو حتى الفضيحة. ولهذا لا يمكن فصل ما يحدث عن البيئة النفسية العامة التي صنعتها الحرب والانهيار.

المقلق فعلًا ليس قضية “ميرا” نفسها، بل تحوّل المجتمع إلى فضاء دائم للترندات المؤقتة والحكايات التافهة. مرة تصبح القضية خصلة شعر طبيبة تحدثت عن وضع مستشفى، ومرة رقصة “برع” لرجل دين، ومرة قصة غامضة لامرأة مجهولة الهوية. كل أسبوع أو شهر هناك معركة جديدة تستهلك الجميع، ثم تختفي دون أي أثر حقيقي، بينما الأزمات الأساسية كالمرض والفقر والجوع والظلم تبقى كما هي.

هذا يعني أن هناك عملية إعادة تشكيل بطيئة للوعي العام. فبدل أن يفكر المواطن ويناقش الاقتصاد والسياسة والتعليم والحقوق، يجلونه غارقًا في الإثارة اللحظية. وبدل المجال العام الذي ينتج أسئلة كبيرة، يتحول الفضاء العام إلى ساحة استعراض وانفعالات قصيرة العمر. وهذه واحدة من أخطر نتائج الحروب الطويلة والسلطات المغلقة معًا.

رابط مشاهدة المداخلة فيديو
https://youtu.be/SECiMeT-NR4?si=OBpRcIhN1xyIrP9Z

ربما لا توجد “خطة سرية” بكل المعنى المباشر، لكن من المؤكد أن السلطة تدرك فائدة هذا التشتيت، وتعرف أن المجتمع المنشغل بالضجيج أقل قدرة على تنظيم غضب حقيقي أو المطالبة الجماعية بحقوقه. ولهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس قصة امرأة تحولت إلى ترند، بل اعتياد الناس على استبدال السياسة بالفرجة، والحقوق بالضجيج، والوعي بالانفعال المؤقت.



#حميد_عقبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الباحث العراقي د. نائل حنون يوجه اتهامات غير منهجية لرائد ال ...
- -فيلا ملاك الموت-... رواية عن بشرٍ نساهم العالم ونساهم الحرو ...
- Julia and Sheikh Al-Tihami by Hamid Oqabi/ جوليا والشيخ الته ...
- كتاب -تأملات ومراجعات في الشعر الشعبي التهامي اليمني – من ال ...
- لوحة -الركام-، بين الصمت والأنقاض: الفنان الأمريكي براين كار ...
- تفكيك ادعاء “اختراع” الرواية القصيرة جداً دفاع عن الوعي الأد ...
- فيلم «أضواء المدينة» لشارلي شابلن :مدخل لفهم صورة المهمشين و ...
- آلام فرتر رواية قصيرة ومكثفة جدًا للأديب الألماني الشهير يوه ...
- مقالة للدكتورعبد الاله الصائغ، عن الرواية القصيرة جدًا منشور ...
- روايات قصيرة جدًا للكاتب الأمريكي جون شتاينبك The Short Nove ...
- ثلاث روايات قصيرة جدا للكاتب وليم فوكنر Three Famous Short N ...
- روايات قصيرة جدا كاملة : الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف..نموذجا ...
- حول الرواية القصيرة جدًا أو الميكرو نوفيلا
- شكرا ساركوزي لمنعك البرقع بفرنسا
- نعم..من حق فرنسا منع النقاب و البرقع
- حوار مع الناقد السينمائي ذ/عمر الفاتحي


المزيد.....




- بعثة إيران بالأمم المتحدة: واشنطن أساءت من جديد استخدام مجلس ...
- مقررة أممية تندد بـ -التعذيب الممنهج- للأسرى الفلسطينيين وتك ...
- ما تحالف -كواد-؟ وكيف تحول من إغاثة تسونامي إلى واجهة للتصدي ...
- الأمم المتحدة تتهم الاحتلال بانتهاك القانون الدولي عقب الهجو ...
- المحكمة الجنائية الدولية تحقق في انتهاكات سجن معيتيقة الليبي ...
- سموتريتش يقول إن الجنائية الدولية تسعى لإصدار مذكرة اعتقال ب ...
- -ملك الموت- أمام الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في ...
- سموتريتش: المحكمة الجنائية الدولية أمرت باعتقالي
- الأمم المتحدة تحذر من -الإرهاب النووي- في إفريقيا
- رايتس ووتش: لا إنصاف لمسلمي الروهينغيا في مجزرة قُتل فيها ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حميد عقبي - من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند ميرا صدام حسين٠٠ نموذجًا!