أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العمراني - وسواس ديسمبر الجزء السادس














المزيد.....

وسواس ديسمبر الجزء السادس


عبد الرحيم العمراني

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


استعدت قوتي من جديد وعدت إلى غرفتي وأنا محمول بجرعة كبيرة من الأمل واليقين، وكأن تلك الكلمات التي قرأتها على الحائط لم تكن مجرد رسالة عابرة، بل كانت يدًا خفية تنتشلني من بحر الخوف الذي غرقت فيه طويلًا. كانت الشوارع هادئة، وأضواء المصابيح تنعكس فوق الأرض المبللة، بينما كنت أسير بخطوات بطيئة أحاول استيعاب كل ما حدث لي. شعرت لأول مرة منذ مدة بأن داخلي لم يعد مظلمًا بالكامل، وأن هناك نورًا صغيرًا بدأ يشق طريقه وسط هذا الركام من التعب واليأس.
عندما وصلت إلى غرفتي أغلقت الباب بهدوء، ثم ألقيت نظرة طويلة على المكان الذي كان قبل ساعات فقط شاهدًا على انهياري وخوفي. جلست فوق سجادتي، وكانت الغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاسي المتقطعة. رفعت يديّ نحو السماء وبدأت أدعو الله بقلب منكسر لكنه مليء بالرجاء، وقلت بصوت خافت تختلط فيه العبرة بالأمل:
اللهم يا مجيب الدعوات ويا غافر الذنوب، اغفر لي واستجب دعائي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ثم أخذت أردد بحرقة وإيمان:
ما لي إليك وسيلة إلا الرجاء، فجميل عفوك ثم جميل أني مسلم.
كنت أشعر مع كل كلمة أقولها وكأن شيئًا ثقيلًا يخرج من صدري. دموعي كانت تنزل بهدوء، لكن تلك الدموع لم تكن دموع ضعف فقط، بل كانت أشبه براحة طويلة خرجت بعد اختناق مؤلم. أحسست أن الله يسمعني، وأنني لست وحدي كما كانت الوساوس تقنعني دائمًا.
بعد الدعاء استلقيت فوق سريري، وكان جسدي مرهقًا بشكل لم أشعر به من قبل. أغمضت عينيّ ببطء، وما هي إلا لحظات حتى غفوت في نوم عميق وهادئ، كأن روحي أخيرًا وجدت مكانًا تستريح فيه. لم أرَ كوابيس، ولم أسمع همسات مخيفة، فقط ظلام هادئ يشبه الطمأنينة.
استيقظت صباحًا على دفء أشعة الشمس التي تسللت عبر نافذتي، ففتحت عينيّ وشعرت براحة غريبة. كان الصباح مختلفًا عن الأيام السابقة؛ الهواء منعش، والسماء صافية، وحتى صوت العصافير بدا لي أجمل من المعتاد. توضأت وصليت، ثم جلست أتناول فطوري بهدوء بينما كانت أمي تتحرك في أرجاء البيت. شعرت وقتها أن الحياة ما زالت تحمل أشياء جميلة تستحق أن أعيش من أجلها.
بعدها ارتديت ملابسي وتوجهت إلى المدرسة. طوال الطريق كنت أحاول إقناع نفسي بأن ما حدث بالأمس قد انتهى، وأنني قادر على تجاوز كل هذا. وعندما وصلت إلى المدرسة التقيت بأصدقائي، فألقيت عليهم تحية الصباح بابتسامة صادقة. كان داخلي أكثر هدوءًا، وكأنني أتنفس للمرة الأولى منذ زمن طويل.
دخلت الفصل وجلست في مكاني، ثم بدأت الحصة الدراسية. شاركت في بناء الدرس بحماس، وأخذت أجيب عن أسئلة الأستاذ بثقة وتركيز. كنت أحلل النصوص وأناقش الأفكار بطريقة جعلت أساتذتي ينظرون إليّ بإعجاب. وفي كل مرة أسمع كلمات التشجيع، كنت أشعر بأنني أستعيد نفسي القديمة شيئًا فشيئًا، تلك النفس التي سرقتها مني المخاوف والوساوس.
ومع انتهاء الحصص خرجت رفقة صديقي جاد. كان الجو جميلًا، والشمس تميل نحو الغروب بلونها البرتقالي الهادئ. جلسنا في الحديقة القريبة من المدرسة، وكانت الأشجار تتحرك برفق مع نسمات الهواء، بينما أصوات الأطفال والطيور تمنح المكان حياة ودفئًا. بدأنا نتبادل الحديث ونضحك، وتحدثنا عن الدراسة والأحلام والمواقف المضحكة التي تحدث داخل الفصل. للحظات شعرت أنني بخير فعلًا، وأن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها.
لكن فجأة، ومن دون أي مقدمة، عادت تلك الفكرة التعيسة إلى رأسي. أحسست وكأن شيئًا مظلمًا اقتحم عقلي بالقوة. بدأت الوساوس تهمس داخلي من جديد، وأخذ قلبي يخفق بسرعة، بينما شعرت بانقباض مؤلم في صدري وبرودة تسري في أطرافي. حاولت أن أركز في حديث جاد حتى لا يلاحظ شيئًا، لكن الأمر كان أقوى مني.
بدأت ملامحي تتغير بسرعة، واختفت ابتسامتي تدريجيًا، وتحول وجهي إلى ملامح شاحبة يغمرها القلق والخوف. كنت أحدق في الأرض بصمت، وكأنني غارق في عالم آخر لا يراه أحد غيري. لاحظ جاد الأمر فورًا، فتوقف عن الكلام وحدق في وجهي بقلق واضح، ثم قال بصوت هادئ:
ـ أحمد… ماذا بك؟ تبدو شاردًا جدًا.
حاولت أن أبتسم وأخفي ارتباكي، ثم قلت بصوت متقطع:
ـ لا شيء… فقط أشعر ببعض التعب.
لكن جاد لم يقتنع. كان ينظر إليّ وكأنه يرى الألم المختبئ خلف كلماتي. اقترب مني أكثر وقال:
ـ أنت لست بخير، أخبرني ماذا يحدث معك.
حاولت التهرب مرة أخرى، لكن قلبي كان أثقل من أن يخفي كل ذلك الوجع. شعرت بغصة تخنق صوتي، وكأن الكلمات عالقة في حلقي منذ مدة طويلة. لم أعد قادرًا على المقاومة أكثر، فانخفض رأسي وبدأت عيناي تمتلئان بالدموع. وبعد لحظات انفجرت باكيًا، وكانت دموعي تنهمر بغزارة كالشلال، أو كقطرات الندى التي تتساقط بصمت فوق أوراق الأشجار في الصباح الباكر.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا… أدركت أنني كنت أقاتل وحدي طوال هذا الوقت، وأن قلبي المتعب كان بحاجة إلى من يسمعه قبل أن ينهار تمامًا.



#عبد_الرحيم_العمراني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وسواس ديسمبر الجزء الخامس
- وسواس ديسمبر ج4
- وسواس ديسمبر ج3
- وسواس ديسمبر ج2
- وسواس ديسمبر


المزيد.....




- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العمراني - وسواس ديسمبر الجزء السادس