أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العمراني - وسواس ديسمبر الجزء الخامس














المزيد.....

وسواس ديسمبر الجزء الخامس


عبد الرحيم العمراني

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 03:48
المحور: الادب والفن
    


مرّت الأيام ثقيلةً فوق قلبي، كأنها سحب رمادية تتكدس في السماء قبل المطر، وكنت أمر بفترة صعبة بسبب قسوة الحياة وما فيها. إلى أن جاء اليوم الذي سأغادر فيه البيت، كعصفورٍ يفتح جناحيه لأول مرة، وأتجه نحو مدينة أخرى لإكمال دراستي. لم أكن أعلم أن حياتي ستتغير في حلب، تلك المدينة الصغيرة التي تشبه زهرة صغيرة في حديقة كبيرة، طبيعتها جميلة وهواؤها يملأ الصدر انتعاشًا، وسكانها كالأشجار العتيقة، صامدين وكرماء.
ودّعت أمي، وقلت لها: سأعود يا أمي ورأسي مرفوع، سأجعلك فخورة بي، وسأنجح في امتحاناتي. لمعت عيناها كنجمتين في ليلة مظلمة، واحتضنتني كأنها تحاول أن تمسك قلبي بين ذراعيها، وقالت: انتبه لنفسك يا بني، لا تدع أي شيء يلهيك عن دراستك، وعندما تصل اتصل بي لأطمئن عليك.
ركبت القطار وجلست قرب النافذة، وألقيت نظرة على العالم الذي يمرّ سريعًا، وكأنه شريط سينمائي لا يتوقف. الأشجار تلوّح لي، الحقول تتنفس، والبيوت الصغيرة تتوارى كأسرار صغيرة لا يريد أحد أن يعرفها. فتحت محفظتي وأخرجت الرغيف الذي وضعته أمي لي، طعمه كان كالحنان الذي يسري في فمي، ثم أخرجت كتابي المفضل متعة الألم، وغصت في صفحاته كغواص يغوص في أعماق بحرٍ هادئ، أكتشف بين سطوره أمواجًا من الأفكار والمشاعر.
وصلت المدينة عند الساعة الرابعة زوالًا، ونزلت في المحطة التي كانت تضج بالحركة كخلية نحل. ركبت سيارة أجرة وصلت بي إلى الغرفة التي استأجرها لي والدي قبل سفره إلى إيطاليا، دخلت الغرفة، ورتبت أمتعتي كما يرتب الرسام ألوانه قبل أن يبدأ لوحته. أخذت حمامًا خفيفًا واستلقيت على الأريكة، وقلبي يخفق كطبول الحرب الهادئة، ثم تذكرت أمي وقلقها، فمسكت الهاتف واتصلت بها.
ردّت أمي بصوت مليء بالراحة: الحمد لله… عندما سمعت نبرة صوتك خلت أن يكون قد أصابك مكروه. ابتسمت، وشعرت أن المسافة بيننا، رغم بعدها، ذابت في لحظة، وكأن قلبينا أصبحا قريبين رغم آلاف الكيلومترات.
أجبتها بصوتٍ متعب أحاول أن أخفي فيه الخوف: لا تخافي يا أمي، كل شيء بخير. سأتصل بك لاحقًا، أريد فقط أن أرتاح قليلًا.
أغلقت الهاتف ببطء، فعمّ الصمت أرجاء الغرفة. الإضاءة الخافتة زادت المكان وحشة، والهواء البارد المتسلل من النافذة بدا وكأنه يحمل شيئًا مجهولًا يضغط على صدري.
أغمضت عينيّ محاولًا النوم، لكن الفكرة نفسها عادت لتتشبث بعقلي من جديد. وفجأة، دوّى في أذني طنين حاد كصوت برق في ليلة عاصفة، فارتجف جسدي وبدأت نوبة هلع جديدة.
همسة واحدة ترددت داخلي كالسيف:
"ستموت هنا وحدك، ولن يجدك أحد."
تكوّنت الصورة في ذهني بسرعة مخيفة: جسد ساكن في غرفة معزولة، لا يسمع أنينه أحد.
تجمدت. قلبي يخفق بعنف، وكأن صدري لم يعد يتسع لأنفاسي. تنميل غريب زحف إلى أطرافي، والنبض تسارع بلا رحمة. وقفت بلا حركة، كأنني فقدت السيطرة على جسدي.
همست لنفسي بصوت منكسر: لماذا أنا؟ ما الذي فعلته لأستحق هذا؟ أردت فقط أن أعيش… أن أكمل طريقي. تعبت يا الله.
لكن الخوف كلما ضعف لحظة، عاد أقوى. العرق يتساقط من جبيني، ووخزات الصدر تزيد الاختناق. لو رآني أحد في تلك اللحظة لما عرفني.
لم أعد أحتمل. فتحت الباب وخرجت أركض بلا اتجاه. الشوارع شبه خالية، والليل ساكن بشكل يبعث على الرهبة. كنت أهرب من فكرة لا تُرى، لكنها تطاردني في كل خطوة.
وبعد ركض طويل، خارت قواي. توقفت عند جدار وتكأت عليه ألتقط أنفاسي. رفعت رأسي ببطء، وهناك كانت المفاجأة.
على الجدار، رسالة مكتوبة بحبر أسود داكن، كأنها وُضعت لي وحدي:
"التأخر لا يكسر الإنسان، بل يعيده أقوى."
حدقت فيها طويلًا. قرأتها مرة، ثم مرة أخرى. ومع كل قراءة، كان شيء داخلي يهدأ قليلًا.
فهمت أن التأخر ليس عقوبة، بل تدريب صامت على الصبر. وأن الإنسان حين يُؤجل حلمه، لا يُهزم، بل يُعاد تشكيله.
لأول مرة منذ وقت طويل، تسللت الطمأنينة إلى داخلي. لم تختفِ الأفكار تمامًا، لكنها فقدت بعض قوتها. وأنا… صرت أقوى منها قليلًا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وسواس ديسمبر ج4
- وسواس ديسمبر ج3
- وسواس ديسمبر ج2
- وسواس ديسمبر


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم العمراني - وسواس ديسمبر الجزء الخامس