أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - سعيد العليمى - سيرة ذاتية قد تعنى اولا تعنى احدا - حزب العمال الشيوعى المصرى ( النص كاملا )















المزيد.....



سيرة ذاتية قد تعنى اولا تعنى احدا - حزب العمال الشيوعى المصرى ( النص كاملا )


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 22:18
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


سيرة ذاتية لشيوعى مصرى - قد تعنى أو لاتعنى أحدا ( حزب العمال الشيوعى المصرى ) القسم الأول


2018 / 7 / 9

من أنا لأقول لكم ماأقول لكم ؟ م.د
مهداة الى البروفسور جينارو جيرفازيو الذى انتزع تاريخ حزبنا من تحت الأنقاض
والى ذكرى الرفاق خليل كلفت وصلاح العمروسى وفتح الله محروس وحسين شاهين وسعيد ناطورة .. ولكل من رحل

أدليت بهذه الشهادة فى مركز الدراسات والبحوث العربية والافريقية الذى يترأسه المفكر الاقتصادى سمير امين ويديره الاستاذ حلمى شعراوى على اربع جلسات كل جلسة حوالى 3 ساعات بتارخ 4 اكتوبر 2009 ، 8 نوفمبر 2009، 13 ديسمبر 2009 ،17 يناير 2010 افتتحت شهادات جيلنا السبعينى بعد الصمت المطبق الذى كاد يودى الى دفن تاريخه ازاء يمين مهيمن . حضر الجلسات من الرفاق - حزب العمال الشيوعى المصرى - بالتناوب صلاح العمروسى ، فتح الله محروس ، جمال عبد الفتاح ، محمد خالد جويلى فضلا عن اعضاء لجنة توثيق الحركة الشيوعية المصرية برئاسة المناضل الراحل سعد الطويل . ادليت بالشهادة بالعامية المصرية وحاولت قدر الامكان ان احسن الصياغة عند النشر حتى تبدو مفهومة لمن يعنيه الامر بدلا من ابقيها مطمورة الى الابد . اتمنى اول مااتمنى ان اكون قد ابتعدت عن مرض الذاتية الشائع الذى يتوهم الفرد فيه ان التاريخ الفرعى يدور من حوله وأن هناك " سوبرمانات " لاقيمة لغيرهم . والحال ان جهود العشرات لا الكتاب من القادة من راسمى المواقف ومحددى الخط هم من صنعوا تاريخه منفردين وربما لم يكونوا لينجزوا شيئا لو كانواعراة الا من ذواتهم . لقد حاولت ان ابين منحنى حياتى " الشخصى " متقاطعا مع الحياة السياسية العامة فى مصر فى فترة تاريخية معينة بوصفى جزءا من كل - اى من عمل جماعى منظم انتهى الى ان يكون حزب العمال الشيوعى المصرى .


- لا أدرى بالضبط من أين يتوجب على أن أبدأ فهناك بعض الرفاق قد بدأو بداية معينة، وآخرون بداية أخرى فيمكن أن أبدأ من بعد حل المنظمات الشيوعية عام 1965 وما تلي ذلك ، أو أن أبدأ بمقدمة تتعلق بتكويني ، والمؤثرات التى لعبت دورًا في تشكيل وعيي وربطتني بالعمل السياسي وما إلى ذلك حسبما ترون حسناً.. فليكن الخيار الثانى اسمي سعيد محمد علي العليمي وولدت في الأول من يناير عام 1945 بالقاهرة فى واحد من الأحياء الشعبية ، وعملت محاميا ومستشارا قانونيا بالمهنة ، متفرغ حاليا للترجمة والبحث . اعتقد ان من الأشياء الاساسية التى أسهمت فى تكويني العام هي الوجود علي حافة طبقتين اجتماعيتين ، فأنا لم أكن من اسرة عمالية ، ولكني كنت من أسرة تنتمي للطبقة الوسطي تحتك بعالم الباشوات من جانب والطبقة العاملة وحثالة البروليتاريا من جانب آخر ، لم يأت هذا الاحتكاك إلا لأن جدى وخالى كانا يعملان لدي الباشاوت ، فجدي كان يعمل عند حيدر باشا وخالي كان يعمل في بيت الامة عند سعد باشا زغلول كرئيس للطهاة ، وجدى لوالدى من الدارسين في الأزهر وإمامًا لمسجد ، أما أبى فدرس فى مدرسة للصنايع ولم يكمل تعليمه وكان فى بداياته عاملاً تقريباً لكنه أختير فى بعثة للذهاب لانجلترا عام 1929 وأدى هذا لتغير في حياته ووضع الاسرة، وانى اعتبر نفسي ولدت بين عالمين عالم ارستقراطي جدا وعالم شعبي للغاية ، وأعتقد أن هذا كان أمرا اساسيا بالنسبة لى فقد تفتحت علي عالمين متناقضين ، وكان ذلك يدفعنى دائما لإجراء نوع من المقارنة . بين حياة كل طبقة منهما. كان الوالد ممن اسهموا في ثورة 1919 حينما كان فى السادسة عشر من عمره واعتقل لمدة ثلاثة شهوربالسجن الحربى البريطانى فى القلعة ، وهو لم يكن منتميًا لحزب سياسي ، ولكن كل احاسيسه وكيانه قد ارتبطوا بالحزب الوطني وهو حزب مصطفي كامل ومحمد فريدالزعيمان المصريان ، وقد سمعت منه عن سيد درويش وأغانيه الوطنيةالتى كان يغنيها لى ولأخى الأصغر عادل بكل أريحية . وهو لم يكن من المتعاطفين آنذاك مع الوفد . وكان يكره الانجليز جدا، ولأنه عاش في انجلترا وقتا فكان يميز بين الانجليز هناك فى موطنهم والانجليز في مصر: في مصر يمثلون احتلالا بغيضاَ وفي بلدهم أناس عاديون يمكن أن تعاشرهم بمودة ، وكان يحكى لنا قصصاَ عن كيف كان يتعامل معهم وما إلى ذلك ، وخاصة الأسرة الإنجليزية التى عاش معها . ورغم انه لم يكن رجلاَ واسع الثقافة فقد كانت لديه اهتمامات بالدين "الإصلاحى المستنير" ، وبالأدب خاصة بأحمد شوقى والمنفلوطى، وكانت عنده مكتبة تحتوى على بعض كتابات الإمام محمد عبده وتفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا، فضلا عن الكتاب المقدس . وكان منتميًا لجماعة أنصار السنة المحمدية في مصر في فترة معينة. لقد كان الرافد الوطني الذى زودنى به مهما بالنسبة لي وقد حدث لى نوع من الارتباط العاطفى خلقه كلامه عن مصطفي كامل ومحمد فريد بشكل خاص وعن اعتقاله هو في ثورة 1919 وعن ارتباطه الشعوري الجارف بالحركة الوطنية. من الأمور الاساسية التى أتذكرها انه في ديسمبر 1952 عرض فيلم عن مصطفي كامل فأخدني انا وأخي الاصغر في العرض الاول حتى نراه ، وقبلها بعد قيام حركة يوليو إصطحبنى لرؤية مشهد حصار القصر (قصر عابدين) – وعملية اسقاط النظام الملكي. لم يكن متعاطفا مع الملك ولا الوفد ولكنه كان وطنيًا وكان يعتقد ان وجود الاحزاب خلق قوى متنافرة متصارعة على الزعامة لا تلعب دورا في تحرير مصر من الإحتلال البريطانى . اما بالنسبة للخط الفكري فقد خضعت لتأثير جماعة انصار السنة المحمدية وهي جماعة وهابية أصلاَ ولكن الوهابية المصرية وقتها كانت مختلفة تماماً عنها فى الوقت الراهن ، فمثلا اخواتي البنات كان لهن رأيهن فيمن يتزوجن ، وكن يسبحن ويرتدين ما شئن ويتزينن، أعتقد ان اول الأفكار التى وضعت فى رأسى هى الفكر الوهابي في مواجهة الافكار الاخري وخاصة الفكر الصوفى والطرق الصوفية وما يسمي بأولياء الله الصالحين، واعتقد ان اثر الارتباط بانصار السنة المحمدية هو أنه خلق عندي نوعا من الجرأة فى مناقشة الأفكار، وعدم قبول المعتقدات كما هى . والدي مثلا كان لا يقبل تقديس الأولياء وزيارة الأضرحة والتبرك بها –ودائماً ماكان يؤكد أنهم لا يملكون لنفسهم نفعاً ولا ضراً- وكان مثلا عندما يمر على أضرحة الاولياء يجد فيها شمعا مضيئاَ يأتى لى بة ، وقد أدى هذا بى فيما بعد إلى نوع من رفض موضوع القدسية، القدسية بالنسبة للنظام السياسي لم تكن موجودة بعد أن رأيت سقوط الملك والاطاحة به ، وتسفيره خارج البلاد وتعليقات والدي على ذلك، وانا طفل رأيت العاب ورق بها صورتين : صورة الملك وصورة خنزير أى حين تقلبها بشكل معين تظهر صورة الملك ثم تعدلها تجد صورة الخنزير. وأعتقد انه من هذا المسار الموجز ووصولا لحركة يوليو تزعزعت لدى قدسية النظام السياسى ، ومن ناحية الخط الفكري زعزعت الوهابية عندي مسألة أن هناك رؤى راسخة أو مسلمات ثابتة لا تناقش كما سبق واشرت ، فالجناح التركي "الأرستقراطي" بمفاهيمة ومحافظته الشديدة كانت تمثله امي فى التربية " العثمانلى " – التى نزحت أسرتها من مدينة قولة باليونان بعد الحرب القومية التى شنت ضد الاحتلال التركى حوالى 1827 - والجانب العمالي الشعبى المتمرد يمثله ابي ، والأثر الاغلب كان أثر أفكار الوالد من ناحية ارتباطه الوهابي والوطني وهذه صور طفولة من الصعب أن تتزعزع من رأسى . وقد أدي هذا بعد ذلك ونظراَ لوجود بيتنا قرب ميدان عابدين ونظراً لأنى رأيت القصر الملكي محاصراَ ،الى اننى كنت أذهب يوميا إلى الميدان ، وقد رأيت كل المظاهرات التى حدثت ، وأعضاء مجلس قيادة الثورة وخطب محمد نجيب ،إلى آخره . كما شهدت كتائب وطنية للشباب ، وهي مجموعة من الشباب يرتدون زى الفدائيين، وكنت اسمع انهم ذهبوا إلى مجلس الدولة وضربوا السنهوري( 1954 ) ، وانا فى هذا الوقت لم يتجاوز عمرى 9 سنوات فقط ولا أعرف مجلس الدولة ، ولا السنهوري ولكنى كنت عبارة عن طفل فضولى صغير ينحشر وسط الناس.

من ناحية التكوين النفسي كل هذه الأمور مجتمعة فضلاَ عن طبيعة الوالد حيث كان معتدا جدا بنفسه، وكفء جداً فى عمله ، وعلمنا انه لا ينبغى للخوف أن يشق قلوب الرجال لامن شئ ولامن احد وبالتالي نمى فينا / أو حاول أن ينمى خصائص الشجاعة والقوة والتحمل والصبر والمواجهة وما الى ذلك . من الأحداث المنبهة لى سياسيًا إضفاء الأنوار تحسباَ لغارات اسرائيل سنة 1948 علي القاهرة ، لم أعرف وقتها ان كانت غارات وهمية أم لا ، ولكني مدرك ان هناك صفارات انذار وكشافات ضوئية في السماء يترتب عليها دخولنا المخبأ المنزلى .. في عامى 1949-1950 هناك حادثة لعبت دورًا في تنبيه وعيى السياسي بشكل معين. كنت أمشى بجوار الروضة- روضة الأطفال- (عابدين الخيرية) التى كنت فيها ووجدت شارة مرسوم عليها سيفين وقرآن وأخدتها وعلقتها على (مريلة) الروضة، حينما رآها أخى معلقة على صدرى ضربنى ضرباَ مبرحاَ قائلا َ" أنت حتودينا فى داهية " لم أفهم ماذا جنيت! وبدأت أتقصى عن هذا الموضوع. وكان واضحا ان ذلك كان بسبب الحملة على الإخوان المسلمين في 1948 وانا طبعا لم أكن مدركا . وفي يناير 1951 عندما حدث حريق القاهرة كنت أسكن في الحنفي بالسيدة زينب- قبل انتقالنا للحلمية الجديدة - وهى منطقة فيها حثالة بروليتاريا قامت بسرقات اثناء الحريق وما الى ذلك. ومن الاشياء التى نبهتنى سياسياً أيضاَ انه كان لى زميل في المدرسة الإبتدائية (مدرسة محمد فريد الابتدائية) -وكانت اصلا في بيت محمد فريد وكان لذلك أثر رمزي بالنسبة لي، وحينما اختاروني من ضمن التلاميذ الذين سيستقبلون جثمان محمد فريد من المانيا كان شيئاَ مؤثراَ قد حدث لى - اسمه عبد الأول وكان والده ينتمى للإخوان ، وقبض عليه في احداث 1954 وكنت متأثرًا من الإذلال والآلام التى عاناها نتيجة اعتقال أبيه وهي حالة من الخوف والانكسار والرعب بدت على وجهه اثناء اليوم الدراسي . من ضمن الامور المنبهة سياسياَ ايضا ان كان هناك وكيل لوزارة المواصلات فى الخمسينيات وهو محمد المتولي نجيب بك وقد كان رئيساَ للبعثة التى أبتعث فيها والدي إلى انجلترا وكانت هناك علاقة طيبة بينهما فقد كان فيه الكثير من السيد بونتيلا فى حالة فقدان وعيه غير ان الرجل كان واعيا دائما . رغم أنها علاقة التابع بالمتبوع إلا أنه كان فيها جانباَ انسانياَ جدا وكان هذا الرجل يدعونا في قصره - جانب فيلا الممثل حسين صدقي على النيل مباشرة بمنطقة المعادى- ازيلت المنطقة بكاملها حيث اقيم الكورنيش الحالى عليها بامتدادها ، وكان قد أسس جمعية لتدارس الدين الإسلامى مقرها مكتب فى إحدى بنايات شارع الشريفين بشكل منفتح، وفي فترة جمع سلاحا كما سمعت وكان يتشبه فى ذلك بالإخوان، ولكن عندما قامت حركة يوليو سلم السلاح للدولة. كنت أحضر ندواته مع والدي وطبعا لم أكن مستوعبا لما يقال ، ولكن الخلاصة انها موقف ضد الوثنية ، أى أضرحة الأولياء وزيارة القبور، ومسعى لتطهير الدين من الخرافات.وكنت اقوم بتوزيع كراسات هذه الجمعية . عموما كنت مهتماَ جدا بالشؤون العامة ولي نشاط في الكشافة وغيرها من الأنشطة وخاصة الرياضة والمسرح. كانت هناك أيضاً أمور تثير اهتمامي ففى عام 1956، وكنت وقتها في مدرسة مصطفي كامل ، وهي الخديوية القديمة، حدث العدوان الثلاثي فذهبت لمكان يدرب الفدائيين حتى اتطوع ولكن القائد قال لى لازلت صغيراَ، فى الوقت الذى كان فيه أخى الأكبر في الدفاع المدني فذهبت إليه فكرر على قول القائد وأنهم بسبيلهم لعمل فرقة للاولاد الصغار . لم أقتنع وذهبت للأولاد في شارعنا- كنا قد انتقلنا للحلمية الجديدة - وكونت ميليشيا من مجموعة من الاطفال أذكر منهم ( يحيى سالم عبد اللطيف ، وعبد المنعم ادريس ، ومحمد عباس عيد . وكنت أعرف من الجغرافيا التى درستها فى المدرسة أن هناك بحيرة اسمها بحيرة المنزلة يمكن أن نتسلل عن طريقها إلى بورسعيد لقتال الإنجليز ، ومن (سوء الحظ) ان الانذار الروسي حدث وأحبط مخططاتنا وكانت مخلفات الموضوع وآثاره اني كنت قد قرآت كتب أخى عن حرب، العصابات ووجدتها ممتعة جدا من الناحية الذهنية كيف أعمل كميناَ وكيف أصنع قنبلة مولوتوف، وكيف أخرب موتوسيكلا، كيف احاصر معسكرا ... إلى آخره فلما انتهت الحرب بدأت أجرب بعض هذه الأشياء في الشارع الذى نسكن فيه – شارع حليم ببركة الفيل - وبدأت افرض تسعيرة جبرية علي كل باعة الخضار والفاكهة الذين يأتون إلى الشارع مستخدما الميليشيا التى كونتها . وتكرر هذا الأمر أى عمل ميليشيا عندما حدث انزال لمشاه البحرية الامريكية في بيروت عام1958، وكنت قد كبرت ونضجت نسبياَ، ووقتها التقيت انا ومجموعة من الصبيان بنفس السن وبدأت ادرس لهم ما تعلمته عن حرب العصابات لأنى إحتملت أن يغزو الامريكان مصر وينبغي ان نتأهب!

في سنة 1958 تقوم الوحدة المصرية السورية وفرحى بها كان شديدا كنت أشارك فى الشعور الوطنى العام. إحساس عميق بأن لى وطن يحكمه نظام وطنى مقاوم للإستعمار ومختلف عن العهد الملكي واحساس بالاعتزاز عمقه أيضاً احتكاكى بالطلاب العرب مبكراً من خلال نادى الوافدين. في سنة 1959 أتى والدي بكتاب اسمه "حقيقة الشيوعية" وبدأت اقرأ حتى اعرف ما هى هذه الشيوعية ، وكنت قد سمعت عن ان هناك دولة اسمها الاتحاد السوفيتي أثناء العدوان فى 1956 وانه وقف جانبنا وكنت فرحا بالطبع بمن وقف جانبنا دون الالمام بطبيعة الموضوع. وفي نفس الفترة كنت امر في جاردن ستي علي السفارة الامريكية لأنهم يعطون مجانامجموعات من المجلات والنشرات والكتب ، أذكر منها كتيب بعنوان "هل هناك فراغ في الشرق الاوسط؟" لا أذكر من الذى كتبه ولكني أذكر العنوان. احاول أن اقرأ هذه الكتب المعادية للشيوعية بغرض فهمها فأجد أن الشيوعيين يريدون مجتمعاَ متساوياَ خالياَ من الطبقات وضد الملكية الخاصة ، ورغم انني لا استطيع الادعاء بأنني عشت حياة عمالية وفقيرة وانما عشت عيشة "مستورة" وتعاملت مع بعض الأسر الارستقراطية- لا أستطيع أن أنسى السيدة - جولسن هانم حفيدة إسماعيل باشا أبو جبل - وكان تعاملي معهم جميلاَ جدا لم يدعونى لكراهيتهم ، بالعكس كنت أرى لأول مرة عندهم أشياء مثل اللوحات (الفن التشكيلى) وأول مرة أستمعت للموسيقى الكلاسيكية كانت عندهم . إلا أنه في الجانب الاخر حيث كنت أقطن كنت أتعامل مع أشباه البروليتاريا ممن يأتون بصفائح بصل من معامل الطرشي من أجل تقشيرة وتقاضى (تعريفة- نصف قرش – عملة نقدية قديمة ) مقابل الصفيحة وكنت أجلس معهم وأساعدهم، وأرى مثلا سائقاَ من جيراننا يعمل في (جريدة المصري) وكيف يعيش وكيف يدير أحواله وأرى أيضاَ حرفيين وبنائين وغيرهم ، رغم الحظر الاسري من الوالدة بعدم الاختلاط مع هؤلاء (الآخرين) لأن الام تركية ومن صغار الملاك وكانت لها طريقة تربية معينة ( عثمانلى) كما اشرت. حيث لم يكن من الممكن أن نرتدى أي شيئ ولا أن نلعب مع اي أحد، ولكن بالنسبة لي كنت أفعل ما أريد، فأبدأ فى إدراك مسألة ان هناك نوعاَ من التمييز الطبقي وأبدأ فى أدراكه من واقع أني أعيش في مكان ولكنى أحتك بأماكن اخري، وأبدأ فى معرفة الشيوعية من خلال كتب معادية لها واسمع عن قضايا مثل الصراع الطبقي وما إلى ذلك ولم تكن هذه الكتب تستنفرني ضدها بل كان العكس هو مايحدث رغم الحملة الواسعة التى شنت على الشيوعية بعد اعتقال الشيوعيين فى يناير 1959. وكان عمرى وقتهاحوالى 14 عاماَ.

- في عام 1960 تقريبا كنت في اولي ثانوي بدأت اهتم بدماغي اكتر وبالقراءة العميقة، وخاصة ان كان لدى أخين أحدهما يقرأ شارلوك هولمز وأرسين لوبين وأخ آخر يقرأ يوسف كرم ( مؤرخ فلسفة مصرى ) وافلاطون وكتابات فولتير ، وقد تزوج مسيحية فوقتها إضطررت لقراءة الانجيل حتى اعرف ما الذى يؤمن به المسيحيون رغم انه لم يكن هناك اي موقف متعصب داخل الاسرة من الزواج من مسيحية ، وكان موضع الاعتراض انه –أى أخى- لازال طالباَ في كلية الحقوق . في اول اجازة صيفية بعد ما هزني انا موضوع كتاب" حقيقة الشيوعية" والمنظر المقزز علي غلاف الكتاب وأذكر منه منظر جمجمة ملفوف عليها رباط مثل المومياوات خارجا منها شمعة وأشياء غريبة كهذه. ولكنها لم تولد عندي الاثر المنفر حول مضمون الكتاب وإنما جعلتنى راغباَ فى القراءة أكثر ، ذهبت لمكتبة المدرسة ووجدت كتابا اسمه "آثرت الحرية" وكان مترجمه د . زكي نجيب محمود ومؤلفه فيكتور كراتفشنكو، والكتاب طويل ولم يكن عندى القدرة علي قراءة كل هذا ، المهم أننى قضيت اجازة نصف السنة في قراءة الكتاب بكامله ووجدت نفسي غير معاد للشيوعية، وطبعا كان هناك كلاماَ عن الفلسفة الماركسية والمادية الجدلية والموقف من الدين وكان يركز علي معاداة الدين بشده ولما كنت اقرأ عن هذا الموقف لم أكن أرى فيه مشكلة. يدفعنى هذا إلى أن أكون اكثر اهتماما بأن تكون لى صلة بالثقافة والأدب والدوائر التى إنحصر فيها ، اهتمامات اخواى لم تعد تمتعنى ، فبعد فترة احسست انها باتت محدودة ومنغلقة، ولكن حينما كنت أجد شيئاَ عن الماركسية أجد لدى رد فعل إيجابى من الناحية الذهنية، لذا كان اهم شئ وقتها هو بداية اهتمامى بالقضايا الفكرية. انيس منصور كان (موضة) وقتها –قرأت له كتابًا أو اثنين- فأعتقدت اني قد أصبحت وجودياَ وخاصة بعد تصفحى لكتاب اللامنتمى لكولن ولسون الذى صدرت ترجمتة فى هذا الوقت، وقبلها وفي نفس الفترة قرأت كتاباَ مهماَ واسمه "هذه هي الصوفية" للشيخ عبد الرحمن الوكيل وقد كان وكيلاَ لجماعة انصار السنة المحمدية وقتها، و كان ينتقد فيه الصوفية وتمثلت اهميته بالنسبة لي فى انه كان خطوة على طريق النظر بشكل واقعي للدين. الكاتب التاني كان خالد محمد خالد، وبدأت اقرأه وكذلك الشيخ حامد الفقي. قبل ذلك كنت أذهب للصلاة ومعظم خطب الجمعه كانت عن جهنم التى " سندخلها " وكان أثرها منفراَ بالنسبة لى . وعندما بدأت اقرأ خالد محمد خالد وجدته مختلفاَ تماما وبدأت أستكمل بقية كتبه، وقد لفت انتباهي وجهة نظره في المسيحية والديمقراطية وفى البغايا، كنا نعتقد قبلها ان البغى هي إمرأة منحطة ، ولكنه تحدث عنها بوصفها نتاجاَ للظروف الاجتماعية ووجدتنى أتحول من موقف تقليدى صارم أخلاقياً إلى موقف متفهم اجتماعياً. في هذه المرحلة توقفت عن الصلاة. ولم يكن لدي موقف متبلور من الدين ولكني وجدت نفسي فى غير حاجة لسماع- كلام الخطباء والمشايخ عن جهنم - وبدأت اعتمد علي قواعد السلوك والقيم العادية الاخلاقية اكثر من اي شئ آخر. في عامى 1963-1964 بدأت انشط في مجال الدراسة الأدبية وبالذات المسرح، ومن فضائل العهد الناصري انه كانت هناك مجموعة من السلاسل وروائع المسرح العالمي وبأسعار معقولة، فبدأت اكتب للمسرح وبعضها عرض في مركز شباب عابدين، وكان مديره وقتها الاستاذ محمد عجرمة. وكان وقتها في مركز الشباب أحد اعضاء مجلس الادارة اسمه فكري أبو الخير من مؤسسي منظمة الشباب . أهتممت بالمسرح وبكتابته وبالمسرح العالمي وترافق هذا مع رجوع كرم مطاوع من الخارج و نجيب سرور وأبدأ فى التعرف على "برخت" و "بيراندلو" وتشيكوف ونجيب سرور وسعد الدين وهبة وغيرهم . في عام 1964 هناك حدث مهم وهو اني أذهب إلى مسرح الجيب مع احد المخرجين المعروفين وهو زغلول الصيفي، -وهو الذى اكتشف مؤخرا ابنة نجيب الريحاني التى لم تكن معروفة وتعرفت علي صديقنا العزيز الأستاذ خليل كلفت الكاتب والناقد المعروف ، وهو لم يكن ماركسيا وقتها بل كان شاعراً وجوديا وناقداَ أدبياَ ولكن كانت له صلة بدوائر واسعة من المثقفين ، ومجرد مقابلتي له تفتح لى باباَ علي مجموعة من مثقفي (مقهى إيزائيفتش) وريش وقهوة البرابرة ونادي الادباء وندوة نجيب محفوظ وغيرها. ألتقى بعبد الرحمن الابنودي وغالب هلسا وصلاح عيسي ويحي الطاهر عبد الله والبساطي والغيطاني وغيرهم. توجهي بدأ ياخد مساراَ معيناَ وبدأت أشعر بحاجة أعمق لدراسة الشيوعية والماركسية وكان الشيوعيين وقتها علي وشك الخروج أو كانوا قد بدءوا الخروج بالفعل، وسمعت عن محمود أمين العالم وابراهيم فتحى وغالي شكري من فتي في سننا اسمه عزت عواد، وتعرفت سماعا على التنظيمات الموجودة . الحقيقة الدور الذى لعبته (البؤرة الثورية) للأبنودي – وهو الاسم الذى أُطلقه على بيت الأبنودى بحكم الدور الذى لعبه فى هذه الفترة لا غير- مهما جدا لأني قابلت في بيته أناساَ كثيرين وانا لازلت شاباَ صغيراَ ليست لدي خبرة ولا افكار عدا بعض القراءات والفضول المعرفى وبدأت هناك فى مشاهدة عالم جديد ومثير وبت اسعي وراء أي أحد عنده اي كتاب عن الماركسية حتى اقرأه ، كان هناك مثلا الصحفى امين رضوان من الحركة التانية الذى طاردته شهرا حتى يعيرنى كتاب "جورج بوليتزر مبادىء الفلسفة" وقد كان هو الكتاب الاساسي لمعرفة الماركسية وقتها، وكانت هناك مكتبة يملكها أحد الأشخاص بجوار سينما الأوبرا من الناحية التى نتوجه منها لميدان العتبة، وكان يعمل مخبرًا فى المباحث العامة وكان يسرق ما يصادر من الكتب من عند الشيوعيين ويبيعها هو في الكشك الذى يملكه، وكنت أدخر من أجل شراء هذه الكتب ، وكانت لديه أيضا كتب من بيروت، وهى كتب نادرة وقتها بشكل فادح . كنت اعتمد اصلا علي كتب معادية للشيوعية فى معرفتى بالشيوعية – نظرا لنقص المصادر الأصلية ثم أجرى عملية فلترة فى دماغي. وأذكر اني رأيت كتاباَ اسمه "نشأة الشيوعية المعاصرة" كتبه مؤلف ايطالي غالبا اسمه ماسيمو سلفادوري، فكان اعتمادي بالدرجة الاولي على هذه الكتب وكانت هناك مؤلفات اخري ذات طابع ادبي، وكان وقتها يقال عن صلاح عبد الصبور أنه ماركسي بديوانه الناس فى بلادى واحمد عبد المعطي حجازي بديوانه مدينة بلا قلب فقرأتهما مع ناظم حكمت وبابلو نيرودا وفابتساروف ، ثم بدأت التردد على المكتبات العامة وأرى ما له صله بالماركسية. قرأت أيضاً بعض ترجمات أبو سيف يوسف وأحمد رشدى صالح ومحمد جلال كشك وغيرها مستعيراً إياها من دار الكتب المصرية. موجز الموضوع وقتها الالتقاء بحلقة الابنودي كان حدثا مهماً لى . بيت الابنودي لعب دور اساسياً في جمع اجيال من الشيوعيين معاً ولعدد من السنوات من 1966 إلي 1968 ، بدأت في بيته ألتقى بنماذج من الحركة الشيوعية التانية وهى متفاوتة في أفكارها ومواقفها، وأرى شباباً من منظمة الشباب ومنهم المحامي عبد العظيم المغربى والصحفى محمد عودة وكذلك طاهرعبد الحكيم صاحب كتاب الاقدام العارية وتعرفت على سيد حجاب ومصطفي الحلاج وهو فنان تشكيلي فلسطيني ومازن ابو غزالة وهو أحد اوائل شهداء حركة المقاومة الفلسطينية وكان موجودًا في مصر، وأرى غالب هلسا وبهاء طاهر احيانا وتوفيق عبد الرحمن واروي صالح وقد كانت طفلة فى الرابعة عشر من عمرها آنذاك.
- أ.حلمى شعراوى طب وزين؟ (المقصود الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد)

- لا رآيته عند د.رؤوف نظمى ( الرفيق محجوب ) ورؤوف أيضاَ كان يأتى عند الابنودي، وكان منتدي تناقش فيه كل الاشياء وحسب طبيعة الناس الحاضرين لتفاوت آراء الناس ومواقفهم من نظام عبد الناصر وقتها، يعني مثلا كنا دائما نحتاط في وجود محمد عودة لأن له صلة وثيقة بالنظام ونحن فى غالبيتنا لسنا " نظاميين" . قبل هذه الفترة قليلا، ذهبت إلى النادي النوبي وصادفت الاستاذ زكي مراد وقد خرج من المعتقل ويلقي اول محاضرة له هناك ، كان هذا قبل تعرفى على حلقة الابنودي. كنت أعلم ان زكي أحد قيادت الحزب الشيوعي وبالنسبة لي لم يكن لدى اي نوع من التمييز بين الفصائل المختلفة فى الحركة الشيوعية المصرية ولا الاختلافات بين مواقفها ، أسمع عن زكي مراد وطبعا أعجبت بالشيوعي الذى كان يتكلم بثقة وشجاعة والقى وقتها قصيدة اسمها لائحة السجن الحربى- فيما اذكر ويقول فيها: (فتحكموا ما شئتم إني غدا متحكم). وأعجبني أنه قدم لى نموذجاَ لأحد مقتنع بموقفه السياسي ويدافع عنه واعتقل بسببه ومازال متمسكاً به. كان لى صديق تصادف أنه ابن عم زكي مراد وهو الاستاذ فيصل عبد الرحيم ومن خلاله تعرفت علي زكي مراد وقابلته ووجدته يحدثنى عن( ثورة) يوليو وانجازتها والانقلاب الفكري الذى أحدثته في الماركسية ونظريتها وما إلى ذلك ، وكيف " كنا مخطئين في تقديراتنا" في بعض الوقت لها - ووجدت نفسي مذهولاً ومحبطاً. وأعتقدت لوهله أنه لا يريد أن يصارحنى برآيه لعدم ثقته بى وأنا حديث العهد بمعرفته. لم يكن فكرى قد تبلور بعد ولكن كانت لدى فكرة غامضة وهى ان الشيوعي لا يمكن أن يكون نظاميا أصلا أى مع النظام .عموماً كان الراحل زكى مراد مسرورا من أن هناك شاب مهتم بهذه القضايا ، طلبت منه أن استعير كتاب انجلز" لودفيج فوزباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية"- ان كان لديه ، فضحك واستغرب لاهتمامى بقراءة مثل هذا الكتاب!. نلاحظ هنا أننا- أقصد جيلى وفصيلى- نشأنا في ظل حركة جماهيرية منحسرة كانت صلتنا بالثقافة اكبر من اي ارتباط جماهيري فكل اهتماماتنا كانت مركزة على القراءة . المهم لم يكن لديه ما طلبته فأهدانى كتاباً آخر اسمه"عرض اقتصادي تاريخي - صادر عن جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب" .وقتها كنت اعتقد انه كتاب ذو قيمة ولكن تبين لى أنه كتاب مدرسي يدرس للطلبة الذين يدرسون فى الجامعة المذكورة كمدخل للماركسية. طلب مني مساعدته فى جمع مادة كتاب عن حركة يوليو –العمل فى تجميع مادة من الصحف والمجلات، أى عمل نساخ- فرحبت على أمل أن أتعلم شيئاً منه . ذهبنا لدار الكتب عدة مرات ثم بدأ يكتب وأراد أن أكون أول من يقرأه حتى يختبر صدى أفكاره علىّ فطلب منى قراءة الفصل الاول لإبداء رأيي فيه، وجدته يردد ما سبق أن قاله عن " ثورة " يوليو فأحبطت وقررت ألا آراه إلا على فترات طويلة فرغم عدم قبولى لآرائه السياسية فقد كان رجلا طيب المعشر وودودا للغاية . وأعود لحلقة الابنودي التى سمعت فيها لأول مرة عن " منظمة وحدة الشيوعيين" ، اسمع عن وثائقها، وعن تحليلاتها التى تتحدث بايجاز شديد عن ان النظم المطبقة فى مصر ليست اشتراكية ، وان النظام القائم نظام قمعي وديكتاتوري من الطراز البونابرتى وعن ضرورة وجود الحزب الشيوعى، وعن رفض الحل . الأمر الذى اعتقد ان الابنودي لم يتكلم عنه فى البرامج التلفزيونية التى تناولت سيرته الذاتية اننا فكرنا فى تكوين حلقة ماركسية كنواة لعمل منظم ، وفعلا في 1966 بدأ يحي الطاهر عبد الله- القصاص المعروف يتحدث عن اننا سنشرع فى تكوين حلقة ماركسية وان وحدة الشيوعيين ليست لها اي فاعلية ( كانت وقتها ذات وجود رمزى ) ، وهذه الحلقة لابد أن يكون لها طابع دعائي سياسي أولاً. هذا – يعني أننا وقتها بدأنا بالفكرة المعتادة وهي أن نقوم بتلخيص كتب ونقرأها ونناقشها ..، ورفيقنا خليل كلفت كان في فترة اسبق وجوديا ومرض بشدة واقام عند الابنودي فترة المرض فأمسى وجودياً وخرج من هناك ماركسيا، ومن وقتها احتفظ بخطه الفكرى الماركسي العام. بدأنا عقد لقاءات وتوزيع تكليفات وما إلى ذلك، وكان هناك لقاء سيتم وفيه كل الناس الكبار سناً ، وأنا كنت اصغرهم، وعلي اساس اللقاء سيتقرر كيف تسير الامور وتقريبا تم هذا اللقاء فى اغسطس 1966 واجتمعت مجموعة من الناس في بيت صلاح عيسي الكاتب والصحفى، منهم غالب هلسا وسيد حجاب والابنودي ويحي الطاهر وحمد عبد الرسول وفي سبتمبر من نفس العام اعتقل كل هؤلاء وغيرهم وتم قطع الطريق علي التوجه الأول الذى بدأ.* وتم الاعتقال بناء على وشاية عضو سابق فى وحدة الشيوعيين .

-أ.حلمى شعراوى الغيطاني كان معاهم؟
- لم يكن الغيطانى ضمن الحلقة ولكنه كان في الحبس أيضاً فكما اشرت وكان للضربة صلة ببلاغ قُدم لمباحث أمن الدولة عن وحدة الشيوعيين، وقد كتب عن هذه المسألة، الأستاذ جمال الغيطانى- من اهم الأشياء التى أدت لهذه الضربة هو أنه في منتصف 1966 – وهنا أركز على مسألة أن الحلقات الشيوعية التى ظهرت بعد 1967 لم تكن كلها نتيجة مباشرة للهزيمة التى جرت فى يونيو ، فمن 1966 كان صلاح عيسي يكتب مقالات في جريدة الحرية التى كان يصدرها القوميون العرب تحت عنوان "الثورة بين المسير والمصير"- إن لم تخنى الذاكرة ولأول مرة نقرأ عن أن هناك برجوازية صغيرة فى السلطة ويبدأ عدد من الكتاب يكتبون حول نفس موضوع حركة يوليو، أذكر منهم مصطفي طيبة ، ومحمد كشلى ووضاح شرارة. وربما محسن إبراهيم وفي نفس الأعداد- أعداد الحرية نشر تلخيص لكتاب "مصر الناصرية" للدكتور سمير أمين، وتلخيص لكتاب أنور عبد الملك "مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون" وكانت هناك ترجمة وقتها للكتاب الاخير كنا نتداولها سرا. جملة المقالات هذه مع عروض الكتب بدأت تبلور عندنا وجهة نظر أعمق رافضة للنظام. كان هذا هو الوقت الذى قرأنا فيه الدكتور سمير امين يتحدث عن "البرجوازية البيروقراطية،" وطبعا لم أكن أجيد وقتها لغة تانية للقراءة ، ولكن هذه العروض مع المقالات بدأت فى اختراق أفكارنا . أقصد بعض رفاق جيلى بالإضافة إلي تحليلات وحدة الشيوعيين التى كانت تتردد ومع واقعة ان القوميين العرب بدأوا يتجهون ناحية الماركسية. كل هذا أدى إلى نوع من انواع بدايات التفكير الجديد. يعاصر هذه الفترة عدد من الاحداث التى تلعب دورا في بلورة أفكارنا علي اكثر من مستوي ومنها المناظرة التى إستهلها الصينيون "حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية" ، ومثلت السلاح النظري لنا في مواجهة الخط السوفيتي بطريقة معينة وجعلتنا نواجهه بشكل نقدي وبالذات مع تأسيس مجلة الطليعة عام 1965. التى مثلت بؤرة للمراجعة المصرية من الشيوعيين الذين حلوا تنظيماتهم بعد اطلاق سراحهم . لم يكن من السهل علي أحد من جيلنا أن يتحدث مع شيوعي قديم ونريه كيف نفكر فقد شاع وقتها أن من وافقوا على الحل كلفوا بالإبلاغ عن أية عناصر مناهضة له. تلعب المناظرة المذكورة دورا اساسياً في تكوين وعينا ، وكذلك افتتاح دار التقدم الروسية مكتبة لها فى مصر حيث بدأت تطرح كتباً ماركسية، وكانت معظم الكتب بالانجليزية الأمر الذى أضطرنى لتطوير لغتي الانجليزية . هناك كتب معينة لعبت دوراً في تشكيل وعينا مثل أسس الفلسفة لمؤلفه بولتيزر وكتاب تطور الحركة الوطنية لشهدي عطية الشافعي ودراسات في التاريخ المصري منذ العصر المملوكي لفوزي جرجس، وكتابي ابراهيم عامر " ثورة مصر القومية" و "الأرض والفلاح"، وطبعا كنا نسعي وقتها لتجميع كل التراث الشيوعى السابق الذى أصدرته دار النديم أو غيرها من دور النشر بغض النظر عن الاتجاه. بعد خروج الابنودي ومن معه في أبريل 1967 بعد زيارة سارتر لمصر نسمع عن وجود بعض المناضلين الرافضين لحل المنظمات الشيوعية مثل منصور زكي ومحمد بدر ومحمد عبد الغفار ورجائي طنطاوى ، و خاصة ابراهيم فتحي . وانا اقدر الدور الذى لعبه الابنودي وبيته فى جيلنا واجيال قريبة منا، واعتقد اننا كنا مغالين في طلباتنا من الابنودي- فالناس كانت تتدخل في نمط حياته وتفاصيل علاقته بزوجته، لم يكن لديه خصوصية فى شيئ وبيته كان مشاعاً للأصدقاء والرفاق. ثم أجد أن التجربة السالفة لم تسفر عن شئ . خرج الأصدقاء لكن توارت فكرة أن يكون هناك شئ منظم . بدأت فى الإتصال ببعض عناصر بوحدة الشيوعيين.
- فى فترة سبتمبر واعتقال 1966 هرب يحي الطاهر عبد الله من الشرطة حيث لم يتمكنوا من القبض عليه وكنت احد الناس الرئيسيين اللذين تولوا تأمينه بعد الهرب.

تأتى هزيمة يونيو 1967 وأشعر بانكسار الهزيمة، رغم اعتراضنا على النظام بالدرجة الاولي لإفتقاد الديمقراطية ومصادرة العمل السياسي داخل مصر. كنت طالباً في كلية الحقوق فى السنة النهائية وبدأت الحرب أثناء امتحاناتى وتوقفت الدراسة أحسست بأني غير قادر على عمل أى شئ علي الاطلاق ، واحساسي الداخلي هو ما قيمة الليسانس في حالة الهزيمة . وذهبت اول امتحان وكتبت خطبة سياسية في ورقة الامتحان . وقلت المفروض أن تتغير سياستنا في الدولة والمفروض أن نصبح اكثر استعدادا واكثر صلة بالحلفاء الذين يساندونا-قصدت السوفييت- ولم أكمل الامتحان ، وبعدها بدأت المزيد من البحث عن الانخراط فى عمل تنظيمي ولم يكن هناك غير وحدة الشيوعيين، كانت هناك مشكلة فى قبولى عضواً بحكم أنى كنت على علاقة معروفة بأعضاء سابقين عندهم كانت لهم مواقف نقدية. فكنت حريصاً على تعزيز علاقتى بصديق طاب ثراه - وهو الزميل المناضل عبد السلام الشهاوي وهو خريج كلية آداب قسم اللغة الانجليزية وكان يعمل مدرسا وقتها وكان رجلاً شديد الاستقامة وماركسي. كنا علي صلة وثيقة جدا وكان عضواً فى و.ش وهو الذى جندنى لها. موجز القول ان تنظيم وحدة الشيوعيين- فى هذا الوقت تحديداً- كان اقرب للطريقة الصوفية والسلك الكهنوتي ( أقول هذه العبارة وفي ذهنى الشرط التاريخي الصعب الذى كانوا فيه ) القيادة القديمة التى كانت فى المعتقلات خرجت وبدأ جزء منها يهاجر الى الخارج مثل بهجت النادي وعادل رفعت ( محمود حسين ) ، وعدد من الخارجين لم يعد لهم أي نشاط. ابراهيم فتحي كان محاصرا طوال الوقت . بالإضافة لمناخ الهيمنة الناصرية ومناخ القمع والحل الذى لا يتيح لأحد اصلا أن يصرح حتى عن معتقداته السياسية. المهم عبد السلام فاتحني في موضوع وحدة الشيوعيين وأعطانى وثيقتين اسمهما " حول اشتراكية رأس المال الكبير" و "حول التحريفية اليوغوسلافية". بعد ذلك سلمني للزميل المسؤول والمناضل الراحل أحمد العزبى وقد كان مترجماً ، ومن ضمن من أعتقلوا –عام 1966- مع الابنودي ومن التهم الموجهة إليه هي الانضمام لوحدة الشيوعيين، نلتقى فى مواعيد نصف شهرية منتظمة وكل مرة نتحدث عن طبيعة النظام ، وكان حديثه شبه تكرار للوثائق القديمة ولم تكن هناك متابعة للتطورات السياسية الجارية. المسألة الثانية كنت أتساءل هل سأكون طوال الوقت علي علاقة احادية فردية به؟ كنت أريد أن أكون فى مجموعة / خلية وكذلك ان أوجه جماهيرياً .وكان رأيه أننا كنا فيما يسمي بمرحلة التراكم الاولي للكادر، والعدد محدود ، والتغلغل البوليسي مستشري فلابد من فترة كمون واعداد تسبق العمل الجماهيري. لأول مرة أقرأ تحليلاً سياسياً يصدره حزب او منظمة شيوعية داخل مصر. لقد لعبت وحدة الشيوعيين دوراً جوهرياً فى الحفاظ على فكرة ضرورة استمرار الحزب. ورفعت خطاً جذرياً من الناحية الفكرية والسياسية أثر على اتجاه كامل فى أوساط المثقفين والأدباء الشباب آنذاك رغم النواقص التى فرضها الشرط التاريخى على عملها. في نفس الفترة أواصل تطوير نفسي ذاتيا بشكل شديد وأقرأ كل ما يتوفر فى ذاك الوقت من كتابات ماركسية – ماركس ولينين وماوتسى تونج وفرانز فانون ودوبريه وماركوز وجارودى ، ونظرا لعدم وجود خط سياسي يبلور افكارنا ولانملك ماركسية نقدية عميقة فلم نكن نميز بينها. في هذا الوقت تنشأ بؤر كثيرة داخل مصر وكل الماركسيين بدأوا يستيقظون بشكل أو بآخر علي هزيمة 1967، فطاهر عبد الحكيم مثلا يبدأ يشكل حلقة من بعض الناس لتدارس الاوضاع، وأخي في الله الراحل مهدى الحسيني يدعوني لعمل حلقة، واسمع عن ان السيدة محسنة توفيق الفنانة المعروفة قد شكلت إحدى الحلقات، بدأ موضوع ضرورة التنظيم ينتشر تلقائياً بشكل كبير. تقوم مظاهرات فبراير 1968 كنت وقتها عضواً في وحدة الشيوعيين ولكن لم يكن لنا موقف الا أن اتثقف وأحافظ على أمنى وألتقى بمسئولى وادفع اشتراكى الشهرى . خرجت المظاهرات وذهبت الى الجامعة مع الكاتب والصحفى صلاح عيسي ومحمد عبد الرسول والاديب المعروف الدكتور أحمد عبد الرحمن الخميسى قرب كلية الهندسة وأردنا أن نتصل بالطلبة، ولم نتمكن من ذلك. بدأنا نعيد اجتماعتنا في بيت الابنودي ونتابع حركة فبراير 1968 وقررنا إصدار منشور واشتركت مع الابنودي وصلاح عيسى في كتابة بيان متأثرا بلغة رومانسية العنف عند فرانز فانون في كتابه "معذبو الارض" فوجدوا أن لغتى لغة يساريه متطرفة فاستبعدت من صياغة البيان، وفيما بعد لم نتمكن من إصدارالبيان لأسباب فنية، ولكن بدأنا نعيد التفكير، لأن هناك حركة داخل الجامعة بدأت تظهر. مع مظاهرات فبراير 1968 وفي أعقابها بفترة قصيرة يعتقل صلاح عيسي وسمير حمزة وعثمان عزام من منظمة الشباب وطبعا كان للإعتقال صلة مباشرة بالمظاهرات وكان لصلاح اسم معروف ككاتب مقالات. في مايو 1968 كنت متواجداً مع محمد عبد الرسول فى منزله وأستعد لامتحان الليسانس للمرة الثانية وفوجئت بالمباحث آتيه لإعتقاله فتأخذنا معاً علي معتقل القلعة، عندما دخلت مبني المباحث العامة قابلني العميد منير محيسن من مكتب مكافحة الشيوعية ووجه لى سؤالا مباغتا بلا توقع: "انت اللي خبيت يحي الطاهر عبد الله"؟ فرددت تلقائياً "يحي الطاهر عبد الله مين؟" فتصورت ان اعتقالي له صلة بموضوع تهريب يحي وللأسف يحي ارتكب خطأ وهو انه كان يتعين عليه أن يترك عنوان إقامته قبل إطلاق سراحه وكان هناك سوء تفاهم بينه وبين الابنودي وقتها فلم يشأ ترك عنوان أحد وترك عنواني أنا كمحل لإقامته وقد كانت قلة خبرة منه لا أكثر. دخلت معتقل القلعة وانا غير مسلح بأي شئ سوي قصص الشيوعيين في المعتقلات وليس لدى أي خبرة عملية في كيف ارد علي تحقيق او كيف أتعامل مع التعذيب وماشابه من هذه الأمور. ما كنت أذكره معرفتى أن الشيوعيين ضد موضوع الاستنكار- البراءة فلا ينبغي أن استنكر الشيوعية واني يجب ألا أتكلم عن احد ممن اعرفهم . في البداية ندخل الزنازين ونسمع اغاني –من نوع معين مثل (فات الميعاد وبقينا بعاد- وتسجيلات لأناس تصرخ، وطبعا عندما حاولت النوم لم أعرف لأن هناك مصباحاً موضوعاً بشكل لابد أن ترى ضوءه كيفما نمت .. أُحس ان عليّ واجب ان كل ما أواجهه أقابله بالتكوين الشخصي الفردى السابق، مثلا انا شخص عنيد ، ولست ضعيفاً وأحب زملائي واصدقائي ولا يمكن أن أتسبب فى توريط آخرين في اي وضع. اُستدعي للتحقيق، ومعتقل المباحث العامة وقتها اى معتقل القلعة كان المشرفين عليه من الضباط حسن أبو باشا- وزير الداخلية فيما بعد- وكان مفتشاً آنذاك،وفتحى قته ، والمدير المباشر في هذه الفترة كان- سمير حسنين وزكريا عمار، ومن ضباط المعتقل عاصم الوكيل ورضا عبد السلام ومن المخبرين محمد عبد المقصود وسعيد فرح وآخرين ، وزملائي في المعتقل وقتها محمد عبد الرسول وصلاح عيسي واحمد عبد الرحمن الخميسي وسمير حمزة وعثمان عزام من منظمة الشباب واتنين من (النشاط المعادى) أحدهما أحمد عزت مدنى ومن الاحداث (التاريخية) أن أكون في صحبة شمس بدران وقد كان بجاورني في الزنزانة وعلي شفيق مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر، وقد كنت في زنزانة 6 وكان المعتقل يتخذ شكل حرف L من المدخل وانا في الجزء الاخير ناحية الحمامات وكان يواجهني من يمينى وعلى بعد حمزة البسيوني قائد السجن الحربى الشرس الشهير ، ومن اطرف المواقف اني دخلت دورة المياة وكان حمزة يغسل رأسه تحت صنبور الحوض وانا داخل ولم أعرفه لكن شكله ذكرنى بخالي –أبيض الوجه مشرب بحمره وشعره أبيض خالص- وعيون ملونة غالباً زرقاء، وجدته غير قادر على مواصلة ما يفعله لأنه كان خائفاً على الأغلب من المعتقلين عندما خرجت سألت المخبر عن هذا الرجل الطيبواى ذنب ارتكبه حتى تأتوون به فضحك ، قائلا هذا حمزة البسيوني مدير السجن الحربي وكانت له سمعة الغيلان. المهم يواجهوني بالتحقيقات وكان المحقق الأساسي معى هو سمير حسنين وقد سألني عن موضوع مظاهرات فبراير 1968 واسهامي فيها فأنكرت مشاركتى في المظاهرات، فقال انت متهم بأنك عضو في تنظيم شيوعي متطرف يتبع الخط الصيني اسمه "وحدة الشيوعيين" فقلت انها اول مرة اسمع فيها عن وحدة الشيوعيين ، طبعا كانت هناك تهديدات لفظية ، ولكن بعد ثلاث او أربع ايام لما أصررت على كلامى علقوني علي شماعة حديد في ظهر الزنزانة، صرخت فيهم قليلاً، وبعدها فكواالقيد حيث كان هناك معتقل حاول الانتحار قبلها بعدة ايام بعد تعرضه للتعذيب –- وتركونى حوالي اسبوعين او ثلاثة وكل بضعة أيام يسألونني نفس الاسئلة بطريقة اخري ومن جانبى كررت ماسبق ان قلته من كلام ، ويبدو أن آخر جلسة كانت، حين أتانى حسن أبو باشا مفتش المباحث لاجراء تحقيق ختامى تقويمى . وقيل وقتها من بعض الناس- سمير حمزة- وعثمان عزام- ان الكلام الاساسي في التحقيق مع صلاح عيسي كان عن القوميين العرب ولم تكن له صله بشكل مباشر أو غير مباشر بالمظاهرات وكذلك بوحدة الشيوعيين، وأيضًا بالمقالات التى نشرت قديما فى جريدة القوميين العرب. بعد حوالي 3 شهور من الحبس الانفرادي والذى كان بالنسبة لي ممتعاً ومرهقاً فى آن واحد . ممتعاً لأني اول مرة أظل ثلاث شهور كاملة دون أن اتكلم مع أحد. وأن تجرب ان تحتفظ بذهنك ووقتك مشغولاً كان قضية كبري، انا مثلا دارس اللغة الالمانية فأقرر اني من الساعة 10 لـ الساعة 11 سأتذكر اول درس في اللغة الالمانية من 11 ل 12 سأتذكر وقائع وأحداث معينة من 1 لـ 2 سأبدأ أغني أغاني سيد درويش وهكذا. وكنت أكتب بالزيتون الأسود شعارات على جدارن الزنزانة. وأحد الضباط –رضا عبد السلام- أتى وهددني انه سيدعنى الحسها بلساني إن كتبت مرة أخرى. كنت أكتب اشعار محمود درويش –أموت اشتياقاً أموت احتراقاً- مثلا او وصية لمن سيأتى في الزنزانة مثل: "كن رجلاً وتجلد" وخصصت وقتاً للرياضة ووقتاً للمشي ووقتاً للنوم، ومن حسن حظي كنت أنام لساعات طويلة. نرحل إلى معتقل طرة وفيه نوع من التلخيص لكل الاتجاهات السياسية في مصر وقتها: من منظمة الشباب هناك سمير حمزة وعثمان عزام ، ومن الشيوعيين كان هناك سمير عبد الباقي –الذى أفرج عنه قبل وصولنا بيومين- وكذلك ثروت سرور- أخ الشاعر الراحل نجيب سرور( اعتقل لأنه قال فى احد المؤتمرات انه " واحد م الحمير اللى خرجت يوم 9 10 يونيو ) وهناك وفديين ومنهم يوسف حمودة واخوان مسلمين منهم حسن الهضيبي، ومأمون الهضيبي، ومحمد قطب، والكاتب أحمد رائف ومجموعة من (جماعة المسلمين) التى أسمتهم أجهزة الأمن بعد ذلك جماعة التكفير والهجرة مثل شكري احمد مصطفي ، وعبد الله السماوى، ومحمد نصير، وهناك مجموعة تدرج تحت فئة النشاط العادي –وكان منها الناقد الدكتور على شلش- وأيضاً يهودا مصريين. احب أن اذكر هنا شيئاً مهماً وهو اني كنت أحس بالألم الفظيع عندما أرى يهودياً مصرياً تربي في حارة ويتكلم لغة الحواري المصرية ويعتقل لأنه يهودي ويطلب منه الهتاف باسم عبد الناصر، كنت أشعر أنه كان يمكن لنضالنا الوطني أن يستثمر هؤلاء الناس ويوظفهم باعتبارهم مصريين ويقاوم اي عناصر صهيونية داخلها، ولكن كان هناك اعتقالاً بالجملة وتصور بوليسي اننا كمصريين حققنا انتصارًا على إسرائيل باعتقالهم لم يكن أمراً مقبولاً بالنسبة لى.

كنا أربعة شيوعيين-فى صيف 1968 بمعتقل طره السياسى- وبدأ بعد ذلك مع ردود افعال مظاهرات نوفمبر 1968 الشيوعيين بالقدوم فيصل - سيد فتح الله وهو عامل نسيج من شبرا الخيمة ثم قضية شيوعية في آخر 1968 المتهم الأول فيها الدكتور فاضل الاسود وهو طبيب اسنان وللأسف اعترف على زملاءه تحت ضغط التعذيب، وكان وقتها النائب العام هو علي نور الدين. ثم يأتى اخونا الراحل نور الدين مصطفي عبده غنيم والمشهور بنور (إعدام) من طليعة العمال،( من الحلقة الثانية للحركة الشيوعية المصرية ) بتهمة انه إصطحب اريك رولو الصحفى الماركسى من جريدة لوموند (السفير الفرنسي مؤخرا) الي الفيوم حتى يريه كيف يعيش الشعب المصري بشكل حقيقي. نور الدين غنيم كان رفيقاً ساخراً له وجهة نظر في (تخريب) النظام الناصري من داخله تقوم علي افساد خطة التنمية بإنجاب الأطفال ومزيد من الأطفال، كما رفض العمل لدى أى جهة حكومية وآثر أن يتاجر حراً فى الطماطم وكان ممن رفضوا الحل. في عام 1969 تأتي مجموعة ضخمة من (منظمة) التيار الثوري منهم محمد عباس فهمي وطاهر البدري واحمد القصير وخليل الآسى ومحمد خالد العوا ومحمد عونى صادق وعلي الصباغ وعيدروس القصير ومحمد المنشاوي واحمد سويلم والمحامى نعيم لبيب ، وهذا تيار كان يسمي نفسه صينياً ماويا مؤمناً بحلف الطبقات الاربع ، وهو مع النظام ويعتبره وطنيًا ينبغي علي الشيوعيين ان يتحالفوا معه ، وكل المسألة انهم من رافضي الحل ومن رافضي تشكيل الحزب فى الوقت نفسه ، ولكنهم أرادوا أن يلعبوا دور تيار داخل المجتمع. ثم أتت عناصر متفرقة مثل محمد علي فهمى فخري من طليعة الشيوعيين وكان معروفًا باسم (فخري تكتيك)، وكان علي صلة بشخص آخر أتى معه اسمه طاهر الليثي –مأمور ضرائب- بسبب صلتهم بفريد عبد الكريم القيادى المعروف فى الاتحاد الإشتراكى. يصل افراد مثل المناضل المرحوم فرنسيس لبيب كيرلس بتهمة انه "لسن" على النظام. بعد نوفمبر 1968 يأتى شاب من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية بتهمة انه خطب في الطلاب مطالبا بثورة ثقافية داخل مصر وهو الاستاذ سعد هجرس الصحفي والكاتب المعروف الآن- وفي المعتقل جُند للتيار الثوري. حاول التيار الثوري أن يجندني ولكن افكارهم لم تكن تتفق مع افكاري لأني لم أكن مؤمناً بالتحالف مع النظام وبأي صلة مع النظام غير صلة الصراع . ولذلك ارتبطت بنور الدين غنيم وحسن الساكت وهو أيضاً عامل نسيج من شبرا الخيمة ينتمى لطليعة العمال والدكتور عمر احمد مكاوي وهو تاريخيا من منظمة النجم الاحمر وأعتقل لأنه دائما ما كان يحتج علي سياسات رئيس الجمهورية بارسال برقيات له وكان من الناس الأنقياء جدا. من الأمور المهم ذكرها انه في اخر1969 جري تعذيب بعض من جماعة المسلمين داخل مكاتب ادارة المعتقل، كلنا في المعتقل كشيوعيين من تشكيلات وأصول تاريخية وسياسية مختلفة ، ولكن الاحتجاج الوحيد الذى اجتمعنا عليه هو رفض تعذيبهم في المعتقل وقتها وهذا كلام مكتوب ورسمي وتم تسليمه لعبد العال سلومة قائد المعتقل وقتها. وأيضا في آخر 1969 ابعد عن ادارة المعتقل احد الضباط وهو ناصف مختار وأتوا بعبد العال سلومة ، ربما بسبب قولة شكرى أحمد مصطفى لحسن طلعت مدير المباحث العامة علنا فى لقاء مفتوح : "أنت كافر ورئيسك كافر" . كانت الأوضاع مريحة نسبياً نقرأ الكتب والجرائد، والعنابر مفتوحة ، ولكن عبد العال أنهى كل هذا فى غمضة عين. إنقسم عنبر الشيوعيين الي قسمين، البعض لا يريد أن يحرج الحكومة الوطنية فعلينا ان نقبل كل اجراءاتهم، وآخرين رأوا اننا لو تنازلنا عن حقوقنا لن يكون هناك حد للتنازل ، اعتصمنا خارج العنابر – عدا مجموعة التيار الثورى- أتوا بخيالة السجن مدججة بالسلاح وحاصرت العنبر، وعقب 48 ساعة كنا مُغربين في عدد من السجون البعض ذهبوا إلى طنطا (انا منهم) وقسم ذهب إلى القناطر الخيرية وآخرين وصلوا المنيا. في سجن طنطا قابلت حفيد الزعيم أحمد عرابى الدكتور عز الدين عبد القادر واثنين من ضباط الجيش كانوا ينتقدون هزيمة 1967 أحدهما حفيد عبد الرحمن عزام باشا أول مدير لجامعة الدول العربية وهو الضابط عادل عزام، يرافقة شاب اسمه ماركيز ويعمل ضابط مهندس هذه نماذج لمن التقيت بهم . وفترة المعتقل كانت فترة تثقيف وكنت أستفيد جدا من الزملاء القدامى ممن أتفق معهم من الناحية الفكرية ومن حسن حظي أن نور غنيم كان معى في سجن طنطا، وقد كنت أعتبره كائناً منزوع الجهاز العصبي فعند اى حدث جسيم لا يقابله ابدا بانفعال، وبالقياس لي كنت شاباً متهوراً، فمثلا التقيت باحد العساكر الذين شاركوا في تعذيب الشيوعيين في سجن ابو زعبل –اسمه اسحاق- في سنة 1959 فسعيت للتحرش به ولكن نور الدين كان يهدئنى. وكان نور يركز بشدة علي الموقف الصارم من السلطة وكان ينتقد التيار الثوري وحدتو والحل ودائم التحدث عن ضرورة بناء (القلعة التي لا تخترق)، يقصد الحزب وثان مسألة كتبت فيها فيما بعد- حين اصبحت عضوا فى التنظيم الشيوعى المصرى كانت دراسة بعنوان: الدولة البوليسية والصراع الطبقي في مصر = تحت تأثير فكرة الحزب الذى لا يخترق. في أبريل سنة 1970 يفرج عنى بعد عرضى على محكمة امن الدولة العليا ، وكان قد أفرج عن أحمد الخميسى قبلها لأن والده الأستاذ عبد الرحمن كان صديقاً لجعفر النميري رئيس جمهورية السودان وقتها وطلب تدخله فالنميري توسط لدى شعراوي جمعة وزير الداخلية وافرج عنه وكان هذا فاتحة الافراج عنا. وبعد خروجي بيومين بالضبط التقي بى أحد الزملاء القدامي من (حلقة الابنودي) وهو خليل كلفت وقال لي اني اصبحت عضوًا في التنظيم الشيوعي المصري والذى اصبح بعد ذلك آخر عام 1975 حزب العمال الشيوعى المصرى.

-أ.حلمى شعراوى - كان اسم التنظيم كده؟ وبالتالي اصبح العمال......؟
هذا شئ مهم لأني فى حاجة للحديث عن حزب العمال في جلسة منفصلة ولكن هذه المسألة مهمة لأننا كنا نعتبر أنفسنا فصيلاً شيوعياً ضمن فصائل أخرى ورغم ان لنا موقف مضاد من اغلبية الشيوعيين القدامي ومن قاموا ودافعواعن الحل تحديداً ، إلا أن موقفنا لم يكن موقف من يعتقد او يزعم او يدعي اننا الحزب الشيوعي المصري، فلائحتنا مكتوب فيها ان الحزب الشيوعي المصري حزب الطبقة العاملة المصرية ولكن هذا الحزب مطمح يقيمه الشيوعيون ونحن فقط فصيل من الشيوعيين، تشكل التنظيم الشيوعي المصري يوم 8 ديسمبر 1969 ولم يسمي نفسه الحزب الشيوعي المصري، أهمية هذا الموضوع تقوم فى ان رفعت السعيد يقول اننا اعلنا عن حزب العمال الشيوعي المصري بعد اعلان الحزب الشيوعي المصري عن نفسه، طبعا الواقعة الأخيرة صحيحة ظاهرياً فقط. ولكن ما منعنا ان نقول اننا الحزب الشيوعي المصري أنه لا يمكن ان ندعي اننا نمثل غالبية الشيوعيين المصريين فضلاً عن أن نكون امتداداً لحزب 1924 الا بمعني معين وبين اقواس. من الناحية الفكرية والسياسية أعتبر أننا كنا امتداداً للتيار الراديكالي داخل الحركة الشيوعية المصرية القديمة.
مثلا فى قضيتنا-503 لسنة 1973 أمن دولة عليا- كانت هناك اختراقات للقواعد، اختراق بمعني ان هناك حركة جماهيرية ، وشبه طبيعي ان يرتبط بك جمهور واسع ، وطبيعي ان تتسلل بعض مصادر مخابرات وانا لا اهون من هذه الامور ولكن مع ذلك هناك فرق شاسع بين أن تشتغل في مجال جماهيري وتأتيك عناصر متباينة ، فالمهم ان تبقي مؤمناً ازاء الاختراقات الرئيسية وهي اختراقات القلب، وبالنسبة لي القلب هو كوادر المناطق وكوادر اللجنة المركزية. هذا رد على د. رفعت السعيد الذى قال أيضاً أننا حزب مخترق . أعود لموضوع حزب العمال، لم ندعي ولم نشأ ان ندعي او نعلن عن أنفسنا اننا الحزب الشيوعي المصرى لأننا لم نر أنفسنا الا قسمًا من شيوعيين سيسهمون فى تشكيل الحزب، ولكن كان لنا اسم مستقبلي وهو "حزب العمال الشيوعي المصري"،عندما أعلنت جماعة حدتوعن نفسها بوصفها ح.ش.م فضلاً عن إدعاء أنها امتداد حزب 1924 أعلنا عن أنفسنا وخاصة أن قيادات المصرى كانت تعلم بوجودنا على الأقل منذ منتصف عام1973 أى منذ قضية الإسكندرية 503 لسنة 1973 حيث ترافع فيها كل من الأساتذه زكى مراد وأحمد نبيل الهلالى وقد كانا من مؤسسي الحزب الشيوعى المصرى .

-أ.حنان رمضان - انتو ابتديتوا باعتباركم فصيل مش الحزب الشيوعي المصري ولكن فصيل يستهدف بناء حزب شيوعي في مصر، طيب ليه لم تبحثوا عن الناس اللي رفضت الحل؟
- كان عليهم هم ذوى الخبرة السابقة أن يبحثوا عنا . مع ذلك قلة منا كانت علي صلة بالشيوعيين القدامي، انا مثلا كانت لى صلة بعدد منهم ومن اتجاهات مختلفة منهم زكي مراد وبعدها اعتقلت فصادفت عددا من الزملاء الشيوعيين، وخرجت صادقت البعض وبعدها أقمنا صلة بإبراهيم فتحي بالذات. حينما انضممت للتنظيم فاتحت نور غنيم وأعطيته وثائق وكان يناقشني فيها، وكان لدينا سياسة انه لابد من طلب العضوية من الشخص المعنى - رغم انها لم تطبق علىّ شخصيا لأني خرجت وجدتنى عضواً في التنظيم حيث كنت قد اعتبرت عضواً فى التنظيم وأنا لازلت فى المعتقل عام 1969. وكان تقدير زملائي وقتها اني لو كنت موجوداً بالخارج لأصبحت من المؤسسين وكانت هناك ثقة شديدة في موقفي، وقد كنت موضع اهتمامهم حيث ساندونى مادياً ومعنوياً خلال فترة اعتقالى، خاصة وأن والدي كان ممتعضا وقتها ليس لأنه ضد العمل بالسياسة ولكنه أراد أن ادرس واكمل تعليمى أولاً. عُقد مثلا مؤتمرًا للأدباء الشبان الأول وكان في سنة 1969 كان مؤتمرا حافلاً بالتوتر منظمه شعراوي جمعة وزير الداخلية آنذاك. وقد واتت الدكتورة رضوي عاشور وقتها الشجاعة فى ذلك المناخ السياسي لتتحدث عني باعتباري احد الادباء المعتقلين وطالبت بالإفراج عنى. وقد كان لإبراهيم فتحى حضور مؤثر فى هذا المؤتمر. لقد منحت العضوية علي اعتبار ان دخولى التنظيم شئ مفروغ منه. سياستنا بعد ذلك كانت (اعتقد انها سياسة صحيحة) سياسة تقديم وثائق وأوراق أو جرائد معينة ونطلب من الشخص المعنى قراءتها ونرى مدى استجابته لها وقد نطلب منه التبرع احيانا، ويترك له طلب العضوية أولاً.

-أ.نبيل صبحى - انت بعد ما خرجتم عرضتم علي نور غنيم وثائق التنظيم الشيوعي المصري، هل ما تطرق للنقاش ابدا عن مجموعتين اللي رفضوا الحل؟
- ليس عن مجموعتين وإنما عن أفراد، اى كان يجري كلام عن أناس معنيين كأفراد ولم يطلب مني مقابلة أحد معين او ان يعرفني علي أحد معين، وقد كان منشغلاً وقتها بأمرين كما قلت وهما التجارة فى الطماطم كموقف ساخر من الشيوعيين الذين ركضوا وراء الوظائف الحكومية ، الثانية تخريب خطة التنمية الناصرية بالإنجاب!

أ.حنان رمضان - هل ما تطرقش الامر إلي اكتشاف عدد كبير من العمال اللي كانوا اعضاء في الحزب؟
- لأ للأسف، مثلا لقد عرفت سيد فتح الله وهو عامل نسيج فى المعتقل وسمعت تحفظات عليه من البعض، جعلنى هذا أقيم مسافة بينى وبينه وعلاقتى به تصبح علاقة حياة عامة فقط . بعدها اعرف الدكتور عمر أحمد مكاوي واعرف انهم علي صلة ببعضهما، فابدأ اتعرف عليه وهو من انقي الاشخاص الذين قابلتهم فأحكى له عما سمعته وهو يصحح. ابدأ اعرف ان سيد فتح الله منضم لمجموعة ما. أما التيار الثوري وحسب وجهة نظرى آنذاك. فلم يكن سوى ذيل يتوهم إستقلاله فى الحركة مع هيمنة الخط اليميني علي الحركة الشيوعية المصرية. سأحكى لك شيئاً ذو دلالة مرة في العنبر بالمعتقل أتى دورى فى تنظيف العنبر حين رميت المياه على الأسفلت وجدت المياه تتسرب إلى فتحة مموهه ومغطاه وجدتها مخبأ، ذهبت لمحمد عباس فهمى المسئول السياسى للتيار الثورى وأخبرته، فسد المخبأ ، وقال "احنا نقفل المخبأ ده عشان الناس متفكرش في عمل أى شيئ سري " .

- أستاذ حلمي شعراوى - كانت لهم كتابات ووثائق وقالوا كلام كتير.
- في 1969 كانوا لازالوا فى البداية وليست لهم وثائق منتشرة والأدب كله كان اغلبه شفوياً غير مكتوب وحتي لو كتبوا شيئاً كان سطحياً جدا – تحليلات قائمة على تصريحات المسئولين الرسميين فى الصحافة - لقد كنت شاباً لاخبرة لدى، وانا أتذكر الآن طاهر البدري بقامته الطويلة ومظهره (الباشاواتى) وهو يضع يده علي كتفي محاولاً إقناعى بفكر التيار الثوري (ابتسم خصوصاً)، حينما سألته عمن هى الطبقة السائدة في مصر، فقال لي "انا عمري ما فكرت في السؤال ده"، فرددت حينما تصبح عندك إجابة كلمني" . في هذا الوقت كانوا ضد فكرة الحزب واعتبروا أنفسهم مجرد تيار بيتفاعل مع الواقع السياسى، ولكن ما تقوله لم أسمعه منهم، يمكن بعد ذلك قرأت انا قريت كتابات لهم .لمحمد عباس كتاباً "عن الموقف من نظام السادات"، ولكن الأساسي وقتها أنهم كانوا متبنيين الخط الصيني بطريقة يمينية: وخاصة حلف الطبقات الأربع: البرجوازية الوطنية والطبقة العاملة والفلاحين والمثقفون ، مسألة رفض إحراج السلطة الوطنية كانت أمراً أساسياً لديهم، لم يكن لديهم مُنظرين وقتها، فمحمد عباس رجل عملي، وكذلك طاهر البدري، ولكن احمد القصير وعيدروس القصير هما الأكثر اهتماما وعمقاً من الناحية النظرية والسياسية وما أنتهوا إليه لا يختلف عن فكرة اننا لازلنا في مرحلة استكمال الثورة البرجوازية الديمقراطية ودورها الخالد الأبدى ولكن بقيادة الطبقة العاملة.
- أ. حنان رمضان- سؤالي هو اني حسيت ان ردك ع الاستاذ نبيل رد دبلوماسي يعني واضح ان ليك موقف من المجموعة القديمة وحتي الجزء اللي احتكيت بيهم معجبكشي فهل كنتم مقاطعين كل القدامى وفي مواقف؟ وليه ما استفدتوش كمجموعة من الحل؟

سعيد
- كلامك صحيح فى حدود معينة لأنه كان هناك موقف معين ازاء من قاموا بالحل، من الناحية الاساسية كان هناك رفضاً لمن قاموا بالحل أما الباقى فكنا نتحفظ عليهم حسب مواقفهم وحتي عندما بدأ العمل الحزبى المنظم كانت احد الشروط التى وضعناها هو عرض اسماء القدامى علي اللجنة المركزية حتى نعرف تاريخه السابق قبل اتخاذ قرار بشأن عضويته: أول مسأله كانت ما هو موقفه من الحل ، هل استنكر أم لم يستنكر؟ أى مواقفه عموما السابقة علي الحل. المسألة الثالثة هي موقفه وقتها تحديدا. لقد كنا بين أمرين؛ بين اننا مجموعة شباب نريد تنظيم أنفسنا وكنا وقتها نعتقد اننا عندما نشتغل سننشئ مجلة او جريدة وتنشط جماهيريا وأنه يكفى حركتنا الذاتية فى البداية وفي مراحل اخري بدأنا نسمع عن أن هناك من يتحرك، وان مثلا رجائى الطنطاوي ذهب الى الإسكندرية وقابل زملائنا أى أعضاء عندنا كانوا قبلاً فى طليعة العمال ويفاتحهم ، أضف إلى ذلك أنه لم يكن لدينا خبرة سابقة فى هذا الشأن. من الناحية الأساسية كنا ضد من حلوا وكانت هناك رغبة في الاتصال ومعرفة الآخرين ولكن بتحفظ لأننا لا نعرف كيف يفكر القدامى ؟ كل ماكان يأتينا كان تسريباً، مؤدى ذلك اننا بعد ذلك كان لدينا داخل القيادة ميلين، احدهما يقول بقيام ارتباطنا بالناس عن طريق انتاجنا، الفكرى أو السياسى أى من خلال المجلة والجريدة والميل الثاني يرى انه ينبغي التوجه العملى والتصدى بجانب الإنتاج الفكرى والسياسي لهؤلاء وهذا ما حدث. على أى حال رفاق سابقون فى التنظيم الشيوعى المصرى أسهموا بشكل رئيسى فى تأسيس منظمة 8 يناير.
يتبع

سيرة ذاتية لشيوعى مصرى - قد تعنى أو لاتعنى أحدا ( حزب العمال الشيوعى المصرى ) القسم الثانى

سعيد العليمى

2018 / 7 / 13

يسعد مساكم ياصحاب
ياروح ودبت فى عروق هيكل تراب
لكأنى بالمح فيكوا
بكره النامى
بيرج سطح الأرض
من تحتى ومن قدامى
لكأنى بيكو فى المعاد ألوفات
جايين من البعد الفسيح
بتغنى ليكو الشمس فى السموات
وعلى الاراضى ترقص المصابيح
م . س

- تكلمت فى الجلسة السابقة عن الفترة من 1965-1970، وانتهيت عند بدايات تكوين التنظيم الشيوعى المصرى الذى صار اسمه حزب العمال الشيوعى المصرى فيما بعد ( سبتمبر 1975 ) .
المناخ العام مفرداته هى هزيمة يونيو 1967 ، المقاومة الفلسطينية، المقاومة الفيتنامية، جيفارا والنضال المسلح في أمريكا اللاتينية ، والخلاف الصينى السوفيتى...إلخ هذه هى الخلفية التى يتشكل عليها، التنظيم الشيوعي المصري ، وقد تكون من مثقفين وأدباء وطلاب بالدرجة الأولي، بشكل أو بآخر يمكن أن نقول انه تنظيم يتبني الماركسية ، ولكن هذه الماركسية منفصلة عن الحركة الجماهيرية سواء طلابية أو عمالية، ليس لأن هناك نقيصة في التنظيم ، ولا في أفكاره ، ولا توجهاته ولكن الشرط التاريخي نفسه بوجود الناصرية ذات السمات البونابرتية قاد إلى تصفية الحركة السياسية في مصر، ومصادرة الصراع الطبقي، والطبقة العاملة معظمها كما كنا نقول "تخفق قلوبها لأمانى أعدي أعدائها"، لم تكن هناك حركة طلابية ( باستثناء هبتين عارضتين فى فبراير ونوفمبر 1968 ولهما جذور محلية بالكامل فقد سبقت اولهما حركة الطلاب فى فرنسا والمانيا وامريكا فى نفس العام ) ولا عمالية – وإن كان فى صفوفنا قله من العمال- لأن الحركة السياسية العامة كانت علي أرض النظام، ونحن مجموعة مثقفين ارتبطوا بالماركسية تحت تأثير الوضع العالمي ، والتناقضات الداخلية التى بدأنا نلمسها داخل الناصرية نفسها. يمكن أن نلاحظ انه في أي مجتمع يصادر فيه الصراع السياسي، يتجلي الصراع في مناطق أخري غير السياسة. مثلا في ألمانيا حين صودر الصراع السياسي في العهد الاقطاعي، أصبحت الفلسفة مجال ظهور الأفكار السياسية، وفي مصر عندنا ظهر هذا في الحركة الأدبية بالدرجة الأولي وبدأنا نجد تياراً أدبياً لعب دوراً أساسياً ومؤثراً فيه، المفكر الناقد ابراهيم فتحي الذى كان يتنقل من مقهي لمقهي ومن مجموعة لمجموعة- حتى دعا نفسه او دعاه بعض اصدقاءه (ناقدالأرصفة) وكان له أثر عميق في مجال الأدب والسياسة عامة –وأنا اعتبره الحلقة التى ربطت بين جيلين راديكاليين وحلقتين - بين الحلقة الثانية والثالثة من الحركة الشيوعية المصرية . الجيل الأول من الأدباء الذى أثر عليه هو جيل الأبنودي وسيد حجاب وسيد خميس والغيطاني ومحمد البساطي وإيراهيم أصلان ومحمد مبروك ويحيى الطاهر عبد الله ومحمود الورداني ومحمد كامل القليوبى وعزت عامر وزين العابدين فؤاد ومحمد سيف على سبيل المثال لا الحصر. الدور الذى لعبته الصفحة الأدبية في جريدة المساء كان مهماً أيضًا، والأستاذ عبد الفتاح الجمل المسؤول عنها كان يرفض توجيهات المباحث فيما ينشر في الصفحة وكان يصطدم بهم ولا ينصت لهم. الصفحة الأدبية لعبت دورًا في تقديم مجموعة من الكتاب الجدد مثل صلاح عيسي ، ويحيى الطاهر عبد الله ، وغيرهم الكثير فكانت الصفحة تبلوراً لتيار معينذو ميول يسارية . وقد نشرت اولى ترجماتى لقصص قصيرة فيها ( لاغفران ، نهر شان الجليدى ، البيت الحجرى 1968 – 1970 ) . سبق أن قلت فى الجلسة السابقة أننى أعتقلت في 1968 الي 1970 بينما تأسس "الحزب" في 8 ديسمبر 1969، ولو كنت موجودا بالخارج لأصبحت من المؤسسين ولكن الزملاء منحوني العضوية واسما حركيا ( فؤاد ) مع التأسيس وأنا داخل المعتقل ، وعرفت اني عضو في التنظيم الشيوعي المصري عندما خرجت. في هذا الوقت لم تكن هناك تقريبا وثائق حزبية عندنا، ولكن كانت هناك بعض الأفكار التى تجمعنا جميعا وقتها ـ والأفكار استمددناها من الشيوعيين الراديكاليين خاصة منظمة وحدة الشيوعيين المصريين وتلك التى كوناها بانفسنا. أهم الأفكار الأساسية اللي تبنيناها وقتها و التى إنتهينا إليها هى ان الاشتراكية القائمة فى مصر هي اشتراكية رأس المال الكبير أى ليست اشتراكية أصلا، المسألة التانية هي رفضنا لما أسمى بطريق التطور اللارأسمالي، ضد الأيديولوجية الناصرية وخاصة ما يتعلق بتحفظاتها علي موضوع القومية والصراع الطبقي والدين . كما كنا نتبني النقد الصيني للمراجعة السوفيتية ( كما تجلى فى الكتاب الشهير : مناظرة حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية ) قبل أن يطرح الصينيون فكرة ان الاتحاد السوفيتي امبريالية اشتراكية ، والريف العالمى يحاصر المدينة العالمية ، والكفاح المسلح والبؤرة الثورية بمعزل عن كل شرط تاريخى ، بجانب ادانة قرار حل التنظيمات الشيوعية في 1965 ، ورفض فكرة المجموعة الاشتراكية فى السلطة التى روجها المراجعون المصريون ، ومسألة التحالف مع السلطة التى تترتب على ذلك ، وطبعا كنا مع فيتنام وجيفارا ونضاله فى اميركا اللاتينية ، والمقاومة الفلسطينية . والزملاء حتى يلقنوننى درساً تربوياً في التنظيم، بعد اطلاق سراحى جعلونى عضواً فى خلية ، وكانت الفكرة أن علىّ أن اقتنع بجدية التنظيم ، كما جعلوا أول مسؤول عنى رفيق جندته أنا للماركسية قبلاً، وهذه هى الطريقة التى كان يرى الزملاء بها الأمور وقتها ، وكلهم رفاق جادين ، ومخلصين ، ومضحين لأقصي حد لذا لم يكن عندي أدني تحفظ. هناك معلومة لم أعرفها بغير السماع وهي ان التنظيم تكون عن طريق تشكيل قيادة تأسيسية ثم إختارت هذه اللجنة من داخلها لجنة مركزية وتوزع الباقون على المستويات الأخرى، وأذكر بشكل خاص دور المناضل الراحل عبد السلام الشهاوي، وكان زميلاً لنا من وحدة الشيوعيين وهو من جندني لوحدة الشيوعيين قبل ذلك كما سبق وأن ذكرت وكان رجلاً يتسم بالجدية ومن المتفانين في العمل الحزبى ، وقد رحل عن عالمنا شابا تاركا مرارة وحزنا .
المهم مازال هناك عدد من الزملاء المؤسسين منهم أحد الشعراء البارزين وكان عضواً فى اللجنة الوطنية العليا للطلاب فى 1972 ، وأستاذ اقتصاد حالى ، ومنهم أيضا زميلنا خليل كلفت ( صالح محمد صالح) . في الفترة من 1970 لـ 1971 كان هناك نشاطاً طلابياً وبشكل أساسي في جامعة القاهرة ، وجامعة عين شمس، وفي كليات محدودة مثل الآداب بالنسبة للقاهرة ، وطب عين شمس وبعض الأماكن العمالية القليلة في حلوان ( الحديد والصلب والكوك )، وطبعا النشأة الأولي مع قلة العدد تفرض علينا شكلاً من أشكال التلقائية ويرتبط العمل الحزبى بمسألة الصلات الفردية بدون توجه منظم وهذا كان شيئاً منطقياً. .يجرى تصعيدى( ترفيعى ) إلي لجنة منطقة القاهرة ( صيف 1970 ) ولجنة منطقة القاهرةضمت عددا من الزملاء مثل زميلنا الراحل الضوى بدوى سالم وهو أصلا من منظمة الشباب ثم إنسحب منها . وقد قام بدور هام فى بناء العمل الحزبي من الجانب التنظيمي، وهناك الرفيق ابراهيم وقتها وهذا اسم حركي ، وقد لعب دوراً أساسياً في توسيع العمل الطلابي في جامعة عين شمس وخاصة كلية الطب ( طب المحمدى ! حسب تعبيره)، والرفيق رياض الذى أصبح اسمه بعد أحداث الحزب الشيوعي السوداني محجوب ولم يكن له تعامل جماهيري أى كادراً سرياً تماما لانتماءه وظيفيا للقوات المسلحة . ظهرت عندنا بدايات للانتاج الفكري هلت بشائرها بكتاب زميلنا صالح ردا علي كتاب صادق جلال العظم. (النقد الذاتي بعد الهزيمة) وقد تناول موضوع الهزيمة بشكل نقدي، وللأسف فقد الكتاب .المسألة الثانية هي أن الناقد غالى شكرى وكذلك غالب هلسا في هذه الفترة نفيا وجود نظرية ماركسية فى الأدب ورد عليهما رفيقنا صالح مؤكدا أنً هناك وجهة نظر ماركسية في الأدب لها أصولها عند ماركس( وفقد هذا الرد ايضا ) . فى صيف عام 1970 يجرى حدث شديد الأهمية بالنسبة لكل الزملاء في التنظيم الشيوعي المصري وهو صدور وثيقة حول سلطة البيروقراطية البرجوازية، بعد ذلك جرت تحويرات في اسم الوثيقة ولكن هذا هو الاسم الأصلي. المهم طبعا أن الوضع وقتها شهد ماركسية عالمية ، واشتراكية واقعية قائمة ، ولأول مرة تتحدد لنا طبيعة السلطة فى مصر باعتبارها سلطة البيروقراطية البرجوازية التى ولدت في فترة الستينات الي ما بعد ذلك. كان للوثيقة أثر تحريري علينا جميعا، ولأول مرة نجد أفكارنا منظمة مرتبة ، فاهمين لطبيعة السلطة ، وفاهمين لتطورها الاقتصادي، والمراحل التاريخية التى مرت بها وفاهمين مآلها المقبل. المهم في الأثر التحريري لهذه الوثيقة هو انها دفعت أفكارنا، نحو التبلور . قلت سابقاً أننا كنا نقرا جيفارا وماركس وفانون، وماركيوزه ولينين، وتروتسكى وغيرهم وتنويعات مختلفة ، وكانت عندنا كل هذه الاتجاهات ماركسية ، ولدينا أفكار حول ان هناك برجوازية صغيرة في الحكم، وصلاح عيسي يقول شيئاً وآخرين لهم رأى آخر، وهناك اختلاط للأشياء ببعضها وليس هناك أي نوع من أنواع التبلور، كانت هذه الوثيقة حاسمة بالنسبة إلينا جميعا لأنها بلورت أفكارنا وحددت هذه الأفكار، أعتقد أننا شعرنا جميعاً بأن هذه الوثيقة تعبر عنا وهذا (اللي عايزين نقوله). من الأمانة التاريخية أن أقول او أشير لظرف أسمي الضرورة أو الحاجة الموضوعية التى تدعو عدداً من الناس في نفس الوقت لأن يصلوا لأفكار متقاربة أو شئ بهذا المعنى ، وقد أتيح لي عن طريق رفيق معنا وهو صلاح العمروسى ان أطلع علي عدد من أعداد مجلة اسمها المعرفة السورية، وكان هناك كاتباً سورياً اسمه ابراهيم محمود قد كتب فيها مقالاً نشر ما بين 1968 و1969 وكان يناقش موضوع البرجوازية البيروقراطية، بشكل لا يماثل الصياغة المحكمة الدقيقة لرفيقنا حداد ولكن الأفكار الأساسية كلها كانت موجودة لديه ( الرفيق حداد هو أيضا كاتب الوثيقة الصادرة عن وحدة الشيوعيين المصريين عام 1961 بعنوان " اشتراكية رأس المال الكبير " وغيرها ) ، والدكتور سمير أمين قبل ذلك كتب عن البيروقراطية البرجوازية، ولكن الوثيقة كانت فذة فى صياغتها ودقتها وتركز أفكارها. فى سبتمبر 1970 يتوفي عبد الناصر وفي هذا الوقت صدرت وثيقة بعنوان "كيف نحول شيئا سيئا إلي شئ حسن"، ومن المؤسف أنها شبه مفقودة. ما أذكره منها هو أنها تناولت أثر وفاة عبد الناصر علي الوضع الكلي للمسألة الوطنية في مصر، ثم على البرجوازية لأن هناك اتجاهين داخل البيروقراطية، أحدهما متهادن وواحد أقل تهادنا وواحدهما متمسك بانجازات معينة مثل القطاع العام واتجاه آخر يسعى لاعادة الارتباطات بالغرب بسرعة ويرغب فى جلب وتشغيل استثمارات خاصة وأجنبية وما الى ذلك، وطبعا عبد الناصر كان يمسك بالميزان بين الاتجاهين وان وفاته ستؤثر علي وضع الصراع ، وان الوثيقة عموما تركز علي اننا فى عملنا التنظيمى أو الجماهيرى، علينا ان نضع انجازات البيروقراطية في فترة الصعود فى مواجهة اي تنازلات يمكن ان تقوم بها بعد ذلك ، وطبعا التأكيد علي موضوع مطالب الحريات الديمقراطية. يأتى السادات وأيضا تصدر وثيقة اسمها "حول انتخاب رئيس الجمهورية"، معظم الوثائق لدى المباحث العامة، في سنة 1970 تصدر أيضًا وثيقة "طبيعة الثورة المقبلة" وفي مصر كان شائعا القول بوطنية السلطة ، والبرجوازية الوطنية، وطبعا التيار الاساسي في الحركة الشيوعية كان هو حدتو والناس المرتبطة به ممن يتبنون هذه الاطروحة . وقد رفضنا هذا الكلام جذريا واعتبرنا ان الثورة المقبلة ثورة اشتراكية، وان كل المطلوب ان نستكمل المهام التى لم تكملها البرجوازية ولن تكملها وهذا لايحتاج لمرحلة تاريخية كاملة . بعض الناس اتهمتنا اننا يساريين مغامرين ومتطرفين وكذا ، وكنا وقتها قد طرحنا شعار الاطاحة بالسلطة وهذا الاتهام طبعاغير صحيح لأننا كنا نعتبر ان هذا شعار استراتيجى دعائى تعبوى اى ليس للتنفيذ الفورى وليس معناه الدعوة لإنتفاضة مسلحة فورية. كنا نري ان الثورة الاشتراكية لن تتحقق الا من خلال طريق أكتوبر البلشفى ......... أبريل 1971 يبدأ رفيقنا بشير السباعى قائد المنظمة التروتسكية ( العصبة الثورية ) فيما بعد - في السبعينات فى ترجمة أجزاء من كتاب صراع الطبقات في مصر من 1945 إلي1970، وهو كتاب كتبه الرفاق عادل رفعت وبهجت النادي تحت اسم قلم هو محمود حسين. أى أن أول ترجمة لكتاب محمود حسين قام بها الرفيق بشير السباعي وكان يعمل في مصلحة الاستعلامات فيما اذكر ولديه امكانية ان يحصل علي كل الكتب الجديدة، وهو متعدد المواهب في اللغات، فالحقيقة وقتها زودنا بعدد من فصول كتاب محمود حسين قبل ان يترجم في بيروت ونطلع عليه كاملاً. في نفس الفترة تصلنا جريدة من فرنسا اسمها "المسيرة" ، وكان يصدرها محمود حسين وهي جريدة صغيرة وفيها مجموعة قليلة من الصفحات وتكتب عن بعض التحولات فى مصر وذلك شكل من أشكال مواصلة النهج الذى كتبوا به كتابهم عن صراع الطبقات، بشير السباعي كان رفيقا نادرا ، مثقف له معرفة بعدد من اللغات وعلي صلة رفيعة بالثقافة، فكنا نحاول ضمه لتنظيمنا فيجند عندنا لمدة 24 ساعة ومن جنده زميلنا الذى كان فى اللجنة الوطنية العليا، وأسفنا جدا أنه خرج بنفس السرعة التى دخل بها. المهم كتب بشير مقالة وقتها حين كنا على صلة به ، كانت المقالة تتناول هل هناك اشتراكية في مصر ام لا، وحاول أن يعتمد علي التراث الماركسي ويستشهد بكتابات لإنجلز وتحديدا احدى رسائله حول الاشتراكية البروسية والمشروعات اللي قام بها بسمارك في بعض القطاعات. قبل أبريل 1971 يبلغ كوادر منطقة القاهرة وكانوا الكوادر الوحيدة فلم يكن هناك كوادر غيرهم، أن هناك وثيقة ستصدر عن التحالف –قضية التحالف الطبقى فى مصر- وهناك رغبة لدى اللجنة المركزية فى ان تستطلع رأي الكادر في الوثيقة اللي ستكتب، فطرحوا علينا عددًا من الأسئلة منها موضوع الاستراتيجية والتكتيك ، ومن هى قوي الثورة الاشتراكية... الخ ، وفيما يتعلق بنفسي، كنت شديد الارتباك ، نحن نعتبر قراء ولكن كان لدينا أسئلة أكتر مما لدينا من الأجوبة العينية التى يمكن ان تسهم في الوثيقة نفسها. في أبريل 1970 تصلنا وثيقة التحالف الطبقي في مصر وطبعا الوثيقة في كثير من أفكارها ترد علي أفكار الكوادر فى لجنة المنطقة وبالأساس على مفاهيم الحلقة الثانية فى الحركة الشيوعية المصرية حول مسألة التحالف الطبقى ، كان هناك من يعتقد ان مجرد " اتنين يقعدوا سوا عالقهوة ويتفقوا علي حاجة بقت جبهة" ، تأتى الوثيقة فتضع موضوع الجبهة باعتباره مسألة استراتيجية ، وهي تعني الحلف الطبقي الذى سينجز الثورة الاشتراكية، وترد علي كل التصورات المحدودة والجزئية وغير الثورية التى طرحت حول الموضوع ، مسألة الجبهة هي قضية الثورة الاشتراكية وحلفائها، ورفض المفهوم الانتهازي للجبهة باعتبارها اتفاقات عرضية مؤقتة او تذيلا للسلطة او احد اجنحتها ، وأهم ما في الوثيقة هو الرفض الحاسم للتحالف الذيلى مع السلطة، وتاريخ الحركة الشيوعية بكامله كان تاريخاً ذيلياً- مع استثناء حزب 1924 وبعض المنظمات الشيوعية الصغيرة فيما بعد ولا نميز بين الاتجاهين الموجودين (طليعة العمال وحدتو) يعني اننا نرى ان الاتجاهين ينتهيان إلى نفس الموقف من السلطة . يحدث انقلاب مايو 1971 وتصدر وثيقة اسمها "موقفنا من التغييرات الأخيرة" وهي محفوظة في الكتاب الذى صدر بوثائقنا وفيها تقريبا شكل من أشكال الرؤى المعمقة لما قلناه في وثيقة "حول انتخاب رئيس الجمهورية" "وكيف نحول شئ سيئًا لشئ حسن" ، ان هناك اتجاها مسيطرا يدعم رأسمالية الدولة في مواجهة الرأسمالية التقليدية ويتخذ موقفا مستقلا نسبيا من الغرب، وهناك اتجاه عكسه تماما، ونحن لانتذيل احدهما ولكن يهمنا ان ندعم الاتجاه الأقل تهادنا مع الغرب ولايتجه لحل القطاع العام، كنا نعتبر السادات شخصا وسيطا يمثل مرحلة انتقالية أكتر من أي شئ آخر، وهو شخص مرضي عنه من كل الاتجاهات. المسألة ان الاتجاه المسيطر كان هو المسيطر علي أجهزة المخابرات والمباحث، وهذا ما أدى إلى طرح موضوع الحريات فى مواجهتة من جانب السادات، وكنا مدركين ان الحريات التى رفعها السادات شعارا ليست سوى قناع لسياسات أخري أهمها استعادة الصلة بالغرب ، وتحسين العلاقات مع الرأسمال التقليدي ، وفتح مجال الاستثمار أمامه ... الخ اختيار السادات كان تعبيرًا عن ان هناك صراعا لم يحسم بين الاتجاهين، رغم ان الصراع كان يميل للاتجاه الذي مثله الرئيس عبد الناصر، وفى التحليل الأخير هو صراع يفتقد للمضمون التقدمي ومن ثم غير جدير بالتأييد ، والانقلاب حل التناقض بين مجموعات وطوائف داخل البيروقراطية فى مواجهة الأوضاع الجديدة . في نفس الفترة عمال حلوان يضربون وأشرت سابقا الى انه كانت هناك بعض الصلات بالمواقع العمالية بحلوان وهذا شكل من شكال الارتباط بالطبقة العاملة.
بعد موقفنا من التغيرات الأخيرة تصدر وثيقة اسمها مطالب الحريات الديمقراطية، وهي موجودة لم تفقد وفيها برنامج ديمقراطي يتضمن ماكنا نتطلع الى انجازه فى تلك الأوضاع آنذاك. علي المستوي التنظيمي يرشح عدد من الرفاق في لجنة منطقة القاهرة للجنة المركزية وكنت واحداً منهم، فترة الترشيح كنت اسمي انفسنا فيها "مرشحي بركفيلد" -وهو جهاز لترشيح الماء- لأن فترة الترشيح استطالت وكانت هناك بعض الوعود بدورات كادر تدريبية وما شابه ذلك. تصدر في نفس الوقت وثيقة الدستور الدائم التى تبين الموقف الطبقي من قضية الدستور والحريات الديمقراطية، وهذه ايضا فقدت ولكن حفظت أجزاء منها في كتاب " دفاعاًَ عن الحريات الديمقراطية" للمناضل الراحل أحمد نبيل الهلالى ، وفي ملف القضية 503 لسنة 1973 أمن الدولة لسنة1973 التى كنت فيها المتهم الأول . بعد ذلك تشتعل الحرب الهندية الباكستانية وتصدر وثيقة حولها ومسألة بنجلادش لصالح محمد صالح وللأسف هى ايضا من المفقودات .
في نفس الفترة تتكون جمعية كتاب الغد وقد تصور البعض ان الحزب صنعها وانها اداته وان من كانوا في الحركة الطلابية هم من كانوا فى الحركة الأدبية وهذا كلام مبالغ فيه فقد كانت جمعية صنعها الأدباء وقد كان منهم رفاق لنا، وشئ طبيعي جدا إن يكون هناك أديب وهو طالب في نفس الوقت، كما أن هناك موقف من الحركة الأدبية والتنظيم الشيوعي المصري كان له موقف بحكم النشأة التاريخية والعناصر اللي كونته. تكونت جمعية كتاب الغد ويلعب أدوارا اساسية فيها الناقد والمفكر إبراهيم فتحى والدكتور عبد المنعم تليمة، والدكتورة رضوى عاشور وخليل كلفت وزين العابدين فؤاد ومحمد سيف وعزت عامر، وجملة واسعة من الشباب. وتتجه الجمعية لطبع ديوان اسمه "مدخل إلي الحدائق الطاغورية" وأنا أشير لهذا الديوان لرفيقنا عزت عامر لأن الشئ الأساسي فيه هو المقدمة المكتوبة لسلسلة الكتب هذه . ديوان عزت عامر فيه مقدمة بعنوان هذه السلسلة وكتبها الأستاذ ابراهيم فتحي، وتوضح ماهو المطلوب انجازه من جمعية كتاب الغد، المطلوب بالمعني الأدبي بالدرجة الأولي، يعني خلق تيار واقعى وواقعى نقدى واشتراكى داخل مجال الأدب والثقافة، وفي نفس الوقت هناك اهداف للأسف صادرتها الدولة مثل موضوع اتحاد الكتاب التى افرغته من مضمونه ، فأول من اقترح تأسيس اتحاد للكتاب في مصر كان جمعية كتاب الغد، وفي هذه الفترة كانت أكثر النتاجات تعبيرا أدبيا عنا هى دواوين زين العابدين فؤاد "وش مصر" وديوان محمد سيف "ست أناشيد لمصر". فى 1971 ينحر الحزب الشيوعي السوداني ولااذكر ان كنا قد كتبنا شيئا حول هذا الامر ولكن كان لنا موقف نقدي سواء من نحر الحزب نفسه أو من الغطاء الذى وفره عدد من الشيوعيين المصريين للنميري لضرب الحزب الشيوعي السوداني. السادات استغل أحمد حمروش وزكى مراد- كما قيل وقتها في تخدير الشيوعيين السودانيين فيما اسمى بانقلاب هاشم العطا ، كنا بالطبع ضد موقف النميري بشكل أساسي ولكن في نفس الوقت كان لدينا انتقادات للنهج اليمينى للحزب الشيوعي السوداني وقمنا بادانة من اسهموا فى تسهيل هذه المذبحة؛ اى من قاموا بهذه التغطية . لم يكن وجودنا فى الحركة الطلابية، وقتها علي درجة عالية من التنظيم لا من ناحية العدد ولا التبلور، ولكن كان لدينا عدد من الزملاء، كان أحد أعضاء التنظيم الشيوعي المصري عضواً في اللجنة الوطنية العليا وزميلنا محمد خالد جويلى من قيادات كلية الآداب مع المناضلة الراحلة أروى صالح ورفاقا آخرين في الحركة موجودين أعنى هنا الحركةالطلابية التى قامت فى أوائل 1972. المهم طبعا كنا نقدر هذه الحركة وقدر الامكان من خلال كل زملائنا نحاول ان نتفاعل معاها ونقدم ما نستطيع تقديمه من الفكر السياسي الثورى وبادر رفيقنا حداد فكتب وثيقة من أفضل الوثائق اسمها "هذه الشرارة" كانت ترصد الحركة الطلابية في مصر بشكل عام وتلفت انتباه الطلاب إلي ان الثورة أو تغيير الأوضاع لن تترتب على حدث واحد ولا تتوقعوا الكثير من الحركة الجارية ولن تقلبوا النظام باعتصام ولن تطيحوا بالرئيس،وفى الوقت الذى دعونا فيه لفض الاعتصام فقد كان من المفروض أن يتمخض عن هذه الحركة شكل تنظيمي معين يتبني برنامج وطنى ديمقراطي متماسك، ومن يريد ان يرجع لتفاصيل هذا الموضوع يراجع كتاب عادل أمين " انتفاضة الطلبة المصريين " وهو جزئين وكتاب "الحركة الديمقراطية الجديدة في مصر تحليل ووثائق " وقد اصدرته دار بن خلدون ببيروت وفيه وثائق من حركة 72 و73 بمقدمة للناقد غالى شكرى .
يهمني ان اتكلم عن تجربة مهمة بالنسبة للماركسي في فترة التكوين، في هذه الفترة تبدأ في الانضمام الينا طالبات ومهنيات غالبيتنا لم يكن لها صلة سابقة بالحركات الطلابية أو العمالية وبالأحرى النسائية ، وفى حياتنا هناك نساء وعلي الأقل هناك بعض ممن احترمناهن بشدة، مثلا والدتي من النساء اللاتى لا تقفن امام كارثة وتبكي لكنها تحاول ان تواجهها، وعندما اعتقلت عام 1970 كانت حزينة وزارها صديقى خليل كلفت وقال لها انه من الممكن ان اخرج غير ان المطلوب هو الاعتراف علي زملائي فقالت : " خليه قاعد" . أقول هذا لأنى اريد ان اتحدث عن نقطة مهمة وهي من أين يتأتي لمن يدعي الماركسية أن يحترم المرأة ؟ - عبر النضال الفعلى المشترك لا غير. كانت أمي أول شخص احترمته واحترمتها أكتر عندما وجدتها تفضل استمرار سجنى على خيانة رفاقى وهى لم تكن على صلة بالسياسة ولكن كان لديها احساس مرهف بالانصاف ، كنا في فترة ما ندعي التقدمية وكان نموذجنا الذى نقدمه لمن نعجب بها من الفتيات علاقة سيمون دي بفوار وسارتر، فيما بعد عندما اقابل رفيقات فعلا وسط الحركة الطلابية، يحدث تغيير فعلى فى موقفى ونظرتى، قابلت الزميلة ( سناء) من جامعة عين شمس ، والزميلة( روزا ) والزميلة الراحلة أروي صالح والزميلة العربية (مي) ، هذا موضوع مهم، نحن ندعي اننا تقدميين ونحترم المرأة ونجد سلوكنا العملى غير ذلك . كنا نقيم في شقق سرية رفاقا ورفيقات خاصة اثناء الحملات الامنية الجماعية تجد ان هناك احتراما شديدا بيننا وبدون أي تجاوز، طبعا من الممكن ان تحصل فلتات مثلما يحدث فى المجتمع ولكن من الناحية الأساسية ذلك هو الاستثناء . وعن نفسي اكتسبت احترامى للمرأة من الرفيقات ممن ناضلن وسجن وعشن حياة سرية قاسية ، وأن أجمل الجميلات كانت تفرض على احترامها كرفيقة قبل كل شئ .

أ.صلاح العمروسى
- حصلت مع اعتقالات الحركة الطلابية أن عملنا حركة من أمهات وأهالي المعتقلين ويبرز فيها أم عبد السلام الشهاوي وأم تيمور الملوانى وخالد جويلى وأم جلال جميعى اللي راحت لعزيز صدقي وقالتله "قلي يا عزيز يا صدقي يا رئيس الوزارة فين ابني، انتوا قلته مش معتقلينه يبقي قتلتوه؟" بكل شجاعة وجها لوجه. كانوا عاملين حركة فظيعة وكانت استمرار للحركة الطلابية والطلبة معتقلين.

سعيد العليمى
- في تلك الاثناء يدخل وزيران "ماركسيان " حكومة السادات وهما الدكتور فؤاد مرسي واسماعيل صبري عبد الله وكنا نسمي ذلك النزعة الاستيزارية وطبعا الثوريين يرفضون مبدئيا دخول أي وزراء شيوعيين لحكومات البورجوازية لاسباب معروفة فى كتابات لينين خصوصا . فهذا لا يخدم الطبقة العاملة ولا يخدم القضية الوطنية علي أي مستوي، وأذكر وقتها ان المناضل رؤوف نظمي –محجوب عمر- كان في القاهرة وحصل بيننا جدال شديد في مستشفي هليوبوليس حول هذا الموضوع فى حضور احمد فؤاد نجم وكان غاضبا لأننى غير مقدر لمعنى وجود اسماعيل صبري وفؤاد مرسي في الوزارة رغم ان هذا من وجهة نظره تحول كيفي وتغيير جذرى واشياء من هذا القبيل .
- في هذه الفترة في صيف 1972 تبدأ اللجنة المركزية فى الدعوة إلي كونفرانس يجمع الكادر المركزى مع كادر المناطق ويطرح أول تقرير تنظيمي يتناول ضرورة بناء الكادر الثورى المحترف ، وعمل جريدة منتظمة ، ونشرة داخلية يمارس فيها الصراع الداخلى ، وضرورة ايجاد جهاز طباعة ، والتوجه للطبقة العاملة ، والوجه الأساسي له هو الدعوة للخروج من مرحلة التلقائية لمرحلة التنظيم الواعي الموجه ، ووصف الفترة السابقة بإن ملامحها كانت ملامح تلقائية وهكذا... مرتبطة بطريقة نشأتنا ولكن المفروض ان وضعا من هذا النوع لاينبغى ان يستمر طويلا، وفي نفس الوقت يترافق مع الكونفرنس طرح وثيقة اسمها "الأسلوب البورجوازي الصغير في العمل السياسي" حيث بدأ عدد من الرفاق بالذات في أعقاب الحركة الطلابية وخاصة الذين لعبوا دورا قياديا فيها يعتقدون ان وجود الحزب يتوقف عليهم ومرهون بهم ، فالوثيقة كانت تركز علي طبيعة البرجوازي الصغير الذى يعتقد ان الناس تناضل خلفه وفى معيته ومن أجله، يعني نقد النزعة الطاووسية في العمل السياسي الشائعة غاية الشيوع وسط المثقفين البورجوازيين الأفراد الذين يعتقدون ان مهمة التاريخ والصراع السياسي الطبقى هى تحقيق ذواتهم . لم تكن هناك جريدة جماهيرية ، ولا نشرة داخلية ولم تكن هناك مجلة فبدأنا فى خوض التجربة، فأصدرنا نشرة غير دورية بعنوان (مقالات ممنوعة) وهى غير الوثائق السياسية ، ولها دائرة معينة تتداولها إما من الزملاء أو المرشحين أو الأنصار. أما المقالات فكانت مهمتها تناول موضوعات تهم عددا أوسع ويمكن ان يجري تداولها بشكل شبه/ نصف علنى واسميناها "مقالات ممنوعة" وكأنها قد رفضت من الرقيب ، وتناولت بشكل خاص عددًا من المقالات وهناك مقال رد علي محمد حسنين هيكل "الماركسية والفراغ العقائدي والوحدة"، ومقال ثان اسمه "ما هي أهداف وخلفيات قانون الوحدة الوطنية ؟ "، وتقريبا صدر تلات أو أربع مقالات وكنا نوزعها على الجمهور العادى . طرحت وثيقة أشبه بمقالة دعائية تتناول (تطور المجتمع) وكل الكادر رفضها اجماعا، كانت مقالة بسيطة وتتكلم عن تطور المجتمع حيث كانت قراءتنا الماركسية تتجاوز موضوعاً مبسطاً كهذا. المقالات نشرت تحت اسم "شيوعي مصري" وهو الاسم الذى اعتدنا التوقيع به . يحدث أول انشقاق داخل التنظيم من بعض الطلاب الذين لعبوا دورا أساسيا في الحركة الطلابية وقتها وقد راودتهم حالة من حالات الزهو بالحركة ، بل وبدأ بعضهم يصل كأفراد لأفكار غريبة ( مثلا إنهم خلاص عرفوا الخط السياسى ومافيش داعي للتنظيم ونبدأ نتوجه للناس.) توجهات مندفعة وغير مدروسة مثل تجربة تجنيد رفيقنا بشير السباعي ، فلو أن هناك من يدقق لم يكن من الممكن ان يجند من ينسحب من التنظيم اليوم التالى على تجنيده . لم تكن هناك مخاطر بالنسبة لهذه الحالة بالذات ، ولكن كان هناك نوع من التسرع غير المبرر. المهم أن مجموعة الرفاق يبدأوا بعمل الانشقاق ويقوموا باتصالات جانبية مخالفة لقواعد العمل التنظيمى والمشكلة انه كان عندنا حالة من الفزع من أي اتصال جانبي، وعندما يحدث امر كهذا لانفكرماذا يقولون ، ولكن نفكر فى الأثر البوليسي الذى قد يترتب على خرق الانضباط التنظيمي، وكان هذا أول انشقاق فى التنظيم وكان في أعقاب الحركة الطلابية الأولى ، وقد تناولت هذا الانشقاق الوثيقة التى أشرت إليها وهى "الأسلوب البرجوازي الصغير في العمل السياسي"، وقتها كنا أعضاء في لجنة منطقة لا نستطيع ان نسأل عن تفاصيل من ناحية معينة ولكن الوثيقة وجهت الينا باعتبارها المبرر للموضوع اى النوازع التى تقف خلف الانشقاق والموقف منه . المسألة التانية مثلا اني كنت عضوا في لجنة المنطقة ، ومسؤول عن لجنتى قسم وخلايا واقابل هذه العناصر ، غير انها اتبعت أساليب المراوغة بدلا من طرح موضوعات الخلاف السياسي امام لجانها لمناقشتها وتجلت الشللية والانسحابية مقرونة بعدم الخبرة .

أ.صلاح العمروسى
- احنا خدنا موقف اللجنة المركزية في وقتها ولكن بعد كده، كتير مننا شاف ان من أسباب هذا الانشقاق تعنت معين ومسائل شخصية داخل اللجنة المركزية.

أ.سعيد العليمى
- دعنا ننحصر فى الوقائع لأن فى التقييم قد تختلف.

أ.صلاح العمروسى
- احنا مكنش عندنا معلومات عما يجري فوق، والوثيقة نظرية ساحقة.

أ.سعيد العليمى
- لقد كانت من أعمق ما كتب عن الأسلوب البرجوازي الصغير فى العمل السياسى.

أ.صلاح العمروسى
- ولكن أعتقد أن من كتبها يمثل أسلوب البرجوازي الصغير.

أ.سعيد العليمى
- صدر العدد الأول من النشرة الداخلية وهي (نشرة الصراع)، ومهمتها ممارسة الصراع الفكرى الداخلى اتفاق او اختلافا مع الخط السياسي العام للتنظيم . العدد الأول للأسف فقد والعدد التاني كانت به مقالة كتبتها بعنوان "العضوية في التنظيم الشيوعي"، والمقالة لم يكن التركيز فيها على المفهوم النظري فقط . وأعتقد أنها أول وثيقة تناقش وضع العضوية بشكل ملموس عندنا، وكيف يتعامل الرفاق فى موضوع العضوية ، والتأكيد على ان تبني الخط السياسي هو الضمان الأساسي لأي عضوية ، ونقد للأحزاب الشيوعية وبالذات حدتو وخطها في التجنيد ، والعضوية المفتوحة ، والعمل العلني وما الى ذلك .. ، ولكن أهم ما فيها انها لم تكن كتابة تجريدية محلقة لأنها كانت تناقش واقع ومشاكل العضوية الفعلى . ومن العبارات المفيدة التى أتذكرها هي مثل مصري فلاحى يقول "المدفونة تكسر المحرات" وهذا تأكيد علي أهمية وضرورة العمل السري الشديدة، وبعدها بفترة قليلة مع التفاعل مع الرفاق ، كتبت دراسة ثانية بعنوان "الدولة البوليسية والصراع الطبقي في مصر" وهي دراسة مطولة وهناك موجز لها وتلخيص قامت به مباحث أمن الدولة ( مشكورة ) ، وهو تلخيص واف في ملف أحد الكتب التى أصدرها المحامى عادل أمين - سلسلة عن قضايا التنظيمات الشيوعية فى مصر -في الجزء التاسع عن قضية التنظيم الشيوعي المصري. بعدها يصدر العدد التالت من النشرة الداخلية، وهي تتضمن دراسة كتبها زميلنا صلاح العمروسي بعنوان "موقفنا من وجهة النظر القائلة بسلطة البرجوازية الصغيرة" ، وقد كانت دراسة مهمة جدا وقتهالأنها حاولت في مجال التحليل الطبقي تطبيق خطنا في هذا الموضوع، ووقتها كان ينتشر جدا عند القوميين العرب فكرة هيمنة البرجوازية الصغيرة فى مصر، وسوريا، والعراق والجزائر، فكانت الوثيقة من أهم الوثائق رفضًا لهذه الفكرة ( التعميم الكلى بغض النظر عن الشرط التاريخى واوضاع الطبقات والصراع بينها خاطئ ). كان الأستاذ عبد الغفار شكر فى أحد الأسئلة التى طرحها في الاستبيان الذى أجراه هو أثر الأجيال علي بعضها، وفعلا علاقتنا ببعضنا كانت من أشد الأمور التى أثرت فينا، يعني هناك مثلا موضوعات محددة يتناولها صلاح العمروسي، اكون مطمئنا الى انه ستكون هناك معالجة نظرية للموضوع بشكل يغنيني عن ان أبحث فيه، وطبعا صلاح يمكن ايضا ان يتناقش مع الرفاق مثلى ، ولكن معظم الكتابات كان فيها شئ كتير من التفاعل . وقد كان الحال كذلك مع الرفاق محمد خالد جويلى وفتح الله محروس وجمال عبد الفتاح وصالح محمد صالح. يكتب صلاح "ملاحظات حول العمل الجماهيري في صفوف الطلاب"، وأعتقد أن هذه أول وثيقة تكتب لتعمم خبرة الحركة الجماهيرية بشكل خاص في صفوف الطلاب، وتوضح طبيعة الطلبة كفئة اجتماعية انتقالية وما الى ذلك، في قسمين النضال الحلقي والعمل الجماهيري ، ثم النضال الوطني الديمقراطي وصلته ببرنامج الشيوعية، والذاتية والعمل العلني، والبلطجة وموقف الشيوعية. لدى اشارة عارضة عن الرفاق الذين شكلوا الانشقاق الأول وهى انه بعد ذلك بسنتين أسهموا في تأسيس منظمة "8 يناير"
- . وفي سبتمبر 1972 تقريبًا انعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني في القاهرة. المهم كلفت من التنظيم ان اقابل الرفيق نايف حواتمة المسئول السياسى للجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين وقابلته و( اتمنظرنا علي بعض ) قال لى : "يا رفيق ينبغي أن تقرأوا رسائل لينين "أطروحات نيسان"، قلت له "هذه الأطروحات على المرشح عندنا ان يقرأها قبل ان نقبله عندنا عضوا ". وكان أهم ما في لقاءنا هو سعينا لأن نوجد شكلا من التعاون بيننا، يعني اننا كنا نطمح ان يتبنوا موقفنا من الواقع المصري ويتخلوا عن موضوع البرجوازية الصغيرة ويتبنوا بدلاً منه تصوراتنا عن البيروقراطية البورجوازية وان نتبني موقفهم في أمور الثورة الفلسطينية . ولم يحدث ذلك فقد نشبت حرب اكتوبر، وصدر كراس صلاح "موقف من مهمات النضال الفلسطيني الراهن" وتضمن رفضاً لتصورات الجبهة عن حرب أكتوبر بأشد الأساليب راديكالية، فطبعا الرفيق نايف حواتمة انزعج جدا وفي اجتماع فى أحد المؤتمرات ببيروت عام 1974 كاد أن يفشى أسماء الرفاق من التنظيم الشيوعى المصرى الذين قابلهم ولكنه لم يفعل .
- يُطرد الخبراء السوفييت ولم نكن نرحب بالطرد، رغم ان لنا موقفا من الاتحاد السوفيتي ، ولكن يجب أن اقول أننا كنا نميز بين امرين؛ نقد المراجعة السوفيتية ، ونزعة معاداة السوفييت، وفي كل كتابتنا الداخلية كنا نتكلم بحرية ولكن عندمانخاطب الجمهور نكون حذرين حتى لا ننزلق فى معاداة ما كنا نعتقد آنذاك أنه المعسكر الاشتراكي، وإحدى وثائقنا التى نشرت في بيروت تعرضت لتشويه مريع نتيجة نقدنا للمراجعة السوفيتية ، سواء فى مطبوعات الجبهة الديمقراطية أو الجبهة الشعبية . عقب طرد الخبراءالسوفييت قابلت السيد ايجار، أو ايجور بيليايف وهو واحد من أشهر السوفيت في مصر، ويقال انه كان المسؤول السياسي عن السوفييت فى مصر ، وكان سبب اللقاء دعوة من الأديب الكبير الأستاذ عبد الرحمن الخميسي ، ( وبالمناسبة كان من العاطفين علينا وكان يدعمنا كثيرا في امور مهمة .) ل "دردشة" سياسية معه ، وللأسف صدمني صدمة شديدة، فقد كنت أتوقع اني سأقدم تحليلا عن لم طرد الخبراء السوفيت ، وان اتكلم عن موقف الشعب المصري في الموضوع ، وأنتقد نظريتهم عن طريق التطور غير الرأسمالى ، ودورهم فى حل المنظمات الشسوعية المصرية الخ ... بعد شروعى فى الحديث، قال لى فجأة (أنا مش عايز رأيك في الموضوع ) ، السؤال هو: هل الشعب المصري سيرد علي طرد الخبراء ام لا ؟ قلت له بغيظ : لا تتوقع أي رد فعل لأنكم لم تقيموا علاقة مع الشعب المصري اطلاقا فقد كانت صلتكم بالنظام.
- من اهم احداث سنة 1972 أيضًا وهنا طبعا رفيقنا جمال عبد الفتاح سيتناول هذه المسألة فقد كان طرفا مباشرا فيها ولم اكن ، وهو قيام مباحثات للوحدة بدأت مع عدد من الرفاق بالاسكندرية ووجود بعض الترتيبات للاندماج فى تنظيم واحد. وكانت هناك وثيقة وحدة بيننا وبين الرفاق بالاسكندرية وأذكر منهم من أعضاء لجنة منطقة الاسكندرية الأساسيين زميلنا الراحل حسين شاهين عبد الوهاب وأحد المتهمين في قضية 501 لسنة 1973 أمن الدولة العليا.
- أ.حلمى شعراوى
- هل كان لديكم أمين عام للتنظيم؟
- كان عندنا مسؤول سياسي ، ومسؤول جماهيري ومسؤول تنظيمي ومسؤول مالية، وطبعا الوظائف والأشكال بالنسبة لنا تتوافق مع طبيعة العمل الحزبى واحتياجاته وقوتنا العددية اى ليست هناك وظائف حتمية فى كل الاحوال أو غيرها ممنوعة . طبعا طوال الفترة التى تحدثت عنهاكنت ارغب فى نيل عضوية اللجنة المركزية حيث كنت مرشحاً لها – اردت ان ارى كيف تسير الامور على المستوى الكلى للتنظيم ، وطوال عملى الحزبى والسياسى عامة لم أرشح نفسي لأي منصب او مهمة ولا مكان . كان فضولا معرفيا لرؤية كل أجزاء الجسم وكيفية اشتغاله. ، يتم تبليغي في أواخر صيف 1972 اني صعدت (جرى ترفيعى ) للجنة المركزية وبدأت أتعرف على الرفاق مثل زميلنا مرسي مصطفي ( حداد ) ، الذى أعرفه قبل ذلك شخصياً لا حزبياً ، ولم اكن مرتاحا لوجودى معه فى نفس المستوى الحزبى وفى لجنة واحدة فقد كنت ارى ان المسافة الفكرية والسياسية بيننا كبيرة ، فقد كنت شابا صغيرا وخبرتي محدودة وفي نفس الوقت لي وجهة نظر في أمور معينة مثل الديموقراطية الحزبية ، وهى ان المسألة ليست أصواتا داخل اللجنة المركزية ، وان الرفاق اذا تفاوت الوعى بينهم بشكل شديد فقد يكون أحيانا مصدرا من مصادر الخطأ والانحراف بسبب الذيلية لمن هو اقدر وانضج ، ورغم تقديرى العميق للرجل الذى لعب الدور الأساسى فى ربط وتوصيل أفضل منجزات الحركة الثانية للحركة الثالثة إلا أننى وقتها كنت أحُذر من عبادة الشخصية والفرد ولفت الانتباه إلى ضرورة الارتقاء بالمستوي النظري السياسي لأعضاء اللجنة المركزية بشكل دائم مستمر علي أساس ان نصبح علي مستوي واحد متقارب من الكفاءة والحيلولة دون ان يلعب احد دورا مهيمنا فكرياً وسياسياً علي أساس ان لذلك اساس واقعى قائم بشكل موضوعي أى بحكم الشروط الفعلية.

أ.غادة الطنطاوى
- هي اللجنة المركزية بتتشكل ازاي؟

أ.سعيد العليمى
- كنا في ظروف عمل سري ودولة بوليسية، ففي أوضاع محددة كنا نجمع بين أمور معينة، يعني مثلا بالنسبة لي لجنة المنطقة رشحتنى لعضوية اللجنة المركزية ، ولكن لم تكن هناك هيئات منتخبة من مؤتمر ولكننا كنا نطمح الى أن ينتخب أول مؤتمر حزبى يعقد اللجنة المركزية .
أ.صلاح العمروسى
- اللجنة المركزية الأولي تعتبر منتخبة لأن اللي حصل ان مجموعة واسعة عملت التنظيم الشيوعي المصري، ثم حصل برغبتهم ان مجموعة طلبت تهبيط نفسها والباقي أصبح هو القيادة المركزية وده في حد ذاته نوع من الانتخاب.

أ.سعيد العليمى
- أكلف من اللجنة المركزية بأن اكون المسؤول السياسي عن منطقة الاسكندرية فأقلب أوضاعي القاهرية وانتقل إلي الاسكندرية، ويبدأ اتصالى بالدكتور جمال عبد الفتاح وزميلنا الراحل حسين شاهين عبد الوهاب وزميلنا فتح الله محروس، وهم اعضاء منطقة الاسكندرية ، وفي أواخر هذه الفترة من عام 1972- نقيم مدرسة كادر للعناصر العمالية هناك، ووقتها كان من أهم الامور اننا توحدنا مع زملاء لهم نضال عمالي وبالذات عمال الغزل والنسيج، وكان زميلنا فتح الله يلعب دورا أساسيا في الصلات والروابط بالعمال بالاضافة للزملاءالآخرين في أماكن مختلفة، وأصلا كان هناك تفاعل مع مختلف العناصر فى الحركة العمالية آنذاك. هذه الفترة –وحديثى موجه للأستاذة حنان- اريد ان أرجع لموضوع أثارته حول علاقتنا بالقدامى ، مااريد ان أؤكد عليه هو انه كان لنا موقف رافض اجمالا للتيارين الأساسيين داخل الحركة الشيوعية المصرية، وكنا نعتبر واحدا فيهما يمثل الانحراف الخاص بخط القوات الوطنية الديمقراطية وما يرتبط به ، والتاني الخاص بطليعة العمال الذى كان يركز على النضال الاقتصادي بالدرجة الأولي دون أن يطرح العمل السياسي وذروته الاستيلاء على السلطة السياسية هدفاً للنضال ، وكنا نري ان التيارين يلتقيان معا ،وكنا مع ذلك نميز داخل الحركة التنظيمات الصغيرة مثلل النجم الأحمر ، طليعة الشيوعيين ، أو وحدة الشيوعيين وقد كانت الاخيرة اشد راديكالية ، هذا هو الموقف اجمالا. أما من من ناحية التفاصيل فالأفراد مسألة أخري. يعني مثلا زميلنا عادل حسونة ( وهو ابن الدكتور حسين حسونة احد مؤسسي حزب 1924 ) لم يكن عضو في حزبًنا ولكني كنت علي صلة وثيقة به، الدكتور عمر أحمد مكاوي وهو أصلا كان عضوا فى طليعة الشيوعية مع د. فخري لبيب- وهو من أنبل من قابلتهم وكان يدعمنا بشكل شديد ويمكن في مرحلة معينة اصبح عضوا في الحزب وهو من ترجم لنا كتاب (حول الإضرابات) من تأليف لينين، وصدر تحت اسم "ترجمة اسماعيل محمود" ومراجعة سمير كرم، عن دار الطليعة، بيروت"، 1974 تقريباً. وبالنسبة لنا فقد قام بمهام لا توكل الا لمن هو موثوق فيه جدا. المهم لا أستطيع أن أقول ان عاملا واحدا يحدد موقفنا من القدامى، والأساسي طبعا هو الموقف السياسي ، مثلا المناضل الراحل نور غنيم كان يقرأ وثائقنا ولم يطلب ان يكون عضواً، وكانت لديه وجهة نظر يسميها بعض شيوعى الحركة الثانية (نظرية المحروقين) وهو ان كل الرفاق الذين انكشفوا لأجهزة الأمن يجب أن يكونوا بعيدين عن العمل السياسي السري ويقتصرون على العمل العلني، المسألة التانية هى المخاوف الأمنية، يعني الان نحن نسجل ونصور ولنقارن كيف كان الحال وقتها ساحكى لك علي مثلين ، كنت أسأل أخونا سعد هجرس حين كان في دار الثقافة الجديدة صيف 71 أو 72- عن فتاة اعتقلت اسمها راوية عبد العظيم، وقلت له " يا سعد هي راوية طالبة ولا بتعمل ايه" ، وسعد كان معى في المعتقل خلال عامى 68 -70، ووجدته مستريبا للغاية ، وقبلها بسنوات كنت أزور رؤوف نظمي فزين العابدين فؤاد الشاعر المعروف اتى ليزوره ولم يكن يعرفنى ولااعرفه ، كنت اوثر الصمت عادة فضلا عن اننى كنت واقعا تحت تأثير مشكلة سألت فيها عون د. رؤوف ، المهم جالس استمع لرؤوف نظمي وهو رجل متمرس ومازلت شابا حديث الخبرة ، فالعلاقة به تقتضى ان استمع وأستوعب أكتر من ان أدخل فى جدل، زين العابدين قابل صديقا مشتركا وقال له اننى شخص مريب لمجرد اننى لم اتحدث ! مع ذلك فقد اقبلت على التعرف مبادرا على زكي مراد ودخلت بيته وربما اسهمت بعض الامور فى تسهيل تعرفى به فقد كان لى صلة بابن عمه، كما كانت إحدى قريباتى متزوجة من نوبى هو يعرفه.

أ.صلاح العمروسى
- كان في اجتماع لوحدة الحركة الشيوعية في بيت رجاء طنطاوي مع مبارك عبده فضل وأنا كان معاية شنطة صغيرة، فبيقولي ايه الشنطة الجميلة دي (بيضحكوا).

- دعينى اقول لك –الكلام موجه للأستاذة حنان رمضان- بأمانة ان هناك شيئا معينا ودقيقا تأملته، هناك فارق سني وفكري وفارق بين أجيال، أنا وقتها لن ارحب بمن يقودني دون تاريخ او معرفة تربطنى به ، ولكن كانت هناك عناصر لم نفكر فى ضمها وفي عناصر وجودها داخل التنظيم قد يثير مشاكل، يعني رفيقنا سعد الفيشاوي كان يقدم لنا خدمات جليلة ولكن لم يكن ابدا داخل العمل الحزبى، ولكن مع ذلك أحب أن أذكر أن المناضل سعد الفيشاوي ونور الدين مصطفي عبده غنيم والأستاذ عبد الرحمن الخميسي، والأستاذ الراحل المناضل عبد المحسن شاشة والدكتور عمر مكاوي كانوا مع التنظيم بدرجات متفاوتة وبعضهم كان عضواً بالفعل مثل الأستاذ عبد المحسن شاشة، وكلهم من القدامى

- تكلمنا عن مدرسة الكادر للعمال وكانت موضوعاتها عن الماركسية والجوانب المختلفة فيها، بالاضافة للحركة الجماهيرية واساليب العمل المرتبطة بها. في منطقة الاسكندرية كنا نتواجد في أوساط عمال الغزل والنسيج ، ومصنع النحاس والكتان ، ومصنع الورق ، والترسانة البحرية، بالنسبة للطلاب الزميل جمال كان في كلية الصيدلة جامعة الاسكندرية، وباعتباره عضوا فى لجنة المنطقة فقد كانت احدى مهماته الأساسية قيادة زملائنا الطلاب في الصيدلة أو الآداب وغيرها، وقد كان من رفاقنا البارزين وقتها المناضل تيمور عبد الحكيم الملواني وقد كان من ابرز القادة الطلابيين الجماهيريين. تنشب الانتفاضة الطلابية التانية ومن يريد ان يعرف الفارق الدقيق الذى لعبه التنظيم الشيوعي المصري مع الزملاء من القوي السياسية الأخري للحركة يقارن بيانات الحركة الطلابية الأولي ببيانات الحركة التانية، أى مقارنة درجة التبلور السياسى بين 1972-1973 . تبدأ شعارتنا تتبلور داخل الحركة الطلابية وتصبح أكثر تماسكا، وتتشكل لدينا شبكة من الخلايا والأقسام في الجامعات المختلفة وبدأ يتبلور لنا وجود في أسيوط، والشكل التنظيمي نفسه على مستوى الحزب يختلف وتتشكل مكاتب نوعية مثل مكتب الطلبة، يجرى فيه تبادل الخبرة علي مستوي الحزب ككل . وطبعا انتشرت شعارتنا الوطنية الديمقراطية، وموضوع حرب التحرير الشعبية، وتسليح الشعب، والحريات الديمقراطية، والاستقلال والديمقراطية الاجتماعية ، وهناك كتب كمصادر تقدم فكرة عن اجمالي هذه الامور( الحركة الوطنية الديموقراطية فى مصر – تحليل ووثائق – دار ابن خلدون –بيروت ) . هذا يدلل علي جانب من جوانب العمل المباشر داخل الحركة، مثلا هناك بيان صدر عن التجمع الوطني الديمقراطي بجامعة القاهرة إلي المؤتمر الشعبي لنصرة الثورة الفلسطينية في ديسمبر 72، ومن كتب هذا البيان هو زميلنا مرسي مصطفي ( حداد) . وفي بيان صادر عن مؤتمر الطلاب الوطنيين الديمقراطيين بجامعة الاسكندرية والمنعقد في 27 ديسمبر 1972، هذا البيان صاغة رفاقنا من طلاب جامعة الاسكندرية منهم جمال عبد الفتاح والشاعر حسن عقل ورؤوف سالم . اريد ان أركز علي مسألتين مهمتين: أولا اننا كنا نسعى لبلورة (حزب) وطني ديمقراطي تحت شعار التجمع الوطني الديمقراطي ، واننا كنا نميز بين الحزب الشيوعي ومهامه واهدافه ، وضرورة أن تتجمع القوي والعناصر الوطنية الديمقراطية تحت راية تيار وطني ديمقراطي متناسب، يتخذ اسم التجمع الوطني الديمقراطي. المسألة التانية اننا كنا نعتبر أن أحد الأمور الأساسية جدا التى ينبغى ان تتمخض عن أي انتفاضة أو هبة أو حركة كبري ان تخلف أشكالا تنظيمية ، فبدونهاالحركة تتبدد بعد ما تحدث . وقتها شكلنا لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية، كان طرح هذين الشعارين مؤثرا عند الطلاب بشكل خاص أما عن التنظيم الشيوعي المصري، باختصار، فمن يريد ان يجرى دراسة علمية يمكنه ان يقارن الوثائق الحزبية بوضع الحركة الطلابية وبياناتها في الانتفاضة الأولي والثانية ويمكنه ان يقيس الأثر الحادث وكذلك تقدم مستوي الوعي بفعل الرفاق الطلاب من ت.ش.م. أشير هنا لميلاد جريدة الانتفاضة، أحد زملائنا الحزبيين الذي لم يكن طالبا وقتها ولكن كان من القلة (المندسة) في الحركة الطلابية وكان يتميز بالمبادرة والابداع من ناحية جدة أفكاره اصدر نشرة كانت مهمتها حمل بيانات الحركة الطلابية وأنبائها، وأصدرها باسم الانتفاضة، وطبعا في بداية صدورها كان المقصود الانتفاضة الطلابية. بعد ذلك تبنى الحزب هذه الجريدة وحولها إلي جريدة الانتفاض وأصبحت هي الجريدة الجماهيرية للحزب وصدر أول عدد منها في 18 فبراير 73. كنت أتمني ان يكون زميلنا فتح الله معنا اليوم حتى يتولي الكلام عن الحركة العمالية، ولكن بايجاز شديد جدا كان زميلنا مسؤولا عماليا بالدرجة الأولي عن قطاعات الغزل والنسيج وكذلك القطاعات العمالية الأخري بالتعاون مع لجنة المنطقة. وانجز برنامجا نقابيا مطلبيا للحركة العمالية وكان من أهم الاهداف المتضمنة فيه هي: تحرير العمل النقابي من هيمنة السلطة، وتغيير لائحة النظام الأساسي للغزل والنسيج وحلج القطن، وملاحظات بشأن قانون 61 لسنة 71 الخاص بالعاملين في القطاع العام، وقدمها للنقابة فضلا عن عددً من الوثائق ومنها وثيقة تناقش موضوع الحل الاداري للنقابات، وموضوع عضوية الاتحاد الاشتراكي في النقابات، (ونحن ضده) وموضوع شطب المرشحين النقابيين من الجهات الادارية، وموضوع موقف الحركة النقابية المصرية من الاتحاد العالمي للنقابات العالمية. كما كتب ثيقة أخري بِشأن قانون 61 لسنة 71، تناولت الدرجات والترقيات، والعلاوات والتقارير السرية، والتحقيقات، والنقل من عمل لآخر، وغلاء المعيشة، وعمال القطعة، والاجازات المرضية، والرسمية، والعمل الاضافي، وأموال الغرامات وكل هذا، طبعا الزميل فتح الله يمكنه ان يتحدث عنه بشكل أكتر ، وهذا البرنامج ضمنته مباحث أمن الدولة في ملف القضية الذى نشره عادل أمين المحامى وسبق واشرت اليه . في هذه الفترة توصلت لجنة منطقة الاسكندرية بالخبرة العملية إلى أننا كنا نجتمع ونناقش قضايا معينة، وكل مسئول يذهب الى لجنة القسم او لخلية عمالية فيكرر الموضوع الذى سبق مناقشته ، وكذلك الحال في خلية طلابية، ووصلنا لفكرة لم لانناقش القضايا المختلفة فى لجنة المنطقة ثم يكلف كل منا بالكتابة فى الموضوع الذى انتهينا فيه الى رأى أو موقف ثم نعممها علي زملاءنا وبالتالي نتفادى تكرار الحديث الشفوى.
- أ.حلمى شعراوى

هل كان لها اسم؟
- اسمها (الشرارة العمالية)، وليس فيها خلاف في وجهات النظر مع الحزب طبعا، وقد اشرت لكتاب الاضراب الذى صدر وقتها وكنا قد ترجمناه ووزعنا مقالاته وهذا يشير لمسألة معينة وهي نوعية الماركسية التى وصلتنا، وهي ماركسية غربية طابعها الفلسفي والنظري هو الغالب أو الماركسية السوفيتية، ووقتها لم يكن لدينا كتابات ترفد حركتنا الجماهيرية، فلجنة المنطقة وقتها ادركت الحاجة الي خبرة الإضراب، ماذا قال لينين وماركس في هذه المواضيع ؟ ترجمنا كتاب الاضراب باعتباره تلبية لحاجة عملية في الواقع، وفي نفس الوقت يشير لنوعية الماركسية التى وصلتنا واحتياجنا لأى نوعية منها وقد اخترنا تلك التى تتسم بطابع عملي وكذلك ترجمت مقالا عن تاكتيكات الماركسيين فى المحاكمة وكيفية دفاعهم السياسى. والمقال اسمه إلى ى.د. ستاسوفا والرفاق الأخرين فى سجن موسكو من تأليف لينين. أهم شئ بالنسبة للحركة العمالية اننا كنا قد انجزنا برامج للجان المصانع ولها علاقة بالمسائل المطلبية داخل المصانع، وبدأنا في تشكيل هياكل اسمها لجان المصانع داخل كل مصنع مهمتها ان تقود باتجاه الإطاحة بنفوذ اللجان النقابية الرسمية أى تقويض سلطة النقابات الصفراء. تبدأ الحركة في الاسكندرية ثم تتوسع لتصبح حركة شاملة لكل قطاع الغزل والنسيج وفتح الله باعتباره قائدنا العمالي يتحرك من اسكندرية للمحلة إلى القاهرة، فتبدأ أجهزة الأمن تنتبه لنا وتبدأ تباشير الضربة التى وجهت لنا عام 1973 ، كانت هناك مراقبة مكثفة علي العناصر الجماهيرية والعمال بالدرجة الاولي، و محاولة لتجنيد مصادر للأمن القومي. بالنسبة لنا لم نكن مدركين ان هناك ضربة تنظيمية آتية ومعظمنا في الحقيقة كان يعتقد أنها متابعات أمنية خاصة بالحركة الجارية لا التنظيم الحزبى، أنا مسؤول منطقة اسكندرية شعرت ان هناك مراقبة، والزميل فتح الله لم يكن يشعر فقط ان هناك مراقبة ولكن أحد الزملاء المحيطين بنا اخبره ان الأمن القومي يحاول ان يجنده ، ولجنة المنطقة اتخذت قرارا بتكليفه بان يقف في مؤتمر عام اعد خصيصا ويعلن فيه ان الأمن القومي حاول تجنيده ولم اكن اعتقد انه سيستطيع عمل ذلك ولكن الحقيقة انه وقف في مؤتمر جماهيري وقال مااخبرنا به . ..... في لجنة المنطقة أعتقدنا ان المسألة تقف في الأمن القومي عند حد المراقبة ولم ننتبه الى انه كان هناك اختراق فى القواعد العمالية . في هذا الوقت كنت علي صلة بالقاهرة.

د.جمال عبد الفتاح
- في الفترة دي ضربت معظم العناصر النشيطة طلابياً يوم 27 ديسمبر 1972 في جامعة الاسكندرية مع اللي ضربوا في القاهرة، فكان الموجودين كلهم شبان صغيرين وبره التنظيم وكنت انا الطالب الوحيد فى قيادة المنطقة، فكان في تساؤلات عندنا ان ازاي سايبين ده –أى أنا- لفترة وفي فبراير بالتحديد ده ظهرت وأنا لو دخلت الجامعة وتركت العمل الجماهيرى في اللحظة دي كان هيبقي أكثر ظهورا بشكل مباشر لأن كل القيادات اللي كانت ممكن تعمل الدور ده اضربت، فقررت لجنة المنطقة ان لازم يبقي في حد عنده درجة وعي أعلي موجود فده كان واضح ان لما بنزل الجامعة واخرج لازم يبقي في مراقبة وده كان أكتر بعد فبراير وكان في مظاهرة جامدة أوي خرجت وكان بيلعب دور أساسي فيها انا وشبان علي علاقة بالتنظيم، ففى الفترة دي وضحت ان في حاجة.
- سعيد - عموما الخبرة في الموضوع انه رغم ادراكنا من الناحية الجماهيرية ان هناك ضربة مقبلة لم نستطع تحديد نوعية الضربة بدقة، كنت اعتقد وقتها ان الضربة لا علاقة لها بالبنية التنظيمية، ورأينا مظاهر واضحة لها، ورغم اني بلغت اللجنة المركزية بالمظاهر التى رأيناها ورغم ان احد كوادر منطقة القاهرة تعرض لرقابة مكثفة دعته للتخلص من بعض الاوراق السرية فى الشارع ( الرفيق هشام – انطون ) ورغم اني رأيت ظواهر امامي في الشارع مريبة ، مثلا ان اكون راكبا أتوبيس ( باص ) مع المسؤول التنظيمي المركزى، وعندما انزل اجد جملة من الناس تجرى فى الشارع منتشرة فى اتجاهات مختلفة مصدرة أصواتاً وصراخاً ، المهم اننا لم نستطيع أن ندرك تغير أساليب وطرق المراقبة حيث تستخدم بضع سيارات ومجموعات للمراقبة اللاسلكية وقد كانت هذه أول قضية شيوعية تتابعها هيئة الأمن القومى – اى المخابرات العامة - وبسبب الإنهاك والتعب ارتكبنا أخطاء أمنية، وكذلك بسبب عدم اليقظة الكافية ! كانت أفكارنا كلها تركز على ضرورة ان يرقى مستوي معرفة الثوريين بالنضال ضد الشرطة السياسية لمستوي معرفة الشرطة السياسة وأساليبها ، ولكن كانت أساليبنا دائما متخلفة عنهم . ردا علي رفعت السعيد فى كتابه : الحركة الشيوعية فى مصر -- 1920 -- 1988 - لمؤلفيه د . رفعت السعيد - د . طارق اسماعيل - الصادر عن دار نشر جامعة سيراكيوزه-- نيويورك عام 1990 , الاختراق يمكن ان يحدث بشكل عام ويمكن لأي عنصر أن يتسلل وهذا شئ عادي يحدث لكل التنظيمات ولايحدث غالبا الا لتنظيم ليست له حركة جماهيرية، وخطورة اي اختراق فى ان يصل للمراكز القيادية داخل التنظيم بشكل يكشفه ويسبب أضرارا كلية ، وبالنسبة للتنظيم الشيوعي المصري فلم يحدث في أي وقت من الاوقات ان لجنته المركزية، لن اقول اخترقت ولكن عرفت، حتى يناير 1977 نسبت أسماء لعضوية اللجنة المركزية ويمكن ان يكونوا رفاق لنا أو رفاق في منظمات أخري ، ولكن لم يحدث عندنا اختراق تنظيمي وصل إلى حد معرفة أعضاء للجنة المركزية ولا لجان المناطق، والاختراق الذى حدث فى القضية 501 لسنة 1973 كان علي مستوي القواعد العمالية، ولم يحدث لدينا ان كان هناك أحد مثل الشلودى الذى كان في حدتو والذى اعترف علي أعضاء لجنته المركزية ومنهم محمد شطا وزكي مراد، وكذلك مثلما حدث فى قضية يناير 1977 ، حيث كان مسؤولى جهاز الطباعة والأرشيف عملاء أمن قومي عند الحزب الشيوعي المصري . والمعترفين في قضيتنا كانوا كلهم عمال وليس فيهم مثقف واحد ( وهو امر يعكس ضعف وضع الطبقة العاملة ومستوى كفاحيتها ) وكلهم رجعوا عن كل أقوالهم قبل المثول امام المحكمة.
- أوضاع الكادر الاساسي كلها معقولة وزميلنا جمال يتعرض للتعذيب في معسكر مصطفي باشا ، المهم الوضع الكلي جيد باستثناء وجود بعض العمال المعترفين، وفترة الحبس كانت مثرية لنا لأننا كلنا متجانسين من تنظيم واحد وكل العمال سحبوا اعترافهم بعدما اتخدنا منهم موقفا تربويا ورجعوا للحركة الجماهيرية ( ليس للحزب ) بعدها أشد صلابة بعد الافراج عنهم . أضربنا عن الطعام آخر صيف عام 1973 تضامنا مع ابراهيم فتحي لأنه أضرب عن الطعام حوالي 35 يوما فدخلنا اضرابا نسانده ومن اجل عدد من المطالب منها إنهاء وجودنا فى التأديب وفتح باب الزيارات وإدخال الصحف والكتب . تشن حرب أكتوبر وموقف القيادة في الداخل مع الخارج يتطابق في هذا الموضوع ، هناك مسألة أثارت خلافا بيننا وبين بعض الزملاء وهى اننا ارسلنا برقية تأييد للحرب وقلنا فيها اننا نضع أنفسنا تحت أمر مصر وندعم معركة تحرير الأرض ، ونطالب باطلاق الحريات الديمقراطية، وتنظيم حرب تحرير شعبية، لم يتحمس الرفاق لهذه البرقية رغم ان خطنا السياسي كان يتضمن تأييد اى ضربة توجه للامبريالية او الاحتلال الصهيونى من قبل السلطة القائمة ، وفي الداخل رفض جمال عبد الفتاح التوقيع عليها وأيضا الأستاذ علي كلفت انما كل من كان موجودا مثلى وابراهيم فتحي وفتح الله محروس وحسين شاهين وخليل كلفت، كلنا وقعنا عليها. المفكر محمود أمين العالم يتكلم وقتها جاراً معه جمهوراً كبيراً عن الحرب العادلة وغير العادلة ونحن نطرح موضوع حرب أكتوبر من منظور طبقي باعتبارها امتداداً لسياسة البيروقراطية المتهادنة وهذا امر واضح في الوثائق الأساسية الحزبية الصادرة قبل الحرب، وبعد ذلك رفيقنا ( ابراهيم ) مع الزميل صلاح العمروسي في أكتوبر1973 بعد ثلاثة أيام من الحرب اصدروا بيانا بالموقف الثوري من حرب أكتوبر 73 " لننهض بثبات من أجل حرب تحرير شعبية" ، وبعد ذلك بيان اخر " اللحظة الراهنة ومهماتنا". طبعا بعد ذلك بدأنا نسهب في الموضوع "ملاحظات حول حرب أكتوبر" ، "وحدود أكتوبر" ، وبعدها، "ليس كل ما يلمع ذهبا " لصالح محمد صالح. يصدر قرار الاتهام فى قضيتنا وتحدث مظاهرت طلابية من اجل اطلاق سراحنا وربما كانت هذه هى اول مرة فى تاريخ الشيوعية المصرية . الاتصال بين الداخل والخارج قائم بشكل عادي وقد استفدت كتيرا من اعتقالى السابق 68-1970( وبت المسؤول التنظيمى الفعلى عن حياتنا ومعيشتنا داخل السجن ) حيث عرفت بعض طرق الاتصال والتهريب . وقتها حدثت مناقشات بين الداخل والخارج حول موضوع الشعار الجامع الذى يمكن أن يطرح مرحليا : جمهورية ديموقراطية ، برلمانية ، دكتاتورية ديموقراطية ثورية الخ ، وكانت إدارة المناقشات يتولاها من الخارج الزميل صلاح العمروسي ، مع زملاء الداخل خليل كلفت وسعيد العليمى . "الحياة العامة " وهى الحياة المشاعية التى يعرفها الشيوعيون موجودة وهناك مصادرة لموارد الزملاء ونحن نثقف أنفسنا ونقيم فصولا لتدريس للغات، وندرس الكلاسيكيات الماركسية وبدأت التحق بكلية الآداب علي أساس ان تتوفر لدينا كتب أضف إلى ذلك بسبب توقعى الحكم علىّ 10 سنوات فقد كانت الادلة على وفيرة !
-

أ.حلمى شعراوى
- ايه الكلاسيكيات الماركسية؟

سعيد العليمى
- المصادر التى لها طابع فلسفي بالدرجة الأولي ، والأمور النظرية الأخرى مثل أنتى دوهرنج لإنجلز، والمادية والمذهب النقدى التجريبى للينين . من المصادفات الممتازة التى حدثت ان اول مرة تصلنا الكتيبات التى صدرت فيها وثائقنا الحزبية من بيروت، كان هذا بالنسبة لنا نوع من أنواع الانتصار المعنوي. أتانا كتاب اسمه "حدود أكتوبر"ـ وكراس صلاح عن موقف من "مهمات النضال الفلسطيني الراهن" ، وكل الوثائق الحزبية الأساسية وصلتنا داخليا، وكان زميلنا الراحل سعد الفيشاوي مسؤول عن دفعها للنشر فى بيروت . فى تلك الآونة كتب صالح محمد صالح رداً على كتاب عودة الوعي لتوفيق الحكيم، وكتبت في هذه الفترة ردا علي صلاح عيسي تحت عنوان "مستقبل الديمقراطية في مصر" وكتبت مقالة تانية كتب عليها خطأ اسم الزميل صالح محمد صالح والتى نشرت فى كتاب اسمه "مسار الردة " واسمها "ضد مفاهيم المراجعة وحول النضال ضد الامبريالية وقضية الجبهة" وقد كانت أصلاً جزءا من الدفاع السياسي الذى كنت سأقدمه للمحكمة ولكن أفرجوا عنا قبل أن يقدم للمحكمة، فنشرنا الدفاع السياسي في مقالات، وكتبت كراسا اسمه "الماركسية والاسلام" ردا علي مصطفي محمود "، وترجمت رواية اسمها "عشاق أفينيون "عن الفرنسية لالزا تريوليه بعد ما درست الفرنسية في السجن، وأخونا المناضل الراحل حسين شاهين كتب قصيدة وقتها بعنوان "سبع زنازين في ظلام الليل بتلالي".
- اقررت انا وخليل كلفت مع عدد من الرفاق أمام محكمة أمن الدولة باننا ماركسيين ونتبني الماركسية . والقاضي سألني وقتها تبنيك الماركسية مجرد عقيدة فى دماغك، قلت له لو ان الدستور يقول ان بالمقدور اعتناق عقيدة فى ( الدماغ ) فإنى أعتنق هذه العقيدة ! آخر شئ هو انه في أبريل عام 1975 خرجنا من المعتقل ( سجن الحضرة ) وحصلت انجازات هائلة علي أرض العمل الحزبي، و(أهم) انجاز كان اننا وجدنا الرفيقات القياديات وقد تزوجن من الرفاق القياديين فقلت عبارة استعرتها من نجيب محفوظ تعليقاً على ذلك وهى: " الثورة يدبرها الدهاه وينفذها الشجعان ويكسبها الجبناء".
- هناك مسألة أساسية بالنسبة للقضية 503 لسنة 1973 وهي أن متابعتنا جرت من هيئة الأمن القومى وهى هيئة لم تكن مخولة بذلك فى الاصل . غير ان السادات كان قد أصدر قانونًا جديدًا أدخل من ضمن صلاحياتها أن تعمل هيئة الامن القومى في الأمن الداخلي، ونشر فى الجريدة الرسمية فى طبعة محدودة لم يتم تدوالها بل لم توجد فى مكتبة محكمة النقض ولا دار الكتب المصرية فضلا عن مكتبة نقابة المحامين ، وهو مااثبته نبيل الهلالي فى المرافعة السياسية مع عادل أمين وهذا من الابداعات الكبري فى المرافعة السياسيةحيث ترتب على ذلك بطلان كل اجراءات القبض والتحقيق والاعتقال لعدم نشر القانون من الناحية الفعلية وانعدام علم الكافة به .
- يتبع
القسم الثالث


أيها المتهم بالحقيقة ان قولك الرجولى "لا"
قد احال تبجحهم رعبا
وحطم كل ارقامهم واسترد شرف الابجدية
ديوان الحلم ح. ع

في الجلسة الماضية توقفت عند القضية 501 عام 1973 وهي أول قضية للتنظيم الشيوعي المصري والذي أصبح حزب العمال الشيوعي المصري، والملابسات التي مرت به حيث اعتقل عدد من الرفاق وكان فيهم بعض الكوادر الأساسية داخل اللجنة المركزية ( وقد اسمانى وكيل النيابة ومحافظ القليوبية فيما بعد عدلى حسين : متهم اللا فى احدى مرافعاته ) ، بالطبع الفترة من منتصف 1973 إلي أبريل 1975 كل الكوادر الجديدة هم من قادوا العمل الحزبي، معظم الملاكات التي كانت بين جيل السبعينات وجيل الستينات، القسم الأساسي منهم لم يكن موجودا فتولي الشباب قيادة العمل الحزبي ، وكانت غالبية الكوادر من الحركة الطلابية ولم تكن لهم خبرة كافية بالعمل السياسي زيادة عن خبرة الحركة الطلابية، وكان هناك عدد من الانجازات لهؤلاء الزملاء. الضربة البوليسية التى وجهت للتنظيم فى منتصف 1973 لم تكن بسيطة لأنها تناولت عددًا من الرفاق الأساسيين من اللجنة المركزية. ومع ذلك كانت هناك انجازات محددة قام بها هؤلاء الزملاء وأنا اعتقد أنها لم تلق في وقتها التقدير اللازم، عندما نري خبرات هؤلاء الشباب ومدي ارتباطهم بالماركسية وحداثته ، فأعتقد أن الانجاز الذي قاموا به ضخم جدا. أهم انجاز أنهم حافظوا علي البنية التنظيمية، ولم يتم تدمير الحزب، ولم يتعرض لضربات بوليسية أساسية أخرى فترة قيادتهم ، ولكنه تعرض لضربات عادية جدا فى خضم العمل الجماهيرى الطلابى ، ومما حققوه أنهم حافظوا علي هذه البنية التنظيمية ، بل ووسعوا العضوية رغم غياب الجزء الأساسي من القيادة، الشئ الثاني أنهم استطاعوا -علي الأقل - أن ينشروا وثائق الحزب في بيروت ، وان يوسعوا دائرة انتشار هذه الوثائق، فضلاً عن إسهامهم فى بعض المعارك الجماهيرية ، مع ذلك ورغم قلة الخبرة وقتها ومع ارتباطهم حديث العهد بالماركسية جاءت حرب أكتوبر ، ولم نكن علي اتصال بهم، وكنا في تأديب سجن الحضرة بالاسكندرية ، وكانت الزيارات مفتوحة فقط قبل حرب أكتوبر بفترة بسيطة، واستطاعوا أن يحددوا موقفًا من حرب أكتوبر بعد 3 أيام من حدوثها، وبعدها يصدر بيان من الحزب اسمه "فلننهض بثبات"، وكان الزميل ( ابراهيم ) مع صلاح العمروسي هما من صاغا البيان، فلم تكن الحرب حدثا مفاجئا ، أو شيئًا مروعًا ، أو خارج السياق، ومن وجهة نظري هذا معيار أساسي للحكم علي جدارة القيادة في الوقت الذي كان فيه غالبية الماركسيين المصريين، وكثير من العرب قد دخلوا في "دروشة " حرب أكتوبر ، وفتنوا بها، والمنظمة الوحيدة التي لم تغب عن وعيها بشأنها قد تجلى فى الموقف الذي أتخذه هذا الحزب ، و فى بيان اللجنة المركزية.

أ.صلاح العمروسى: الجزء الأول المتعلق بالحرب أنا كتبته مع الزميل إبراهيم (اسم حركى)، والجزء الثاني كتبته وحدى وقد حدث خلط فى أسماء كاتبى البيانين حين طُبعا فى كتاب مسار الخيانة وهذا البيان منسوب لي وحدي ولكنى كتبته مع الزميل إبراهيم، والبيان الثانى منسوب لي وله ولكنه لي وحدي.

سعيد العليمي: كنت أتحدث عن خروج الزملاء من المعتقل وماهية الانجازات التي قام بها الحزب، فقلت أن اول انجاز تحقق هو الحفاظ علي بنية الحزب ، والشئ الثاني هو الاستمرار به وتوسيع عضويته الطلابية ، والشئ الثالث هو نشر وثائقنا علي نطاق واسع في الفترة قبل خروجنا بالإضافة لبعض الكراسات ومنها موقفنا من القائلين بسلطة البرجوازية الصغيرة وكراس آخر اسمه حدود أكتوبر وكراس ثالث اسمه موقف من مهمات النضال الفلسطيني الراهن، والكراسان الأول والأخير كتبهما الزميل صلاح العمروسى.

صلاح العمروسى: نشر الكتب دي كان ليها صلة بأحد الزملاء اللي كانوا في مصر قبل كده وهو فلسطيني وهو اللي اخد اوراقنا ونشرها في دار الطليعة ببيروت.

سعيد العليمي: هناك شئ مهم نسميه تطور فن النضال ضد الشرطة السياسية، لقد خرجنا وجدنا الزميل صلاح يحدثنا عن (التأمين الروسي) وهو أسلوب معقد فنياً عن كيفية توقى الرقابة البوليسية. ووجدنا أماكن سرية للتنظيم منتشرة بشكل معقول يؤمن كوادرنا وكلها أماكن اختيرت بدقة من ناحية الأسر المقيمة وأساليب الخروج والدخول وكل شئ، وطبعا في هذا الوقت كانت هذه الشقق توصف بأنها "الأرض المحررة" وكنا نقول هذا التعبير مجازا ، ومعناه أن المكان ليس تحت هيمنة السلطة بالمعنى الأمنى ، ويمكننا التحرك فيه بحرية ونعيش الحياة التي يفترض أن يعيشها المناضل السري. وفي نفس الوقت كان هناك عدد من كوادر الحركة الطلابية تم تصعيدهم ، وبعضهم كانت لديه خبرات نوعية ليست موجودة عند اللجنة المركزية، منهم بعض الزملاء ممن كانت لهم تجربة في الحياة الأوروبية، وهؤلاء كانوا علي صلة بمنظمات ثورية هناك ، وكان وجودهم يفتح لنا منافذ محددة من ناحية الفكر والثقافة ووجود وجهات نظر متباينة، ومن أهم الأشياء التي تعرفنا عليها منهم مواقف الحزب الشيوعي الهندي الماركسي وكان هذا الحزب يفتح لهم فرصة الاحتكاك به، وكان له موقفا متميز في الصراع بين الصينيين والسوفيت، وكان الحزب ينتقد المراجعة اليمينية السوفيتية ، وينتقد المراجعة اليسارية الصينية وقد ايدنا موقف هذا الحزب تحديدًا، ولم يكن هذا الموقف قاصرًا عليه ، ولكن كان يتبناه أيضا حزب العمال الشيوعي الفيتنامي ، وحزب العمال الكوري ، وبعض المنظمات الأخرى الصغيرة. بالإضافة إلي احد الكوادر الذي كان علي صلة بالثقافة الأوروبية وخاصة الألمانية . كانت هذه الكوكبة الصغيرة عدداً من الرفاق تتيح لنا بضع منافذ على عالم أكبر، وكان معظمنا من أسر لم تدخلنا مدارس ألمانية أو أجنبية عموماً ، وكانت لغتنا الثانية أو الثالثة غير قوية بالشكل الكافي، ولكن هؤلاء الزملاء كانوا علي مستوي عال جدا من الإلمام باللغات ومن الثقافة وكذلك من سعة الأفق، وينبغي أن أقول هذا الكلام لأنهم كانوا زملاء متميزين، فقد لعبوا دورا كبيرا فى تأسيس عملنا خاصة ، وكنا نختلف في أشياء معينة لها طبيعة "حضارية "، يعني مثلا واحد منهم قد يعتبر تقليدا أوروبيا معينا شئ عادي ، وفى مجتمعنا نحن نعتبره شيئًا مرفوضًا كلية ، فطبعا ضيق الأفق البرجوازي الصغير الذي كان عندنا لم يكن موجودا عندهم بنفس الشكل –أو على الأقل تخلصوا من الكثير منه-، وكانوا أكثر انفتاحا في أشياء عديدة ولكن يظل وسط كل هذا ان هناك قيمة للثغرات التي فتحوها لنا على العالم في عرض وجهات نظر معينة واطلاعنا علي خبراتها.

إذا كانت هناك انجازات بين 1973-1975 فأنا أري أن أحد الأسباب المهمة فى تحققها هو وجود الزميلين إبراهيم (اسم حركي) وصلاح العمروسي، المهم أننا استطعنا قياس تأثير الوضع الكلي للحزب في مظاهرة في الإسكندرية أثناء محاكمة المجموعة التي كانت تنتمي اليه فى القضية 501 لسنة 1973 أمن دولة عليا، والحزب وقتها نظم مظاهرة طلابية عمالية وشارك فيها ما يزيد عن 500 فرد من عمال الترسانة البحرية، وعمال الغزل النسيج ، وطلاب جامعة الإسكندرية، إذا كنت أري أن هذا انجازا فلأنها كانت أول مظاهرة تقريبًا فى تاريخ الحركة الشيوعية المصرية بهذا المعنى . وفى نفس الوقت كان للضربة أثر سلبى على بعض الزملاء، فزميلنا الضوي بدوي سالم( رحمه الله) كان يبكي أمام صورة زميلنا مرسي مصطفي (حداد،) وهناك زميل آخر كان مطلوبا علي ذمة القضية ولكنه أفلت من القبضة البوليسية فقام بتخصيص كامل وقته لعمل مجموعة من الشباب بين سن ال 15 وال 18 قاموا بمراقبة الشوارع ، وعمل مرصدا أمنيا حول محل إقامته. وكانت هناك أمور أخري من أهمها غياب تصور عن بناء التنظيم وخطة حزبية، وكان هذ يسمي الانحراف التلقائي ، ومن مظاهره عدم وجود سياسة محددة لعمل مجموعة من الكوادر المحترفة الثورية ، ولم تكن هناك هياكل متماسكة من أجهزة الطباعة ،أو الاتصال، ولم تكن هناك جريدة جماهيرية ، أو مجلة نظرية ، أو احتياطي كوادر، ولم يكن هناك تصورا تنظيميا لبناء العمل الحزبي وتركت الأمور لعفويتها.
سأقول شئ ليس من الخطأ تناوله لأنه يحدث دائما وفي نفس الوقت نحن نتحرج من الكلام فيه ونحاول تجاهله أو التحدث عنه بشكل قليل جدا، وهناك برجوازية تتلقف أي شئ نقوله وتحول الأشياء الصغيرة إلي قضايا كبيرة. أريد التحدث عن مسألة تسمي (الحب الحر)، نحن وسط زملاء ارتباطهم حديث العهد بالماركسية ، ولأول مرة يحاولون أن يتخلصوا من "يشوطوا" كل القيم البرجوازية في العلاقات الشخصية ، ويريدون تأسيس نمط جديد من العلاقات، فى الفترة الفاصلة بين الفهم الحقيقي للماركسية وبين أن تظهر أوضاع مهيئة اجتماعيًا وثوريًا ، لذلك نجد أن هناك احيانا نوع من عدم الالتزام أو التجاوز في تناول هذه المسائل وممارسة العلاقات ، وكان لدينا زملاء أقرب للرهبنة مثل الرفيق زيد z وشريف وكان صلاح العمروسي يذهب لمقابلة صديقته من الساعة الثامنة صباحا حتي الثامنة مساء ، ويتحدث معها طوال الوقت عن أعمال تروتسكي والموقف منه ( تغير ذلك بعد ذهابه لبيروت ) ، وكنت أقول له أن هذا لا يجوز. وكانت هناك أنواعا متطرفة، أنواعا متوسطة، ونحن لم نعط هذا الموضوع حجما أكبر من حجمه ، ولكن كنا نعلق فقط ، وبعد فترة وجدنا أن هناك ضرورة للكتابة في هذا الموضوع فقمت بكتابة رسالة اسميتها "رسالة إلي الرفاق والرفيقات" مبينا موقف الماركسية فى هذه المسألة وهي أن الماركسية ليست رهبانية ولا دون جوانية وأنها ضد التصعلك العاطفى ومع العلاقات الأحادية ، ويجب أن يتم ملاحظة هذه الأمور فى العلاقات الحزبية ، واستشهدت بجزء من بيت لفلاديمير ماياكوفسكى ويقول ما معناه أن (العلاقة التي تجمع بيننا هي أننا رفاق) وهذا هو الشئ الأساسي، وأنا أتحدث عن هذا الموضوع لأنه يتعلق بكلام سأقوله في مرة مقبلة عن بعض ملاحظات الراحلة أروي صالح علي العمل الحزبي الداخلي، ورداً على سؤال هل كانت الناس مشغولة بالغزل فقط؟ هذا كلام فارغ، وليس صحيحا وانجاز الحزب علي كل مستوي يقول أن المسألة لم تكن علي هذا النحو.
في هذا الوقت فقدنا الزميل مرسي مصطفي ( حداد ) وكان مريضا مرضا يمنعه من مواصلة العمل الحزبي ( بدأ عقب اعتقاله فى صيف 1973 ) ، وقد اختار أن يبتعد بعد الافراج عنا ونحن قدرنا هذا الأمر، ولكننا قررنا أن تكون هذه الخسارة مؤقتة ، وراودنا الأمل بأنه يمكننا استعادته بعد ذلك. وكان لغيابه أثر أساسي علي التطورات التي حدثت بعد ذلك ورغم ما يشاع عنه من أنه حاد وقاس إلا أنه كان دائماً شديد التربوية فى صلته بالرفاق وحتى بغيرهم ، وأنا أتذكر أني لم أكتب إلا تحت إلحاحه ، وكان هذا الدور يلعبه مع عدد واسع من الناس، فضلاً عن دوره التربوي وسط المثقفين والأدباء ، وكان هذا الدور بالنسبة لنا يضاف إلى انجازه الأساسي في عمل الوثائق الأساسية، وكان أهم ما افتقدناه فيه هي قدرته علي التوقع. الآن أعتقد أن أي سياسي قيمته الوحيدة وبالذات اذا كان ثوريا هي أن يتوقع الأشياء قبل أن تحدث ويستطيع أن يتهيأ لها وذلك لا يمكن أن يتم دون معرفة علمية بالواقع، والحقيقة ان هذا هو ما فعله ماركس ولينين، وبالنسبة لنا كانت هذه خاصية لم نركز عليها ولم نهتم بها وننميها فى أنفسنا وتوجيه تثقيفنا نحوها وكان الزميل مرسي م. حداد هو من يمتلك هذه الخاصية. وهو من استطاع بكلام مكتوب وقبل حدوثه فيما بعد أن يستشرف المسار العام للتحولات التي ستحدث داخل البرجوازية البيروقراطية وارتباطها بالغرب، واستطاع أن يتوقع بشكل عام حرب أكتوبر مما جعلنا لا نشعر بالصدمة ، أو بأن هناك حدثًا خارج السياق ، ولا بأن هناك شيًا مفاجئًا ومروعًا. هذا الموضوع هام لأننا خلال سنتين لم ننتبه لتحولات سياسية تحدث داخل المجتمع أمام أعيننا ووضعنا تصوراتنا الخاصة موضع هذه التطورات التي تحدث، فحرب أكتوبر مثلا حدثت ولها أثر محدد علي الناس، تقديرنا لها لم يكن بالضرورة تقديرًا يشاركنا فيه جمهور الشعب ، أو ان علينا ان نتوقع أن تفهم الناس هذا أو تستوعبه، ففي لحظة معينة توهمنا أنه لمجرد ترجمة خبر فى مجلة حول عمالة السادات لأمريكا وأنه كان يتقاضى مقابلا من كمال أدهم مستشار الملك فيصل يعتبر أمراً سوف يؤدى حال انتشار المعرفة به إلى الإطاحة بالسادات . وكان ذلك وهما تشاركنا فيه جميعا بدرجات مختلفة ولا يوجد له أدني علاقة بالواقع.
وقتها نحن نتحدث عن الانحراف التلقائي، وبعض الزملاء كانوا يضيقون بهذا الانحراف ومستاءين لأن العمل الحزبي لا يسير بشكل مخطط ، منهم أحد الكوادر الصغار الذى أرسل رسالة للجنة المركزية يتحدث فيها عن مظاهر الانحراف التلقائي دون أن يتحدث عنه كانحراف تلقائي أى دون أن يسميه، وأحد الزملاء في المركز التقط الرسالة وبدأ في استعادة موضوعات وردت فى التقرير التنظيمى الذى طرح على كونفرانس الكادر الموسع صيف 1972 حول كيفية تطوير العمل الحزبي. الذي حدث في اجتماع الكادر الموسع والتقرير التنظيمي الأول سبق وأن تحدثت عنه . وكان التقرير الجديد عبارة عن تطوير للقديم في الظروف الجديدة، وكان التقرير بالدرجة الأولي يشخص الوضع بأن هناك انحراف تلقائي ، وكيف نتغلب عليه، حيث يجب أن يكون لنا جريدة سياسية ، ومجلة نظرية ، وتطوير مقومات الحزب النظرية والسياسية اى تعميق خطه فى مختلف المجالات ، وأن نقوم بعمل المزيد من تقسيم العمل ، وعمل نواة من المحترفين الثوريين، وتطوير الكادر، انشاء جهاز اتصال وطباعة ، وأن نبدأ في المسئولية التنظيمية نفسها بعمل نوع من التقسيم يتيح التركيز علي الجوانب الأمنية والمالية وعموماً محاولة تجاوز ما يفرضه قانون الأعداد الصغيرة. تم عمل التقرير التنظيمي ولكن للأسف لم يضع في اعتباره الأشياء التي عددتها كانجازات للزملاء في الفترة ما بين منتصف 1973 -1975 .
ولكن التقرير اتخذ شكلاً بدا فيه أن القيادة التي كانت موجودة من 1973 – 1975 هي المسئولة عن هذا الانحراف التلقائي رغم أنه بشكل أو بآخر كان نتاجا طبيعيًا في هذا الوضع ، ولم يكن انحرافًا بمعني أن هناك من يدافعون عنه ويتبنونه. لم يكن التقرير يحيي الزملاء علي الجهود التي بذلوها ، ولكنه وجه نفسه ناحية نقد الانحراف التلقائي واعتبر أن بعض من الزملاء هم سبب هذا الانحراف. كان لهذا الموضوع أثر سئ علينا جميعا ولكني كنت ممن وافقوا علي التقرير خاصة لأنه تضمن ما ورد فى تقرير 1972 ولكني لم أكن مع أن نأخذ موقف حادًا من الزملاء، وكان غياب مرسي مصطفي حداد والإحساس بأننا يجب أن نلتف حول بعضنا فى الوقت الذى كانت الكوادر القيادية محدودة وفي داخلها يوجد من يستطيعون بحكم وضعهم أن يلعبوا دورا أكتر من الآخرين، وكنت أري أنه من الضرورى بقدر الإمكان أن نتفادى أي أمور تؤدى لإثارة مشاكل لا ضرورة لها وقتها ، ونتفادى تأثير غياب أحد الزملاء الأساسيين بالنسبة لنا، ورأيي وقتها هو نفس الرأي ولكن مع تحفظاتي أن اللجنة المركزية خرجت من ضربة ، وكنا في وضع شديد القسوة بمعنى معين لغياب مرسي مصطفي حداد ونحن وسط كوادر طلابية معظم ارتباطها حديث العهد بالماركسية، وأنا فى هذا الصدد أتحدث عن نواة داخل اللجنة المركزية لا يزيد عددها عن أصابع اليد الواحدة.

في هذه الفترة يصدر هذا التقرير التنظيمي والذي عرف باسم تقرير 9-5-1975، وكما سبق وأن أشرت كان يركز علي أمور مثل إنشاء الجريدة ، والمجلة النظرية ، وتعميق خط الحزب ، وبناء كادر من المحترفين الثوريين ، وانشاء جهاز طباعة قوي، وجهاز اتصال وتوسيع العضوية ، والتوجه للطبقة العاملة، وأهم شئ أن نحافظ علي ما ننتجه وندخله دائرة التداول وكانت هناك عبارة شهيرة فيه تقول "الشفوية مقبرة التنظيم" وأنا أعتقد أنها مقبرة الحركة الشيوعية المصرية لأنه لو عندنا خبرات الأربعينات كنا سنتفادى الكثير من الأشياء التي اضطررنا لتجربتها بأنفسنا. كان علينا وقتها أن نختار مسئولاً سياسيًا، واخترنا واحداً كان من أشد الناس استيعابا للخط الحزبي علي مستوياته الفكرية والسياسية ولم يكن علي اتصال بأي حركة جماهيرية إطلاقا قبلها، وأعتقد أن هذا لعب دورًا في تطوراته الشخصية اللاحقة. كان اختيارنا محدودًا في أننا نريد الالتفاف حول بعضنا لأننا في وضع بوليسي، وجربنا الضربة من قبل، وجربنا معني أن تأخذ الضربة جزءًا أساسيًا من اللجنة المركزية، فضلاً عن أن بعض كادرنا القيادى كان على ذمة القضية التى لم يحكم فيها إلا فيما بعد عام 1978، وكنا نريد تفادي أي شئ يخلق شكلاً من أشكال التنافر بين النواة ، وكنا كلنا مدفوعين بأنبل المشاعر ، وأنبل العواطف وأكثرها حماسا ورغبة في التضحية. رغم قسوة بعض الإجراءات التي كانت في التقرير التنظيمي بدأنا نبلور ما نريده وما يجب تفاديه. أود أن أشير لشئ مهم وهي نمو شخصية السياسي المناضل وهذه الشخصية لا تأتي من فراغ ولا تنزل من السماء وعلى حد تعبير لينين: قادتنا ليسوا ملائكة ولا قديسين أو ابطال ولكن كل منا يأتي بوسخ المجتمع الذي نعيش فيه ومن خلال عملنا ونضالنا المشترك نبدأ تدريجيا في التخلص منه بقدر النضال والانخراط فى الممارسة السياسية ويبدأ هناك نوع من التجاوز التدريجي النسبي، وما كان يشغل بالي أحياناً عند تأمل المناضلين هو كيف يدفع مثلا أي واحد سنوات من عمره فى السجن، ويجترح حتى بطولات أحياناً فى الصلابة والصمود ، ومع ذلك يسلك بشكل شديد الانحطاط في أشياء لا تعتقد ولا تتصور أنها يمكن أن تكون موجودة فيه، وعندما نتأمل أنفسنا نجد أنفسنا احيانا في مواقف مخزية جدا ونستغرب هذا. ولا نتصور أنها يمكن أن تكون، فنحن نحمل كل وسخ المجتمع ونحاول تجاوزه بالنضال. كان هذا الأمر يؤرقني لفترة طويلة وكنت أجد أناسًا ماركسيين ولكنهم يتصرفون بشكل ليس له حتى علاقة بالماركسية فى بعض الأمور ولكني أدركت أن التوازن فى تركيب المناضل لا يأتي من أول لحظة. مثلا أنا كنت قد (قررت) احترام المرأة كان هذا مجرد إدعاء لفظى ترتب على بدايات اقتناعى بالماركسية ومعرفة أن هذا هو موقفها. ولكن هذا لم يحدث عمليا فجأة ولكن بالتدريج عندما وجدت أن هناك رفيقات كتفهن في كتفي في العمل الحزبي. بعد ذلك كان من الضروري أن أتأمل تجربة (ابن خلدون) المؤرخ المعروف ، وهو من أحط الأشخاص علي المستوي الشخصي، رغم أنه كاتب المقدمة ومؤسس علم الاجتماع ، ولكن الذي حل لي المشكلة هو ديدرو الفيلسوف الفرنسى الشهير فى كتابه ابن الأخ راموفقد وجدت أن هناك حوارا بين شخصيتين فقال أحدهم أن راسين شخص حقير جدا، فرد الآخر وقال ماذا بقي من راسين الآن؟ الذي بقي هو أدبه أما حقارته فلم يعد يذكرها أحد . كان هذا الأمر بالنسبة لي مدخلاً لكيفية استيعاب تناقضات الرفاق.
في هذه الفترة كان هناك عدد من الزملاء علي ذمة قضايا وكنت أنا منهم ومعي الزميل فتح الله والزميل جمال عبد الفتاح وبعض الزملاء الآخرين، وقتها كنت أنا المتهم الأول ، وهناك صور وتسجيلات واعترافات وأشياء مثل هذه ، وكان المتهمون الأوائل معرضين لأحكام طويلة حتى 10 سنوات أشغال شاقة، فاتخذت اللجنة المركزية قرارا بهربنا وعدم حضور جلسات المحاكمة وأن نعمل سرا. زملائنا صلاح وفتح الله كان لهم انتقاد لهذا الموضوع – الان وليس وقت اتخاذه - وأنا لا أريد الدخول في جدل حول تقييم هذا القرار ولكن أريد تنبيههم إلى أن هذا القرار لم يؤخذ باعتباره سياسة حزبية ولكنه اتخذ لصلته بهذه القضية وبهؤلاء الزملاء تحديدا، وهناك زملاء آخرين لم يطلب منهم أي شخص الانتقال للحياة السرية الكاملة . أنا نفسى كنت مرعوباً من فكرة قضاء 10 سنوات فى السجن ، وأثرها على إعاقة تطورى الفكرى والسياسى. بعدها بفترة خرج المسئول السياسي القديم ( بسبب مرضه كما اشرت ) وانتخبنا مسئولاً سياسيًا جديدًا ، وأيضا بدأنا مرحلة جديدة قمنا فيها بعمل شئ يسمي التسلسل أو الترتيب القيادي وهي سلسلة أعضاء اللجنة المركزية أى ترتيب القيادة تحسباً للضربات البوليسية وتفاديا لأى خلاف قد ينشأ حول المسؤول السياسي ، وقد كنت نائباً للمسئول السياسى آنذاك. في هذا الوقت بدأنا اعداد العدد الأول من مجلة "شيوعي مصري" وكنت عضوا فى هيئة تحريرها والتي صدرت في سبتمبر 1975 الطبعة المصرية، وخرجت الطبعة اللبنانية في نوفمبر 1975. ترجمت وقتها موقف الحزب الشيوعي الهندي الماركسي من الخط العام للحركة الشيوعية العالمية ، وكان أهم شئ في موقفه أنه ضد مقولة الامبريالية الاشتراكية توصيفاً للاتحاد السوفيتى آنذاك ، وضد نظرية الريف العالمي يحاصر المدينة العالمية ، وضد مقولة العالم الأول والثاني والثالث ، وضد خط الحزب الشييوعى الالبانى ، والنظريات المكررة لأنور خوجة ، ورفض الكفاح المسلح في الأوضاع غير المهيئة له. الاتفاق مع الحزب الشيوعي الفيتنامي في مواقفه والهندي الماركسي والكوري الشمالي. كنا قلة علي مستوي العالم ولم يخطر ببالنا أن نتقمص دور مرشد الحركة الثورية العالمية، كما قال رفعت السعيد في كتاب سبق ان اشرت اليه ، وطبعا لم نكن وحدنا في هذا الموقف وفي كل الأحوال برهنت الأحداث التالية علي الصحة الجزئية لمواقفنا وقتها، كان هذا موقفنا وكنا نراه موقفا صحيحا وكانت تشاركنا فيه بعض الأحزاب ولم ندعي فيه أصالة أو إبداعًا، و ترجمنا وثيقة من وثائق الحزب الشيوعي الهندي الماركسي ، وقلنا أننا نتفق مع هؤلاء الناس رغم ان لرفيقنا مرسي مصطفى ( حداد ) وثيقة سابقة بعنوان حول خطوط الحركة الشيوعية العالمية خصصت وقتها للرد على المراجعة اليسارية الصينية وعلى محمود حسين .
يأتي الحزب الشيوعي المصري يعلن عن نفسه فى مايو سنة 1975 ويجب أن ننوه الى أن الأستاذين أحمد نبيل الهلالي وزكي مراد كانا محاميين في قضيتنا، ومطلعين علي كل وثائقها وأوراقها ويعرفون بوجود التنظيم الشيوعي المصري ، بالإضافة إلي بعض الصلات الشخصية بهما وأنا شخصيا كنت علي صلة بهما. كان الزملاء الراحلين علي علم بوجودنا من سنة 1973، وربما كان إعلان الحزب الشيوعى المصرى فى مايو 1975 استباقاً لنا حيث كان قد أفرج عن كوادرنا المركزية فى أبريل 1975 أى قبلها بشهر واحد.

صلاح: حزب العمال الشيوعي موجود قبل 1975 وكان مرحلة انتقالية لإعلان الحزب الشيوعي المصري.

سعيد: لا يا صلاح، عندما قلنا أن الحزب الشيوعي المصري هو حزب الطبقة العاملة فى واحدة من وثائقنا وكذلك فى لائحتنا الداخلية لم نكن نعني أننا الحزب الشيوعي المصري. وقتها لم نكن نؤمن أنه لا شيوعية خارج الحزب، وكنا نعرف أن هناك شيوعية خارج الحزب ، وان هناك ماركسيين خارجه، كما لم نؤمن بنظرية النمو الذاتي ، وكنا نراهن على أن خطنا بإمكانه الفوز بالناس أفرادا أو جماعات وهذا ما حدث فى الواقع . كان الزملاء في الإسكندرية منهم فتح الله وكان الزميل بشير في المنيل بالحلقة التى شكلها، بالعكس أنا سمعت الكلام من مرسي مصطفي حداد مباشرة أننا لا يمكننا احتكار اسم الحزب الشيوعي المصري ، لأن الاسم محتجز لحزب يعبر بالفعل عن الطبقة العاملة من ناحية ، وعن الشيوعيين المصريين من ناحية أخرى. الذي منعنا من الإعلان عدد من الأشياء منها أننا لم نر لنا أو لغيرنا أحقية فى أن نقول أننا الحزب الشيوعي، الشئ الثاني أننا نؤمن بوجود ماركسيين خارجنا ، وكان الموضوع أننا نراهن علي الأثر الذي يمكننا القيام به فكرياً وسياسياً بالدرجة الأولى، والشئ الثالث أننا كنا نري أنه ليس من الحكمة الإعلان عن أنفسنا ونحن مازلنا نبتة صغيرة لمنع التعرض للعواصف البوليسية مبكرا .

أستاذ حلمي شعراوى: أنت تقول أن المرحومين زكي مراد والهلالي كانا علي علم بوجودكم؟

سعيد: نعم بحكم اطلاعهما علي وثائق الحزب فى القضية 501 لسنة 1973 فقد كانا محاميان مترافعين عنا.

أستاذ حلمي: ألم تحاولوا الاتصال بهم ولا هم أيضا؟

سعيد: أنا كانت لي صلة وثيقة بالأستاذ زكي مراد وكنت أحب مجالسته ، ولكن لو حدثني كسياسي لم يكن يجذبنى ما يقول بالمرة، لقد بادرت بالاتصال به حين كنت شابا صغيرا، وسمعت شعره وأعجبني ، وشعرت برغبة فى التعرف عليه، ولكن عندما سمعته يقول أن "ثورة يوليو" قامت بعمل انقلاب في المفاهيم الماركسية، خرجت وأنا لا أريد رؤيته مجددا. والأستاذ نبيل أنت تعرفه وهو رجل غاية فى اللطف ، وأنا أحترم ديمقراطيته وعندما كان يقابلني يسألني "عملت الاستكتاب ده وعرفت تتخلص من المحاصرة؟ " فأضحك فيرد ويقول "كويس كويٍس". ( استكتتابى بمعرفة عدلى حسين فى نيابة امن الدولة ) نحن للأسف أخذنا من الجيل السابق بعض تحفظاته ، ولو كان هناك دورا ينبغى أن يقام به من ناحية الاتصال فكان هذا واجب علي جيل الأربعينات، ونحن علي الأقل حاولنا في حدود استطاعتنا وجهدنا. أنا كنت أعرف أناسًا مجردً ان أسأل سؤالا تجدهم يستغربون لماذا أسأل رغم أن لي سمعة سياسية لا غبار عليها. هذا الموضوع له صلة بأشياء معينة وهي أنه لا توجد أحكام مسبقة ، ولكننا محكومين بشروط لا يمكننا تجاوزها حتي في العلاقة بالناس، ولكن مع ذلك رفيقنا مرسي مصطفي حداد لم يكن ضد التعامل مع أي من الزملاء القدامى ولكنه فقط كان ينبهنا إلى ضرورة دراسة ومعرفة الزميل المعنى قبل مفاتحته، ومما أذكره جيدا مثلاً موقفه من التروتسكية والتروتسكيين، فرغم الدعاية الإعلامية السوفيتية لم نتورط في اعتبارهم مخربين وعملاء ولا شئ من هذا، بالعكس رفيق مثل صلاح كان تروتسكى منذ فترة طويلة موضوع دراسته، ولكن معظمنا كان يقرأ تروتسكى تحت حراسة لينين، يعني الذي أجد أن لينين متفق فيه مع تروتسكى أقبله من تروتسكى ولكن لو وجدت لينين مختلفًا معه أبدأ بمناقشة الأمر.
مع ذلك لم نكن نرحب باتصال بالحزب الشيوعى المصرى بالذات لخطه اليمينى.

صلاح: بالنسبة لي يجب أن أتعامل مع كل هذه الأسماء بشكل نقدي تماما.

سعيد: واحد من أبرز التروتسكيين وهو الأستاذ بشير السباعي كان علي صلة وثيقة بنا وعلي صلة ببعض الأعضاء في المركز وكانوا يتابعون مواقفنا والعكس صحيح، ولم يكن هناك نوع من القصور علي الأقل بالنسبة لأناس معينين وأوضاع معينة.

سعيد العليمي: فيما يتعلق بموضوع الاهتمام النظري لدينا. كنت أشرت في أول كلامي إلى أننا كنا نقرأ جميع /كل الاتجاهات الماركسية، وكنت أتحدث عن فترة محددة وهي من 1965- 1970 تحديدا، ولكن بعد ذلك عندما بات لدينا وثائق أساسية وخط متبلور تبدأ كل الأشياء التي درسناها فى الانتظام في جداول محددة. في هذه الفترة كان موضوع تطور الرأسمالية في مصر من أهم الأشياء التي نهتم بها. في الفترة من أواخر 75 لأوائل 76 كان هناك اهتمام شديد بالقضايا النظرية ومن المهتمين الزميل صلاح العمروسي ومحمد خالد جويلى وجمال عبد الفتاح وزميلنا صالح م.صالح ، و(المسئول السياسي صابر عبد الله )، وكانت هناك قضايا مثل نمط الإنتاج الآسيوي ، وتطور الرأسمالية ، وشكل الحكم البونابرتى . وأذكر أسماء الكتاب الذين كنا نقرأ لهم بالجملة وهم يعطون دلالة علي نوعية الاهتمامات مثل/ لوى التوسير، نيكوس بولاتنزاس جرامشى، دوبريه، ماركوز أوسكار لانج، هارى ماكدوف، سويزى ، باران، وبدأنا الدخول علي كتب سمير أمين "التبادل اللامتكافئ" و "التراكم علي الصعيد العالمي" وقبلها طبعا كنا قرأنا ماركس انجلز لينين، ستالين ماو أعنى ما توفر مترجماً وأنا أتكلم عن الكادر المركزي بالدرجة الأولي وبعض كوادر المناطق. صلاح العمروسي كان يناقشنا في نمط الإنتاج الآسيوي من الساعة الثامنة صباحاً للساعة الثالثة بعد الظهر.

صلاح: نمط الإنتاج الآسيوي قادنا لقراءة التاريخ الإسلامي.

سعيد: كل هذا قادنا لنوع من الاهتمام والولع النظرى بهذه القضايا، وبعض الزملاء فى المنظمات الاخرى انتقدونا بعد ذلك بسنوات على الاهتمام بتطور الرأسمالية ، أو بنمط الإنتاج الآسيوى ، ولكني وصالح وصلاح لم نكن وقتها نري أن هذا كلام نظري فقط يمثل ترفاً أكاديمياً ولا أري هذا الآن، والحقيقة أن مشكلتنا مشكلة عكسية وهى الفقر المدقع فى الفكر النظري والعمق النظري. كان مهماً حين يكتب شخص مثل مهدي عامل عن نمط الإنتاج الكولونيالى وبعدها يخرج الحزب الشيوعي المصرى للتحدث عن نفس الموضوع أقصد مجموعة المؤتمر فيه ، وفرنسا تتحدث عن نفس الموضوع حيث عقدت ندوة أسهم فيها ماركسيون حول نمط الانتاج الاسيوى شارك فيها ممثلون من كل انحاء العالم ، وللموضوع صلة وثيقة بقضية الثورة وطبيعتها فى العالم الثالث عموماً، وتقديري أن الاهتمام بهذا الموضوع كان صحيحًا ولكن طبعا لم يكن كل التنظيم مشغولاً بنمط الإنتاج الآسيوي ولكننا كنا اثنين أو ثلاثة. من الأشياء المهمة أن مرسي مصطفي حداد كان ينبهنا إلى أنه في قضايا نظرية معينة لا ينبغي أن يكون للحزب موقف محدد نهائى وهى تلك التى تتطلب دراسات تاريخية معمقة وكان من ضمنها موضوع الآسيوي. أحب أن أضيف تاريخ مصر الاقتصادي، تجد مثلا أحمد الحتة وجمال سعيد وصبحي وحيدة، محمد فهمى لهيطة وسليم حسن وصلاح كان من أبرز المهتمين بهذا المجال وقد شاركت بشكل أقل، وكان هناك أيضاً الزميل صالح م. صالح. في هذا الوقت تبدأ تأتينا الماركسية البنيوية –كما سبق ونوهت- أو عدد من الكتاب المتأثرين بألتوسير وبعده بولانتزاس وكتاباته حول الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسة وبعده طبعا جرامشي، وأيضا مناقشات حول الشيوعية الأوروبية ولكن اهتمامنا بهذه الأشياء كان متابعة أكثر منه تحديد مواقف حاسمة في أشياء ليست ضاغطة وعملية بالنسبة لنا، وطبعا كنا نتابع كل الكتابات الماركسية في مصر وفي العالم العربي.
بدأ عندنا نظام الاحتراف الحزبى اى التفرغ الكامل للعمل الثورى ، وعندما بدأ سنة 1970كان المحترف يأخذ "أبونيه" –أى اشتراك لركوب المواصلات العامة،- وبعد ذلك بدأ يصرف مرتبا بسيطا يمكننا علي الأقل من التشارك في شراء الجرائد والمجلات مثل الطريق اللبنانية ، والتايم ، والنيوزويك ، وروزاليوسف. وأعتبر الفترة من أواخر 75 -76 بشكل خاص فترة نحاول فيها ترتيب البيت الداخلي ونحاول الانتظام في الإصدارات والارتباطات وكل هذا، في هذا الوقت كان شخص مثل صلاح العمروسي عبارة عن مشروع مفكر، وكذلك صالح م. صالح وكنت أري الأفق وطبيعة الاهتمامات والعمق في تناول الأشياء يتوجهان هذه الوجهة. ما أريد قوله أنه بدأت تتكون نواه داخل اللجنة المركزية تهتم بالقضايا التي لها بعد نظري ولها صلة بتطوير مقوماتنا السياسة، وكان هناك عدد من الزملاء مثل الزميل بشير( عبد الله بشير ) وهو ممن لهم اهتمامات نظرية وسياسية عميقة وكان ينطبق عليه ما ينطبق علي بعض المفكرين الاسلاميين القدامى والذين يقال عنهم أن عقلهم أكبر من علمهم ، وأعتقد أنه كان موهوبا ولديه جرأة في إبداع الأفكار وهي جرأة كانت أحياناً أقرب للتهور، وعندنا الرفيق محمد خالد جويلي وهو أحد الأدباء والفنانين الموهوبين وكان مهتمًا بالمسألة اليهودية ، وقضية الصرع العربى الإسرائيلى بشكل خاص. هذا غير من لم يكن ليقوم عمل حزبي بدونهم، مثلاً أشخاص مثل الزميل فتح الله وكان مسئولاً فى منطقة الإسكندرية وبعد ذلك أصبح مسئولاً عن كامل العمل الحزبي وسط العمال أو العمل الجماهيري. هناك زملاء لم يكتبوا شيئا ولكن وجودهم كان مهمًا، ومنهم من كان يمكنه الجلوس والتحدث 3 ساعات في موضوع بأعمق الطرق الممكنة، ولكنه لا يستطيع كتابة جملتين، لدرجة أني قلت لشخص من هذا النوع أن يسجل حديثه ويعين شخص لكتابته حتى لا يضيع لأنه لا يستطيع أن يكتب. المسألة في العمل الحزبي ليست مجرد قدرة أحد ما على التفكير أو او تحديد موقف ، ولكنه عمل مترابط لأكثر من جانب وأكثر من مستوي، وموضوع القيادة الحزبية لمنطقة مثلاً تحتاج لفريق لديه خبرة في كل جوانب العمل الحزبي، فكان لدينا عدد يكفي داخل الكادر المركزي ليقود المناطق باتزان.
وكما قال صلاح أنه بدأ عندنا اهتمام بالتراث ارتبط بظهور الأصولية الإسلامية وترافق كذلك مع خبرات خاصة لبعض الزملاء المركزيين وأقصد شخصي المتواضع ، ففي 1968حتى 1970 التقيت برموز (التكفير) في معتقل طرة السياسي، وكان لي علاقة بالشيخ (طه) عبد الله السماوي لدرجة أنه أراد تجنيدي ، ولكني رفضت هذا بالطبع مع تمسكي بعلاقتنا الودية ، وفي النهاية وصلنا لمساومة. كان عندي كتاب ترجمه محمد خليل قاسم مؤلف رواية الشمندورة النوبية وأحد كوادر حدتو ( رحمه الله) اسمه "القوانين الأساسية للاقتصاد الرأسمالي"، تأليف جان بابى فاتفقت معه أننا في الليل سنقرأ هذا الكتاب ، وفي الصباح نقرأ صحيح البخاري، ورغم أني اضطررت لقطع العلاقة معه بعدها بفترة لأني تحولت لهدف للتجنيد حتى قال بعضهم لى "اننا نتوسم فيك أنك ستكون في الصفوف الأولي منا" وطبعا فزعت من هذا لأن المعتقل كان مفتوحا ، وكان هناك ضابط (ليبرالي) وهو ناصف مختار يدير السجن ، وهناك كمية مخبرين ووشاة ولم اكن أريد أن يصل اسمي للإدارة بأني مع الإخوان ، فضلاً عن الجناح التفكيرى فيهم. وخاصة أنه ليس لدي اقتناع بالموضوع ، وكل مافى الأمر هو أني أريد معرفة وتأمل هؤلاء الناس، ولدي إحساس عميق أننا مسئولين عن هؤلاء الشباب ، وكنت أشعر بالأسى نحوهم ولم يكن من الصعب الإحساس بأن هناك تطابقا مع بعضهم، حتى أني عندما جئت لأختار اسمًا حركيًا كان "شكري" جزءً من اسمي نسبة إلى شكري أحمد مصطفي، كل هؤلاء الشباب كان يجب أن يكونوا عندنا نحن أى من قوانا ، وإحساسي أن حل المنظمات الشيوعية لعب دورًا في توجه الشباب إلى الإخوان المسلمين، لفئة أخري. اهتممنا في هذه الفترة بالكتابة عن التيار الدينى البازغ وكنت أول من افتتح موضوع الكتابة فيه حيث كتبت مقالة "السلطة والاستغلال السياسي للدين" وكان السادات يسعى الاستخدام الدين سياسياً ودخلت دخلة قوية في التراث دفعنى إليها قراءة مقال عن حركة القرامطة فى مجلة اسمها "الجزيرة الجديدة" وهي مجلة الحزب الديمقراطي الشعبي في السعودية وكتبه الرفيق "فهد" (سعودي)، وتعمقت فى دراسة الحركة الثورية في القرن الثالث الهجري ، والفكر الفلسفي العقلانى والمادى، ودخلت في جولة تراثية عميقة فى هذه الفترة.
في فترة 1976 يهمني أن أشير لمسار العمل التحريضي للحزب لدينا، تبدأ جريدة الانتفاض بالصدور بشكل منتظم، فمثلا في العدد 20 كان هناك مقال بعنوان "قاوموا انضمام العمال للمنابر" وكنا نري أن هناك نوعا من الاحتيال من قبل السلطة ، والالتفاف علي قضية حق القوي الشعبية في تنظيم نفسها، فكنا مع إعلان وجود تنظيمات سياسية مستقلة ، ويكون من حقها أن تتشكل بعيدًا عن وصاية السلطة، وفي العدد 21 كان هناك مقال "كيف تتسلل التبعية إلي الجيش المصري تحت شعار تنويع مصادر السلاح" وكلام عن ضرورة النضال ضد خط الاستسلام، وإسقاط نظام السادات، والوقوف ضد تصفية المقاومة ، والحركة الوطنية في لبنان، وعن أن ديمقراطية السادات تكشف عن أنيابها لعمال دمياط والإسكندرية، وحدث وقتها إضراب مصنع 45 حربي من اجل زيادة بدل الوجبات في أبريل 1976، وكان هناك اعتصام لشركة النصر للنقل في يونيو 1976 وإضراب للهيئة المشتركة للنقل في يونيو 1976 لأنه في هذه الفترة تكررت (الحوادث المؤسفة) والاصطدام بالشرطة ، وظهرت مشاكل الفتنة الطائفية، وكل هذا كان تمهيدا لانتفاضة يناير 1977 . خط جريدة الانتفاض هو خط مناهضة السلطة على المستوى الاقتصادي والسياسي والفكري من منظور الكادحين، وتأتي انتخابات مجلس الشعب، فلم نقاطعها ولكننا استخدمناها كمجال للتحريض، وطرح الخط السياسي، وأشياء من هذا القبيل. كنا نطرح شعار الإطاحة كشعار استراتيجى تعبوى ، وكل ما يمنعنا من تنفيذه بشكل فعلي هو الشرط الذاتي المتعلق باستعداد وجاهزية الطبقة العاملة، وشعارنا التاكيتيكى الجامع الذي يربط كل الاهداف التفصيلية هو شعار الجمهورية الديمقراطية، وكنا نطرح هذا الشعار باعتباره يجمع التفاصيل المختلفة للبرنامج ولكن لم يكن في تصورنا أنه سيكون هناك جمهورية ديمقراطية بشكل حتمى ، أو سيستفاد منها للانتقال لتحقيق ثورة اشتراكية، وكان من الممكن أن تتطور الأمور بشكل متسارع، أى أن نصل إلى ثورة اشتراكية مباشرة دون المرور بتلك الحلقة الوسيطة!

صلاح: كانت هناك مناقشات واسعة حول الأمر وفيها تأثير النموذج السوفيتي ، والجمهورية الديمقراطية كانت موجودة كشئ انتقالي للاشتراكية وكانت فيها مناقشات واسعة بدأت مع الزملاء في السجن عام 1974 حول شعار الجمهورية الديمقراطية.

سعيد: في العدد 31 من جريدة الاانتفاض الصادرة 31/7 / 1976هناك مقال اسمه لا للسادات ويتضمن الحديث عن الإطاحة بحكم السادات ، وأن دون هذا الهدف جهود هائلة يتعين علي القوي الثورية والديمقراطية أن تقوم بها من خلال أوسع تشهير ضد هذا الحكم الذي يقهر شعبنا، والانفتاح الاقتصادي أيضا يكون له وزن في الدعاية والتشهير وبرنامج للقوي الوطنية الديمقراطية في انتخابات مجلس الشعب ، وحق التنظيم الحزبى المستقل للطبقات الشعبية. وقامت الزميلة الراحلة أروي صالح بعمل كراس رداً على كتاب بعد أن تسكت المدافع للكاتب الراحل محمد سيد أحمد اسمه "نظرية لتبرير الخيانة الوطنية بعد أن تسكت مدافع البرجوازية المصرية" باسم صفاء إسماعيل.
التقيت في آخر هذا العام بالمسئول السياسي للجبهة الشعبية لتحرير البحرين ، وقد عفي عنه من خمسة سنوات تقريبا لأنه كانت هناك أحكام عديدة ضده ، وعاد إلى وطنه وهو معروف بصفته المسئول السياسي للجبهة الشعبية لتحرير البحرين( الراحل عبد الرحمن النعيمى ).
من الأشياء المؤسفة التي تحدث في أواخر 1976 أن زميلنا بشير عبد الله يقوم بكتابة ( كراس ) رسالة مطولة إلي اللجنة المركزية بعنوان "حلقة دعائية أم حزب شيوعي" وكان ينتقد فيها تلكؤ التنظيم فى قضية التوجه للطبقة العاملة ، وهى التي كانت مطروحة في التقرير التنظيمي الصادر فى 9/5/1975 ، وتضمن أن التوجه للطبقة العاملة له طريقتين، أولا أن ترسل أفراد معينين يقومون بعمل صلات جزئية، وبين أن تعتمد علي رافعة الجريدة وهي أصلا الداعية والمحرض والمنظم، كتب رد علي الكراس الذي قام بعمله بشير لا يقل عن 60 صفحة تقريبًا كتبت قسمه الأول الرفيقة أروي صالح ، وأنجزت أنا القسم الثاني، وللأسف الشديد الرفيق بشير لم يعط زملاءه في اللجنة المركزية فرصة أن يدافعوا عن حقه في مناقشة هذا الموضوع، وعلي الأقل كنت أنا واحد ممن سيدافعون عن حقه لو طلب أن يناقش كراسه في اللجنة المركزية أو يطرح علي الاعضاء ، المهم أنه لم يستخدم الإمكانيات المتاحة فى المناقشة داخل ل.م ، وفى نشر رأيه فى نشرة الصراع قبل اللجوء لعمل الانشقاق، وفوجئت بالآتي في أواخر 1976: الزميل بشير أتي ومعه مجموعة من الرفاق وقدم التقرير، وأنا أدعي وقتها وحتى الآن لو أنه قال "ده رأيي وعايز الناس تسمعه" كنت من أوائل من سيساندونه في الحقيقة، ولكنه عندما أخذ هذا الشكل التكتلي، الإنشقاقى حين انسحب ومعه الحلقة التى كان قد أتى بها للتنظيم لم يترك مجالاً لشىء. ولا أعتقد أننا كنا باتساع الأفق الذي يسمح لنا بأخذ خطوات محددة أكثر مرونة وتفهماً، كانت عندي النية لمناقشته ، ولكن الانشقاق أعادنا للقواعد الأساسية في التنظيم وأذكر عرضًا أن الرفيق ( صابر عبد الله ) مسئولنا السياسى آنذاك كان ممن يحبون تحريض الناس علي بعضهم البعض ، فمن أول ما قاله لي أنهم يقولون عنى أننى بيريا ( وزير الداخلية فى العهد الستالينى ) ولم يكن هناك ما يبرر وصفي بهذا سوي اهتمامى بقضايا الامن الحزبى فى ظل الدولة البوليسية . كان أمرا صعبا والحقيقة وقتها وحتى الآن كنت سأكون أشد الناس وقوفا إلي جانبه لو اتبع القواعد التنظيمية المتفق عليها . لا يجوز لكل من يختلف مع اللجنة المركزية ان يأخذ مجموعة من الرفاق ويمشي، وكان طبعا شيئا مؤسفا جدا، خرج وقتها الزميل بشير ، وبعدها بسنتين عادت كل المجموعة التي كانت معه بناء علي طلبهم وبناء علي موقف محدد ، ولعب هو الدور الأساسى فى إقناعهم بالعودة، غير أنه هو نفسه لم يعد.

صلاح: موضوع أنه يقدم ورقة ولا يقدمها للجنة المركزية وبادر بانشقاق له ارتباط بما يسمي الغرور المركزي في حزب العمال الشيوعي المصري ، وكان للمجموعة القيادية غرور نظري مما جعل النشرة الداخلية التي كان يقول الزملاء آراء فيها تتحول إلي الهراوة المركزية، والزميل إدريس أبو الدهب تكلم بشكل بسيط حول مشاكل في العمل الحزبي ، وتحول لأن يكون منحرف وخارج عن ماركس ولينين، كان يضع يده علي الملموس ولكنه نظريا يعبر عنه، فكان هناك طريقة في المناقشة الداخلية لا تتيح الراحة أو النضج ، وربما يكون مسئول عنه أكثر المسئول السياسى الذي ذكره سعيد، كان مثلا هناك زميلا في الإسكندرية وهو أحمد زعماء الطلاب في الإسكندرية وكتب مقالة حول الحركة الطلابية والبرجوازية الصغيرة، ورددت عليه وأصبحنا أصدقاء بعد ذلك، فما أريد قوله أن هناك جو مناخ سلبي يرتبط بالغرور النظري الذي يمكن أن تكون له علاقة بالتماسك الخطي الأولي الذي كان موجودا وتم عمله بالوثائق الخطية.

سعيد: تصبح هناك ورقة للمناقشة الداخلية وقتها اسمها "نشرة داخلية مركزية" ( ندم ) وبالطبع توسع عدد اللجنة المركزية ، وكانت هناك جملة من التصعيدات بعضها مبرر وبعضها غير مبرر ، وأوسع من الاحتياج الفعلى، وكان هناك نوع من التوسع الحزبي في أماكن معينة مثل الصعيد وبحري والإسكندرية والقاهرة، وكان لنا بعض النشاط في مجمع الألمونيوم بنجع حمادى ، ومناطق مثل العمار ، الدرب الأحمر ، والوايلي ، ولنا بعض الزملاء في دمياط وحلوان وشبرا.
تحدث مسيرة شهيرة في 25 نوفمبر أواخر 1976 خرجت من الجامعة وكانت متوجهة لمجلس الشعب، وتبدأ المذكرات تقدم من وزارة الداخلية للقيادة السياسية بضرورة توجيه ضربة لحزب العمال الشيوعي المصري وقتها، كانت المذكرة الأولي بتاريخ 28/11/1976، وهي تلخص نشاطه في المجال الطلابي ، وتقول أن الحزب يتهجم علي النظام القائم ، ورئيس الجمهورية ، ويتهمه بخيانة القضية الوطنية ، وخاصة بعد اتفاقيات فض الاشتباك لأنه يدعم العلاقة مع الامبريالية وينتهج سياسية الانفتاح الاقتصادى ، وأجهض الحركة العمالية واقام ديمقراطية زائفة ، وأن السلطة تتدخل في انتخابات مجلس الشعب ،وينتهي بالإطاحة بحكم السادات وضرورة إقامة الجمهورية الديمقراطية. استفدنا من فترة الانتخابات في تشكيل لجان سميت لجان الوعي الانتخابي، كان هذا خطا عندنا وهى أن كل اللجان التي تتشكل أثناء الحركات الجماهيرية ليست مؤقتة ولكن نستبقيها حتي بعد انتهاء المعركة الانتخابية وتكون شكلاً من أشكال المنابر التي نتحرك من خلالها. في يناير 1977 كان العدد الأول من الانتفاضة يتحدث عن القمع البربري في البحرين والعدد الثاني يتحدث عن الوسائل الحزبية في التحريض والدعاية الانتخابية والأشياء التي حدثت في الانتخابات التي سبقتها كما وتتحدث عن سلاح المنشور الانتخابي، وكذلك عن الإضراب.
ويمكننا أن نعتبر أن كل العمل الخاص بالنصف الثاني من 1975 و1976 كاملة عبارة عن شكل من أشكال النشاط المنتظم المكثف الذي يهيئ بشكل أو بآخر من خلال المعارك الجزئية التي خضناها لهبة يناير 1977 . تحدث الانتفاضة في يناير وأمن الدولة تتابع وتعرف أننا مقبلين علي شئ ما، ونحن كنا نتبنى تكتيكاً في النضال نسميه التاكتيك الصدامي الهجومي وهو أننا دائما فى صدام مع السلطة حول كل القضايا الممكنة وطبعا وقتها كنا نري أن يجب أن تستخدم في كل الأحوال أرقي الأشكال بصفة مطلقة كلما كان ممكنا. اللواء حسن أبو باشا كتب مذكرات تكلم فيها عن الحزب ومن ضمن التقارير التي قدمها ادعى أن جهاز الأمن السياسي استطاع اختراق واكتشاف ما يدبر من إشعال انتفاضة شعبية علي مستوي الشارع، وبالطبع هذا الكلام لا علاقة له علي الإطلاق بأي واقعة من الوقائع. في 1977 قمنا بعمل إحصاء وكان عدد أعضاءنا مع مرشحينا وعاطفينا حوالى 500 عضو ، وفي هذه الفترة كانت اللجنة المركزية مكونة من أعضاء لم يذكر اسم واحد فيهم في تقارير أمن الدولة، ولكن مرة ذكروا 9 ومرة 12 وكل من ذكروا أناس محترمة جدا ولكن بعضهم كان حولنا فقط ولم يكونوا أعضاء في اللجنة المركزية، وفي 1977 لم تحدث مداهمة لأي مقر من مقراتنا السرية، وكان لدينا عدد واسع منها . وحسن أبو باشا كان يقول أننا نستعد لتفجير شئ ما وأننا متربصين ولدينا ساعة صفر، وكل هذا الكلام غير صحيح علي الإطلاق . وكل القرارات الاقتصادية التي صدرت وبالذات بالطريقة التي صدرت بها كانت مفاجئة بالنسبة لنا كما فاجئت الكل بمن فيهم مسئولين فى الدولة ذاتها . كل ما ندعيه أنه من المؤكد أننا أسهمنا في التوعية الجيدة لها بشكل مسبق قبل وأثناء الانتخابات. الشئ الثاني هي أنه بعض الناس قالت أنه لم يتم القبض علي أي شخص في المظاهرات ، ومعنى هذا أنه لم تتم المشاركة فيها، فمن أصلا الذي سيقبض عليه بسهولة في المظاهرة ليعرف أن حزبه أسهم فيها؟ تردد ذات القول بعد أن برأت محكمة أمن الدولة، كل من اتهموا تقريبًا بالاشتراك فى الانتفاضة، من الشيوعيين.

طبعا كانت هناك شعارات الانتفاضة ولا ندعي أننا الوحيدين بشكل أساسي من اسهموا فيها لأنه بالفعل كان هناك عدد من الزملاء من 8 يناير ، ومن المؤتمر بشكل خاص ، والزملاء من منظمة العصبة الثورية أى التروتسكيين أيضا شاركوا ، وأيضا زملاء من التجمع شاركوا في مرحلة محددة رغم انف قياداتهم . كل تحريضنا كان في هذا الاتجاه، وعندما اشتعلت الانتفاضة كتبنا بيانًا في اليوم الأول نيابة عن اللجنة المركزية بعنوان حول الانتفاضة الراهنة وطبعا كان من الصعب أن نطبعه في نفس اليوم وهو يوم 18 لأنه كان يجب أن يطبع البيان في الليل مع فرض حظر التجول . مع ذلك زملاؤنا لم يكونوا في حاجة لتوجيهات أصلا، فعندنا مسئولين في كل منطقة ، وهم يعرفون بشكل تلقائي كيف يتصرفون. المهم أن الانتفاضة تبدأ بشكل مفاجئ وأيضا تنطفئ بشكل مفاجئ وهذا لم يعطنا الفرصة كي نطور أي شئ يتعلق بها. وبالطبع اعتبرنا الانتفاضة انتفاضة شعبية ، وهبة جماهيرية وبياننا أشاد بها، وحدد مهمتنا فيها بإعطائها الشعارات الصائبة ، وطالبنا زملائنا في البيان بأن يخلقوا منظمات وأجهزة للانتفاضة نفسها، والشئ الثاني أن نقوم بعمل تهيئة للانتقال لأطوار أعلي من الحركة القائمة، والشئ الأخير هو الحذر تجاه المصايد والفخاخ البوليسية. وما حدث للانتفاضة أنه بعد سحب القرارات لم تأخذ وقتا طويلا وصدر القرار بقانون رقم 6 لسنة 1977 وكتبت وقتها بيانًا بعنوان "لن يوقف الإرهاب انتفاضة الشعب" والبيان انتقد القانون وبالطبع حاول أن يكشف لعبة أن هناك بعض الإعفاءات الضريبية ضمن الاستفتاء حتي يصوت الناس علي الاثنين معا، وبالطبع انتقدت موضوع الأشغال الشاقة المؤبدة عقاباً على التحريض أو الاشتراك فى المظاهرات والإضرابات. نشرت جريدة الجمهورية في 21/8/1977 أن (الحزب الشيوعي العمالي) وراء عمليات التخريب وأن هدف الحزب حرق القاهرة. معظم الناس انتقدت عمليات التخريب ، ولكننا قلنا أنه لا دخل لنا بعمليات الإحراق أو التخريب، ومع ذلك كنا نري أنه من الطبيعي لأي حركة جماهيرية أن يحدث فيها تخريب بشكل عادي باعتباره رد فعل طبيعي من سخط الناس المكتوم لفترات طويلة، والشئ الثاني أنه يجب التفريق بين شيئين وهو تخريب اللصوص وعنف أناس موجه أصلا لرموز الانفتاح والاستهلاك والانحلال أو لرموز القمع البوليسى وغيرها، وهناك دلالة رمزية لكل العنف الذي حدث يفسر بعض مظاهر التخريب بأنه هناك بروليتارية رثة غير منظمة ، ولكن الموقف الأساس هو أن التخريب رد فعل شعبي تلقائي. طبعا بالأحرى لم ندن أي عنف حدث من الجماهير إطلاقا، وبدأ أناس يدعون أن حزب العمال الشيوعي عملاء للمخابرات المركزية الأمريكية ، وعبد الرحمن الشرقاوي في أحد أعداد روزا اليوسف قال أننا نتهم الحركة الشيوعية بأنها يمينية وأننا متطرفون لا ينبغى أن نحسب على اليسار الوطنى وأشياء من هذا القبيل. المهم أنه من المفروض أن عمال الترسانة البحرية بشكل خاص كانت لهم صلات تنظيمية بنا وكانوا من بدأ الانتفاضة فى مدينة الإسكندرية ورفعوا شعاراتنا هناك . كاتب مثل حسين عبد الرازق كتب هذا بشكل صريح فى كتابه المعروف 18 ، 19 يناير . بعد الانتفاضة كتبت مقالاً قصيرًا بعنوان "دروس انتفاضة يناير" وهو يتكلم عن أننا لم نحرك الانتفاضة ، ولم نفتعلها ، ولم نختلقها ، وانها حركة تلقائية، (ولكن حقيقة أننا لم نتغلغل بشكل عميق بعد في الطبقات الشعبية يبتعد بنا عن أن ندعي أن الحزب هو صانع هذه الحركة والمفجر الأساسي للحركة هو المعاناة العميقة للشعب المصري وكل أصناف القهر الاجتماعي، وبالنسبة لأعمال التخريب فلا علاقة لنا بها، فحزب العمال منذ ولادته في 8 ديسمبر 1969 يطرح نفسه قائدا لحركة الجماهير الشعبية من خلال عمل جماهيري دءوب وصبور ومن أجل تسليح الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في الثورة الاشتراكية بالشعارات الموجهة للخلاص من حكم الاستغلال والقهر.. إلخ.) في هذا الوقت كانوا يريدون بقدر الإمكان أن يجدوا لنا جهاز طباعة واتصال ومخزن للأرشيف ... الخ، وأحد من تعاملوا مع المباحث في فترة يقول في كتاب من كتب الأستاذ أحمد نبيل الهلالي بعنوان " دفاعًا عن الحريات الديمقراطية" يتكلم فيها عن قضية 1977 ، ويقول هذا الرجل اسمه – أحمد مصطفي إسماعيل- "........ وبالتالي لا يجدوا شخصًا يساعدهم ويعمل معهم وهم في أزمة ينبغي تجاوزها لأنه من الضروري أن يجدوا جهاز طباعة وأرشيف وجهاز فني، وطلبوا منه أن يتعاون معهم في تلفيق شئ ضد أحد المناضلين اسمه مصطفي الخولي ".
صلاح: كانت سياسة العضوية متشددة جدا ولو كانت مرنة لكان هؤلاء ال 500 أصبحوا 5000.

سعيد: من المهم أن ندرك كيف يتم التعبير عن الفكر السياسى، وننظر مثلاً كيف يعبر المركزي –عضو اللجنة المركزية عن أفكاره وكيف يعبر القاعدي –عضو الخلية- عن نفس الأفكار تجد هناك مسافة ضخمة، هناك أشياء سمعتها من القاعديين أنفسهم كان الرفاق في 8 يناير يسموننا (الأسياخ) وزملائنا كانوا يسمون أعضاء 8 يناير (الخشب) لم يكن للجنة المركزية شأن بمثل هذه التسميات بالطبع. المهم في انتفاضة يناير في المقال المكتوب حول دروسها أن الحزب يتبني النظرية الماركسية ، ولا يؤمن بالمؤامرات ، ولا الانقلابات العسكرية ، ولكن يؤمن بحركة الطبقات الشعبية، وفي جزء معين من الوثيقة الانفة مصدري فيه اللواء حسن أبو باشا وجد مؤشرا هاما علي خطورة حزب العمال حيث جاء فيها " إن الذين تصدوا لقيادة الجماهير في الشارع لم يضعوا في اعتبارهم مدي استعداد المواطن المصري لمواصلة الحركة بأسلوب حرب العصابات، كما أن اهتماما مسبقًا من جانبهم لم يبذل لاستمالة قواعد من قوات الشرطة والقوات المسلحة وصغار الضباط في كليهما" وقتها كنا نقرأ كتاب "الانتفاضة المسلحة "الذى صدر عن قادة الأممية الثالثة تحت اسم نيوبرج، و"نصوص حول المسائل العسكرية " للينين ثم "فن الحرب " لكلاوزفيتر وجيفارا وماو فى كتاباتهما العسكرية ، والفكرة التي لدي أنه لم تكن هناك جماهير مسلحة ولم تدرب علي السلاح غير أن الانتفاضة نفسها لم تستمر لفترة تكفي لتطوير هذه الحركة من ناحية أساليبها النضالية أو أهدافها.

صلاح: عندما ذهبت للبنان وجدتهم كتبوا علي الحوائط "عاشت انتفاضة الشعب المصري بقيادة حزب العمال الشيوعي" وأول ما قابلونا به "انتم خونة عشان ما استولتوش عالسلطة".

سعيد: لم نكن المنظمة الوحيدة التى أسهمت فى الانتفاضة ولكن 8 يناير، والمؤتمر، والعصبة الثورية كانوا موجودين، ويجب أن نشير الى ان موقف الحزب الشيوعى المصري والتجمع كلها كانت تصب في مصلحة السلطة وكان لا يمكن إطلاقا أن يعتمد عليهم في اتفاق ولا أن نوحد جهودنا لأن كل منا له سياسة مختلفة، وكان من الممكن أن نطور الانتفاضة لو تواصلت لبضعة أيام بشكل مختلف، ولكن كان موقف الحزب الشيوعى المصري أنه يريد إسقاط سياسة الردة ولكن عنده جناح وطني وجناح متهادن وجناح عميل وهو يشجع الجناح الوطني علي الارتباط بالحركة الوطنية الصاعدة، والتجمع لعب دورًا فى كبح الانتفاضة وهو حزب (شرعي) وكان هناك بيان موجه للشعب بأن التجمع الوطني هو قوة بناء لا هدم وتدمير وأنه لم يكتفي بنقد السياسات المطبقة، ولكنه يطرح بديل لها، وهذا البديل ليست له أي علاقة بتطوير الحركة الشعبية ولا أي شئ. وقال خالد محي الدين في كلمته بروز اليوسف أنه "يدين أعمال الشغب والتخريب فالتخريب ليس الا وسيلة منحطة غير متحضرة للتغيير". أنطلق من هذا الموضوع لرفض وجهة النظر التي عبر عنها المناضل أحمد صادق سعد، والدكتور جويل بينين والدكتور غالي شكري وعدد من الزملاء الذين كتبوا من الاشتراكيين الثوريين في الوقت الراهن حول إهدار إمكانية تطوير الانتفاضة لتكون ثورة شعبية مسلحة كان بإمكانها الإطاحة بالنظام، حتى أن غالي شكري قال أن السلطة كانت ملقاة في الشارع وتنتظر أي شخص ليلتقطها وجويل بينين قال "جبن الإنتلجيستا حال دون الاستيلاء على السلطة" هل كان ميزان القوي والشرط الذاتي للطبقة العاملة وحلفائها والمدى الزمني القصير للانتفاضة يسمح بتطويرها أم لا ؟؟!!!
كان لانتفاضة يناير أثر ضار بنا، حيث أن الدعاية التي قام بها الإعلام البرجوازي والضجة التي حدثت علي مستوي العالم العربي حول الموضوع جعلت بعضنا يتوهم أننا بالفعل صانعي الانتفاضة وذلك من أسوأ الأشياء التي حدثت لنا.

بالنسبة لرفعت السعيد قام بعمل كتاب اسمه الحركة الشيوعية المصرية من 1920إلي 1988 مع طارق إسماعيل ونشر تبع جامعة "سيراكيوزا" باللغة الإنجليزية كما اشرت سلفا ، وتلخيص ما قاله في الكتاب كان موجودًا في عدد من مجلة "قضايا فكرية خصص عن الحركة الشيوعية المصرية، وموجز الكلام هو حديث عن المنظمات التي كانت موجودة في السبعينات وقال عن حزب العمال الشيوعي المصري أنه حلقة صغيرة متطرفة يسارية وأن هذه الحلقة لم تعلن عن نفسها إلا كرد فعل علي إعلان الحزب الشيوعي المصري في مايو 1975، والشئ الثالث أنه اطلع علي وثائقها جميعا ولكن الحقيقة انه لم ير الا العدد الأول من مجلة "الشيوعي المصري"، واستنتج اننا عبارة عن مجموعة من الناس تتقمص دور المرشد للحركة الثورية العالمية وأننا لا وزن لنا ولا أثر ومخترقين بوليسيا وأمنيا بشكل كامل، إضافة إلي ذلك أن لدينا كم من المعترفين فى القضايا . أدعي في مواجهة ادعائه أنه خاطئ.

أستاذة جينيفيف: ماذا كان موقفكم من نمط الإنتاج الآسيوى؟

سعيد العليمى: باختصار شديد يعتبر حزبنا أن الكلام في موضوع نمط الإنتاج الآسيوي من الأمور التى لا يمكن حسمها بقرار مركزي فهو موضوع علمى تاريخى ، ولذلك فقد كنا أحرارا في تبني ما نشاء، من يريد القول أن هناك نمط إنتاج أسيوي لا توجد مشكلة ومن يريد قول غير ذلك فليقل لأن الموضوع يحتاج وحالة العلم ومعرفتنا لم تكن تسمح بالقطع في الموضوع الذى كان مثار مناقشات عالمية ، مع ذلك كان الاتجاه الأرجح هو نفى وجوده.

مصطفي الجمال: كنت أريد أن أعرف متي نشر أول عدد من "الانتفاضة"؟

صلاح: الانتفاضة خرجت بتلقائية في البداية وليس بقرار حزبى والزميل بشير هو من سماها بالانتفاضة، فهي تعتبر مبادرة من أحد الزملاء في الحزب.

سعيد: العدد الأول من الانتفاضة صدر في 18/2/ 1973 ، ومجلة الشيوعي المصري خرجت في سبتمبر 1975 بالقاهرة، وقد سميت بالانتفاضة نسبة للحركة الطلابية التى انفجرت آنذاك فزميلنا بشير كان أحد المشاركين في الاعتصام وقام بعمل نشرة أسماها كذلك وكان شخصا مبدعا كما سبق أن نوهت.

صلاح: بشير كان من قيادات الحركة الطلابية رغم أنه لم يكن طالبا وقتها.

أ.غادة طنطاوى: هل كانت اللجنة المركزية منتخبة؟

سعيد: هناك مراحل في كيفية تشكيل اللجنة المركزية، يعني مثلا أول لجنة مركزية للتنظيم الشيوعي المصري كانت لجنة مركزية منتخبة، وبعد ذلك حدثت بعض التوسعات في اللجنة المركزية بشكلين: أولا بترشيح من اللجنة المركزية ولكن مع موافقة لجنة المنطقة أو العكس، ومع ذلك كان موضوع المؤتمر أحد المسائل الموجودة بشكل دائم في رؤوسنا أى ضرورة عقد مؤتمر وانتخاب لجنة مركزية.

أ.حلمى شعراوى: ما الذي يغلب علي التوزيع النوعي للجنة المركزية؟

سعيد: آخر تشكيل في 1977كان هناك عاملين علي الأقل داخل اللجنة المركزية وكان هناك زميلتين داخل اللجنة المركزية.

أستاذ حلمي: هل كان الآخرين طلبة؟

سعيد: لا مهنيين أساساً أطباء، مهندسون ، محامون، كتاب، وكان الأعضاء المرشحين بين 13 - 15.

صلاح: كان هناك 2 طالبين في اللجنة المركزية، أحدهما ذهب مع الانشقاق الأول والثاني كان مرشحا في منطقة القاهرة وأصبح في اللجنة المركزية. لا توجد لجنة طلابية ولكن كان معظمها مثقفين من خارج الحركة الطلابية من الناحية الأساسية.

سعيد: كل هذا جاء بالتدريج، فكان مثلا في اللجنة المركزية مسئوليات موزعة بالشكل التقليدي في كل المنظمات الشيوعية في الحركة الثانية، ومع تطور العمل، والشكل التنظيمي يرتبط أصلا بتنامي العمل نفسه وتقسيمه، فمثلا يمكن في فترة من الفترات أن نقوم بتأسيس مسئولية لفرع الخارج الذي قمت بمهامه في 1975، وكانت هناك فترات ليس لدينا مكتب سياسي ، وبدأ يكون لنا مكتب سياسي في 1976 وكنا خمسة اعضاء فيه ، وفي فترات محددة كان المسئول التنظيمي هو مسئول الأمن، ووجدنا أنه يجب أن يكون هناك شخصا مسئول عن الأمن منفردا وكذلك الأمور المالية.

أ.جينيفيف سيداروس: إلى أى منظمة انتمى عبد الرحمن الشرقاى؟

أستاذ حلمي: أول نشأة عبد الرحمن الشرقاوي كانت طليعة العمال ثم ترك هذا العمل أصلا، وهو أديب.

أ.مصطفى الجمال: هل كان لكم تواجد فى مدينة المحلة الكبرى؟

صلاح: كنا في المحلة منذ فترة طويلة ولكن العلاقة كانت علاقة أدبية أى بأدباء ولم نستفد من هذه العلاقة فى خلق روابط بالطبقة العاملة هناك، وكان أدباء المحلة مشهورين جدا


يتبع
سيرة ذاتية لشيوعى مصرى - قد تعنى أو لاتعنى أحدا ( حزب العمال الشيوعى المصرى ) القسم الرابع والأخير

سعيد العليمى

2018 / 7 / 21

-
كما قلت سابقا أدليت بهذه الشهادة شفاهة فى مركز الدراسات والبحوث العربية والافريقية الذى يترأسه المفكر الاقتصادى سمير امين ويديره الاستاذ حلمى شعراوى فى اربع جلسات كل جلسة حوالى 3 ساعات بتاريخ 4 اكتوبر 2009 ، 8 نوفمبر 2009، 13 ديسمبر 2009 ،17 يناير 2010. وكان يفترض ان يعاد تحريرها وفق ماتم اتباعه فى كتب "الشهادات والرؤى " التى صدرت عن المركز وتخص الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية ، وهو مالم يحدث بالشكل المهنى المناسب فى شهادتى . ادلى رفاق آخرين بشهاداتهم منهم صلاح العمروسي - الذى اصر على الحديث فقط عن الوثائق الاساسية والانتاج الفكرى للحزب ، رغم انه من المطلعين على عمل فرع الخارج وخاصة علاقتنا بقوى الثورة الفلسطينية ، وبالأخص الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، والقائد المناضل جورج حبش - وحسن شعبان ، زين العابدين فؤاد ، والهامى الميرغنى وغيرهم . احتفظ المركز بهذه الشهادات وراكمها دون ان يبدو فى الافق اى احتمال قريب لنشرها ، الأمر الذى اثار لغطا فى اوساط بعض الرفاق حول الهدف من جمع هذه الشهادات . كان طمر الشهادة لثمانى سنوات هو دافعى لنشرها . حاولت جهدى ان اعيد صياغتها بلغة فصحى فلم افلح ، واقتضت جهدا كان يجعل الكتابة فى الموضوع اسهل من اعادة صياغة شهادة شفوية . أخيرا قررت ان اضحى بأدبية النص من أجل الوقائع ، وانشرها كما هى تقريبا بتعديلات طفيفة . وجدير بالذكر ان الشهادة كانت محكومة بوقت الجلسات الذى تجاوزته دائما ، لذا لم يرد فيها سوى الخطوط العامة لملامح حزب العمال الشيوعى المصرى فى فترة معينة . آمل ان يكون هناك من يهتم بتاريخ هذا الحزب من الباحثين وبمنظمات اليسار الراديكالية فى السبعينات . تنويه اخير وهو اننى لم اذكر اسم القلم اوالاسم الحركى للمسؤول السياسي الذى تحدثت عنه تحت اسم " صابر عبد الله " لأسباب خاصة .
- *****************************************************
- ياأرض الحلم الخصيبة ! من الذى يذكر البناء!
- لقد رأيت الأرض موزعة الى مساحات شاسعة
- وخاطرى لايغفل عن ذكر البحار
- ديوان اناباز سان جون بيرس
- توقفت عند انتفاضة يناير 1977 ودور حزب العمال فيها. وأشرت إلي أن سلطة الدولة وقتها قامت بالتركيز علي حزب العمال ، واتهمته انه وراء الانتفاصة ، وانه كان عالما بأن هناك قرارات ستصدر ، وانه متآمر ، وانه سيسدد ضربة كبري ، وهذا كلام وارد فى مضابط مجلس الشعب ، وتقارير مباحث أمن الدولة، ولكن الحقيقة اننا فوجئنا بالقرارات مثلنا مثل اى فرد من افراد الشعب. في نفس الوقت أشير الي ان هناك مسارًا محددًا للتحريض من 1975 إلي 1976لعبنا دورا اساسيا فيه مثل فرق أخري منهم بعض مناضلى التجمع و8 يناير ، والمؤتمر ، والعصبة الثورية ، أما التيار الثوري بقيادة محمد عباس فهمى، وطاهر البدرى فقد لعب دور عكسياً فقد كان مؤيدا وداعما لنظام السادات . بدأنا نسمع ان حزب العمال الشيوعى هو محرك الانتفاضة ، ووجدنا ممدوح سالم رئيس الوزراء يتكلم عنا ، والسادات واخواننا "الشيوعيين" الحكوميين ايضا يتحدثون عنا وكل (الدنيا ) تتحدث عن حزب العمال. نحن الوحيدين الذين ندرك حدود دورنا ، ولكن بشكل متفاوت، بمعني ان هناك من يعلم قدر اسهامنا في الموضوع ، لنا رفاق وهم عادة لايحتاجون توجيهات محددة اثناء نشوب الحركات الجماهيرية ، ويعلمون ماذا عليهم ان يفعلوا. طبعا لم يقبض على احد من الشيوعيين عموما في المظاهرات ، ولكن لا يمكن ان نستنتج من ذلك ان الشيوعين لم يشاركوا فى الانتفاضة كما ذهب البعض، اخى الدكتور عادل العليمي (رحمه الله ) أصيب بحوالي 18 طلقة رش في انتفاضة يناير، ومن عالجه ابن اختي ، وكان يعمل فى مصلحة الطب الشرعي (المرحوم) الدكتور مجدي يحي بدر، وحين كتب زميلنا أحمد بهاء الدين شعبان كتابه الاخير عن انتفاضة يناير ظهر ان موضوع ان يقبض عليك في مظاهرة او لا ليس دليلا على انك شاركت او لم تشارك ، المسألة الثانية ان من الواضح عند تحليل الشعارات المطروحة بشكل خاص انه يكشف عن طبيعة القوي التى تقودها. المهم انتفاضة يناير، والاعلام ، والكُتاب ، ووزير الداخلية ، ورئيس الوزراء، كل هذا خلق لدي بعضنا حالة من الغرور الحزبي " بعضنا مش كلنا"، هناك ملاكات كانت مدركة بحكم المعرفة الفعلية بحدود اسهامنا، ولكن هناك البعض بحكم عدم الخبرة والحداثة توهم وقوة الحملة السلطوية اننا من لعبنا الدور الأساسى فى خلق الانتفاضة اصلا .
- او عدم معرفة.
- لا، نحن نعلم دورنا جيدا، و بالنسبة لي الموضوع صعب ، فاذا قال احدهم نحن قادة الشعب المصري –كما كان يقول بعض رفاقنا -، ادرك ان لنا دور ، لكن أعرف أيضاً حدود هذا الدور وانا لست من مدعيىّ التواضع ، ولكني اعرف ماذا فعلنا واشير اليه وابرزه لكن لا ابالغ فيه حتى اصبح واهما خادعا للذات . المهم بدأ عدد من الرفاق يتطابقون مع الصورة التى اعطيت لنا فى الصحافة البورجوازية لأسباب غير ثورية، السادات يريد تمويلا من الرجعية العربية ، والسعودية بصفة خاصة فبالغ في الموضوع، والشيوعيين اليمينين تبرأوا مماحدث حتى يحافظوا على الحزب الشرعي ( التجمع ) وما إلى ذلك.
- م.سعد الطويل
- المرة اللي فاتت اتكلمت علي قضية يناير 77 دي والعناصر الموجودة فيها وعلاقتها بحزب العمال.
- كان هناك 86 متهمًا بعضوية حزب العمال ش.م من اجمالي 155 متهماً عموما. المهم اننا تطابقنا مع الصورة اللي روجتها الصحافة والاعلام واجهزة الدولة، والسادات كان يهول من الخطر الشيوعي ، وكانت فرصة كي يحصل علي دعم امبريالي ورجعي . ولكن كان هناك شئ ايجابي وهي اننا استثمرنا هذه الصورة من ناحية ان وثائقنا وزعت وانتشرت بشكل اكتر وكان هناك نوع من أنواع الانتعاش السياسى بعد فترة من هيمنة الاصولية (اللي هي ما انتهتش طبعا). من أثر هذا الغرور للأسف ان هناك رفاق قدامي – من الحلقة الثانية - حاولوا ان يتصلوا بنا فى أعقاب انتفاضة يناير، ومنهم المناضل (المرحوم ) طاهر عبد الحكيم، وكان في العراق ولكن مسئولنا السياسي وقتها قال " اللي عايز يتصل بينا لازم يقرأ أدبنا ويحدد موقف منه وبعدين نفكر اننا نلتقيه." طبعا ادعي اني رفضت هذا الموقف ، واعتبرته موقفا استعلائيا ليس له معني ، والمفروض ان نلتقى بمن يطلب لقاءنا وان نعامله بشكل جيد، ثم ان طاهر عبد الحكيم كان من ذوى السمعة الطيبة ، ولو ان احدا من التيار الثوري طلب هذا لقلت من الضرورى ان يقرأوا كلامنا ، لأنهم يقولون كلاما يخالفنا تماما ، ولكن كان هذا يعكس عموما أحد جوانب الغرور ، واساسه اننا كنا من ناحية معينة من أشد الناس اهتماما بالقضايا النظرية والسياسية داخل الحركة الشيوعية المصرية فى حلقتها الثالثة، وكنا نلاحظ الفارق في مناقشتنا ومناقشات الآخرين وكتاباتنا وكتاباتهم .
- الأسوأ من هذا ان اول جهة تنشر وثائقنا وتدعمنا كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعندما وجدنا ان هناك مجموعة فيها تلتف حول خط العمال قمنا بعمل انشقاق بهم من داخل الجبهة، والحقيقة لست قادرا على فهم ماذا كانت ضرورات الانشقاق ؟، فكل أدبنا السياسي يصل لهؤلاء المناضلين وهم موافقون عليه ويدعموه، وهم اصلا تنظيم مستقل ولا يفترض بالضرورة ان يتبنوا اي موقف او فكرة نتبناها. فللأسف عمدنا لصنع انشقاق داخل الجبهة وخرج هذا باسم حزب العمال الشيوعي الفلسطيني، وقد تأسس في بيروت سنة 1978، وكان من قادته الدكتور سمير برقاوي ، وهاني المصري ، ومهند عبد الحميد وآخرون ، وهذا وارد في كتاب منشور اسمه "العنب والرصاص " الحلقة السابعة ، تأليف علي بدوان ، والمصدر جريدة البيان الاماراتية 28 نوفمبر 2006. بعد مااسهمنا فى تاسيس حزب العمال الشيوعي الفلسطيني، ثنينا بحزب العمال الشيوعي اللبناني ثم سمعنا ان هناك انشقاقا داخل الحزب الشيوعي السوداني ، ولكن لم يكن لنا دخل به ، ولكن كرد فعل للوثائق والكتابات التى وصلتهم وتعكس مواقفنا . في نفس الوقت، ادت انعكاسات مواقفنا الى عمل انشقاق في الحزب الشيوعي المصري . وخرج الانشقاق تحت اسم "المؤتمر" وبدأوا يتبنون خطنا ويصارعوا القيادة داخله على اساسه ( قرأت كراسة لهم باسم : الحرباء ذات الالف وجه ) ، ورفضنا عمل علاقة ، او اقامة صلة مع أي احد، حتي تبادل الوثائق ، وبالإكراه ذات مرة أخذت كمية ضخمة من وثائقنا وجرائدنا وأعطيتها لرفيق كانت لى صلة به قديما في وحدة الشيوعيين، ولكن حتي 1978 لم يقم اي نوع من الاتصال او من الصلة التى نتبادل فيها حتى مجرد مطبوعات.
- أ.صلاح العمروسى: بالنسبة للمؤتمر كان في كلام انهم يحلوا نفسهم وأن يأتوا فرادى.
- في 1977 احد الاحداث المهمة إغتيال الشيخ الذهبي وزير الاوقاف علي يد جماعة التكفير والهجرة ، مع نمو الحركة الاصولية بدأ لدينا اهتمام أكتر بالحركة نفسها بفهمها ، وبالكتابة عنها ، واصبح لدينا اهتمام بأن يكون لنا علي الاقل نقاط برنامجية فيما يتعلق بموضوع الوحدة الوطنية.
- من الاشياء الطريفة ان رفيقنا جمال عبد الفتاح قبض عليه فى هذه الأيام وفي البداية اعتقدوا فى اجهزة الامن انه من جماعة التكفير والهجرة لأنه بالمصادفة حصل حملة بوليسية في المنطقة التى كان يقيم بها ( ضاحية عين شمس الشرقية ) فخشي ان تداهمه فبدأ ومن معه يحرقون اوراقا مما أثار ريبة الجيران فأبلغوا عنه. المهم عندما قبض عليهم اعلنوا عن هويتهم وطلبوا قسم مكافحة الشيوعية.
- بالنسبة لموضوع الذهبي يهمني ان اذكر موقفنا في أمور الدين عموما : كنا نؤمن مع فولتير بأن المواطن الحر يذهب للعالم الآخر من الطريق الذي يروقه ولم نكن نتدخل فى معنقد احد او ايمانه وهذا هو الموقف الماركسي العادي الذى يركز علي قضايا الحياة الدنيا، ولكن مثلا لم يكن مطلباً عندنا ضرورة ان عضو الحزب ( لااتحدث عن الكوادر )لابد وان يتبني مذهبا فلسفيا معينا بمعني انه كان لدينا اعضاء مؤمنين بشكل عادي وكان هناك رفاق يقطعون اجتماعات لجان حزبية حتى يصلون ويرجعون . في هذه الفترات كانت لدينا بعض الاصدارات حول موضوع الدين، هناك كتيب اسمه (الماركسية والإسلام) كتبته رداً على كتاب بنفس الاسم للدكتور مصطفى محمود سنة 1974، وكذلك مقال مطول عن ( السلطة والاستغلال السياسي للدين ) حول موقف نظام السادات ، وفي 1978 انجزت كتيبا اسمه (الماركسية والدين) وكان ردا علي أستاذ مصري مقيم في فرنسا اسمه رشدى فكار، استورده السادات خصيصا باعتباره متخصصا في معاداة الماركسية ليساند نظام السادات علي أساس ان يسهم فى وقف المد الايديولوجي اليسارى وما الى ذلك . كنا نؤمن بالديمقراطية العلمانية اللي تنفصل فيها الدولة عن الدين ، والدين عن التعليم ، وعلمنة الدولة بشكل كامل وعموما كان هذا هو موقفنا في كل ماكتبناه. اود ان أشير لمسألة تضعنا في موضع مقارنة مع الحركة الشيوعية فى حلقتها الثانية وهي ان شيوعيي الحركة التانية كانوا يلجأون لنموذج علي بن أبي طالب ، أو أبو ذر الغفاري تدليلاً أو برهاناً على حق الاشتراكية فى الوجود ، وكنا اقل الناس اقتناعا بأن هذه الطريقة هى السليمة لترويج الفكر الاشتراكي أو الماركسي، وعندما تعتمد مرجعيتك من الناحية السياسية دين معين فأنت تقويه ولاتقوي نفسك، فضلا عن انه من الناحية التاريخية نجد ان هذه النماذج لاصلة لها بالاشتراكية، ومع التدقيق والدراسة يمكن أن نكتشف انها كانت رجعية بشكل كامل، وأن معاوية بن ابى سفيان من زاوية التطور التاريخي هو المتقدم ، وليس علي بن أبي طالب، فالأول هو الذى دفع باتجاه بلورة البنية الطبقية ، وطور أجنة المجتمع القبلي وهكذا . موجز القول هنا اننا لم نكن نتكئ على الدين في تبرير الماركسية ، أو الاشتراكية ، واننا كنا نعتقد ان هذا موقف انتهازي يمينى في الموضوع. ولكن الموقف الاشد انتهازية هو عدم مناقشة الموضوع بالمرة، وطبعا لم نكن نروج للإلحاد بمعزل عن الصراع الطبقى ، ولم يكن هذا موضوعنا ولم نكن نريد الا ان تغير الناس الأوضاع الواقعية الحياتية الموجودة فيها. ومن الاشياء المفيدة في هذه الفترة اننى صادفت كتاب كارل كاوتسكي المسمى "أسس المسيحية" وهو كتاب جيد ويكشف طبيعة الدين ، وصلته بالمجتمع بالنسبة لأديان مختلفة بحكم منهجه رغم انه تناول اليهودية والمسيحية فقط .
- بعد موضوع الذهبي تأتى زيارة القدس ومثلت بالنسبة لنا منعطفا شديد الاهمية، لأن هذا مؤشر علي عدم ادراكنا شبه الكامل لطبيعة التحول الذى يحدث داخل المجتمع بأكمله، وهي حالة يمكن أن أشبهها بالنقلة اللي حدثت من نظام الملك فاروق لنظام عبد الناصر، ثم التطورات اللي حدثت في الستينات بشأن التأميمات الواسعة والشيوعيين المصريين لم يدركوا طبيعة هذه التحولات . في نوفمبر 1977 " كنت بأخبط دماغي في الحيط تقريبا"، لأننى لم أر أي رد فعل عند جماهير الشعب المصري علي موضوع زيارة القدس، ولاادرى ان كان الرفاق قد شعروا بنفس الاحساس ام لا ، ولكني كنت أحس وقتها أني شخص محاصر تماما وغير مدرك لطبيعة الموقف . المرة الماضية تكلمت عن انه كان لدينا وهم عن موقف الشعب المصري من قضية مثل قضية ارتباط السادات بالمخابرات الأمريكية ، وعندما نشرت الهيرالد تريبيون الأمريكية انه كانت هناك مدفوعات لوكالة المخبرات المركزية الأمريكية للرئيس السادات ، من خلال كمال أدهم، بعض زملائنا كان يعتقد وخاصة مسؤولنا السياسى ان نشر موضوع مثل هذا سيسقط النظام بأكمله وكنا كلنا معبئين بشكل محدد من ناحية القضية الوطنية، ومعظم تحريضنا بالدرجة الاولي منصب على القضية الوطنية ، وكنا نعتقد من وجهة نظرنا اننا نعبر عن خط الطبقة العاملة في المسألة الوطنية وهو الامر الصائب، فكان ماحدث أقرب للصدمة غير المتوقعة بشكل كامل، ومن شدة غضبى وقتها كتبت توجيها حزبيا قلت فيه انه لو يمكن الاحتجاج علي هذه الزيارة بأي طريقة ممكنة بدون اعتساف اي موقف ، أى بعدم القفز على واقع الحركة الفعلى يكون أمراً ممتازاً. في الواقع نزل التوجيه ولم يكن هناك أي رد فعل ، وبعدها بسنوات انتقدني الرفاق وقالوا ان هذه كانت نزعة ارادية. كانت مواقعنا في الجامعة قد بدأت تتزحزح متراجعة بشدة، من ناحية بسبب الدور الذى لعبه التيار الاصولي بشكل مباشر فى مواجهة القوى الوطنية الديموقراطية والشيوعية ، ومن ناحية ثانية وهذا هو الأساس فى تقديرى هو كامل التحولات التى تجرى علي مستوي المجتمع، وموضوع الانفتاح لم يكن مجرد انفتاح اقتصادى ، ولكن تحول طبقي رهيب له انعكاساته في كل شئ ، وفي أوضاع الناس وسلوكهم وكل حياتهم، و هذه الفترة تعبر عنها رواية صنع الله ابراهيم واسمها "ذات"، وهي فترة البوتيكات ، وعقود العمل بالخارج، واننا مللنا من الحروب وما إلى ذلك، وكنا نتصور ان هذه الحالة قد تكون حالة مؤقتة أو شكل من أشكال الوعي الزائف العابر، وكان في ذهننا أصلا شعب أيديولوجي متصور غير الشعب الواقعي الذى نقابله ونتعامل معه. وهنا انتهز الفرصة لأقول اني بعمل شكل من أشكال التوازي - مع الفارق - بين الوضع الذى واجهه شيوعيي الحلقة التانية في الستينات وهو عدم قدرتهم علي ادراك طبيعة التحولات التى جرت في نظام عبد الناصر ونشأة البرجوازية البيروقراطية ، وبين موقفنا نحن في عدم ادراك هذه التحولات اللي كانت تنطوي على تغبير اقتصادى واجتماعى وسياسى وثقافى عميق.
- أ.حلمى شعراوى: في الاتجاه العكسي؟
- نعم في الاتجاه العكسي، ووجه الشبه عندي هو عدم ادراك طبيعة التحول في لحظة تاريخية معينة ، والحقيقية أن القدرة على إدراك التحولات العميقة أثناء حدوثها لم تتوفر إلا لقلة مثل ماركس وانجلس ولينين كانوا يتملكون القيادة الاستراتيجية والتكتيكية ( وقد اخطأوا فى بعض التقديرات والتوقعات ) فيعرفون كيف يستندون في وضع راهن وتحليله علي أعمق الميول التى تحدث في المجتمع وخصوصاً التحولات الاقتصادية الجارية.
- دعوني أقول شيئا مهما وهي أننا اهتممنا بتطور الرأسمالية في مصر، وما كان يجري في مصر لحظتها من الناحية الاقتصادية كتب فيه مقالين أو ثلاثة ، أى اهتممنا بالتاريخ على حساب التطورات الجارية، وأنا أقول أنه بلا دراسة ماركسية عميقة فلا يمكن أن تكون هناك حركة تدعي الانتماء لها، وما قرأناه لايبلغ ربع ماكتبه ماركس ، وقد اتى على حين من الدهر "اردت" ان اكون جدليا فى تفكيرى ، ولكني حين كنت أتأمل موضوعًا ما أجدني أتأمله بشكل ميتافيزيقي. هناك مثلا المناظرة بين لينين وروزا لوكسمبورج ، حول قضايا التنظيم، في فترة كنت اعتقد أن هذا جدل فكري بين مفهومين مجردين ، يمكن المفاضلة بينهما ، ولكن الواقع ان هناك واقعين مختلفين ينتجان أصلا فكرين مختلفين، والاثنان ليسا خاطئان ، ولكن المسألة ان كل فكرة لها شرطها التاريخي ووضعها الذى يتطلبها . ماركس وانجلس كتبا 51 مجلدا كل مجلد يضم 800 أو 1000 صفحة ، ولينين كتب 50 مجلدا، وحين انظر لنفسي ورفاقى كجزء من حركة ، وكذلك لإنتاج الرفاق في الحلقة التانية والثالثة ، أسأل ماالذى عرفناه وهضمناه من الماركسية اصلا، !!! واحيانا ارى أساتذة كبار من الحركة الثانية يتحدثون بخبرة أربعين سنة مضت ويعتقدون ان ما يقولونه مفيدًا، بينما الواقع ان هذا امر مضلل جدا. هناك مشكلة في مصر من الناحية الفكرية وهي انه لابد ان نفهم مايحدث علي المستوي الاقتصادي الطبقى العميق. لاتوجد دراسة جيدة حتى الآن عن الطبقات الاجتماعية في مصر من منظور ماركسى ، ولا دراسة عن الاحزاب السياسية باعتبارها تجلي للطبقات الموجودة في مصر، ولكن كلنا كنا نكتب احيانا في الموضوعات السهلة ، او التى توائم مزاج البرجوازي الصغير الفردى وانا أولهم ، رغم ان الكوادر الاساسية كان لها مشروعاتها البحثية . أنا اترجم كتابا عن "الانطولوجية السياسية عند مارتن هايدجر" ومن المؤكد ان له فائدته ، وموضوعه مهم من ناحية معينة، ولكن ليس هو الأشد إلحاحا حاليا وغيرى الكتير( ملاحظة : لم تكن لى اية ارتباطات حزبية حين ترجمت هذا الكتاب – مااوردته على سبيل المثال فقط ) . ترك القضايا التى لها فاعلية وأولوية والاتجاه للاهتمام بغيرها وتوهم أن هذا هو نوع من الفاعلية .
- أعود إلى لحظة التحول التى كنت أتحدث عنها ، الحقيقة نحن لم ندرك هذه اللحظة ، ولم يكن لدينا داخل الجامعة رفاق يمكنهم التحرك داخل هذا المناخ المحاصر ، ولكن عندنا فقط ركائز عمالية ، ولا يمكنهم لعب دور، لأن المزاج الجماهيري تحول لمزاج مناهض لأي شكل من أشكال الاحتجاج وأصبح مناصرا للسلطة ومعنيا بالقضايا الاقتصادية اليومية بالدرجة الاولي. اذا جئنا للوضع العالمي نجد أن هناك حالة من حالات الانحسار، ففي الاتحاد السوفيتي التكلس البريجينيفى ، وفي الصين انتهت الثورة الثقافية ، واعدموا عصابة الأربعة ورحل ماو ، وبدأت الصين تدخل في مسارات مختلفة تماما، وفي أمريكا ريجان والريجانية ، وفي انجلترا تاتشر وافول دولة الرعاية ، والنيولبرالية ، وفي اوروبا الشيوعية الاوروبية بتخليها عن قضية الاطاحة بالنظم الراسمالية ، وهيمنة الاصلاحية عموما ، والانتقال السلمي للاشتراكية، ويشهد العالم الثالث انتكاسات فى ثوراته ، وفي العالم العربي عانى البديل الثوري –أى ظهور أزمة فى القيادة الثورية- والمقاومة الفلسطينية دخلت فى أزمة أدت بعد ذلك لخروجها من بيروت.
- د.جمال عبد الفتاج: نحن الآن فى وضع مشابه وده هو اللي عامل مشكلة وهو ان العالم بيتغير واحنا مش عارفين ناخد موقف حقيقي، وانا أري ان دي لحظة فيها صعود قوى مختلفة مش لحظة انحدار، وفترة الجزر بتتراجع فعشان الناس لم تدرس اللحظة الماضية والتغييرات بتاع دلوقتي سواء في أوروبا أو هنا، فممكن تاخد موقف مع العولمة واللي أهم ما فيها عدم وجود الفكرة الاشتراكية واللي بيقودها الطبقة البرجوازية الصغيرة او كده وده اللي عمل ضعف في حركة الثورة.
-
- اود ان أشير لمسألة وهي أن عددًا من الكتاب زي جويل بنين ، وجينارو جيرفازيو ، وكذلك بعض رفاقنا ، كانوا يقولون فى كتاباتهم اننا اولينا أهمية للوطني على حساب الطبقي، اعتقد ان هذا الفهم غير دقيق ، لأن الوطنية لاتتجلى فى خط واحد= موقف ، ولكن هناك خط البرجوازية ، وخط الطبقة العاملة، نحن ندعي كحزب عمال ان خطنا في المسألة الوطنية هو خط الطبقة العاملة، فلا يمكن فصل الوطنى عن الطبقى فى هذه المسألة ، واذا قالوا نحن لم نول اهتمامنا للقضايا الاقتصادية ، والتحولات الاقتصادية ، والتحريض الاقتصادى بشكل كاف كان من الممكن ان أوافق، انما بهذه الطريقة هناك خطأ نظرى سياسي فى هذه المقولة ، فضلا عن ان الاحتلال الاسرائيلى الجاثم على صدر الوطن لايمكن ايلاءه اهتماما اقل وقد كان مفتاح كل التحولات الطبقية والاجتماعية والسياسية التى اعترت النظام بل وكامل المنطقة العربية . في كل الاحوال كان يترتب علي التغير الحادث ان تنظيمنا نفسه يبدأ بالتشكل حسب احتياجات ، وشروط اللحظة التاريخية ، وقد كان لدينا تكتيك واحد نسميه (الصدامي الهجومي)، وهو مبرر من الناحية التاريخية بوجود انحراف يميني مهيمن في الحركة الشيوعية المصرية ، وفي نفس الوقت غير مبرر لأنه مامن تكتيك وحيد ينبغي اللجوء إليه، فى كل الأحوال ، فالمعارك السياسية مثل المعارك العسكرية بالضبط فيها تراجع ، وهزيمة ، وانسحاب ، والتفاف ، وتطويق ، ومناورة ، واسلحة كتيرة مختلفة ، وحتي الاوزان النسبية للصراعات تختلف. إذا كان إنجلس مثلا يتكلم عن أن أنواع الصراعات هي الصراع السياسي ، والايديولوجي، والاقتصادي، نجد أحيانا ان هناك وزنا نسبيا معينا لنوع محدد من الصراع، فيمكن ان يكون السياسي في فترة أو الاقتصادي في فترة وهكذا ، مع ترابطهم جميعاً . ونحن تجمدنا عند التكتيك الصدامي الهجومي، ولو ان احدا اعتاد التقدم دائما ، ثم اضطر في لحظة معينة إلى أن يتراجع او يتحصن فى خندق فلك أن تتخيل كيف تكون نفسيته .
كان المفروض ان نتحول إلي شكل تنظيمي يعمل بشكل هادئ تراكمى ، بمعني أن عصر المعارك الجماهيرية الصارخة الذى اعتدناه لم يعد موجودا فقد بتنا فى مرحلة جزر ، وحتى نبنى حركة حقيقية فلابد ان نمد جذورًا في الطبقة التى ندعي تمثيلها، وطبعا– كان اسمنا حزب العمال - في مطمح إلي أن نكون حزبا فعليا للعمال- ولكن من الناحية الفعلية أو من ناحية الركائز الاجتماعية لم نكن حزبا عماليا الا خطيا ، اى بافكارنا ومنظوراتنا السياسية ، واللجنة المركزية كان فيها اثنان من العمال من 15 عضوا ، واثنان من النساء ، واثنان من أصول قبطية – ان جاز القول . المهم أصررنا علي تكتيكنا الصدامي الهجومي ، وأصررنا علي التنظيم الذى يعتبر تنظيما مغلقا بمعني معين فى هذه اللحظة تحديداً، لقد تكلمت عن التقرير التنظيمي ، والأمور التى ترتبت عليه ، ومنها ان نؤسس نظاما للمحترفين الثوريين ، ونقيم مستويات حزبية مختلفة ونكثف العمل على نحو أشد ... الخ. المفروض كان علينا من العدد الواسع من المحترفين ان نبدأ فى تقليص العدد ونقلل من أناس تفرغت بشكل كامل لأن تعيش حياة سرية وحزبية، كان ينبغي أن نعمل الشئ العكسي ونظهر للعلن ( وذلك لايناقض السرية ) ، أى أن ندفع بعدد من الرفاق للعمل العلنى ، وان نعيد النظر فى نسب العمل العلنى والسرى، ونعيد بعض الرفاق للحياة المعتادة العادية، المهم كان من المفروض ان تحدث تغيرات في السياسات التنظيمية ، وان يتكيف حزبنا ويتحول لتنظيم رشيق يتناسب مع طبيعة المرحلة ، وهي مرحلة تتسم بكونها صراعا طويل الأمد ( حرب مواقع ) ، وليس مجرد معركة ، أو جملة من المعارك وسننتهى . رغم اننا لم نكن نعتقد ان الثورة غدا ، ولكن كنا نتصور انها ستنجز في حدود عشرين عاما، وعندما أتذكر هذا القول يحضرنى كاتب ايطالي هو أجنازيو سيلونى الذى اراد مع فتى آخر ان يستغلا نوم أهل القرية ويعلنا الاشتراكية. في هذا الوقت كان تنظيمنا داخل مصر يتمركز في المحافظات الأساسية تقريبا ، وكان لنا فروع في الخارج في بيروت وموسكو والكويت ورفاق فى بعض البلدان الاوروبية مثل المانيا وفرنسا .
المهم يظل الموضوع الاساسي هو ما أسميته القيادة الإستراتيجية والتكتيكية والتى تتجلى فى عدم قدرتنا علي فهم الميول العميقة ، والتحولات العميقة التى تجرى داخل مجتمعنا بمعدل متسارع ، والتصرف علي أساسها من الناحية التنظيمية والجماهيرية. لم تكن سياسات السادات هي اللي تنقض علي رؤوسنا بشكل مفزع، ولكن الشئ الذى لم يكن مفهوما لنا هو رد فعل الناس أى الجماهير التى لم نفهم سيكولوجيتها . وفقدنا عنصر المبادرة، وبدأت تكون بعض قرارتنا كأنها عبارة عن ردود أفعال ، ويمكن أن نسميها "قيادة بعدية"، ولم نكن نستطيع أن نطالب أحدا ان يكون لينين وقتها . ولكن الحزب كان يفتقر إلي بصيرة لينين التاريخية وفراسته، وساء الحال مع الضيق من آراء الرفاق المخالفين. يترافق مع مايسبق هذه الفترة شكل من أشكال الوضع المالي المعقول، فقد كان لدينا محترفين، توريين كان الواحد منهم يتقاضى حوالى 30 جنيه شهريا كحد اقصى وهو مبلغ معقول وقتها وأنا نفسي بدأت محترفا بأبونيه ( بطاقة شهرية لركوب حافلات النقل العام ) أتوبيس عام 1970 . كان يتوفر لنا مبالغ تؤمن هذا النظام اى نظام المحترفين الثوريين ، ولكن الظروف التى توفرت كانت ظروف عارضة ، حيث نجد رفيقا ينفق مدخرات والده الذى يعمل في الكويت علي أغراضنا الحزبية. ويرفدنا دعم مالى ذى وزن من رفاقنا العاطفين الفلسطينيين ، ونتلقى حاصل بيع قطعة ارض ورثها رفيق عن عائلته ... الخ ، وأعتقد ان مالية أي حزب مؤشر من مؤشرات رسوخه في الواقع، فبقدر ماتأتى المالية أو الاشتراكات من أوسع دائرة ، ومن أفقر ناس ، ومن أعضاء الحزب وأنصاره وعلي مجال واسع، بقدر ما تعكس ركائز حقيقية يعتمد عليها، ولكن لو كانت مالية الحزب قائمة علي موارد عارضة غير مسيطر عليها ، ولا علاقة لها بعضويته تسبب كوارث أحيانا . لأنه في نفس الفترة التي لم نستطع أن نقود فيها قيادة استراتيجية تكتيكية حصلت لدينا أزمة مالية بعد مايشبه استنفاد المصادر ، ومن كان والده في الكويت فقد عاد ، ومن كان عنده أرض باعها، وبدأنا ندخل في متاهات لا معنى لها. وبدأت تجري مناقشات بمبادرة من المسؤول السياسي حول المصادرات المالية التى قام بها الحزب البلشفي أثناء ثورة عام 1905 لبعض مكاتب البريد الحكومية رغم انها جرت في وضع ثوري اى اثناء حركة مد جماهيرى ، اى بعكس وضعنا تماما. وكان يمكن لبعض أفكار مسئولنا السياسى كهذه أن تؤدى إلى كارثة فعلية آنذاك لو جرى تحققها .
بدأنا ننغلق علي أنفسنا ، وبدأ الوضع العام يسمح بهذا الانغلاق، لم تعد هناك حركة جماهيرية ناهضة نستند عليها ، طلابنا التقليديون غير موجودين وعمالنا قليلون للغاية، وبدأ يبرز وضع أشُبهه بأنه كأوضاع المنافي والسجون والأديرة والخنادق. مثلا هناك عديد من رفاقنا اعتقلوا ، في السجون تجد أناسا ذهنيا أذكياء جداً ، وفعالين للغاية وحين يحاصروا في غرفة تجد ان كل الامور التافهة الصغيرة تصبح قضايا كبرى ويتم مناقشتها بشكل موسع . فتخيلوا كنت مهتما وقتها بانعكاس هذا الوضع العزلوى علينا ، وبدأت أقرأ في علم الاجتماع العسكري ( سيكولوجية المحاربين فى الخنادق ) فى محاولة لفهم الظاهرة حيث بدأت تظهر حالات فردية : اكتئاب بل وتفكير فى الانتحار ، مغالاة فى العواطف ، وحالات مماحكات غير مبررة، لو مثلا زوجتي ستزورنى ، وهذا اول عيد ميلاد لها معى واريد ان اقدم لها هدية، يأتى رفيق مسكنى يناقشني في ان زوجته تحتاج لنظارة بينما ابدد نقودى على احتفال بعيد ميلاد، وهذا مفهوم بورجوازى صغير عن المساواة . طبعا لدينا عدد من الشيوعيين السريين وعدد من المحترفين وعدد من الرفاق الذين كانوا علي ذمة قضية 1973 هاربين، وبدأنا نصبح في وضع صعب ، ولكن أعتقد أننى استطيع ان اتكلم عن أمراض المنفي ، وأمراض الخنادق ، والمعتقلات ، وعن أديرة الرهبان كما صورها ديدرو في رواية مهمة اسمها "الراهبة" فأعتقد ان كل هذا يصور (أمراض) اللحظة، لقد كتبت هنا –فى أوراق إعداد الشهادة- "سيجد مناضل أوائل السبعينيات مشقة في التعرف علي نفسه في مناضل 1978 " من الأمور المعروفة أن الاصدقاء هم ثروة الفقراء، كل واحد منا كان يعكس أنبل ما فيه ، ورأس ماله هم رفاقه الذين معه ، وكلنا قطعنا صلاتنا بأسرنا، ولنا أحد الرفاق ولنسمه "يوسف"، بعد غياب عدد من السنوات رفع أهله قضية غيبة وحكموا بوفاته، غير المآسي الشخصية ، والتضحيات الجسيمة التى قدمها الرفاق جميعا وربما بدون استثناء . لو أدركنا طبيعة اللحظة وبدأنا نكيف أنفسنا حسبها لكان من الممكن ان نفكك الوضع وان كانت هناك ضرورات املتها بعض الظروف في فترة سابقة الا انها من وجهة نظرى قد انتهت في 1977.
رغم اعتقادنا المفهومى انه لاتوجد شخصيات (تاريخية) لا تعوض وان أي أحد يمكن استبداله ، وان لا احد منا له قيمة الا في علاقته بالرفاق ومع الرفاق ومن اجل الرفاق ، إلا أن هذا المفهوم لم يكن متحققا الا بشروط معينة ولدى رفاق محدودين. كنا قد انتخبنا مسئولاً سياسيًا جديدًا في مايو 1975 كما قلت وهو( صابر عبد الله ) وهو منتج جدا وموهوب وذو طاقة ، أنا مثلا كنت اعمل احيانا لأوقات تصل الى 18 ساعة يوميا ، ولكن كان هو يواصل لمدة 3 أيام لاينام ، وكان مثلا على استعداد ان يعطيك آخر جنيه معه لو علم انك تحتاجه ، او ان يمرض طفلك ويرافقه فى مستشفاه ، فضلا عن تميزه بنوع رفيع من الثقافة لها أصول عدمية في فترات سابقة ( مازلت اذكر ترديده لقصيدة أربعاء الرماد للشاعر الانجليزى ت . اس . اليوت وغير ذلك ) وفيه مميزات مثل البساطة ، والتواضع ، والتهذيب ، وحسن الخلق ، والبراءة ، وعدم الفظاظة ، ولديه ميل تربوي نحو رفاقه. هكذا بدا لنا جميعاً فى فترة معينة . وأعتبره أكثر الناس استيعابا لخطنا الحزبي من الناحية النظرية والسياسية، أكثر استيعابا قياسا بنا لأنه ليس هناك تقييم في المطلق. في المناخ الذى يشبه (الجيتو) يتجه العمل الحزبى للاشتغال بالداخل، يعني انتهت القضية الوطنية (ماتت) جماهيرياً لفترة على الأقل ، والمعارك العمالية محدودة ، ونصدر المجلة النظرية ، والانتفاضة نصدرها اسبوعيا، فبدأ المسؤول السياسي ينظر لأشياء تتسق مع وضع التنظيم في هذه المرحلة، اى بات التنظير تبريرا لوضع قائم ، بدأ يطرح معيارًا يعلي من قيمة الكُتّاب علي أي من الأعضاء الآخرين من غير الكتاب ، وطبعا هناك امور ممتازة اذا وضعت في شروطها وأوضاعها وسياقها، ولكن لو تحول أعضاء الحزب لكتاب متفرغين في الكتابة فهذه مسألة مختلفة.
أ. م.م. الجمال: كام واحد تقريبا؟
سعيد العليمى . لم يكن المقصود ان يكتب أي كلام ، مقال أو ما شابه ، ولكن ان تسهم فى تحديد مواقف الحزب وترشده في مجالات محددة فبدأ هناك اعلاء من موضوع الكتابة بهذا المعنى.
- أ.م.م. الجمال: من موضوع الكتابة ولا الكتاب ؟
- أنا اتحدث الان عن الكُتاب، أحد زملائنا وهو د.جمال عبد الفتاح- مثلا في فترة من الفترات كان لا يكتب، ولكن أتحدي أي أحد يسجل كلامه ، ويكتبه ستجده شيئا متماسكا مترابطا ، حيث يعرض أفكاره بمنتهي الاقتدار، وكان مسؤولا لمنطقة ، ومتوازن في قيادته من الناحية النظرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية ، ومن ناحية قدرته على القيادة. وعندنا زملاء محدودي الخبرة والأثر ، ولكن لأنهم يكتبون بدأ الموضوع يختلف ، رغم انهم لم يكونوا من محددى مواقف الحزب ، ولامن راسمى سياساته . المهم وصل الأمر إلي أن يعلن المسؤول السياسي ان على كل عضو من المركزيين أن يقوم بعمل رسالة دكتوراة حزبية . وكان هناك اندفاع شديد في هذا الاتجاه . وفي هذه الفترة اهتممنا بتطور الرأسمالية، وزميلنا صالح م. صالح كتب كتابا وقتها عن تطور الرأسمالية "الإقطاع والرأسمالية الزراعية في مصر" وكان قبلها بفترة قد كتب مقالة مطولة "حول نمط الإنتاج الآسيوي،" وبالمناسبة لم أكن من أقل الناس كتابة، ولكن الموضوع أني أكن احتراما كبيرا للرفاق وأذكر منهم زميلنا ابراهيم وزيد وشريف وغيرهم والاخيران كانا يقومان بتأمين اجتماعاتنا ، ولعبا دورًا كبيرا في ترسيخ امن الحزب ، وفي بناء جهازى الاتصال ، والطباعة وهما من الناس الصامتة ممن يبذلون أشد الجهود وأكثرها فائدة بتواضع شديد . كانوا يؤمنون كل تواجدنا في المكان الذى نحيا ونجتمع فيه ، ولا أعتقد أن هذا الدور أقل أهمية ، ولا أقل قيمة، وأي كتاب ( جمع كاتب ) لا يمكن أن يقوموا بعمل أي شئ دون هؤلاء الرفاق وأمثالهم.

- د.جمال عبد الفتاح: أنا فاكر في الفترة دي ان اي اجتماعات أو أي مستوي، من أول مستوي اجتماعات، ومناطق اللجنة المركزية كان في حاجة اسمها النشرة الداخلية لكل لجنة ووصل الموضوع ان كل الموضوعات المطروحة تتناقش كتابة، يعني انت ممكن تاخد موقف عملي ولكن الناس هتكتب عنه بيان وخلاص، ولكن كل الأشياء اتحولت انها تتناقش كتابة، وده معناه أد ايه استهلاك الوقت ما بين الناس في نشاطها اليومي في فكرة بلورة الافكار كتابة وده موضوع كان بياخد وقت الناس جدا وهو بيدل علي أنه كان بديلاً عن العمل الخارجي.
- سعيد العليمى: بدأت تظهر في هذه الفترة بعض التحفظات من رفاق على العمل الحزبى، وصدرت عن الزميل فتح الله ، والزميل جمال ، ومادامت في حدود معينة لم تكن هناك مشكلة . بعد فترة فوجئنا بالمسؤول السياسي يقترح حملة تصعيد للجنة المركزية وكان عددها وقتها 15 ونحن جميعا 500 من الأعضاء ، والمرشحين ، والعاطفين ، بينما لجنة البلاشفة المركزية كانت 25 عضوا فى أكتوبر 1917ولم يكن هذا الامر متسقا مع الوضع السياسي العام الذى بتنا فيه . وكأن لدينا عمل متزايد يحتاج لتقسيم عمل أشد، فبادر المسؤول السياسي المعترضين بالنص التالي " شهية اللجنة المركزية لن تكف عن التوسع"، وبذلك دخلنا في مرحلة باتت اللجنة المركزية فى وضع توشك فيه ان تكون مثل الهرم المقلوب ، وسنصبح نحن جنرالات بدون جنود. كانت هناك مناقشة بين جمال والمسؤول السياسي حول بعض الأمور وزميلنا جمال كتب ورقة وقتها بعنوان "يا صابر لست بصابر" وانتقده فيها.
- أ.م.م. الجمال: يعني فكرة التصعيد مرتبطة ان اللجنة المركزية تنتقي ناس وتصعدهم؟
كنا حزبا سريا ، وكانت تعقد احيانا اجتماعات موسعة يمكن لمرشحي اللجنة المركزية ان يطّلعوا فيها علي مناقشات كل من في اللجنة ، لم تعقد مؤتمرات حتى هذه الفترة ولم يكن هناك انتخاب ، والانتخاب الذى أذكره كان يتمثل فى ان المستوي الحزبى نفسه يرشح شخص لا اللجنة المركزية فلجنة المنطقة ترشح لهم من تراه ، وهذا ما حدث معى ومع الرفاق الضوى بدوى سالم، و(إبراهيم ومحجوب).
- أ.م.م. الجمال: كنتم بتعملوا انتخابات التصعيد دي كل أد ايه؟
- هناك من امضى فترات طويلة وآخرون فترات أقل لأن اللجنة المركزية متغيرة ولم تكن هناك حالة من الاستدامة كما لم يكن لها مدة معينة.
- يظهر خلاف حول تصعيد جملة من الرفاق للجنة المركزية ، ووجدنا المسؤول السياسي والبعض معه يقترحون انشاء مسؤولتين منفصلتين للأمن : أمن هجومي ، وأمن دفاعي. وكذلك تكليف كل من يجيد لغة اجنبية بالاسهام فى ترجمة أعمال لينين الكاملة ، وكلها أمور شكلية تعطى وهم أنك تقوم بشئ ما بينما لاتقوم بشئ فضلا عن وجود اولويات ، وقد كنت قلقا في فترة لأني اريد ان أعرف كيف توزع جريدتنا الجماهيرية ولمن تذهب ، فالهام ان تصل للكادحين ، ولكن لدى البعض كان المهم ان تنتظم الجريدة ، والمجلة فى الصدور وماالى ذلك . المسؤول السياسي كتب مقالة وقال رأيا معينا حول إنقلاب هيلى مانجستو ماريام( الشيوعى ) في الحبشة، وكتبت مقالة بعنوان " الثورة والثورة المضادة فى أفريقيا " اعتبرت فيها ان تأميم الأرض لا يعني اشتراكية ، وان تطور النظام فى الحبشة مرهون بامرين قبل كل شئ : موقفه من الحريات الديمقراطية ، ومن الشيوعيين، فأعتبر كلامي موجهاً ضد ماكتبه هو بشكل ما ، حيث كان قد أعتبر النظام اشتراكيًا، وبعدها قابل الرفيق بشير السباعي ( العصبة الثورية التروتسكية ) الذى قرأ مقالى كما قال لى ، وأفادنى بأنه يقول أن " هناك خطوة واحدة أمام كاتب هذا المقال ليكون تروتسيكاً " وطبعا كان ذلك معناه، وقتها انتبه، وكانت المقالة قد نشرت في مجلة الشيوعي المصري. المهم ان أي قواعد تنظيمية ، أو أي أسس يقوم عليها تنظيم ، لا تأتى من فراغ ولا من نصوص كتب، وللأسف كانت آلية الصراع عندنا مثل آلية الصراع في الحركة الشيوعية التانية ، ومثل آليات الصراع في كل الأحزاب الشيوعية العالمية ، وهو الضيق من وجود أي شكل من أشكال الخلاف الحقيقي حول القضايا، وهناك عدد من الرفاق بدوا غير راضين عن الوضع التنظيمي ويشعرون اننا مقبلين على مرحلة من مراحل العزلة، وان الموضوع " محتاج اننا نحط دماغنا في دماغ بعض " ونفهم ماذا يجرى وكيف نلائم اوضاعنا لذلك . ومثلما ظهر ستالين في روسيا ، وخالد بكداش في سوريا، والرفيق خالد في الراية ( الحزب الشيوعى المصرى ) ورفيقنا فوزي جرجس في الطليعة الشيوعية ، ظهر عندنا ( صابر عبد الله ) . وبدأ بعض الرفاق يلتفون حوله – اعنى خاصة من طالب بتصعيدهم الى اللجنة المركزية وكان الهدف من التصعيد اغراق الاصوات المعارضة وحصارها - وكلهم لم يكونوا لا من الكادر المؤسس ، ولا القديم ولا من محددى مواقف الحزب ، ولا راسمى سياساته ، فتخيل شابا لم ينه دراسته ، وهناك من يريد تصعيده الى اللجنة المركزية ، وهناك رفيق آخر ضد ان يتصعد وله أسبابه مع من سيقف؟ بدأت تتكون بطانة حول فرد – يمكن ان نسميها المخاطر المهنية للسلطة- وهذا عنوان كراسة كتبها راكوفسكى من قادة البلاشفة اليساريين تتضمن آراء مهمة عن بيروقراطية الاتحاد السوفيتي وهي بيروقراطية دولة لا تقارن طبعا بوضعنا، المهم التراث الذى خلفنا كله هو تراث ستالين وبكداش ، والرفيق خالد ، وفوزي جرجس، وحتي الأحزاب الشيوعية الأوروبية التى تعيش في مجتمعات ديمقراطية لم تكن ديمقراطية! وأنا أسأل من أين سنحصل نحن علي ديمقراطية ، أو علي آلية مختلفة أو غيرها . هناك شرط تاريخى اجتماعى وحضارى لاختراق الحاجز، يمكن مثلا موضوع المحترفين الثوريين لم يستخدم عندنا بشكل غير مبدئي، ولكن بدأ يظهر نوع من الذيلية والتمسك بالآراء التى يبديها المسؤول السياسي حتى ولو لم تكن لها علاقة بمواقف الحزب وحين بدأ يعيد قراءة طه حسين تجد معظم أعضاء اللجنة المركزية تقرأ لطه حسين، ولو أكل زيتون كالاماطا اليونانى تجد بعض أعضاء اللجنة تأكل زيتون كالاماطا – قلت هذا متهكما ذات مرة . فبدأت بالاعتراض ، والتعليق على هذه الأوضاع ، وأنا أدعي أنه مع بدايات الحزب كنت أصر على انه يجب أن نلتفت إلي تفاوت الوعي بين أعضاء اللجنة المركزية لأن المسألة ليست مسألة تصويت، فأنا لااستطيع ان أصوت مثلا في موضوع نمط الانتاج الآسيوي ، او أصوت في الملكية الزراعية في مصر في القرن ال 18 وكذلك فى قضايا السياسة اليومية ما لم أكن على وعى بها، ولااستطيع ان أصوت علي تكتيك أو مااشبه لو لم اكن فاهما موضوع التصويت . وهذا كان رأيي الحقيقة وهو رأي قديم ولد مع بداية الحزب، وعندما بدأت التحذير من "عبادة الشخصية وخطرها على العمل الحزبى" بدأ المسؤول السياسي يقول لاتقلقوا " هو أصلا عنده مخاوف قديمة من عبادة الشخصية تعود لأيام مرسى مصطفى (حداد.) "
- هناك نوع من القادة يحب ان يقود رفاقا متجانسين ، ونوع لا يمكنه القيادة الا اذا جعل الناس متنافرين ، بدأ المسؤول السياسي يلعب علي العلاقة بين الرفاق، فيقول لي صلاح العمروسى قال عن مقالك انه كان يمكن ان يكتب بشكل أفضل ، ومرة اخرى يقول لي: بشير عبد الله يقول انك مثل بيريا وزير داخلية ستالين ! ومرة ثالثة: كن حريصا في التعامل مع الرفيقة فلانة لأن زوجها ( ابراهيم – اسم حركى ) ينزعج من تبسطك معها، ومرة رابعة: الرفيق ( هشام – انطون ) غير مستريح لإقامتك معه ،لأنه لا يريد تحمل أعباء وضعك الأمنى. وتصرف على نفس النحو مع فتح الله وصلاح ومع كل الناس.
- أختنا العزيزة (المرحومة) أروي صالح كتبت عنه ( فى كراسها : سرطان الروح ) ويهمني ان أقرأ هذه الفقرة من كلامها:
- " ص، انه (يحب) الناس في حيز معين من نفسه، لا يحتل كثيرا من مساحتها علي كل حال، وفي هذا الحيز قد يكون حتي (انسانيا) في لحظات، ولكن خارج هذا الحيز فإنهم لا يعنونه كثيرا في واقع الأمر... يعنيه في المحل الأول، فيما يتعلق بهم أن يمسك بمفاتيح شخصياتهم، وأن يقبض عليها ان استطاع، وأن يستعملها ما أمكن، وغالبا ما يكون "المفتاح" مرادفا "لنقطة الضعف". انها عنده نقطة الانطلاق في التفسير، وأيضا في نسج علاقته بهم، لا جملة بل فردا فردا، انه أمر أساسي له، أن يصيغ كل علاقة علي حدة، لا كما يفعل الناس عادة، وانما لأن الصياغات المختلفة مع الأفراد المختلفين تستهدف خلق نمط واحد في النهاية في علاقته بكل منهم بسيط، يقوم علي علاقة "القطب" بالتوابع الدائرة في أفلاكه وتغدو المفارقة محيرة بين المسارات المعقدة للغاية التي تتخذها هذه العلاقات والجهد والذكاء والتركيز الذي تستهلكه وإن يكن من حقه القول بأنه يمارس ريادته بحدس رفيع ومهارة محترمة، وبين المحصلة الفقيرة للغاية لهذه الجهود، حقا إن هناك من يعبدونه وهم ليسوا باهتين أو أغبياء –كما قد يتبادر إلي الذهن- بل فيهم أذكياء وحتي موهوبين ولكنهم لا يعطونه شيئا لأنهم يتلقون منه وحسب كما يتلقي القمر آشعة النجم وجاذبيته وحسب . ولذلك يثيرون فيه الشعور بالملل والوحدة". –انتهى كلام أروى هنا.
- وطبعا كانوا يعطونه ما تحدث عنه هيجل وما كان يفتقر إليه بشدة لأسباب ترتبط بنظرته لنفسه وهو الاعتراف بالمكانة. لها فقرة تانية عن نفس الرفيق :
- " وبديهي أن يتوج منطق ونضال الصفوة بعلاقة من نفس الصنف مع "الزعيم"، مع الفارق المتوقع في الكثافة والشدة، فهو في هذه الشيعة المغلقة شيخ ومفتي، ينتظرون منه القول الفصل وزبد الكلام وتخاريفه المقدسة أيضا، حتي في العلاقات الشخصية تقوم علاقتهم به علي مبدأ الطاعة المطلقة، والمختلفون معه في الرأي "خارجون" يستحقون الإعدام (الأدبى طبعاً حتى استلام السلطة)، له عليهم حقوق لا محدودة حتي فيما هو شخصي ولا تعجب في وضع كهذا أن يرثه أحيانا النصابون ليلغوا في نعم السيطرة علي كل تلك الرؤوس التي أوقف نموها وفقدت كل استقلال عقلي وروحي عبر تاريخ من الانتهاك الطوعي" . ينتهى كلام أروى هنا . كلام درامي ولكن الحقيقة يعكس واقع بعض لا كل الرفاق داخل اللجنة.
- د.عاصم الدسوقى: ليه قبلتم الوضع ده وايه اللي خلاكم خاضعين لواحد بالمواصفات دي كلها؟
- م. سعد الطويل: هذه أمور تحدث بالتدريج.
- سعيد العليمى: هذه الامور تأتي فعلاً بالتدريج، المسألة الاخرى ان هناك عقلية متآمرة، يعني مثلا لو اتى زميل لى في البيت، هل تعتقد انه بعد ما يغادر سأفتش غرفتي، أكيد لأ. وهو كان يقول للبعض مايقوله د. عاصم . كنت أعتقد ان هناك مايمكن ان اسميه الثقة الرفاقية ، والأخلاق الشيوعية، وهناك مواضعات واصول نتفق عليها . حين كان يلام على موقف منى ، كان يعترف خاصة لأروى بأنه "كان يلقي الزيت علي النار"، وكان ذلك بمناسبة تحريضه الرفيق ( هشام – انطون ) على ، وحين يعاتب او ينتقد لماما على اشياء كهذه يرد بصفاقة (لم ترضي أن يكون مفعولا بك؟) ، وكأنه ليست هناك أي قاعدة ولا أسس ولا مبدأ يربطنا ببعض.
- وبعدها اقترح ان يصبح سكرتيرا عاما للحزب واعترضت لأن سكرتير عام لابد ان يكون منتخبا أصلا من مؤتمر، وبدأ يدخلنا في أمور من هذا النوع . وللاسف مثل الدور الذى لعبه ستالين بقبول فوج اسمه فوج لنين في الحزب البلشفي مما أدى لإغراق الحزب بعناصر غير حزبية، هو أيضًا أغرق اللجنة المركزية برفاق اجلاء محترمون آتون (من المناطق ) ولكن حديثى العهد بالماركسية والعمل السياسى عموماً( احدهم كان يراه قد طور الماركسية ذاتها بمناسبة مقال مطول كتبه ) وترتب على ذلك وجود جملة من الاصوات الجاهزة تقريبا و(غرقنا) في الوسط، وظهرت أشياء منه أقرب للجنون والشر، وحتي زميلتنا أروي صالح حتى تقرأ كتابها بشكل دقيق لابد أن تقرأه وانت تركز علي المسئول السياسي لأنه محور غضبها الرئيسي .
- من المنطقي أن تلتقى مجموعة من الرفاق وتشكل أقلية داخل اللجنة المركزية لتصارع لتصويب الاتجاه ، وفعلا بدأت الأقلية فى التبلور ومنها فتح الله محروس وجمال عبد الفتاح وصلاح العمروسي ومحمد خالد جويلي وأنا ( كنت من علق الجرس فى رقبة القط كما يقال ) وقررنا أن لا انشقاق ولا تكتل وانما صراع حزبى من الداخل .
- أ.صلاح العمروسى: في زميل آخر اسمه شلبي ولكنه توفي. ( الرفيق محمد عباس من بورسعيد )
- المهم قررنا أن نعلن رفضنا لهذا الوضع ولكن لم نكن نريد أن ننشق بفقاعة أخري تضاف للفقاعات السياسية الموجودة ، خاصة وأننا لم نكن مختلفين مع الحزب حول الخط السياسي ولكننا كنا مختلفين علي أمور نعتقد أنها قابلة للتصويب ولا تقتضي تكتلا ولاانشقاقا، ورغم هذ اصدر المسؤول السياسي توجيهاً بأن تعلن أسمائنا الحقيقة علي الرفاق ووصفنا بأننا مجموعة خارجة عن الحزب ، ونحن اصلا كلنا معروفين في مجالاتنا، فرفيق مثل فتح الله معروف في الحركة العمالية ، وجمال في الحركة الطلابية ، وصلاح وخالد وانا علي الأقل وسط المثقفين، وقد اراد ان يحاصرنا بإعلان أسماءنا حيث توهم اننا سنجرى اتصالات جانبية تمهيدا لتكتل او انشقاق وفي نفس الوقت لم نقم بأي عمل تكتلي أو انشقاقي خلال 6 سنوات كاملة .
- بدأت "التصرفات التقليدية" مثل وقف الراتب الحزبي بشكل كامل عن رفاق لامورد لديهم غيره ، وتجنيبنا من اللجنة المركزية ، وعضوية المكتب السياسي ، وعضوية هيئة تحرير مجلة الشيوعى المصرى مثلى انا وصلاح. المهم ان غالبية الرفاق فى ل.م كانوا يساندونه فى هذه االفترة . الأسوأ انه كان من ضمن –الأقلية المعارضة- 3 هاربين علي ذمة قضية أمن دولة 501 لسنة 1973 ، وهذا كان موقفا مؤلما فضلا عن أمور ترتبط بي شخصيًا، فقد اعترف احد العمانيين ( خليفة شاهين ) حين قبض عليه بمناسبة احداث انتفاضة يناير 1977 على زوجتى البحرينية آنذاك ، وكانت تتحرك بحرية فى الوقت الذى علم فيه أمن الحزب بالمسألة اى بالاعتراف دون ان يبلغنا بهذا الامر – وكان من الممكن ان يداهم المقر السرى الذى نعيش فيه .
- المهم في هذه الفترة حاولنا أن نبقي علي صلة بالرفاق ، وفي نفس الوقت ، بدأنا الاتصال بالقوي السياسية الماركسية- الأخري ، وكان اول مانقول لهم لسنا انشقاقا ولا تكتلا، ولكن لو انتم منظمة (المؤتمر) فنحن نريد ان نناقشكم ولو انتم منظمة ( 8 يناير) فنحن نريد ان نناقشكم وفي حدود، وبدأنا نركز على هذا الموضوع ، وطلب منا فى لجنتنا المركزية ان يعرفوا ماهى خلافتنا فكتبناها ( حول الانحراف البيروقراطى التصفوى العزلوى ) وقد صاغ التقرير الرفيق صلاح ، وقمت بكتابة اجزاء قليلة فيه ، غير ان الافكار كانت حصيلة مناقشات وملاحظات وانتقادات الاقلية . وكان المسؤول السياسي يشيع أننا فى طريقنا للخروج " إلى الحياة البرجوازية الرائعة "، ولا خلافات لدينا فى الواقع.
- مين اللي قالكم كده؟
- بعض الرفاق في اللجنة المركزية. المهم الزميل صلاح العمروسي ، وبعد مناقشة مستفيضة بيننا جميعاً كتب خلافات الاقلية ، التى تركز على ان هناك انحرافا بيروقراطيا في الحزب وان لذلك مظاهر معينة مثل تقسيم العمل الداخلى الشكلى ، وتزايد عدد المحترفين دون ارتباط بالنشاط والبناء الحزبي ، واننا نعاني من شكل من أشكال العزلة الداخلية ، وضرورة التركيز على التوجه للطبقة العاملة ، وايلاء مزيد من الاهتمام للتحريض الاقتصادى ، وان التنظيم هو مضمون نشاط لاهيكل شكلى أصلا. يبدأ يحدث نوع من أنواع التآكل الداخلي داخل ل.م، وتبدأ الرحى فى طحن نفسها ، وهو ماراهنا على حدوثه . لم نكن نقوم بما يمكن ان يستنفر الرفاق فلا انشقاق ولاتكتل ، نكتب فيرفض نشر مانكتب ، فنكتب مرة اخرى فيرد الينا ، المهم ان هذا الوضع يسمح بحدوث تفاعلات داخل اللجنة المركزية وقتها، المسؤول السياسي بات يضيق بأي رأي يقال ، ورغم انصياع الاغلبية عموما إلا ان الاقدم حزبيا، والأكثر خبرة في اللجنة بدأوا يصطدمون به أصلا، ومافعله معنا اراد ان يكرره مع الباقي، وكان من ضمن الباقي رفيقتنا أروي صالح ورفيقينا (يوسف وشريف – اسماء حركية ) ففى الحقيقة حاولوا أن يلعبوا دورا توفيقيا بين الأقلية والأغلبية، فمثلا الرفيق ( يوسف ) كتب اقتراحا بإعادة الاتصال بالأقلية ، وطلب رجوعهم للجنة المركزية والمسؤول السياسي يوافق على الاقتراح ثم يضيف اليه هو فى ذات الوقت: 2- اخراج الرفيقين فلان وفلان من المكتب السياسى صلاح العمروسي وأنا ، وكذلك من عضوية هيئة تحرير مجلة الشيوعى المصرى ، ويشير للرفيق يوسف "أنت مش لازم تقابلهم علي طول ولكن اديهم معاد وسيبهم ماتروحش مرتين تلاتة " وما الى ذلك . رفاقنا أصلا مناضلين ثوريين وليسوا ذيولا ، ولا أتباعا على الاقل بالنسبة للبعض. بدأ رفيقنا يوسف يتابع هو وأروي تصرفات ومواقف المسؤول السياسي ، وقد كانا من مؤيديه ومسانديه ومدعميه فى البداية ، وقد ظهر من تصرفات الاخير انه يتجه للانقلاب عليهما فكتبا وثيقة أسمياها "الأساليب الذاتية فى القيادة" وقدماها له ولباقى الرفاق فأسقط في يده، المهم حاول أن يناور متجها لتكتيل بعض اعضاء اللجنة المركزية ، واستمرت هذه المناورات فترة طويلة جدا حتى 3 مارس سنة 1983 ، وهو موعد أول مؤتمرللحزب عقد وجرى بترتيب من بعض الرفاق الذين تشاوروا اولا فى مدينة الكويت حيث حضر (عصام ) من القاهرة ، وكان (ابراهيم ) فى الكويت ولحقت بهما من البحرين ، عقد المؤتمر وأتخذ قرار من اللجنة المركزية بتهبيط المسؤول السياسي إلي مرشح . ثم قبول التقرير الذى قدمته الاقلية حول الانحراف البيروقراطى التصفوى العزلوى . فتخيل ماذا فعلت بنا هذه الاحداث ! وطول الفترة ، كنا حريصين الا نصطدم بالحزب ، وفي نفس الوقت غير قادرين ان نعمل او ان نكتب ، ولا نمارس عملا جماهيريا. كان هذا المناخ مناخا رديئا للغاية وسلبيا وترك عند الرفاق مرارات مختلفة الى اليوم، أنا مثلا لو اعرف انى مصاب بمرض سأستأذن من رفاقى، موضحاً ظروفى ، واثقاً من اهتمامهم بى وبرعايتهم لى، مثلما حدث مع رفيقنا مرسي مصطفى ، حينما مرض لم يكن من الممكن تحميله عبء علاقة بالحزب ، فأبتعد طوعا الأمر الذى تفهمناه ، الأمراض الخاصة شابت أوضاعًا من هذا النوع ، وأنواع من السيكوباثية الى الهوس الاكتئابى، ولو ان هناك قدرا من الاتزان ، والنبل ، والشرف الحقيقى ، لكان قد طلب التنحي دون التردد فيه.( تنحى ذات مرة لمدة 24 ساعة واخطرنى بذلك فى حضور الرفيق يوسف وطلب ان اتولى مهامى كنائب للمسؤول السياسي ثم اتانى فى اليوم التالى يرافقه يوسف ايضا معلنا انه يستعيد المسؤولية ! ) أحد الأسباب التى أثرت في أروي هو شخصية المسؤول السياسي ، ومواقفه والتجربة التى مرت بها، ومن يقرأ كتابيها ، و يريد ان يفهمهما يقرأهما مركزا علي دور المسئول السياسى فى تجربتها الكلية ، رغم ان هذا ليس السبب الرئيسى ولا الوحيد كما اننى ارى كراسها اجمالا غير منصف للحزب ونقدا عدميا لاماركسيا ، وغير منصف للرفاق وقد كانت جزءا منصاعا لما انتقدته .
نأتى لرفيقتنا أروي( رحمها الله )، كانت رفيقة عزيزة جدا ومن البنات (النابهات) ولها صلة قديمة بالثقافة ولكنها ارتبطت بجملة من المثقفين بعضهم كانوا ذوى مزاج تشاؤمي عدمي من البداية ( الكاتب الاردنى غالب هلسا تحديدا ) وكان لهذا صلة بشخصيتها وتكوينها، وحسب أقوالها هي شخص تشاؤمي جدا وعدمي وضعيف جدا رغم انها بعد لأى اتخذت موقفا من المسؤول السياسي – يعني هي واحدة من عدد من الناس مع زميلنا يوسف وزميلنا شريف " وقعوا " علي وثيقة " الأساليب الذاتية فى القيادة " ، والأخير رفيق لم يكتب كلمة طوال حياته الحزبية ، ولكنه انحاز لشئ صحيح-.
المهم أروي في كتابها الذى كتبته لابد وان نذكر بشأنه بعض التواريخ ، أعنى كتاب " المبتسرون". أروي تركت العمل الحزبي سنة 1980 تقريبا وكتبت كتابها سنة 1990 وكان العالم كله في حالة من التدهور الرهيب ، وأحداث الانهيار علي مستوي المعسكر (الاشتراكي) في الخارج أو علي مستوي الأوضاع داخل مصر تصم الآذان ، وتفاجأ برفاقها القدامي وقد فر بعضهم من الوضع الحزبي الذى حكيت عنه . مثلا أنا اتخذت موقفا لأنه لم يعد يمكنني الثقة في العمل مع رفاق اتخذوا هذه المواقف منى ، وأنا لم أتحدث عن كل التفاصيل . قررت وقتها ان اسافر بشكل عارض متردداً على مصر بعد فترات قصيرة وبعد عدد من السنوات ، لم أجد رد فعل سريع وايجابي ، واصبح احد الرفاق زعيما لاحدى الجماعات الاسلامية ، واصبح آخر أحد قادة المنظمات الحقوقية .
المهم أروي كائن حساس جدا و قد كتبنا مؤلفا مشتركا آخر عام 1976 ردا علي الرفيق عبد الله بشير فى كراسته "حلقة دعائية أم حزب شيوعى"، المهم كان بيننا صلة طيبة وأحيانا كنا نتكلم في مواضيع مثل دوافع الثوريين في الالتحاق بالعمل الثوري وكنت أكلمها عن احد الاشتراكيين الثوريين الروس كتب عن نماذج الثوريين فمنهم الثوري الجمالي ، والثوري العقلي، والثوري الطبقي ، والثورى الرومانسى وكنا نتناقش ذات مرة وأذهلتني لأنها قالت لي: "انا مش فاهمة انت ليه ترتبط بالشيوعية، فقلت: ليه يا أروي؟، فردت وقالت: أنت سوى. " وهذا يعطيك فكرة عن ماهي نوعية ارتباطها بالحركة نفسها ثم تصورها عن طبيعة ارتباطات الآخرين، فضلا عن ان المسؤول السياسي زرع في دماغها صورة محددة لنموذج غير طبيعى، وهي لم تكن تري ان هناك تناقضات فى الأشخاص ، وعدم توازن فى جوانب نموهم ، رغم انها كانت تتكلم عن البرجوازية الصغيرة، ولكنها لم تستطع ان ترى المنظمة في إطارها التاريخي وكذلك المشاكل المتعلقة بها، لأنه عندما تدقق ستجد ان مواقف الافراد هي مواقف طبقات ومواقف مجتمع من الناحية الاساسية ، المهم أروي تركت الحزب سنة 1980 ، وكتبت كتابها سنة 1990 ، وطبع سنة 1995 والمقدمة كانت في نفس السنة وانتحرت سنة 1997. لاتوجد صلة مباشرة بين عملها الحزبى والسياسي وانتحارها ، فقد اشتغلت فى احدى المؤسسات ، وتزوجت للمرة الثانية ، ومارست اوحاولت ان تمارس حياة طبيعية بمعزل عن العمل السياسي ، لأن هناك انطباع خاطئ وهى انها انتحرت لأسباب فلسفية أو سياسية ، وهذا غير صحيح ، والواقع ان أروي عانت بشدة في حياتها وكانت غير قادرة على توفير شقة لنفسها ( حيث استولى احدهم على شقة الاسرة وحازها لنفسه ) وعندما تعمل يضطهدها رئيسها في العمل مثلا كما كتبت هى نفسها، وعندما تحاول الاستعانة (بزمايلها) من المشتغلين فى المنظمات الحقوقية لايساعدونها. وقد حاولت الانتحار 8 مرات ، وكانت دائما مكتئبة، أروي نفسها قالت فى أحد كتبها "قد أكون قد تجنيت علي أناس كثيرين في السابق"، وفي موضع آخر قالت "قد لا أكون موضوعية"، وأنا أعتقد انها فعلا عممت تعميمات لا ضرورة لها ، فمثلا تحدثت عن أن "جيل الستينيين" ركب "جيل السبعينيين" وان الجيل الاول " آفاقين" والجيل الثاني " مغفلين"، وهذا قول لاتقدم اى شئ دليلا عليه سوى حكمها . والمسألة تفسر بأمور منها ان رفاقنا لم تكن لديهم خبرة عميقة ، ولا ماركسية عميقة ، ولا تجربة عميقة في الحياة ، ويتم قيادتهم على هذا النحو استناداً على أنبل ما فيهم ، وطبعا الحد الفاصل بين الوضاعة والنبل شعرة دقيقة جدا وهي تجربة تاريخية أصلا. أنا أعتبر أن كتاب أروي لم يكن منصفا علي الإطلاق وكتب تحت وطأة التدهور الشديد والغضب من كل الأوضاع وقد ارادت عالما مثاليا. ويبدو أنها كانت تعتقد بضرورة أن تتوفر في هذا التنظيم مواصفات المجتمع المقبل. ناسية أن كل ما في المجتمع من مشاكل هو بداخلنا أصلا ، ونحن من أحط الطبقات الاجتماعية ( البورجوازية الصغيرة ) ، وبالتالي يمكن ان نكون من أنبل الناس في لحظات وفي لحظات أخري يمكن أن نكون أشد انحطاطا من أى أحد . ولكن المهم هو أن نربي أنفسنا من خلال تجربة ثورية وفى خضم صراع . أحب أن أضيف أن اللحظات العميقة في تاريخ المجتمع هي لحظات الصراع المكشوف، وشبه المكشوف وأنا أعتقد لو كانت هناك حركة ثورية قوية كان سيكون لها أثر مختلف علينا ، وقد جربنا هذا فى 1972-1973، وقد أشرت مثلا لموضوع احترام المرأة وانه لايتوفر بمجرد ادعاء وليس كلمة نقرأها في كتاب، ونرددها فأنا سمعت عن الرفيقة فايزة أو ليلي أو الرفيقة سعاد، أنا لا عاشرتهن ولا قابلتهن ولا عرفتهن –رفيقات من الحركة الثانية . ولكن من ترك فى اثرا هن الرفيقات ممن تعاملت معهن . موضوع ان البرجوازية الصغيرة تحيا حالة تناقض وصراع وأنظف ما فيها يظهر فى لحظات تجترح فيها بطولات خرافية ، وأسوأ لحظاتها هي لحظات العزلة ، والأفق الضيق، حيث تتجلى أردأ أشكال انحطاطها . واريد ان اؤكد ان حديثى عن الرفاق كله يتعلق بالفترة التى تحدثت عنها ، وقد اعترتهم تحولات فى مسارهم الآن، كما احب ان اضيف اني لو قدرت اناسا معينة بشكل معين في فترة معينة ، فالتقدير لاعلاقة له بأوضاعها الراهنة.
-أ.جنيفيف سيداروس: انت اتكلمت بسرعة علي معاوية بن سفيان واتكلمت علي أسس المسيحية، كان ممكن تلقي ضوء أكتر علي النقطتين دول، وتالت حاجة نمط الإنتاج الآسيوي انا مهتمة به جدا ويهمني أعرف وصلتم لإيه فيه، ورابع حاجة صابر ده اسمه الحقيقي ايه؟
-سعيد: ليس هناك فى الواقع مجال للحديث عن هذه الأمور النظرية هنا إلا عرضاً. فمعذرة.
عندما اتكلم فأنا أتكلم عن تجربة وليس عن أسماء فى مثل هذه الأحوال ، ومن الاشياء الطريفة التى قرأتها فى شهادة الأستاذ عادل حسونة ( من الحلقة الثانية فى الحركة الشيوعية المصرية ) قصيدة كان كاتبها الشاعر محسن الخياط عن فوزي جرجس، المسؤول السياسي عن تنظيم الطليعة الشيوعية ، وهى تعين نموذجا شائعا للقادة يقول فيها:
الأغا مبسوط
الأغا زعلان الأغا فرحان
الأغا بيعب من الدخان
حواليه غلمان بتحايل فيه
اللي يجمعله حبة توت
واللي يفرطله فصوص رمان
واللي بيغسله كعوب رجليه بدموع ف عنيه كأنه مسيح
والكل وراه نازل تسبيح
شايلين صلبان
الرب أهو بان
والأغا مبسوط .. الأغا مبسوط
الأغا فهيم وحكيم وعليم ولا زيه زعيم
ان قال ضالين
الكل وراه يقولوا آمين
وان قال الشمس سواد وضلام يقولوا
أيوا...
فى رأيي ان هذه قصيدة معبرة عن كل الطغاة الصغار ، ومعظم من سايروه من زملائنا ، فعلا كان الامر على هذا النحو ، وقد تحدثت عن رفاق ناهضوا هذا الوضع وأسهموا في تغييره ولكن يظل أصلا أن معظم الناس كانت تقاد ، ويستغل فيها أنبل دوافعها ، وحينما تنتقد او تكتشف شيئا غير سوى يقال لهم "لم ترضى أن تكون "مفعولا بك "!!!
- أ.مصطفى.م. الجمال: كان عندي سؤال: هل كان لديكم اتجاه يغلب عليه تقديس النصوص دون وضعها في سياقها التاريخي، زي كتاب الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، ولما بتناقش فيه مع ناس من حزب العمال كل ما يملكه انه يرص لي فقرات من الكتاب خارج سياقه وسياقنا فده انطباع عام أرجو أنك تأكده لي.
- لا يمكن انكار ان هناك نزعة ماركسية نصية عند البعض ، ولكن كان هناك ايضا لدى آخرين أصول فقه ماركسي ، وأصول الفقه هذا مصادره بشكل تفصيلي هي طبيعة الفكر السائد فى مجتمعنا، لقد تربينا علي النصوص وتطبيقها علي الوقائع، المسألة الاخرى ماهي نوعية الماركسية التى وصلتنا بالدرجة الاولى ؟ هناك مسألة مهمة اشار ماركس اليها عند حديثه عن موضوع هجرة فكر الثورة الفرنسية لألمانيا وهجرة الفكرة الاشتراكية لألمانيا والمجتمعين متفاوتين من ناحية التطور. فما هي التحولات النى تعترى النظرية عندما تهاجر لمجتمع متخلف، ستجد العجب. اقرأ ماكتب عن الاشتراكية الحقيقية فى الايديولوجية الالمانية او البيان الشيوعى سيذهلك التشوه الحادث للافكار المنقولة . فى ابان الاشتراكية الناصرية وجدت احدهم وقد كتب مقالا فى مجلة ( الكاتب ) معرفا الاشتراكية بأنها استنذئاب+ استكلاب= تكيف بصلى ، الامر الذى يشبه "الانخلاع الكونى " الالمانى الذى انتقده ماركس فى البيان . أعتقد ان اول من يلفت انتباهنا للموضوع وهو ماذا يحدث للنظرية عند هجرتها من مكان لمكان هو ماركس. كتب ادوارد سعيد عن هذا الموضوع مقالا ( هجرة النظرية ) وأعتقد ان المفكر ابراهيم فتحي قد تناول هذا الموضوع قبل إدوارد سعيد من غير أن يسميه حين تناول الوضعية المنطقية كفلسفة ، وما حدث لها عند انتقالها من المجتمع الاوروبي إلى المجتمع المصري فى مقدمته لكتاب الدكتور عاطف احمد "نقد العقل الوضعى " . أقول هذا لاننا نطلق أحكاما منزوعة عن سياقها. فهم الشرط التاريخى عند دراسة أى حزب أمر لازم لإدراكه علمياً، بعيداً عن الفهم السطحى لـ "النواقص والأخطاء" .
- أ.م.م. الجمال: أنا بتناقش من زاوية الواقع،...... وكان قوة التأييد والحجة اتاخدت من خطاب ذهني ولا وصية ولا من الواقع.
- سعيد العليمى: مارأيته هو ان هناك نوعا من التفاوت يحول دون التعميم ، وحتي الخط السياسي نفسه، كان يتباين عرضه وفق المتحدث مركزيا – مثلا - ام عضوا قاعديا ، ولكن يمكننى القول انه كان هناك بشكل عام احترام للنصوص ، وكنا نتراشق بالنصوص. ذات مرة كنت مسؤولا عن خلية وهناك رفيق مهندس في مصانع الكوك انخرطنا في مناقشة طويلة لأنه مصمم على اننا مازلنا في مرحلة ما قبل التاريخ ، ولن ندخل مرحلة التاريخ الا عندما يكون هناك مجتمع شيوعي حسب عبارة وردت لماركس غالباً فى كتاب 18 برومير لونيس بونابرت ، وعجزت عن افهامه أن ماركس لم يقصد المعنى الحرفى وانما المجازي.
- ده مرتبط بقضة تانية وهي التثقيف، هل تثقيف العضوية كان يغلب عليه الطابع النظري ولا التثقيف الخاص بالواقع المصري؟
- سعيد العليمى: الاثنان معا ، هناك قسم متعلق بالماركسية نفسها ثم هناك قضايا محددة تتعلق بالتاريخ والواقع المصرى.
- أ.م.م. الجمال: هل كان في فلسفة اختيارية فى القيادات ولا كانت المسألة ضرورة وحاجة ولا كان في رؤية ازاي بتختار؟
- الحقيقة بالنسبة للاختيار لم يكن عشوائيا –المقصود اختيار الكوادر والمحترفين- وكان مايفرضه بشكل أساسي هو الاحتياج، يعني مثلا كانت هناك فترة اصبح فيها الزميل جمال مسئول الصعيد وقد اخترناه لأنه كفاءة ، ولعب دورا أساسيا في منطقة الاسكندرية ، ونريده ان يلعب نفس الدور في منطقة بالنسبة لنا مختلفة ومهمة ، حيث بدأت تنشأ فيها بعض الصناعات مثل مجمع الألومنيوم وأمور من هذا القبيل ، وسياسة الاحتراف كانت مرتبطة باحتياجنا لكفاءات محددة في اماكن محددة وكانت تحسم بعد نقاش .
- أ.م.م. الجمال: طيب تجربة التسعينات وثورة احياء...؟
- لا انا ليس لى علاقة ولا معرفة بهذا الأمر.
- أ.م.م. الجمال: طيب دايما بيشغلني تطور التنظيمات........لازم يبقي في عوامل خارجية وعوامل من داخل التنظيم بتوصل الناس للحالة دي، فأنا عايز أعرف العوامل الداخلية اللي خلت الناس دي تبقي كده، ليه حزب العمال بالذات خرج مجموعة من الناس انتشروا في المنظمات غير الحكومية بمعدلات أكتر من أي تنظيم آخر وايه دور فتح في التسعينات ودور ياسر عرفات لما اتعمل مستشفي مصر ومستشفي فلسطين.
- سعيد العليمى: كان حزب العمال أكثر المنظمات راديكالية وقت وجود أزمة وطنية وغياب الأحزاب السياسية، فدخلته عناصر لم يكن أمامها غيره، وهى لم ترتبط به بسبب ماركسيتة وإن توهمت ذلك. والحزب ليس مسؤولا عن مآلات اعضاءه .
- وأخيراً أنا فخور بتاريخي جدا ، ومازلت ماركسيا ولكن اعتبارا من 3 مارس 1983، بعد حضورى المؤتمر الاول للحزب ، وغداة سفرى للبحرين انتهت علاقتى التنظيمية به تماما وان بقيت صلتى الشخصية بكثير من الرفاق . وانغمست فى عملى القانونى وتثقيفى الذاتى الماركسي الذى لم انقطع عنه ابدا . وقد تمكنت من خلال ترحالى من أمريكا لروسيا لألمانيا الغربية للفلبين للبحرين من تكوين " أممية صغيرة " من خمس أولاد من جنسيات مختلفة وديانات مختلفة.
- هناك امر احرص على الكلام فيه ، الأستاذ مدحت ومحمد العدل انتجوا مسلسلا تليفزيونيا اسمه (محمود المصري)، فى واحد من المشاهد تظهر مجموعة من الناس جالسين في غرفة ، واحدهم يتحدث بوصفه عضوا فى حزب العمال الشيوعي المصري ، وهو يحرض اربعين فردا علي ان (احنا لازم ناخد موقف من بتوع 8 يناير) مع ملاحظة ان رفاق 8 يناير كانوا هم الاقرب لنا فكريا وسياسيا .. المهم تظهر شخصية مي عز الدين وهي عضو في حزب العمال ايضا ارتبطت بعامل وأحبته وبعد معركة عائلية تزوجا وبعد 1977 سافرا الى أوروبا الشرقية ثم تركها وهرب واضطرت للتصعلك فى الحانات، الحقيقة طبعا ان "الحقائق" الفنية الكتاب احرار في تخيلها ، ولكن هذا كان امرا خارج سياقنا تماماً . ويكفى ان اشير الى ان الدكتورة لطيفة الزيات كانت عاطفة علينا ، وكذلك الدكتورة رضوى عاشور . وان كان حزب العمال الشيوعي قد انتهي إلا أنه من المستحيل أن تمثله هذه النماذج الفظة التى أشرت إليها فى مسلسل محمود المصرى.
- انتهى



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون
- حول الاصطفاف والنزعة الذيلية تجاه السلطة
- بيان ح ع ش م حول اغتيال الشيخ الذهبى يوليو 1977
- الدعوة.. واحياء الإخوان المسلمين
- السلطة والاستغلال السياسى للدين
- الثورات بين الماضى والحاضر كارل كاوتسكى
- شعرية سيد حجاب ومآساة دستورنا المصرى الراهن
- الدوافع السيكولوجية الذاتية للثورة - ا. شتينبرج
- حول الطبيعة الطبقية لسلطة يوليو 1952
- حزب العمال الشيوعى المصرى وقضية التحالف الطبقى ( وثيقة حزبية ...
- ليون تروتسكى فى المسألة اليهودية والوطن القومى
- مقالات نظرية حول سمات الوضع الثورى - ف. لينين ، ل . تروتسكى
- اللينينية والفوضوية فى التنظيم الحزبى - جدال مع العفيف الأخض ...
- كارينا ، باولو كويهلو ، وسانتياجو دى كومبوستلا
- المذاهب المسيحية والصراع الطبقى فى العصور الوسطى الأوروبية - ...
- فى ذكرى ثورة 25 يناير المصرية - بعض اليوميات
- المئات السود وتنظيم الانتفاضة - لينين
- حزب العمال الشيوعى المصرى : حقيقية موقف الأخوان المسلمين من ...
- الجماعات الاسلامية وأحداث -أسيوط-- من خبرات حزبنا عام-1978
- ماقبل فض إعتصام رابعة العدوية الإخوانى ( من روزنامة الثورة )


المزيد.....




- From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
- Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green ...
- How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
- Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian ...
- The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil ...
- كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
- جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
- عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
- Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
- مرة أخرى، بصدد الصراع بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب


المزيد.....

- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - سعيد العليمى - سيرة ذاتية قد تعنى اولا تعنى احدا - حزب العمال الشيوعى المصرى ( النص كاملا )