أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سجاد خماس الساعدي - المقاصة الجبرية















المزيد.....

المقاصة الجبرية


سجاد خماس الساعدي
محامي وباحث قانوني وكاتب في السياسة والادب احيانا.

(Sajjad Khammas Saadi)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 18:10
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


تُعد المقاصة من الوسائل القانونية الدقيقة التي قررها المشرّع لانقضاء الالتزامات دون وفاء فعلي، إذ تقوم على فكرة تقابل دينين في ذمة شخصين يكون كل منهما دائناً ومديناً للآخر في آنٍ واحد، فينقضي الدينان بقدر الأقل منهما. وهي في جوهرها صورة من صور الوفاء القانوني، إلا أنها تتميز بكونها تحقق الانقضاء بقوة القانون متى استوفت شروطها، دون حاجة إلى تبادل الأداء فعلياً.

وقد نظم القانون المدني العراقي أحكام المقاصة في المواد من 408 إلى 413، مميزاً بين المقاصة الجبرية التي تقع بقوة القانون، والمقاصة الاختيارية التي تقوم على تراضي الطرفين، والمقاصة القضائية التي يستكمل القاضي بها شرطاً متخلفاً. وينصرف هذا البحث إلى المقاصة الجبرية باعتبارها الصورة الأصلية والأكثر دقة من الناحية التطبيقية.

مفهوم المقاصة الجبرية وتعريفها: نصت المادة 408 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 على أن المقاصة هي إسقاط دين مطلوب لشخص من غريمه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه. ويُفهم من هذا النص أن مناط المقاصة هو وجود دينين متقابلين في ذمة كل من الطرفين، بحيث يكون كل منهما دائناً ومديناً في الوقت ذاته وبالصفة ذاتها.

أما المقاصة الجبرية فهي التي تقع بقوة القانون متى توافرت شروطها الموضوعية المنصوص عليها في المادة 409/2 مدني، دون حاجة إلى اتفاق. غير أنها لا تُعمل قضائياً إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها، لأنها لا تتعلق بالنظام العام.

وتؤدي المقاصة الجبرية وظيفتين واضحتين؛ فهي أولاً وسيلة وفاء تؤدي إلى انقضاء الدين الأقل كلياً، وثانياً وسيلة ضمان تمنح الدائن أفضلية عملية في استيفاء حقه دون الدخول في مزاحمة مع سائر دائني مدينه.

تمييز المقاصة الجبرية عن غيرها: تختلف المقاصة الجبرية عن المقاصة الاختيارية في أن الأولى تفترض اتحاد الدينين جنساً ووصفاً وحلولاً وقوة وضعفاً، بينما يجوز في المقاصة الاختيارية الاتفاق على إجراء المقاصة رغم اختلاف هذه العناصر. كما أن أثر المقاصة الجبرية يعود إلى وقت تلاقي الدينين صالحين للمقاصة، في حين أن المقاصة الاتفاقية لا تُنتج أثرها إلا من تاريخ الاتفاق.

أما المقاصة القضائية فهي في حقيقتها مقاصة قانونية تتوقف على حكم قضائي لاستكمال شرط خلو أحد الدينين من النزاع. والحكم الصادر بها لا يُنشئ المقاصة وإنما يقررها بعد إزالة المانع الذي حال دون تحققها.

شروط المقاصة الجبرية: أوجبت المادة 409/2 من القانون المدني العراقي اتحاد الدينين جنسا ووصفا وحلولا وقوة وضعفا. وهذه الشروط تمثل قيوداً موضوعية لا يجوز التوسع في تفسيرها.

يشترط أولاً اتحاد الدينين جنساً، فلا تقع المقاصة بين دين نقدي ودين عيني، ولا بين مثليين مختلفين في النوع. ويستند هذا الشرط إلى قاعدة عدم إجبار الدائن على قبول غير محل التزامه.

ويشترط ثانياً اتحاد الدينين وصفاً، أي تماثلهما من حيث الصفات القانونية والموضوعية، فلا تقع المقاصة بين دين مدني والتزام طبيعي، لأن الالتزام الطبيعي لا يُجبر المدين على الوفاء به قضائياً.

ويشترط ثالثاً أن يكون الدينان مستحقي الأداء، فلا تقع المقاصة بين دين حال ودين مؤجل، ولا بين دين منجز ودين معلق على شرط واقف، لعدم تحقق استحقاق الأداء في الحالة الأخيرة.

ويشترط رابعاً اتحاد الدينين قوة وضعفاً، وهو من أدق الشروط وأكثرها أهمية في التطبيق القضائي. فلا تقع المقاصة بين حكم بات وحكم لم يكتسب الدرجة القطعية، ولا بين دين قابل للحجز ودين غير قابل له، كالنفقة، لأن اختلاف القوة القانونية بين الدينين يمنع تلاقيهما قصاصاً.

ويشترط خامساً خلو الدينين من النزاع وأن يكونا محققي الوجود ومحددي المقدار. فإذا كان أحدهما متنازعاً فيه، تعذر إعمال المقاصة الجبرية إلى حين حسم النزاع قضائياً.

ويشترط سادساً ألا تؤدي المقاصة إلى الإضرار بحقوق اكتسبها الغير، فإذا أوقع دائن حجزاً تحت يد المدين، ثم أصبح هذا المدين دائناً لدائنه، فلا يجوز له أن يتمسك بالمقاصة إضراراً بالحاجز.

آثار المقاصة الجبرية: إذا توافرت الشروط وتمسك بها صاحب المصلحة، انقضى الدينان بقدر الأقل منهما، وبقي الجزء الزائد من الدين الأكبر قائماً في ذمة مدينه. وتعود آثار المقاصة إلى تاريخ تلاقي الدينين صالحين للمقاصة، لا إلى تاريخ الدفع بها أمام القضاء، مما يترتب عليه انقضاء الفوائد والتأمينات التابعة لهما من ذلك التاريخ.

ولا يحكم القاضي بالمقاصة من تلقاء نفسه، بل يجب أن يتمسك بها من له مصلحة، سواء كان المدين الأصلي أو الكفيل أو من ترتب له حق يتأثر ببقاء الدين.

ويجوز التنازل عن المقاصة بعد ثبوت الحق فيها وتوافر شروطها، ولا يصح التنازل عنها قبل ذلك، كما لا يجوز أن يكون التنازل إضراراً بالغير.

نطاق المقاصة الجبرية والاستثناءات: الأصل أن المقاصة تجوز في جميع الديون أياً كان مصدرها، غير أن المادة 410 مدني استثنت حالات محددة لا تجوز فيها المقاصة ولو توافرت شروطها. من ذلك حالة الغصب، إذ لا يجوز للغاصب أن يتمسك بالمقاصة بين التزامه برد المال المغصوب وما قد يكون له من دين في ذمة المالك، صوناً لمبدأ عدم جواز الاقتصاص للنفس.

كما لا تجوز المقاصة في الوديعة والعارية إلا بالتراضي، حفاظاً على عنصر الثقة الذي يميز هذه العلاقات. كذلك لا تجوز المقاصة في الديون غير القابلة للحجز، كديون النفقة، مراعاة لاعتبارات إنسانية واجتماعية تتصل بحماية المعيلين.

من المبادئ القضائية استقر القضاء العراقي على التطبيق الحرفي لشروط المادة 409/2 مدني. فقد قررت محكمة استئناف بغداد/الكرخ الاتحادية بصفتها التمييزية في القرار رقم 17/2016 أن اتحاد الدينين جنساً ووصفاً وحلولاً وقوة وضعفاً شرط لازم لإعمال المقاصة الجبرية، وأن عدم اكتساب الأحكام درجة البتات يمنع تحقق شرط اتحاد القوة، ومن ثم يمنع المقاصة.

كما قررت محكمة استئناف نينوى بصفتها التمييزية في القرار رقم 74/2009 أن الرسوم القانونية لا تجري فيها المقاصة لعدم توافر الشروط المنصوص عليها في المواد 408 وما بعدها من القانون المدني، مما يؤكد أن نطاق المقاصة الجبرية ليس مطلقاً بل مقيد بحدود النص.

ختاماً :المقاصة الجبرية في القانون المدني العراقي نظام دقيق يقوم على توازن بين مصلحة الدائن في استيفاء حقه بسرعة وفعالية، وبين حماية الغير ومنع التعسف أو الإضرار بحقوق مكتسبة. وهي لا تقوم على مجرد تقابل دينين، بل على تقابلهما في إطار قانوني متكامل تتحقق فيه وحدة الجنس والوصف والحلول والقوة وخلو النزاع وعدم الإضرار بالغير.

والتمسك بالمقاصة دون تحقق هذه الشروط يؤدي إلى رفض الدفع، بل قد يكشف عن ضعف في بناء الدفاع. أما حين تُثار في محلها الصحيح، فإنها تمثل أداة قانونية حاسمة تُسقط التزامات وتعيد رسم المركز القانوني للخصوم بدقة وانضباط.



#سجاد_خماس_الساعدي (هاشتاغ)       Sajjad_Khammas_Saadi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العجلة فضيحة الطمع… والتأنّي سيادة النفس
- ما تحتاج محامي!
- عودة نوري المالكي الى رئاسة الوزراء
- الحكومة القادمة يجب أن تعلن حرباً… على الفساد!!
- انتخابات بلا غطاء دستوري
- تعليق على حكم محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار البنك المركزي ...
- الضربة القاضية: عندما جاءت الخسارة من الداخل الإيراني
- القوانين الورقية تصارع القوانين الرقمية
- إذا انتهت الدورة وبقيت العائلة
- -غياب قاعدة بيانات دقيقة لمحامي البصرة وأثره على مشاريع تخصي ...
- أهمية تعديل سلم الرواتب في العراق: مقاربة قانونية واقعية لتح ...
- حق المحكوم عليه أو المتهم في رفض شموله بقانون العفو العام أو ...
- التواصل الاجتماعي في رمضان: بين الفائدة والهدر
- هل للمحكمة إن طلب المدعي -الدائن- بالتنفيذ العيني للعقد فقط ...


المزيد.....




- حماس: قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين جريمة حرب
- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سجاد خماس الساعدي - المقاصة الجبرية