أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال بعلي - ابن باديس: تجربة الإحياء الإنساني وهندسة النهضة الحضارية














المزيد.....

ابن باديس: تجربة الإحياء الإنساني وهندسة النهضة الحضارية


جمال بعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 20:43
المحور: قضايا ثقافية
    


​يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عن رفيقه في الدرب: "إنّ ابن باديس لم يكن فرداً، بل كان أمةً في رجل، وكان هو القوة التي أخرجت الجزائر من غيابت الجهل إلى نور العلم، ومن ذل الاستكانة إلى عزة الأنفة".
من هذه القوة الروحية والفكرية، انطلق رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، الذي أدرك أن كسر قيد الاستعمار يبدأ بكسر قيد الجهل. يُعتبر الشيخ عبد الحميد بن باديس الرمز الأبرز للنهضة الجزائرية في العصر الحديث، والرجل الذي استطاع بعبقريته الفذة أن يربط بين الإصلاح الديني والوعي الوطني في وقت كانت فيه الهوية الجزائرية تواجه خطر المحو والذوبان. ولد ابن باديس عام 1889 في مدينة قسنطينة لعائلة عريقة، وتلقى تعليمه بين زواياها قبل أن ينتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، حيث استقى منهجه الإصلاحي القائم على العودة إلى الأصول الصحيحة للدين مع الانفتاح على علوم العصر.
​لم يكن ابن باديس مجرد عالم دين تقليدي، بل كان استراتيجياً ومهندساً اجتماعياً يتمتع بوعي سياسي حاد ورؤية ثاقبة في بناء "الفرد المجاهد". لقد أدرك أن المواجهة مع العدو لا تنجح بهبات عاطفية مؤقتة، بل تتطلب إعداداً نفسياً وفكرياً طويل الأمد؛ فكان تصوره للمجاهد يبدأ من "الاستقلال النفسي" قبل الاستقلال السياسي. لقد سعى لبناء شخصية جزائرية متكاملة، تعتز بجذورها وتفهم ألاعيب المستعمر، مؤمناً بأن الفرد الذي يتحرر من عقدة النقص تجاه "الرجل الأبيض" ومن قيود الجهل الداخلي، هو وحده القادر على حمل السلاح بوجه المحتل بصلابة لا تلين. لقد قام بناء فكره على توليفة عبقرية جمعت بين الأصالة النصية والمعاصرة الواقعية، متخذاً من العقلانية الإيمانية وسيلة لتحرير العقول، وهو ما تجلى بوضوح في موقفه من "التصوف"؛ حيث لم يكن محارباً للتصوف بمفهومه الروحي الأخلاقي السني، بل كان خصماً عنيداً لما سماه "الطرقية" التي استغلتها الإدارة الفرنسية لتنويم الشعب وتكريس الخرافة والبدع. كان يدعو إلى تصوف الزهد والعمل لا تصوف العزلة والتواكل، مؤمناً بأن تحرير الأرض يبدأ حتماً من تحرير العقول من أوهام الوسطاء. ورغم شراسة المعارك الفكرية، تميز ابن باديس باعتدال لافت حتى مع خصومه، فكان منهجه "الإنصاف قبل الانتصار"، حيث يجادل بالتي هي أحسن ويحفظ كرامة مخالفيه ما لم يمسوا بثوابت الأمة، مجسداً أدب العلماء الذي لا يفسد للود قضية في سبيل بناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصمود أمام التحديات الخارجية.
​ولم يكتفِ ابن باديس بحدود الوطن، بل اتسم فكره بانفتاح حضاري وعمق عروبي وإسلامي؛ فكان يرى في نهضة الجزائر جزءاً من نهضة الأمة، متابعاً لقضاياها الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين، ومؤمناً بأن الاستفادة من معارف العصر وعلومه المادية ضرورة شرعية لا تكتمل النهضة بدونها، مما جعل مشروعه يزاوج ببراعة بين الحفاظ على الجذور والانخراط الواعي في مسار التاريخ الإنساني. ومن هذا المنطلق الحضاري الشامل، أنشأ المدارس في كل ربوع الوطن لترسيخ شعاره الخالد "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وتوج جهوده بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، التي أصبحت بمثابة الحصن المنيع ضد محاولات الفرنسة والتبشير. وبالتوازي مع التعليم، اتخذ من الصحافة وسيلة لنشر فكره التحرري عبر جريدتي "المنتقد" و"الشهاب"، حيث تجلى في كتاباته أسلوب فريد يمزج بين الإيجاز والتركيز والبيان القرآني الجزيل. كان يكتب بمداد من نور ونار، مبتعداً عن الحشو اللفظي، ومستخدماً جملًا قصيرة وقوية تشبه الطلقات في دقتها، مما جعل لمقالاته نفاذاً في القلوب وهيبة في النفوس. تميز أسلوبه بالواقعية التقريرية والنفس السجالي الهادئ الذي يفحم الخصوم بالحجة والبرهان دون شطط أو إسفاف، رابطاً دائماً في أطروحاته بين استقامة الفرد وحرية الوطن، ومحولاً الفكر الهامد إلى حركة دؤوبة ومؤسسات قائمة على الأرض.
​تتجسد عظمة ابن باديس في مواقف عملية صلبة لم يثنه فيها إغراء ولا ترهيب؛ فكان موقفه حازماً ضد "التجنيس" الذي اعتبره خروجاً من رقعة الإسلام، ووقف كالطود الشامخ في المؤتمر الإسلامي عام 1936 بباريس ليقول كلمته التي هزت أركان الإدارة الاستعمارية: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تكون فرنسا". لقد كان هذا الموقف تعبيراً عن نضج سياسي يرفض الذوبان ويتمسك بالسيادة الروحية والثقافية كتمهيد للسيادة الجغرافية. ورغم ضغوط الحكام العامين الفرنسيين، ظل متمسكاً ببيانه العملي في التربية والتعليم، معتبراً أن يداً تبني العقول أقوى من يدٍ تمسك السلاح. ورغم وفاته في عام 1940، قبل اندلاع الثورة التحريرية الكبرى بأربعة عشر عاماً، إلا أن أثره ظل نابضاً في روح الشعب، إذ إن الجيل الذي تعلم في مدارسه وتشرّب رؤيته في بناء "الإنسان المقاوم" هو ذاته الجيل الذي حمل السلاح لاحقاً محققاً الاستقلال. واليوم، يظل يوم وفاته في السادس عشر من أبريل يوماً وطنياً للعلم في الجزائر، تخليداً لذكرى الرجل الذي أحيا أمة كادت أن تنسى ذاتها، وصاغ بتضحياته وفكره المعالم الأساسية للشخصية الجزائرية الحديثة. وفي وصف هذا الأثر العظيم، يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: "إنّ ابن باديس هو الذي جعل من الشعب الجزائري شعباً حياً، وقد أخرج منه القوة الكامنة التي كانت تنتظر اليد الصالحة التي تحركها"، ليؤكد تلميذه الشيخ محمد خير الدين أن ابن باديس كان يعلم للأجيال ويبني للخلود، محافظاً على عقيدة الأمة وتاريخها ولسانها

بعلي جمال _الجزائر_



#جمال_بعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من عتمة السقوط إلى نور الهدى: كيف يعيدنا الآخرون إلى أنفسنا؟
- ثرثرة على هامش الهزيمة
- الشعر مائدة من موائد السماء
- -الحرية - وعي الإلتزام
- إستحضار التاريخ_إدانة الواقع_
- تقاسيم
- -على فزاعة الذرى -
- إحتمالات
- الرصيف يزهر بالأغنيات -
- غالب أمره
- صورة من جحيم دانتي
- جدارية - مزرعة الحيوان -
- ادرينالين
- وجع
- خط المنحنى
- مرآة


المزيد.....




- بيل غيتس للكونغرس بشأن قضية إبستين: حاول ابتزازي -دون جدوى-. ...
- بالصور.. نتائج الهجوم الإيراني في البحرين والإصابات
- على الخريطة.. الضربات الإيرانية الانتقامية في الخليج والأردن ...
- مصدر لـCNN: وفد قطر يغادر طهران بعد محادثات ليلية مع مسؤولين ...
- قبالة سواحل عُمان.. حريق يندلع في غرفة محركات سفينة شحن وفقا ...
- الموساد يكشف أحد مشاريعه السرية.. عملية بدأت عام 2012 وحصلت ...
- نحو حرب مفتوحة؟ ضربات متبادلة بين أميركا وإيران وتوعّد بتحوي ...
- إسبانيا: البابا ليو 14 يبارك برج ساغرادا فاميليا الأعلى بين ...
- مزدوجو الجنسية في منتخب تونس .. مكسب حقيقي أم انعكاس لأزمة أ ...
- مركز -ستراتفور-: أوكرانيا تسير نحو انهيار مالي دون تسوية سلم ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال بعلي - ابن باديس: تجربة الإحياء الإنساني وهندسة النهضة الحضارية