أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال بعلي - من عتمة السقوط إلى نور الهدى: كيف يعيدنا الآخرون إلى أنفسنا؟














المزيد.....

من عتمة السقوط إلى نور الهدى: كيف يعيدنا الآخرون إلى أنفسنا؟


جمال بعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:40
المحور: قضايا ثقافية
    


​تعدُّ رحلة الإنسان في هذه الحياة مزيجاً من التأثر والتأثير، فنحن لا نعيش في جزر معزولة، بل في فضاء اجتماعي يشبه المدرسة المفتوحة التي تمنحنا دروسها بالمجان من خلال سلوكيات الآخرين. إنَّ الذكاء الإنساني الحقيقي لا يتجلى فقط في القدرة على تحصيل المعرفة، بل في "البصيرة الأخلاقية" التي تمكننا من فلترة ما نراه؛ فنأخذ من الصالحين حسن سمتهم ليكون لنا نبراساً، ونرقب مآلات أهل السوء لنصنع منها جداراً واقياً يحمينا من السقوط في ذات العثرات. وهذا المنهج هو تجسيد لعمق الوعي الذي دعا إليه الإسلام، حيث لا يكتفي المرء بإصلاح نفسه، بل يمتد وعيه ليقرأ في الآخرين رسائل إلهية وحكماً بشرية، تجعل من "الاعتبار" بغيره وسيلة للنجاة، فالعاقل من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه.
​تبدأ كيمياء التغيير حين يدرك الإنسان أن "الآخر" قد يكون مرآة صادقة لعيوبه المستترة، أو نافذة يطل منها على جمال لم يدركه في نفسه بعد. انظر إلى تحول "بشر الحافي" الذي كان غارقاً في لهوه، حينما رأى ورقة في الطريق كُتب عليها اسم الله تدوسها الأقدام؛ لم يمر الموقف عليه مرور الكرام، بل استشعر قبح إهمال "الآخرين" لهذا المقدّس، فرفعها ونظفها وطيبها بماله القليل. في تلك اللحظة، كان تعظيمه لاسم الله رداً على استهانة الآخرين، فجاءه النداء الباطني: "يا بشر، طيبت اسمنا فطيبنا اسمك في الدنيا والآخرة"، لينتقل بموقف واحد من حياة الضياع إلى مقام الولاية والزهد، متعظاً من "الغفلة" التي رآها في الطريق، ومدركاً أن تعظيم ما أهمله الآخرون هو أول طريق الفلاح.
​إنَّ النموذج النبوي في قوله "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قدم ثورة في مفهوم التعلم والتغيير؛ فالنصرة هنا لم تعد دعماً أعمى في العصبية، بل أصبحت عملية "إنقاذ أخلاقي". فحين يمنع الإنسان أخاه عن الظلم، فهو لا يغير سلوك الآخر فحسب، بل يرسخ في نفسه مبدأ كراهية القبيح والترفع عنه. هذا الوعي هو الذي جعل "عدي بن حاتم الطائي"، وهو ابن الملك المطاع، يراقب النبي ﷺ بذكاء المترقب. لم تبهره الخطابات، بل بهره موقف إنساني حين رأى النبي ﷺ تقف معه امرأة ضعيفة في حر الشمس، فظل منصتاً لها حتى قضى حاجتها. هنا تعلم عدي من "تواضع الآخر" أن العظمة لا تُنال بالتيجان، بل بنبل الأخلاق، فقال في نفسه: "والله ما هذا بملك"، فكان هذا المشهد هو الجسر الذي عبر به من الكبر إلى الإيمان.
​وعلى الضفة الأخرى، نجد أن "مآلات السوء" التي تظهر على الظالمين تمثل أعظم واعظ يزجر النفس عن القبيح. ففي قصة مالك بن دينار، الذي بدأ حياته شرطياً غليظاً غارقاً في الذنوب، نجد أن التغيير جاء عبر رؤيا جسدت له "قبح عمله" في صورة تنين يطارده، ولم ينقذه منه إلا رجل ضعيف يمثل "عمله الصالح المهمل". استيقظ مالك من صرخة ضميره وسماع آية "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ"، ليدرك أن استمراره في طريق "السوء" الذي رآه في رؤياه سيهلكه. فكان اعتبارُه بما رآه سبباً في ولادة "عالم البصرة" الذي ملأ الدنيا زهداً وعلماً، بعد أن أدرك أن نجاة الإنسان تبدأ من كفه لنفسه عن غيها.
​إن القدرة على التعلم من الآخر تتطلب قلباً حياً، يرى في سقوط الظالمين رسالة تحذير، وفي ثبات المظلومين منارة هدى. وحين نرى نهاية الحجاج بن يوسف الثقفي، وكيف طاردته دماء سعيد بن جبير في منامه حتى صار يصرخ "مالي ولسعيد"، ندرك أن الله يجعل من مآسي الظالمين دروساً حية لغيرهم ليحذروا الظلم. نحن اليوم، حين نرى الخير في الآخرين فنقتدي به، ونرى القبح فنكف أيدينا وأيديهم عنه، نكون قد حققنا توازناً اجتماعياً فريداً. فنحن لا نتعلم لنكون نسخاً مكررة، بل لنكون أفضل نسخة من أنفسنا، مستلهمين من جمال الصالحين، ومتجنبين لثقوب الزلات التي هوى فيها غيرنا.
​وبعد أن طوّفنا في آفاق التغيير والاعتبار، ندرك أنَّ المرء مرهونٌ بمن يحيط نفسه بهم، وبمن يفتح لهم نافذة التأثير في روحه. فالعاقل هو من يجعل من "الآخر" بوصلة ترشده إلى مكامن الجمال في نفسه، أو إنذاراً يصرفه عن مسالك الردى. ولعل خير ما نختم به هذا البيان هي تلك القاعدة الذهبية التي سطرها ابن عطاء الله السكندري في حِكمه، لتكون ميزاناً لكل من أراد الارتقاء بنفسه عبر الاقتداء الواعي، حيث قال:
​"لا تَصحبْ مَن لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله."

​إنها دعوة لأن يبقى عبورنا في هذه الحياة واعياً؛ فنقتبس النور ممن أشرقت أرواحهم، ونستعيذ بالله من مسالك من أظلمت عواقبهم، لنظل دوماً في ارتقاءٍ مستمر من عتمة الغفلة إلى رحابة الهدى.



#جمال_بعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثرثرة على هامش الهزيمة
- الشعر مائدة من موائد السماء
- -الحرية - وعي الإلتزام
- إستحضار التاريخ_إدانة الواقع_
- تقاسيم
- -على فزاعة الذرى -
- إحتمالات
- الرصيف يزهر بالأغنيات -
- غالب أمره
- صورة من جحيم دانتي
- جدارية - مزرعة الحيوان -
- ادرينالين
- وجع
- خط المنحنى
- مرآة


المزيد.....




- أمريكا.. إطلاق نار غامض داخل منزل ينهي حياة طفل ويثير تساؤلا ...
- قائد الجيش الباكستاني في إيران وسط مساع لعقد جولة مفاوضات ثا ...
- أربعة قتلى و20 جريحا بإطلاق نار في مدرسة بمدينة كهرمان مرعش ...
- ماذا نعرف عن الألغام البحرية وكاسحاتها؟
- ألمانيا ـ إحياء ذكرى تحرير معتقل بوخنفالد النازي وتحذير من - ...
- كيف تحولت باكستان لوسيط إقليمي في الحرب بين إيران والولايات ...
- الحرب في الشرق الأوسط ترفع أسعار الغاز وتُشعل سوق الأسمدة في ...
- هل الصين هي المتضرر الأكبر من حصار مضيق هرمز؟
- دعاية الحرب المولدة بالذكاء الاصطناعي: أي وقع وأية سردية سيا ...
- بزشكيان: لا نسعى للحرب وأي عدوان على إيران سيفشل


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال بعلي - من عتمة السقوط إلى نور الهدى: كيف يعيدنا الآخرون إلى أنفسنا؟