معتصم العزة
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 15:36
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
توازن الردع
تستند فكرة الردع على المبدأ القائل بأن القوة العسكرية لا تُقاس بعدد الأسلحة وحدها، بل بقدرة كل طرف
على منع الآخر من استخدامها . فعلياً، يُنظر إلى الصمود كعلامة على فشل الهجوم في تحقيق أهدافه الحساسة.
من منظور نظري، هذا يعني أن قدرة إيران على إحباط الهجمات تزيد كلفة الاعتداء على إسرائيل والولايات المتحدة.
دعماً لذلك، يشير أبحاث حديثة إلى أن عدم قدرة المهاجم على تحقيق نصر سريع يخلق حالة من عدم اليقين تقلل
الرغبة في الهجوم، موضحين أنه “عندما يدرك المعتدي أن النصر السريع غير محتمل ويكلف ثمناً باهظاً، فإنه سيتردد
بسبب عدم اليقين” . كما توضح نظرية الحرب غير المتكافئة لأندرو ماك أن الطرف الأضعف يقاتل من أجل البقاء
ويتحمل خسائر لا تقوى القوى الكبرى سياسياً على تحملها . هذا يذكّرنا بحرب فيتنام مثلاً، حيث واجهت واشنطن
صعوبةً سياسية في مواصلة القتال رغم تفوقها العسكري، لأن الجانب الشمالي رأى الحرب مسألة وجودية .
مع ذلك، يفيد التحليل السياسي بأن الصمود الإيراني لا يعني بالضرورة تحقيق نصر هائل . فحتى إذا لم تُسقط إيران
بالكامل، قد يكون الهدف الإسرائيلي/الأمريكي تقليص قدراتها أو ضبط سلوكها. وفي هذه الحالة، يعتبر الدفاع الذي
يُجبر الخصم على كسر تكتيكي رغم تدمير جزء من منشآته انتصاراً جزئياً للدفاع. لقد تبين أن الولايات المتحدة لم تنفذ
ضربة سريعة حاسمة لإسقاط النظام؛ بل اتجهت نحو ضربات استنزاف للتقليل من القدرات العسكرية الإيرانية . بمعنى
آخر، النظرة العلمية للردع تشير إلى أنه يمكن أن ينتج توازن ردع متعادل أو شبه متعادل دون أن يؤدي لتدمير كامل
أحد طرفي النزاع .
)War of Attrition( حرب استنزاف الموارد
تعتبر حرب الاستنزاف صراعاً طويل الأمد يُكثّف فيه الجانب الأكثر قدرة صراعات صغيرة مستمرة لإضعاف الخصم. هنا
يتجلى الفارق بين الاقتصاد والهيكل الاجتماعي لإسرائيل وإيران: إسرائيل دولة غنية ذات عمق استراتيجي ضيق، في
حين أن إيران ونظيراتها الميليشياوية مُهيأة لاقتصاد المحاصرة. تدل التحليلات العسكرية على أن إسرائيل تفتقر إلى
INSS الاحتياط الكبير في الأفراد والعتاد لإدارة صراع مفتوح طويلاً على جبهات متعددة . كما يحذر معهد
الصهيوني من أن حرب استنزاف طويلة بلا هدف سياسي واضح تهدد الشرعية الداخلية : “حرب استنزاف طويلة بلا
هدف محدد يمكن أن تقوض الدعم الشعبي للخدمة العسكرية وربما تؤدي إلى أزمة في التجنيد” . كما سيؤدي
استمرار القتال إلى تآكل الاقتصاد ووفرة الميزانيات الضرورية: وفقاً لنص المعهد، قد تتسبب الحرب في “انخفاض
الاستثمارات، تعطّل سلاسل الإمداد الحرجة، وارتفاع إنفاق الدفاع إلى مستويات غير مستدامة، بما يحد من الموارد
المخصصة للخدمات الحيوية” .
بهدف » يتبعون استراتيجية استنزاف لا مركزية « على النقيض، يُبرز مقال بحثي في المركز البحثي الجزائري أن الإيرانيين
استغلال القدرة على الصمود أكثر من الهيمنة الميدانية المباشرة . فإيران، نظام قوامه الحرس الثوري والتعبئة
الأيديولوجية، قادر على تكييف اقتصاده وتعبئة موارده أقل تطلباً مما قد ينذر بإطالة أمد النزاع على حساب إسرائيل
التي قد تميل إلى الضغط على وقف العمليات خشية “إرهاق المجتمع” . باختصار، إذا تحول الصراع إلى حرب
استنزاف مطوّلة، فإن إسرائيل ستواجه ضغوطاً داخلية واقتصادية غير مسبوقة تساهم في فرض واقعية دفاعية عليها
.
الجغرافيا العسكرية وتوزع الجبهات
إسرائيل محاطة على نحو يوصف بأنه “قوس من النيران” في المنطقة، إذا ما بقيت إيران تملك قواعد دعم قوية. ففي
الشمال تهددها صواريخ حزب الله من لبنان، وفي الجنوب صواريخ وغارات حماس من غزة، وفي الشرق تهددها
ميليشيات فلسطينية في الضفة وسوريا، وفي الغرب تهددها هجمات الحوثيين من اليمن. يرى الخبراء أن خوض حرب
على جبهات متعددة في آن واحد يؤدي إلى تشتت الجهود القتالية. ففي تحليل ميداني، خلص معهد أبحاث فرنسي
إلى أن منهجية إسرائيل المعتمدة على الضربات الجوية والعمليات بعيدة المدى قد تطيل الصراع في حال
تعدد الجبهات . إذ أنّ التركيز على استهداف الأهداف بعيدة المدى يعجز عن اختصار الحرب إذا انخرطت وحداتها البرية
في عدة محاور. كما كان محللون إسرائيليون قد حذّروا من أن أيّ توسّع جغرافي للصراع )مثلاً نحو اليمن أو عراق
كردستان( يزيد الطين بلّة ويحرج الدفاعات الجوية الإسرائيلية .
الفرنسي إلى أن القيادة الإسرائيلية قبل أكتوبر 2023 كانت تعتبر إيران IFRI على صعيد التهديدات، يشير تقرير
وحلفاءها )وخاصة حزب الله( التهديد الأكبر ، نظراً لترسانة الصواريخ الهائلة التي تملكها هذه الجهات )حيث يقدّر
ترسانة حزب الله بأكثر من 150 ألف صاروخ قادر على الوصول إلى عموم إسرائيل( . وإذا تكبد الجيش الإسرائيلي
خسائر أو انشغالاً بمدافعته عن أهداف حيوية في غزة والضفة، فإن قدرة إيران وحلفائها على الاستفادة من نقاط
الضعف في الجبهات الأخرى ستزيد. باختصار، التحليل العسكري يؤكد أنّ خوض معركة في خمسة أو سبعة جبهات في
آنٍ واحد يُضعف أي جيش مهما كانت قوته، مما يجبره على التحول لحماية المراكز الحيوية فقط وترك الأطراف .
العوامل النفسية وتحمل الخسائر
الجانب النفسي والمعنوي في حرب الإرادة قد يُنقذ الطرف الأكثر إصراراً. دراسات الحرب غير المتكافئة تبيّن أن المعنويات
والصمود تلعب دوراً مركزياً: فبينما يحتمل اليهود في دولة إسرائيل خسائر كبيرة ضمن أيديولوجية الدفاع عن
بما يحول كل خسارة إلى تكاليف سياسية على » وجودي « الوطن ، يُنظر إلى حماس وحزب الله وإيران على أن صراعهم
الخصم. كما نوهت أبحاث استراتيجية إلى أن الأطراف التي ترى الصراع مسألة حياة أو موت تقبل بصبر على ضياع
الأرواح والوقت لصالح إرهاق العدو . مثال ذلك ما حصل في فيتنام، حيث رفض الشمال احتمال وقوف صفقة سلام
على حساب كرامتهم الوطنية، فصمد رغم الخسائر الكبيرة وأطاح بالقوات الأمريكية رغم تفوقها العسكري .
على النقيض، يمكن لمجتمع ديمقراطي مثل إسرائيل أن تتراجع إرادته في حال ضياع مئات الجنود. تحليلات داخلية أشارت
إلى أن المجتمع الإسرائيلي – خصوصاً وهو مجتمع هجرة حديث – قد يضعف مداهُ الجسديّ والمعنويّ أمام استمرار حزام
الصراعات، لا سيّما إذا فقد الثقة بالتخطيط الحكومي وانتشر شعور “لا نهاية تلوح في الأفق”. فالدول الديمقراطية
تخشى أزمة شرعية إذا طالت الحرب وتهافت الناس على الشكوى من الخسائر والجرائم . بالمقابل، الحماس
والخزي المقداد قبلوا في الماضي تكبّد الكثير من الضحايا لا لشيء سوى الحفاظ على وجودهم السياسي، وهذا ما
أرخته نظريات الحرب بالوكالة: الطرف الذي يكون لديه هامش خسارة أقل وصبر أطول، يفرض وقائع حرب استنزاف على
منافسه .
)Shift in Strategic Posture( التحوّل من الهجوم إلى الدفاع
تُشير التجارب التاريخية إلى أن فشل الهجوم الصاعق يُقلب ميزان الصراع إلى الدفاع. في حالة إسرائيل، إذا عجزت عن
إسقاط إيران أو حلفائها بسرعة، فإنه سرعان ما سيتغيّر الصراع إلى حماية المكاسب الحالية. فقد أثبت التاريخ أن الدول
الكبرى لا تنهزم في معركة واحدة، بل عندما تفقد الرغبة السياسية في القتال. مثلا، لم تُهزم الولايات المتحدة
عسكرياً في فيتنام بأية معركة محدّدة، لكن انسحابها جاء عندما فقدت الإدارة الأمريكية صبرها على التكاليف الهائلة
. بالمثل، ثبّت العرب أن الحرب على الاتحاد السوفياتي في أفغانستان انتهت بسحب موسكو لقواتها رغم التفوق
الكبير في العتاد، لأن “المجاهدين” أجبروا الجنرال غورباتشوف على الاعتراف بعدم الجدوى .
من هذا المنظور، فإن عجز إسرائيل عن تحقيق نصر سريع قد يجعل الصراع بعدها دفاعياً بحتاً. سوف يضطر الجيش إلى
تركيز جهوده على حماية المدن الكبرى والمستوطنات الرئيسة، وإسنادها إلى الدرع الصاروخي وأنظمة الدفاع الجوّي،
بينما تصبح أرجاء الحدود بمثابة “مناطق ميتة” مُتخلية عنها من الناحية العملياتية. وعلمياً، هذا التحول لا يعني هزيمة
كبرى مفاجئة، بل قلب استراتيجي تدريجي يصيب الخصم بواقع دفاعي مزمن ويُثقل كاهل اقتصاده ومؤسساته
.
الخلاصة: تقييم المنطقية والعاطفية
بالنظر إلى الأدلة السابقة، يبدو أن إطار التحليل المذكور يجمع بين عناصر منطقية وأخرى مغالى فيها. منطق الردع
والحرب بالموارد مصطلحات حقيقية في علوم العلاقات الدولية، وقد ثبت في نماذج سابقة أن صمود الخصم يزيد كلفة
الهجوم عليه . كذلك صحيح أن إسرائيل ضعيفة عملاقياً مقارنة بفضاء جغرافي ضيق وعدد سكان محدود يمكنها
تعبئتهم، وأن حرباً مفتوحة متعددة الجبهات قد تستنزف قدراتها .
لكن هناك عدة افتراضات مفقودة أو مبالغ فيها في التحليل الأصلي:
لم يثبت عملياً. إذا » كسر إيران بالكامل « - أهداف الهجوم غير واضحة : الافتراض القائل بأن هدف تل أبيب وأمريكا كان
كان الهدف المحدد تقليص قدرات إيران أو النيل من مواقعها النووية، فإن الفشل في ذلك ليس بالضرورة انتصاراً إيرانيّاً
مطلقاً. بل يُمكن أن يكون جزءاً من لعبة ردع جديدة فيها الطرفان يسعيان لإعادة رسم قواعد اللعبة .
- قدرة إسرائيل على التكيّف : رغم الضيق الاستراتيجي، تمتلك إسرائيل منظومة دفاع جوية غير مسبوقة وشبكات إنذار
مبكر متطورة، بالإضافة إلى دعم لوجستي وسياسي دولي. بمعنى آخر، حملات استنزاف محدودة يمكنها الصمود
لسنوات إذا كانت موّجهة ومؤدلجة جيداً.
- المقارنة التاريخية : استُخدمت فترتا حرب فيتنام وأفغانستان كمثال على مدى صبر القوى العظمى. لكن الحالتان
تختلفان عن تحدي كيانات دولية تقاتل معاً ضد دولة فاعلة في دول ذات صلة بها. إسرائيل شاركت في حروب مماثلة
1970 ، وحرب لبنان 1982 ( ولم تنهزم نتيجة واحدة، بل أنهت كلاهما بتسويات عسكرية. من المهم - )حرب الاستنزاف 1967
تذكّر أن النتائج العسكرية تخضع لاعتبارات سياسية معقدة .
بناءً على ذلك، فإن تقييمنا الختامي هو أن هذه الأطروحات تحتوي على بواطن منطقية مبنية على نظريات
استراتيجية حقيقية ، لكنها أيضاً متأثرة بنظرة أحادية الجانب ومختزلة . بمعنى آخر، لقد خلطت بين المنطق
النظري للتوازن والاستنزاف وواقع سياسي وعسكري أكثر تعقيداً. فالتفسير لا يمكن أن يكون خالياً تماماً من
العوامل العاطفية أو السياسية؛ إذ تتمثل الحقيقة العلمية في أن صمود إيران يجعل استمرار الهيمنة الإسرائيلية
مكلفاً بشدة، لكنه لا يكفي لوحده لتدمير الدولة الإسرائيلية. تتطلب صورة الانتصار أو النصر المأمول في حروب العصر
المزيد من التوازن بين منطق الردع واستجابة الخصم الفعلية وقيود الوقت والتكنولوجيا
#معتصم_العزة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟