أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق ناجح - طارق ناجح يكتب: خريف العمر (النص الأصلي)














المزيد.....

طارق ناجح يكتب: خريف العمر (النص الأصلي)


طارق ناجح
شاعر، قاص، وكاتب

(Tarek Nageh)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


كان يلعب بالكرة وحيدا ذات صباح يوم حار من أيام الصيف فى أواخر ثمانينات القرن الماضى أمام منزل جده المبنى بالطوب اللبن، كواحد من أقدم منازل القرية، والذى يتقاسمه والده مع عمه الأصغر. كان ينظر حوله باحثا عن أحد من أقرانه ليشاركه اللعب عندما نادت عليه جدته. ذهب إليها مسرعا وهو يحمل الكرة بين يديه وقطرات العرق تتساقط من جبينه عليها.

طاهر: أيوه يا ستى..

الجدة: خد يا حبيبى بطاقة سيدك والختم بتاعه وروح الجمعية الزراعية اللى قبلى البلد وهات المعاش علشان جدك فى الغيط ..

طاهر: حاضر يا ستى ..

كان طاهر قد تجاوز عامه التاسع و هو متعلق بجدته لأبيه.. فجداه لأمه قد رحلا قبل ولادته. كان يصور له خياله أحيانا كثيرة أن أسرة جدته ليست من أهل القرية، فهم أصحاب عيون ملونة ووجوه حلوة التقاطيع.. وكأن أصولهم ألبانية أو تركية أو ما شابه ذلك.. وقد كان من أشد المعجبين بجده، أخو جدته، فقد كان معتدل القامة، قوى البنية، وجهه أحمر كجندى إنجليزى وعيناه خضراوان وله شارب كث أبيض يرفع طرفاه لأعلى وكأنه أحد الباشاوات أو الإقطاعيين الأجانب الذين أخذوا منه أرضه وأرسلوه بعيدا .. كان يشبه إلى حد بعيد الفنان القدير محمود مرسى .. و ظل حتى ٱخر أيامه، وقد اقترب من عقده الثامن، نشيطا، يذهب إلى حقله و يحضر الحشائش والبرسيم لبهائمه.. فقد كان يعيش فى بيته الكبير مع زوجته فقط، فلم يرزقهما الله بأبناء .

ارتدى طاهر جلبابه وشبشبه منطلقا نحو بغيته.. ماسكا فى يده عصا خوفا من الكلاب المتسكعة فى الشوارع.. ها هو اقترب من غرفة التليفون حيث يوجد التليفون العتيق الخاص بالعمدة للتواصل مع المركز من خلال الخفر وشيخهم المتواجدين بالغرفة كما أنه يتم اصطحاب الخارجين على القانون إليها واحتجازهم بها حتى يتم ترحيلهم إلى نقطة الشرطة التابعة لها القرية أو مركز الشرطة بالمدينة. الجمعية الزراعية على بعد خطوات.. وهى عبارة عن جزء من منزل كبير خاص بأحد أقارب العمدة ومواجه لبيت العمدة.. الذى يحيط به سور عالى تبدو من خلفه الأشجار والنخيل وجزء من الطابق العلوى لدوار العمدة ..

صعد طاهر ثلاث درجات السلم الحجرى ليصبح فى باحة الجمعية الزراعية التى لا تتعدى مساحتها عشرة أمتار مربعة اكتظت بعشرات من شيوخ القرية.. نساء ورجال افترشوا الأرض داخل الباحة وخارجها فى مجموعات.. النساء فى مجموعات.. والرجال فى مجموعات.. يملؤون المكان كلاما و طنينا كطنين النحل عندما يهدم أحدهم عشه.. عش الدبابير . يجترون ذكرياتهم منذ سنوات طويلة خلت عندما كانوا فى عنفوان شبابهم.. ولسان حالهم.. وأيديهم المرتعشة من شدة الوهن.. والتجاعيد المتموجة المحفورة على جباههم بفعل الزمن.. وأطلال أسنانهم الشاهدة على أنه كان يسكن هذا الفم أسنان قوية.. جرشت الفول.. وقضمت القصب بعد أن قشرته ليدخل بين رحاياها لتلفظه وهو مجرد ألياف جافة كالتى تخرج من المعصرة تماما.. كلها تقول "ليت الشباب يعود يوما".

سرح طاهر بخياله بعيدا مع حكايات الأيام الخوالى.. وهو ينظر إلى بعضهم وهم جالسون صامتون وكأن على رؤوسهم الطير.. واجمين.. ناظرين إلى لا شىء.. والفضول يكاد يقتله.. ترى ما حكاية هؤلاء.. ترى كيف مرت بهم السنوات الطوال حتى جاءوا إلى هذه الساعة وقد هرموا.. هل كانت حياتهم قاسية أم لينة؟ هل مرت عليهم ليالى الشتاء الطويلة وهم فى دفء وشبع.. أم فى برد وجوع.. فتمر الثوانى ثقيلة وكأنها أعوام.. وگأن الصبح لن يدركهم أو أنهم لن يدركوه؟؟ هل عاشوا حياتهم كلها داخل أسوار القرية القابعة بين الجبل الشرقى ونهر النيل.. أم أنهم ارتحلوا بين القرى والنجوع بأمر لقمة العيش.. ترى كم واحد منهم كان شقيا.. قاطع طريق.. كم واحد منهم نقب الحيطان المبنية بالطوب اللبن بسمك يتجاوز النصف متر ليسرق البهائم فى زمن كان فيه أبناء الليل، أسطورة كأساطير أدهم الشرقاوى وأبو زيد الهلالى.. أم أن حياتهم كانت هادئة رتيبة ومملة؟ هل عاشوا حقا كل هذه السنوات؟ هل شعروا بها وهى تتسرب من بين أيديهم؟ أم أنها مرت كومض الضوء.. كلمح البصر.. فلم يشعروا إلا وهم جالسون الٱن فى انتظار بعض جنيهات تعينهم على الحياة وهم فى أرذل العمر.. بعد أن كانوا يلعبون البارحة لعبة العسكر والحرامية ..

لم يفق طاهر من أفكاره تلك إلا على ضجيج رفقائه الشيوخ و هم يكررون اسم جده وراء الموظف ليستلم معاشه ولينقص الحاضرون واحدا.. أخذ الموظف ختم جده وبطاقته وهو يعلم جيدا أن صاحب هذه البطاقة على قيد الحياة.. فلا شىء يخفى فى هذه القرية.. ولا يستطيع أحد أن يخدعه. أخذ طاهر النقود آملا أن تعطيه جدته بعض القروش ليشترى بعض الحلوى من دكان عم شاكر.



#طارق_ناجح (هاشتاغ)       Tarek_Nageh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طارق ناجح يكتب : خريف العمر
- هِيَ والقَمَر .. بقلم: طارق ناجح
- لقد سقطت الأقنعة
- إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَفْسِكَ وَاعِظٌ
- مُسَافِرٌ عَبْرَ الْخَيَالِ -قصة قصيرة-
- هلِ انْتَهَى عَصْرُ الرُّومَانْسِيَّةِ؟
- طَارِق نَاجِح يَكتُب : آهٍ… يَا قَلْبِي الدَّامِي
- طارق ناجح يكتب : ما الحبيبُ إلّا ابتلاءُ
- طارق ناجح يكتب : إغتالوا حُلم طفولتها
- شهداء -الأسفلت-.. حرب صامتة تحصد أرواحاً أكثر من الحروب!
- طارِق نَاجِح يَكتُبْ : حُبُّ رَجُلٍ على أَعْتابِ الأَرْبَعين
- طارق ناجح يكتب : بلاد أبعد من الخيال
- طارق ناجح يكتب : ياريت كُنَّا إتقابلنا
- التسعينات .. وما أدراك ما التسعينات
- طارق ناجح يكتب : عندما يأتي الرحيل !!
- طارق ناجح يكتب : يوسف منصور المُفتَرَى عَلِيه
- طارق ناجح يكتب: قيِدْ شَمْعِةْ حُبَّكْ قِيِدْ
- طارق ناجح يكتب : ضُميني يا حبيبتي
- طارق ناجح يكتب : أعز صديق
- طارق ناجح يكتب قصيدة: أُحِبُّكِ


المزيد.....




- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق ناجح - طارق ناجح يكتب: خريف العمر (النص الأصلي)