أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق ناجح - طارق ناجح يكتب : خريف العمر














المزيد.....

طارق ناجح يكتب : خريف العمر


طارق ناجح
شاعر، قاص، وكاتب

(Tarek Nageh)


الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


١) **بِرَاءَةُ اللَّعِبِ**

كانَ يَلْعَبُ بِالكُرَةِ وَحيدًا ذاتَ صَباحِ يَوْمٍ حارٍّ مِن أَيّامِ الصَّيْفِ، في أَواخِرِ ثَمانينياتِ القَرْنِ الماضي، أَمامَ مَنْزِلِ جَدِّهِ المَبْنِيِّ بِالطُّوبِ اللَّبِنِ، كَواحِدٍ مِن أَقْدَمِ مَنازِلِ القَرْيَةِ، والَّذي يَتَقاسَمُهُ والِدُهُ مَعَ عَمِّهِ الأَصْغَرِ.

كانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ باحِثًا عَنْ أَحَدٍ مِن أَقْرانِهِ لِيُشارِكَهُ اللَّعِبَ، عِنْدَما نادَتْ عَلَيْهِ جَدَّتُهُ. ذَهَبَ إِلَيْها مُسْرِعًا، وَهُوَ يَحْمِلُ الكُرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَطَراتُ العَرَقِ تَتَساقَطُ مِن جَبينِهِ.

**طاهِر:** أَيُّوهْ يا سِتِّي…
**الجَدَّة:** خُدْ يا حَبيبِي بِطاقَةَ سَيِّدِك وَالخَتْمَ، وَرُوحِ الجَمْعِيَّةَ الزِّراعِيَّةَ… وَهاتِ المَعاش، عَشانْ جَدَّك فِي الغَيْطِ.
**طاهِر:** حاضِر يا سِتِّي.
★★★★★★★★★★

٢) **جُذُورٌ وَذِكْرَيَات**

كانَ طاهِرٌ قَدْ تَجاوَزَ عامَهُ التّاسِعَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِجَدَّتِهِ لأَبِيهِ. أَمّا جَدّاهُ لأُمِّهِ فَقَدْ رَحَلا قَبْلَ وِلادَتِهِ.

كانَ يَتَخَيَّلُ أَحيانًا أَنَّ أُسْرَةَ جَدَّتِهِ لَيْسَتْ مِن أَهْلِ القَرْيَةِ؛ فَهُمْ أَصْحابُ عُيونٍ مُلَوَّنَةٍ وَوُجوهٍ جَميلَةِ التَّقاطيع… كَأَنَّ أُصُولَهُمْ أَلْبانِيَّةٌ أَو تُرْكِيَّةٌ.

وَقَدْ كانَ مِن أَشَدِّ المُعْجَبينَ بِجَدِّهِ، أَخِي جَدَّتِهِ؛ فَقَدْ كانَ مُعْتَدِلَ القامَةِ، قَوِيَّ البِنْيَةِ، وَجْهُهُ أَحْمَرُ، وَعَيْناهُ خَضْراوانِ، وَلَهُ شارِبٌ كَثِيفٌ أَبْيَضُ يَرْتَفِعُ طَرَفاهُ لأَعْلى… وَكَأَنَّهُ أَحَدُ الباشاواتِ.

وَظَلَّ، حَتّى آخِرِ أَيّامِهِ، نَشيطًا يَذْهَبُ إِلى حَقْلِهِ، وَيَجْلِبُ الحَشائِشَ وَالبِرْسيمَ لِبَهائِمِهِ.
★★★★★★★★★★

٣) **طَريقُ الجَمْعِيَّة**

اِرْتَدى طاهِرٌ جِلْبابَهُ وَشِبْشِبَهُ، وَانْطَلَقَ، يُمْسِكُ بِعَصًا خَوْفًا مِن الكِلابِ.

مَرَّ بِغُرْفَةِ التِّلِيفونِ العَتيقِ الخَاصِّ بِالعُمْدَةِ، حَيْثُ يَتَواجَدُ الخُفَرُ وَشَيْخُهُمْ، وَحَيْثُ يُحْتَجَزُ أَحْيانًا الخارِجونَ عَنِ القانُونِ.

لَمْ تَكُنِ الجَمْعِيَّةُ الزِّراعِيَّةُ بَعِيدَةً؛ فَهِيَ جُزْءٌ مِن مَنْزِلٍ كَبيرٍ يُواجِهُ بَيْتَ العُمْدَةِ، الَّذي تُحيطُ بِهِ أَشْجارٌ وَنَخِيلٌ.
★★★★★★★★★★

٤) **مَشْهَدُ خَريفِ العُمْر**

صَعِدَ طاهِرٌ دَرَجاتٍ قَليلَةً، فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي باحَةٍ ضَيِّقَةٍ اكْتَظَّتْ بِعَشَراتِ الشُّيوخِ… نِساءً وَرِجالًا.

كَلامٌ كَطَنينِ النَّحْلِ… بَلْ كَطَنينِ الدَّبابيرِ بَعْدَ هَدْمِ عُشِّها.
وُجوهٌ مُتَجَعِّدَةٌ… أَيْدٍ مُرْتَعِشَةٌ… وَأَسْنانٌ لَمْ يَبْقَ مِنها إِلّا أَطْلالٌ.

وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِمْ يَقولُ:
«لَيْتَ الشَّبابَ يَعودُ يَوْمًا…»
★★★★★★★★★★

٥) **أَسْئِلَةُ الطِّفْل**

سَرَحَ طاهِرٌ بِخَيالِهِ…
تُرى كَيْفَ عاشُوا؟
هَلْ شَعَرُوا بِالسِّنينِ وَهِيَ تَمُرُّ؟
أَمْ مَرَّتْ كَلَمْحِ البَصَرِ؟

هَلْ عَرَفُوا الدِّفْءَ وَالشِّبَعَ؟
أَمِ البَرْدَ وَالجوعَ؟

هَلْ كانَتْ حَياتُهُمْ مُغامَرَةً… أَمْ رُتابَةً طَويلَةً؟

أَسْئِلَةٌ تَتَلاحَقُ… وَقَلْبُهُ الصَّغيرُ لا يَحْتَمِلُ كُلَّ هَذا الثِّقَل.
★★★★★★★★★★

٦) **لَحْظَةُ الاِسْتِفاقة**

لَمْ يُفِقْ إِلّا عَلى صَوْتِ المُوَظَّفِ يُنادِي اسْمَ جَدِّهِ…
تَكَرَّرَ الاِسْمُ… وَنَقَصَ الحاضِرونَ واحِدًا.

أَخَذَ المُوَظَّفُ البِطاقَةَ وَالخَتْمَ، ثُمَّ سَلَّمَهُ النُّقودَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ صاحِبَها لا يَزالُ عَلى قَيْدِ الحَياةِ… فَلا شَيْءَ يَخْفى فِي القَرْيَةِ.
★★★★★★★★★★

٧) **خاتِمَة: قِصَرُ الطَّريق**

عادَ طاهِرٌ يَجْري، يُحكِمُ قَبْضتَهُ على النُّقودِ كأنَّهُ يَخشى أن تَتَساقَطَ مِن بينِ أَصابِعِه…
توقَّفَ قُبالةَ دُكّانِ عَمِّ شاكِر، نَظَرَ إلى الحَلْوَى، ثُمَّ إلى يَدِه… ثُمَّ أَعادَ النَّظَرَ إلى الطَّريقِ خَلْفَه، حَيْثُ تَتَلاشَى أَصواتُ الشُّيوخِ ببطء.

فَجْأَةً…
تَخَيَّلَ نَفْسَهُ جالِسًا هُناكَ بَعْدَ سِنِينَ، يَنْتَظِرُ دَوْرَهُ، وَيُرَدِّدُ مَعَهُمْ نَفْسَ الأَسْماءِ… وَنَفْسَ الأُمنِيَةِ:

«لَيْتَ الشَّبابَ يَعودُ يَوْمًا…»

اِرْتَعَشَتْ يَدُهُ قَلِيلًا… فَأَغْلَقَ كَفَّهُ عَلَى النُّقودِ، وَمَضَى مُسْرِعًا…
لا يَعْرِفُ لِماذا شَعَرَ أَنَّ الطَّريقَ قَصيرٌ جِدًّا…
وَأَنَّ العُمْرَ أَقْصَر.

بقلم : طــارقــــ نــــاجــــح



#طارق_ناجح (هاشتاغ)       Tarek_Nageh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هِيَ والقَمَر .. بقلم: طارق ناجح
- لقد سقطت الأقنعة
- إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَفْسِكَ وَاعِظٌ
- مُسَافِرٌ عَبْرَ الْخَيَالِ -قصة قصيرة-
- هلِ انْتَهَى عَصْرُ الرُّومَانْسِيَّةِ؟
- طَارِق نَاجِح يَكتُب : آهٍ… يَا قَلْبِي الدَّامِي
- طارق ناجح يكتب : ما الحبيبُ إلّا ابتلاءُ
- طارق ناجح يكتب : إغتالوا حُلم طفولتها
- شهداء -الأسفلت-.. حرب صامتة تحصد أرواحاً أكثر من الحروب!
- طارِق نَاجِح يَكتُبْ : حُبُّ رَجُلٍ على أَعْتابِ الأَرْبَعين
- طارق ناجح يكتب : بلاد أبعد من الخيال
- طارق ناجح يكتب : ياريت كُنَّا إتقابلنا
- التسعينات .. وما أدراك ما التسعينات
- طارق ناجح يكتب : عندما يأتي الرحيل !!
- طارق ناجح يكتب : يوسف منصور المُفتَرَى عَلِيه
- طارق ناجح يكتب: قيِدْ شَمْعِةْ حُبَّكْ قِيِدْ
- طارق ناجح يكتب : ضُميني يا حبيبتي
- طارق ناجح يكتب : أعز صديق
- طارق ناجح يكتب قصيدة: أُحِبُّكِ
- طارق ناجح يكتب قصيدة : عندما أقول لكِ سلام


المزيد.....




- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...
- احتجاز الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر خلال احتجاج ض ...
- 120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف
- -روسيا وإيطاليا-.. كتاب جديد يرصد جسور الثقافة التي جمعت الب ...
- ما الأسماء التي يختارها الروس لمواليدهم في 2026 وما دلالاتها ...
- روسيا وسوريا تبحثان استئناف مشروع ترميم قوس النصر في تدمر
- إيطاليا تحظر البرقع والنقاب في المدارس وتقيد الطلاب الضعاف ف ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق ناجح - طارق ناجح يكتب : خريف العمر