أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - روند بولص - غيمري .. رحلة بين الأمكنة و القلوب














المزيد.....

غيمري .. رحلة بين الأمكنة و القلوب


روند بولص

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 20:00
المحور: الادب والفن
    


صدر مؤخرًا عن دار المدى للثقافة والفنون، كتابٌ يحمل عنوان "غيمري.. كدتُ أصبح إمامًا"، للكاتب جورج منصور، وهو عملٌ يتجاوز في بنائه السردي حدود السيرة الذاتية التقليدية ليغدو نصًا إنسانيًا غنيًا بالتجربة والمعايشة، وبالشهادة على زمكان وتحولات كبرى. ففي صفحات هذا الكتاب تتداخل الذاكرة بالحياة، وتنصهر التجربة الشخصية مع التأملات والرؤى العميقة، لتتشكل منهما معًا لوحة سردية متكاملة الأطراف، تمتد من الوطن وبلدته عنكاوا إلى مدينة موسكو المدهشة، مرورًا بعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بما تحمله تلك الجغرافيا الواسعة من تنوع ثقافي وحضاري وعرقي.
تبدأ الحكاية من قصة صداقة نادرة، مؤلمة ومثيرة للوجدان في آن، عاشها الكاتب وما تزال حية في ضميره رغم الرحيل الأبدي لصديقه الوفي "خالد". إنها صداقة لم تخلُ من لحظات الشك والبرود والعتاب في بعض فصولها، لكنها في جوهرها العميق ظلت علاقة إنسانية استثنائية تفيض بالألم والوفاء والاعتزاز، وتشكل إحدى العتبات الوجدانية الرئيسية التي تنفتح منها صفحات السيرة على مصراعيها. ومن هذا المدخل الإنساني الخالص تبدأ رحلة الكاتب الأولى خارج الوطن، حين يغادر بجواز سفر مزور، مجازفًا بحياته في ظل نظام سياسي قمعي كان يهيمن على البلاد آنذاك، ليصل إلى موسكو ويلتحق بزمالة دراسية هناك.
ومن تلك المدينة الفسيحة تبدأ رحلة متعددة الأوجه والمنعطفات: رحلة دراسية بالدرجة الأولى، لكنها أيضًا رحلة حياتية وإنسانية بامتياز، تتشكل خلالها شخصية الكاتب من جديد عبر ما يعيشه من تجارب وعلاقات وأفكار. تمتد الرحلة من مقاعد الدراسة في قاعات الكلية إلى الحياة اليومية في الأقسام الداخلية، ومن اختلاطه بزملاء أجانب من ثقافات متباينة إلى مواجهة برد المدن السوفياتية القارس وشتائها الطويل الذي لا يرحم.
ومن نوافذ القطارات التي رافقته في أسفاره الطويلة كان الكاتب يطل على عوالم جديدة لم يألفها؛ قطارات سار فيها طويلًا عابرًا سهوبًا شاسعة وغابات ممتدة، ومحطات انتظر فيها بصبر يتأمل حركة الناس وأحوالهم، قبل أن تعبر به تلك القطارات إلى مدن وعواصم متعددة يصفها بدقة وحس تصويري بارع يجعل القارئ شبه حاضر في فضائها، متفاعلًا مع مروجها الخضراء وثلوجها المتراكمة، ومع تراثها وناسها وأزهارها وعطورها.
تتصاعد في هذه السيرة الأحداث والمواقف في نسق درامي مشوق، يكشف من خلاله الكاتب جانبًا من يوميات طالب شرقي في بيئة مختلفة كليًا، عارضًا تفاصيل حياته بواقعية صادقة خالية من الزيف أو الرتوش؛ من اندفاعه العاطفي في علاقاته المتعددة، إلى إقباله على المشروبات الروحية في محاولة للاندماج أو الهرب، وصولًا إلى ضيق موارده المادية التي كانت تدفعه أحيانًا إلى ابتكار حلول غير تقليدية. وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على ملامح القسوة في النظام السياسي السوفياتي آنذاك، من خلال رقابة دائمة وتوجيهات حزبية صارمة تحد من حرياته الشخصية والأكاديمية.
غير أن مسار السيرة يشهد منعطفًا دراميًا حادًا حين يضطر الكاتب، بقرار حزبي لا راد له، إلى ترك كل ما بناه هناك: أحلامه الأكاديمية في إكمال الدراسات العليا، وعلاقاته الإنسانية العميقة، وصداقاته الحميمة، وحتى مقاعد الدراسة التي كانت تمثل له ملاذًا معرفيًا، ليغادر موسكو في ظروف دراماتيكية ويلتحق بحركة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان العراق، حاملًا معه ذاكرة مثقلة بتجارب التكوين الأولى.
كُتبت هذه السيرة بلغة أنيقة عذبة وسلسة تأسر القارئ منذ السطور الأولى، بلغة لا تتكلف الزخارف البلاغية الزائدة، وإنما تنساب انسياب النهر في مجراه الطبيعي. وهي لا تقف عند حدود السيرة التقليدية بوصفها مجرد تسجيل زمني للأحداث، بل تتجاوز ذلك لتلامس أحيانًا أفق القصة القصيرة بحكاياتها المكثفة، وفي مواضع أخرى تقترب من تقنيات الرواية المتطورة من حيث تعدد الشخصيات المرسومة بعناية، والحبكة المحكمة وتشابك الأحداث وتداخلها، ودقة التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات كبرى، وحضور المكان والزمان بوضوح لافت يجعلهما عنصرين فاعلين في السرد وليس مجرد إطار جامد.
ولا يكتفي النص بسرد التجربة الشخصية بمعزل عن سياقها الأوسع، بل يقدم للقارئ أيضًا ثروة من المعلومات التاريخية الدقيقة، والجغرافية المفصلة، والحضارية الثرية، والفنية المتنوعة، فيتحول الكتاب بهذا إلى رحلة معرفية ممتعة تشبه السياحة الفكرية والثقافية في أزمنة وأمكنة متعددة.
كما يثري الكاتب سرده باقتباسات منتقاة بعناية لعدد من المفكرين والشعراء والعظماء من مختلف الثقافات والحضارات، يوظفها بذكاء في سياق التجربة ليمنحها بعدًا فكريًا وتأمليًا أعمق، وليربط الخاص بالعام، والفردي بالكوني.
وهكذا يغدو كتاب "غيمري... كدتُ أصبح إمامًا" أكثر من مجرد سيرة شخصية؛ إنه شهادة حية على مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة، وتجربة إنسانية ثرية بتفاصيلها وتحولاتها، ونص أدبي متماسك يجمع بين دفء الذاكرة وجماليات السرد وعمق المعرفة، ويمنح قارئه رحلة نابضة بالصدق والحنين والاكتشاف، لا تكشف فقط عن ملامح حياة كاتبها، بل تعكس أيضًا صورة جيل كامل عاش تحولات كبرى بين الشرق والغرب، بين الأيديولوجيا والحلم، بين الانتماء والاغتراب.
ومن الجدير بالذكر أن كان قد صدر للكاتب عام 2022 عن دار الرواق في بغداد/ كتاب (ايفين حفر في الذاكرة ) وهو من ادب السيرة، يتحدث فيه الكاتب عن سيرته الذاتية ومسيرة حياته وأهم محطاتها بواقعية ومصداقية وشفافية. سيرة وثّق فيها الأحداث والوقائع، واصفًا إياهًا بدقة متناهية مما جعلها تتجسد وتستحضر أمام القارئ وكأنها تحدث اليوم وهو يشاهدها في مشهد تلفزيوني حاضر للعيان مفعم بالإحساس والعفوية. مذكرات وسيرة كتبها بأسلوب أدبي إبداعي، ترتقي فصول منها أحيانا إلى معايير الرواية ، وفصول أخرى تميل الى أدب السجون، مذكرات تأخذ القارئ في رحلة حياتية مفعمة بالإنسانية والألم والمعرفة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الناشط المدني ومحنته
- تسييس المجتمع وعسكرته وجهان للعملة واحدة
- سعر الطفل العراقي عشرة آلاف دينار فقط
- ألحكم الذاتي للمسحيين واستباحة أرض عنكاوا
- الانتخابات والبحث عن الهوية الوطنية


المزيد.....




- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...
- 29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
- في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح ...
- بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح ...
- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - روند بولص - غيمري .. رحلة بين الأمكنة و القلوب