أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد الجسار - التمكين السيادي بالأرقام: قراءة في قدرة الاقتصاد العراقي على الصمود














المزيد.....

التمكين السيادي بالأرقام: قراءة في قدرة الاقتصاد العراقي على الصمود


احمد الجسار
باحث واحصائي

(Ahmed Jamal Al-jassar)


الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 13:06
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في أوقات الأزمات غالباً ما يتركز الخطاب الاقتصادي على الخسائر والمخاطر، بينما تبقى عناصر القوة أقل حضوراً في النقاش العام. غير أن القراءة التحليلية للبيانات تكشف أن الأرقام لا تعكس فقط مواطن الضعف، بل تظهر أيضاً قدرة الاقتصادات على الصمود والتكيف. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التطورات الاقتصادية الأخيرة في العراق من زاوية مختلفة، تقوم على تحليل المؤشرات الاقتصادية بوصفها أدوات لفهم التمكين السيادي المدعوم بالبيانات.

تشير بيانات وزارة النفط وشركة تسويق النفط العراقية (SOMO) إلى أن العراق دخل عام 2026 بمؤشرات قوية في قطاع الطاقة، وهو القطاع الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فقد بلغت الصادرات النفطية خلال شهر يناير 2026 أكثر من 107 ملايين برميل، محققة إيرادات تجاوزت 6.4 مليارات دولار، وبمتوسط سعر بلغ نحو 60 دولاراً للبرميل.

وتظهر تفاصيل التوزيع الجغرافي للصادرات أن الحقول الوسطى والجنوبية استحوذت على الحصة الأكبر، إذ تجاوزت صادراتها 101 مليون برميل، في حين تم تصدير نحو 6.4 ملايين برميل عبر خط أنابيب كركوك – جيهان عبر الأراضي التركية. وتعكس هذه الأرقام مستوى مهماً من الاستقرار التشغيلي في قطاع الطاقة العراقي، رغم البيئة الإقليمية المعقدة التي يعمل فيها.

غير أن التطورات التي شهدها مطلع شهر مارس 2026 فرضت مجموعة من التحديات الجديدة. فقد تم تعليق تصدير نحو 200 ألف برميل يومياً عبر خط كركوك–جيهان كإجراء احترازي مرتبط بالظروف الأمنية والإقليمية. كما أن اضطرابات الملاحة في الخليج أثارت مخاوف تتعلق بعمليات الإنتاج في حقل الرميلة، أكبر الحقول النفطية في العراق، حيث يضع ذلك ما يقارب 1.3 مليون برميل يومياً ضمن دائرة المخاطر اللوجستية المرتبطة بعمليات النقل والتصدير.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد الاقتصادي لا تكتمل دون النظر إلى تطورات السوق العالمية للطاقة. فقد ارتفع سعر خام برنت ليصل إلى نحو 82 دولاراً للبرميل في بداية مارس 2026، وهو ارتفاع يسهم في تعويض جزء من انخفاض كميات التصدير المحتمل. وبعبارة أخرى، فإن ارتفاع الأسعار العالمية يمكن أن يحافظ على مستوى مقبول من التدفقات النقدية النفطية، خصوصاً إذا ما تم تعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي أو تفعيل بدائل النقل والتصدير.

وفي موازاة قطاع الطاقة، تظهر البيانات النقدية صورة لافتة من الاستقرار المالي. فقد حافظ البنك المركزي العراقي على مستوى مرتفع من الاحتياطيات الأجنبية التي تتراوح بين 98 و100 مليار دولار مع بداية عام 2026. وتكتسب هذه الاحتياطيات أهمية خاصة عند تحليلها من خلال مؤشر غطاء الاستيراد، إذ تشير التقديرات إلى أنها تكفي لتغطية ما يقارب 14 شهراً من الواردات.

وللمقارنة، فإن المعايير الدولية تعتبر أن الاحتياطيات التي تغطي بين 3 إلى 6 أشهر من الاستيراد تمثل مستوى آمناً للاقتصادات. أما تجاوز هذا الحد إلى أكثر من عام كامل من الواردات، فهو مؤشر واضح على قوة القدرة التمويلية للدولة، وقدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية دون الحاجة إلى ضغوط التمويل الخارجي الفوري.

كما حافظ سعر الصرف الرسمي على استقرار نسبي عند حدود 1310 دينار للدولار الواحد، وهو ما يعكس فعالية أدوات السياسة النقدية في إدارة السيولة وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

ومن زاوية تحليلية أوسع، يمكن قراءة هذه المعطيات ضمن ما يمكن تسميته مصفوفة التمكين السيادي، وهي مجموعة من المؤشرات التي تعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها الاستراتيجية في الظروف الصعبة. وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الأمن الغذائي المحلي في العراق تقترب من 70%، وهو ما يعني أن الاقتصاد الوطني يمتلك قدرة ملموسة على تلبية جزء كبير من الاحتياجات الأساسية محلياً.

كما تظهر البيانات قدرة قطاع الطاقة على إعادة توجيه ما يقارب 50 ألف برميل يومياً للاستهلاك المحلي عند الحاجة، وهو مؤشر على مرونة الإدارة اللوجستية للموارد النفطية. وإلى جانب ذلك، تشير مؤشرات التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية إلى نمو يقترب من 15% خلال عام 2026، الأمر الذي يعزز استمرارية العمل المؤسسي حتى في الظروف الأمنية المعقدة.

إن قراءة هذه المؤشرات مجتمعة تقود إلى استنتاج مهم، وهو أن العراق يمتلك مجموعة من مصدات الصدمة الاقتصادية التي تساعده على امتصاص تأثير الأزمات الإقليمية والدولية. فوجود احتياطيات مالية كبيرة، إلى جانب القدرة الإنتاجية النفطية المرتفعة، إضافة إلى مرونة المؤسسات الاقتصادية، يشكل منظومة حماية اقتصادية يمكن أن تمنح صانع القرار مساحة مهمة للمناورة في أوقات الأزمات.

لا تعني هذه القراءة الإيجابية للمؤشرات السيادية تجاهل التحديات الهيكلية المزمنة التي يواجهها الاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها الاعتماد المرتفع على الريع النفطي. غير أن الواقعية التحليلية تفرض التمييز بين "المشكلات الهيكلية طويلة الأمد" وبين "القدرة على الصمود في لحظة الأزمة". فوجود احتياطيات نقدية تغطي واردات عام كامل، إلى جانب توفر مصدات ملموسة للأمن الغذائي، ليست مجرد أرقام عابرة، بل تمثل مساحة مناورة استراتيجية تمنح صانع القرار فرصة لتحويل هذه المصدات من أدوات حماية مؤقتة إلى محركات للتنمية المستدامة.

إن الإحصاء الإيجابي لا يتجاهل الفجوات، بل يسلّط الضوء على مصادر القوة لضمان عدم تبديدها في أوقات القلق؛ فإدارة الأزمات تبدأ أولاً بمعرفة ما نملك، لا بالخوف مما قد نفقد.



#احمد_الجسار (هاشتاغ)       Ahmed_Jamal_Al-jassar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سيادة القوة إلى سيادة البيانات: كيف تُدار الحروب إحصائيًا ...
- خارطة تمكين الحنطة في العراق: قراءة بسيطة بمؤشرات مركبة
- كيف يُعيد الإحصاء الإيجابي هندسة الوعي الإحصائي؟
- الإحصاء الإيجابي وعلم اقتصاد التنمية: نحو إطار تحليلي جديد ل ...
- التمكين الإيجابي في قطاع السياحة العراقي: تحليل تطبيقي باستخ ...
- نحو اعتراف علمي متعدد التخصصات بمنهجية الإحصاء الإيجابي
- إصدار كتابي الجديد: مؤشرات الإحصاء الإيجابي – دليل علمي لقرا ...
- الإحصاء الإيجابي: رؤية عراقية لمستقبل ذكي يبدأ من الإنجازات
- كيف انطلق مشروع -الإحصاء الإيجابي- ليُعيد تشكيل أدوات التحلي ...
- العلم لا يتقدّم بالتكرار... بل بالشجاعة
- الإحصاء الإيجابي في البحث الأكاديمي: نحو إطار تحليلي يبني عل ...
- تحليل المؤشرات السكانية في العراق وفق منهجية الإحصاء الإيجاب ...
- دليل الإحصاء الإيجابي: رؤية شاملة للمفاهيم والأدوات والتطبيق ...
- الإحصاء الإيجابي وعلم النفس الإيجابي: تكامل في خدمة الرفاهية
- الإحصاء الإيجابي: أساس لبناء مجتمعات مزدهرة
- الإحصاء الإيجابي: الجذور الفلسفية والتطبيقات المعاصرة في الس ...
- تطبيقات الإحصاء الإيجابي في تطوير الأفراد: نحو بناء منهج علم ...
- كتاب الإحصاء الإيجابي: نهج مبتكر لقياس النجاح والتحفيز
- الإحصاء الإيجابي: نهج مبتكر لقياس النجاح والتحفيز
- الإحصاء الإيجابي: نحو تأصيل فلسفي ومنهجي لمفهوم جديد في الإح ...


المزيد.....




- جيه بي مورغان: إغلاق هرمز يهدد إمدادات نفط العراق والكويت
- أسعار النفط تواصل الصعود مع إضطراب إمدادات الشرق الأوسط
- الضفة بين تحولات الإقليم وتحديات الداخل: كيف يمكن تحويل اللح ...
- تزايد خسائر شركات الطيران وقطاع السفر إثر الحرب على إيران
- شبح أزمة الطاقة يطارد القارة العجوز مجدداً
- جيه بي مورغان يحذر من سيناريو خفض إنتاج النفط بعد إغلاق هرمز ...
- رغم تصاعد المخاطر.. لماذا لم تشهد أسعار النفط -صدمة كبرى-؟
- نمو القطاع الخاص غير النفطي بالإمارات يتسارع في فبراير
- كوسبي يتهاوى 12% مع تحول مخاوف أمن الطاقة إلى كابوس حقيقي
- لماذا يفضل المركزي الأوروبي تجاهل ارتفاع أسعار الطاقة حاليا؟ ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد الجسار - التمكين السيادي بالأرقام: قراءة في قدرة الاقتصاد العراقي على الصمود