أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - بوصلَةُ السياسي: بين الوطنيةِ والانغلاقِ الأيديولوجي والفساد















المزيد.....

بوصلَةُ السياسي: بين الوطنيةِ والانغلاقِ الأيديولوجي والفساد


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 10:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عالم السياسة، ليس الخلاف في حدِّ ذاته عيبًا، ولا التباين في الرؤى مدعاةً للقطيعة... ؛ فالحياة السياسية بطبيعتها ساحةُ تفاعلٍ وتفاوضٍ وصراع مصالح، تتقدّم فيها الأمم حين يُدار الاختلاف بعقلٍ بارد، وتتعثر حين يتحوّل إلى خصومةٍ عمياء.
إنّ السياسة، في جوهرها، فنُّ إدارة الممكن، وليست ساحةً لتصفية الأوهام أو تصدير العقائد المغلقة والرؤى المتحجرة .
يمكن التفاهم مع أيِّ سياسيٍّ ما دامت مصلحة وطنه هي بوصلته، وما دام يدرك أن العمل العام يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وعلى تبادل التنازلات في إطارٍ يحفظ الثوابت ويصون المصالح العليا... ؛ فهذا النمط من السياسيين يجعل من المصلحة الوطنية العليا معياراً للحوار ومنطلقاً للحلول الوسط ؛ فالدولة ليست معبدًا للأفكار الجامدة، بل كيانٌ حيٌّ يتنفس عبر مؤسساته، ويتطوّر عبر التوافقات المرحلية التي تضمن الاستقرار وتفتح آفاق الإصلاح.
السياسيُّ الذي يضع الوطن فوق الحسابات الشخصية والحزبية وغيرهما ، يدرك أن التنازل ليس ضعفًا، بل أداةٌ من أدوات البناء، وأن المرونة ليست خيانةً للمبادئ، بل ترجمةٌ واقعية لها في سياقٍ متغيّر.
نعم , إن السياسي الذي تؤطره الرؤية الوطنية قادر على تجاوز الذات والحزب، لأن بوصلته تشير باستمرار إلى الخير العام... ؛ و هذا النوع من السياسيين يدرك أن فن السياسة يقوم على التوازنات، وأن تحقيق المصلحة الوطنية قد يتطلب تنازلات هنا مقابل مكاسب هناك، وهو ما يفسر قدرتهم على البناء والتفاهم وبلورة الحلول التي ترضي الأطراف المختلفة دون التفريط بالثوابت .
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحوّل العمل السياسي إلى غطاءٍ للفساد، أو منصةٍ لنشر الأساطير والخرافات التي تعشش في العقول... ؛ فالسياسي الفاسد لا يرى في الدولة سوى غنيمة، ولا في السلطة سوى وسيلةٍ للثراء والنفوذ... ؛ أما السياسي المؤدلج بأوهامٍ مغلقة ورؤى متشددة ، فإنه لا يرى في المجتمع سوى صورةٍ يريد أن يفرضها عليه قسرًا، ولا يعترف بتعقيد الواقع ولا بتعدديته... ؛ و كلاهما—الفاسد والأسير لأوهامه—يشتركان في أمرٍ واحد: العجز عن رؤية الحقيقة كما هي، والانصراف عن المصلحة العامة إلى مصالح ضيقة، سواء كانت ماديةً أو فكرية أو حزبية أو فئوية ضيقة .
هذا النمط من السياسيين لا يرى أبعد من أوهامه التي يظنها حقائق مطلقة، ولا يدرك تعقيدات الواقع وتشابكاته... ؛ لذلك لا يوجد أمل في التفاهم معه او مد جسور التعاون ... ؛ إن أسير الأيديولوجيا المتصلبة لا يعترف بوجود الآخر ولا يقبل بشرعية وجهات النظر المخالفة، مما يجعله عاجزاً عن المناورة السياسية أو تقديم تنازلات، حتى لو كانت في صالح وطنه .
السياسة الرشيدة تقوم على إدراك أن الوطن أكبر من حزب، وأوسع من أيديولوجيا، وأبقى من الأشخاص والرموز ... ؛ وهي تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والقدرة على مراجعة المواقف، والاستعداد للتكيّف مع المعطيات الجديدة دون التفريط في المبادئ الأساسية.
أما السياسة المؤدلجة حدَّ التعصّب، فإنها تُقصي المختلف، وتشيطن المخالف، وتختزل الواقع في ثنائياتٍ حادة: حقٌّ مطلق في مقابل باطلٍ مطلق... ؛ وفي ظل هذا المنطق، يستحيل الحوار، ويتعذّر التفاهم، لأن أحد الأطراف يرى نفسه مالكًا للحقيقة النهائية والحق المطلق .
نعم , السياسي المؤدلج يختزل العالم في ثنائيات مبسطة: خير وشر، حق وباطل، معنا وعلينا... ؛ هذه النظرة الاختزالية تجعله أسير دائرة مغلقة من اليقينيات الوهمية، فلا يرى في خصمه السياسي شريكاً محتملاً في الوطن، بل عدواً يجب إقصاؤه أو إبادة أفكاره... ؛ و هنا يتحول الحوار السياسي إلى معركة وجود، وتتحول التنازلات المتبادلة إلى خيانة وتنكر للمبادئ .
إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الحياة السياسية في أي مجتمع يكمن في انتشار هذا النمط من السياسيين الذين يحولون الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، والاختلاف في الرؤى إلى قطيعة فكرية لا يمكن تجاوزها... ؛ حينها تصبح السياسة سجناً للأوهام بدلاً من أن تكون فضاءً لتداول المصالح وإدارة الاختلافات .
إنّ التجارب التاريخية تُظهر أن الدول التي نجحت في العبور من الأزمات إلى الاستقرار لم تفعل ذلك عبر شعاراتٍ صاخبة، بل عبر تسوياتٍ ذكية وتفاهماتٍ مدروسة.
لم يكن التقدّم يومًا نتاجَ خطابٍ تعبويٍّ فقط، بل حصيلة عملٍ مؤسسيٍّ طويل النفس، يحترم القانون ويعتمد الشفافية والمساءلة... ؛ فحين تُختزل السياسة في ولاءاتٍ شخصية أو مناطقية أو طائفية أو في شعاراتٍ عاطفية، تُفقد الدولة توازنها، ويتراجع منسوب الثقة بين الحاكم والمحكوم .
والأخطر من الفساد المالي فسادُ الوعي... ؛ فالسياسي الذي يعتنق خرافاتٍ أو نظريات مؤامرة شاملة، يبني قراراته على تصوّراتٍ غير واقعية، ويقود مجتمعه إلى معارك وهمية... ؛ وحين تُدار الدولة بمنطق الأسطورة، تصبح السياسات ردود أفعالٍ على مخاوف متخيَّلة، لا خططًا عقلانية تستند إلى معطياتٍ موضوعية... ؛ في هذه البيئة، يتراجع العلم، ويُهمَّش الخبراء، ويعلو صوت الشعبوية على صوت الحكمة.
ليست السياسة ساحةً للملائكة، لكنها أيضًا ليست قدرًا محتومًا للفاسدين والحالمين بأوهامهم... ؛ إنّ الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف العمل السياسي بوصفه خدمةً عامة، لا امتيازًا شخصيًا؛ ومسؤوليةً أخلاقية، لا فرصةً للغلبة... ؛ ويبدأ كذلك من وعي المجتمع بحقوقه وواجباته، وبقدرته على محاسبة من يتولّون أمره، عبر مؤسساتٍ دستورية وآلياتٍ ديمقراطية واضحة .
إنّ التفاهم ممكنٌ حين يكون الوطن هو الغاية، والمصلحة العامة هي الميزان، والعقل هو الحَكَم... ؛ أما حين تتقدّم الأهواء على الحقائق، وتُستبدل المصالح الوطنية بأحلامٍ أيديولوجيةٍ مغلقة، فإن السياسة تتحوّل إلى صراعٍ صفريٍّ لا رابح فيه.
وبين منطق الدولة ومنطق الوهم، تقف الشعوب أمام خيارٍ مصيري: إما أن تنتصر للعقل والتوافق، أو أن تظل أسيرة دوراتٍ متكررة من الأزمات والانقسامات .
إنّ مستقبل الأوطان لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالفكرة الأعمق؛ ولا بالشعار الأجمل، بل بالسياسة الأعدل... ؛ وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نريد سياسةً تُدير خلافاتنا بحكمة، أم نسمح للأوهام بأن تُدير مصائرنا؟
وما أحوجنا اليوم إلى سياسيين تتسع رؤاهم لتستوعب تعقيدات الواقع، وتعلو بوصلتهم فتُشير إلى المصلحة الوطنية وحدها، لا إلى المصالح الحزبية الضيقة أو الأيديولوجيات الجامدة التي تعمى بصائر أصحابها عن رؤية ما هو أبعد من أنوفهم...



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ازدواجية الخطاب الأميركي: من تمثال الحرية إلى سياسات ترامب
- التمدد الكويتي في المياه العراقية: قراءة في التاريخ والجغراف ...
- مذبحة القاهرة الكبرى: حين دخل العثمانيون مصر بالسيف والنار
- الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى
- الطاغية الصغير: سايكوباتية القيادة وتحويل المؤسسة إلى جحيم إ ...
- التناغم الكيميائي : حينما تذوب النفوس في بوتقة اللقاء
- مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في و ...
- ضحايا بلا صدى: التواطؤ الصامت مع استهداف الشيعة في الوعي الس ...
- بين المنفى والداخل: قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية في إشكالية إ ...
- مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد
- العراق بين نعمة الجغرافيا ولعنة الموقع: قراءة في القدر الجيو ...
- تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري
- معاداة الاغلبية العراقية في سوريا: بين التعبئة الطائفية ومخا ...
- العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي
- العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إر ...
- القيادة السامة في المؤسسات الحكومية: مقاربة نفسية-اجتماعية ل ...
- أشباحٌ تمرُّ عبر شاشات العالم الافتراضي
- مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار ال ...
- معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل ا ...
- وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !! تشظي الهوية العراقية وا ...


المزيد.....




- متحدث الجيش الإسرائيلي يلوح بعملية برية محتملة في لبنان: -كل ...
- الصراع مع إيران.. رد إسرائيل على حزب الله يشعل جبهة لبنان
- بيان صادر عن تجمع اتحرّك
- موريتانيا- الإمارات: تحالف صامد بالرغم من التغيرات الإقليمية ...
- وزير الخارجية الفرنسي: -مستعدون للمشاركة في الدفاع- عن دول ا ...
- مسؤولون أمريكيون: تغيير النظام في إيران غير مرجح بعد مقتل خا ...
- واشنطن بوست: قلق بالبنتاغون من نفاد الذخائر وفقدان السيطرة ب ...
- 5 أسئلة كبرى تطرح نفسها بعد مقتل خامنئي
- هل تتجه إسرائيل إلى عملية برية في لبنان؟
- إيران تعلن حصيلة قتلاها وتكشف عن هجمات جديدة


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - بوصلَةُ السياسي: بين الوطنيةِ والانغلاقِ الأيديولوجي والفساد