أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا














المزيد.....

في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 09:37
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الجمالُ زينةَ عينٍ فحسب، بل هو ارتعاشةُ ضميرٍ حين يلامسُ المعنى. إنّه تلك القوّة الخفيّة التي تدفع الإنسان إلى أن يكون أرقى ممّا هو عليه، كأنّ الروح إذا أبصرت جمالًا صادقًا تذكّرت موطنها الأول. لذلك لم تنظر الأديان إلى الجمال بوصفه سطحًا لامعًا، بل بوصفه طريقًا إلى الإحسان، ولا تأمّلته الفلسفة كمتعة حسّية عابرة، بل كسُلّمٍ يرتقي به الإنسان نحو الخير.

في الروح الإسلامية، يتجلّى الجمال كدعوة إلى الإحسان؛ أن يُتقن الإنسان عمله كما يُحسن هيئته، وأن ينسجم ظاهره مع باطنه. وقد رأى جلال الدين الرومي أن الجمال الإلهي هو الجاذبية الكبرى التي تشدّ الكائن نحو النور، حتى ليكاد يقول إنّ العشق هو استجابة الروح لذلك النداء الخفي. ومن هنا يصبح الجمال طاقة أخلاقية، لا مجرّد ذائقة. ويصدح أحمد شوقي بالحقيقة ذاتها حين يربط بقاء الأمم بأخلاقها، فكأنّ جمال الأمة في سلوكها، لا في عمرانها.

ولعلّ سيرة محمد علي كلاي مثالٌ حيّ على هذا التداخل بين الجمال والقيمة؛ فقد كان حضوره الجسدي وثقته اللافتة بنفسه أكثر من استعراض بطولي، لقد تحوّلا إلى منبرٍ لمناهضة الظلم والتمييز. أدرك أنّ الجمال إن لم يُترجم إلى عدلٍ صار غرورًا، وإن لم يُسند بقيمةٍ أخلاقية أصبح صدىً فارغًا.

وفي الروح المسيحية، يتخذ الجمال وجهًا آخر: وجه المحبة. إنّه الجمال الذي يتجلى في التضحية والعطاء، لا في البهرجة. وهنا تقف سيرة الأم تيريزا شاهدًا على أن أبسط المظاهر قد تخفي أبهى القيم؛ فقد صار تواضعها صورةً للجمال الرحوم، وأضحى فعلها الإنساني قصيدةً تمشي على قدمين.

أما في التعاليم البوذية، فالجمال انسجامٌ داخلي، وسلامٌ يتخلّص من الأنانية. ومن هذا المعنى تنبثق دعوات دالاي لاما إلى التعاطف بوصفه أسمى أشكال الجمال؛ فالعالم لا يزداد بهاءً بكثرة زخارفه، بل بكثرة رحمته.

وحين نغادر ساحة الدين إلى رحاب الفلسفة، نجد أفلاطون في حواره الشهير المأدبة يصوّر الجمال كسلّمٍ يبدأ بالإعجاب بالصورة، ثم يرتقي إلى حبّ النفوس، ثم إلى تأمّل الخير المطلق. كأنّ العين بوابة، لكن القلب هو المقصد. ومن هنا نفهم كيف يمكن لصوتٍ جميلٍ أو حضورٍ فنيٍّ أن يتحول إلى قيمة اجتماعية؛ فصوت فيروز لم يكن نغمًا فحسب، بل صار رمزًا للسلام والحنين والهوية، حتى غدا الجمال الفني ذاكرةً أخلاقيةً مشتركة.

ويأتي إيمانويل كانط في كتابه نقد ملكة الحكم ليقول إنّ الحكم الجمالي الصادق خالٍ من المصلحة؛ نحن نحبّ الشيء الجميل لذاته، لا لمنفعته. أليس في هذا تدريبٌ خفيٌّ على العدالة؟ فحين يتعلّم الإنسان أن يقدّر الجمال دون أن يمتلكه، يتعلّم أن يحترم الآخر دون أن يستغله. وربما لهذا تحوّلت أنجلينا جولي من رمزٍ جماليٍّ في عالم السينما إلى صوتٍ إنسانيٍّ يدافع عن اللاجئين؛ إذ سخّرت حضورها الإعلامي ليكون جسراً نحو القضايا الأخلاقية، فصار الجمال مسؤولية.

غير أنّ الوجه الآخر للحكاية يذكّرنا بأنّ الجمال قد يكون عبئًا إذا حُصر في الصورة. لقد عانت مارلين مونرو من اختزالها في قالبٍ واحد، فتكشّف الجانب المظلم من مجتمعٍ يُقدّس الشكل ويُهمل الروح. هنا يتحوّل الجمال من طاقة تحرير إلى قيدٍ خفيّ.

ويأتي الشعر ليختصر الفكرة في ومضة؛ إذ يقول نزار قباني إن الجمال وجه الوطن في المنفى، كأنّه الهوية حين تتجرّد من الخرائط. بينما يهمس فريدريش نيتشه بأن الحياة بلا موسيقى خطأ، لأن الجمال الفني ليس ترفًا بل ضرورة توازن، يحفظ الإنسان من قسوة الواقع.

وهكذا يتبين أن الجمال لا يخلق الأخلاق آليًا، لكنه يوقظها. إنّه الشرارة التي تذكّر الإنسان بقدرته على السمو. قد يكون في ابتسامةٍ صادقة، أو في صوتٍ عابر، أو في موقفٍ شجاعٍ أمام ظلمٍ معلن. فإذا اتصل الجمال بالضمير صار عدلًا ورحمة، وإذا انفصل عنه أصبح قناعًا هشًّا.

الجمال الحقيقي إذن ليس ما تراه العين، بل ما يتركه الإنسان من أثرٍ في قلوب الآخرين. فكلّما ازداد العالم تعاطفًا، ازداد جمالًا. وكلّما ارتقت النفوس، صار الجمال سلوكًا… وصار السلوك صلاةً صامتة في محراب الإنسانية.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنظيم النوم والطاقة في رمضان
- التغذية المثالية للسحور والإفطار
- : الصيام عبر الحضارات والأديان — دراسة مقارنة وخاتمة تحليلية ...
- الصيام من المنظور العلمي والطبي الحديث
- الأبعاد النفسية والاجتماعية والأخلاقية للصيام
- : الصيام في الفلسفات الوضعية والتيارات الفكرية
- : الصيام في الأديان الشرقية
- الصيام في الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)
- مفهوم الصيام وأصوله التاريخية
- السحور وأهميته في صحة الصائم
- -ليلة الانطلاق-.. هندسة النوايا وصياغة الأهداف الكبرى
- الصيام: حكمة إلهية وتجليات علمية
- فقه الوقت والمكان… كيف نهيئ بيوتنا وقلوبنا لرمضان؟
- -الكون: مزيج بين الحتمية الإلهية والاحتمالية الكمية-
- -الطهر والعفة: الحل الإسلامي لمواجهة الأمراض الجنسية-
- تأملات في طهارة الخلق وسر الحكمة
- الرضاعة الطبيعية وأثرها على صحة الأم والطفل
- فوائد الكوسا للبروستاتا: مراجعة علمية لدورها في الوقاية من ت ...
- المشروبات الغازية والعصائر المصنعة بين لذة الطعم وخطر الصحة
- مناعة أقوى لمواجهة الإنفلونزا: 5 طرق طبيعية فعالة دون أدوية


المزيد.....




- مسؤولة إماراتية لـCNN: لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء وابل الصوار ...
- إيران تشن هجمات جديدة على منطقة -جبل علي- التجارية في دبي
- بيل كلينتون يقول إنه لم يكن يعلم شيئاً عن جرائم إبستين
- -تتبعته الـ CIA لشهور-.. تفاصيل -المفاجأة التكتيكية- التي أد ...
- من هو أحمد وحيدي القائد الجديد للحرس الثوري الإيراني؟
- حين يصبح البطل إنسانا لا خارقا.. ما لا تعلمه عن -حسن أرابيسك ...
- عاجل | بزشكيان: اغتيال المرشد الإيراني يعتبر إعلان حرب واضح ...
- شريان الحياة الرقمي.. دليل الصمود التقني وتجاوز الحظر في زمن ...
- مظاهرات غاضبة في مدن إيرانية تنديدا بمقتل خامنئي
- رضا بهلوي: شكرا للرئيس ترمب وساعة الحرية دقت بإيران


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا