أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - فنّ الطبخ بين الطبّ والحضارة















المزيد.....

فنّ الطبخ بين الطبّ والحضارة


محمد المذكوري

الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 15:13
المحور: قضايا ثقافية
    


من بغداد العباسية إلى المغرب والأندلس الموحّدية

الغذاء بوصفه علمًا، وسياسة، وهوية حضارية
تمهيد: حين يصبح الطعام معرفة
وعلى بعد شهر من رمضان وما يرتبط به من موائد واستهلاك وطبيخ وما رافق ذلك من مضاربات أسواق الأغذية ‏ورقابة مصالح محاربة المضاربة والجودة، فالمائدة من هذا المنوال تعتبر أيضا شئنا من شؤون الدولة كما في العصر ‏الموحدي، وربما في كل العصور، فلا يمكن مقاربة المائدة وفنّ الطبيخ في الحضارة العربية-الإسلامية من زاوية ‏العادة اليومية أو الذوق المجرّد، لأن الطعام في هذا السياق الحضاري كان خطابًا معرفيًا مركّبًا، تتقاطع فيه الجغرافيا، ‏والتاريخ، والطب، والفلاحة، والسياسة والحكامة، وأنماط العيش. لقد كان الطعام وسيلة لتدبير الجسد، وتنظيم الصحة، ‏وتحقيق التوازن بين الإنسان وبيئته، قبل أن يكون مجالًا للتفنّن أو الترف.‏
ومن هنا، فإن فنّ الطبيخ لا يُقرأ بوصفه مجموعة وصفات، بل باعتباره نظامًا حضاريًا يعكس تصور المجتمع ‏لجسده، وصحته، واعتداله، وحدود اللذة المشروعة فيه.‏
أولًا: المجال الجغرافي والتاريخي لفنّ الطبخ العربي-الإسلامي
‎1. ‎من التنوع البيئي إلى الوحدة الحضارية
نشأ فنّ الطبيخ في الحضارة العربية-الإسلامية داخل فضاء جغرافي مترامي الأطراف، يمتد من العراق وبلاد فارس ‏شرقًا، إلى المغرب والأندلس غربًا. وقد فرض هذا الامتداد تنوّعًا هائلًا في الموارد الغذائية، من الحبوب والبقول ‏واللحوم، إلى التوابل والأعشاب والزيوت.‏
غير أن هذا التنوع لم يؤدِّ إلى التشتّت، بل أنتج وحدة معرفية في النظر إلى الطعام، قوامها:‏
• ربط الغذاء بالصحة،
• ومراعاة الأمزجة،
• والاعتدال في الاستهلاك،
• وتقديم المنفعة على اللذة.‏
‎2. ‎العصر العباسي: من المطبخ إلى الكتاب
بلغ فنّ الطبيخ درجة عالية من النضج في العصر العباسي، حيث شهدت بغداد تحوّل الطبخ إلى علم مدوَّن. فانتقلت ‏الخبرة من الممارسة الشفوية إلى التأليف، وظهرت كتب لا تكتفي بذكر الأطعمة، بل تشرح قواها، ومنافعها، ‏وأضرارها، وطرق إصلاحها.‏
وفي هذا السياق ظهر كتاب «كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات” لأبي محمد ‏المظفّر بن نصر بن سيّار الورّاق، المؤلَّف حوالي سنة 940م. وقد مثّل هذا الكتاب المرحلة التأسيسية في الربط بين ‏الطبخ والطب، إذ نظر إلى الطعام بوصفه مادة علاجية ينبغي إصلاحها قبل استهلاكها.‏
ثانيًا: من بغداد إلى المغرب والأندلس – انتقال المعرفة وتحوّلها
‎1. ‎انتقال لا استنساخ
أما كتاب "فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان" الذي يذكره الطاهي المثقف المغربي "الشيف موحى" في كتبه ‏ووصفاته عبر وسائل الاتصال الاجتماعي فيأتي في صدارة هذه الوثائق المتعلقة بالطبيخ، باعتباره على علمي أهم ‏كتاب مغاربي-أندلسي وصلنا كاملًا، ومرآة صادقة لمطبخ الغرب الإسلامي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر ‏الميلادي، وذاكرة ذوقٍ تشكّلت عند تقاطع الحضارة الأندلسية، والخبرة الأمازيغية، والإرث الطبي-الغذائي الإسلامي. ‏ولنا اقتراح للمهتمين بتاريخ الطبيخ الأوربي وخاصة الفرنسي أن يلقوا نظرة على هذا الكتاب قبل غيره.‏
والمعارف الغذائية في المغرب والأندلس لم تنتقل من المشرق إلى المغرب الإسلامي على سبيل النسخ الحرفي، بل ‏عبر التكييف والتفاعل. فقد خفَّ الطابع التنظيري الطبي الصارم، وتقدّم الذوق المعيش، والاقتصاد في المكونات، ‏والاعتدال، وهي العناصر التي سيجسّدها لاحقًا كتاب فضالة الخوان. وعليه فيمكن القول إن المغرب والأندلس استقبلا ‏هذا التراث العباسي، ثم أعادا صياغته وفق:‏
• المناخ المتوسطي،
• والموارد المحلية،
• والبنية الاجتماعية المختلفة.‏
وقد بلغ هذا التحوّل ذروته خلال العصر الموحّدي (القرنان 6–7هـ / 12–13م)، حيث تبلورت رؤية متكاملة للغذاء ‏تجمع بين:‏
• الطب،
• والسياسة،
• والذوق،
• والأخلاق.‏
‎2. ‎الخصوصية المغربية-الأندلسية
تميّز المطبخ في الغرب الإسلامي بالبساطة المدروسة، والاقتصاد في المكونات، وتغليب زيت الزيتون، والخضر، ‏والحبوب، على الدهون الثقيلة. ولم يكن هذا خيارًا ذوقيًا فقط، بل تعبيرًا عن تصور صحي وأخلاقي للجسد.‏
ثالثًا: الإسهام الأمازيغي في تشكيل فنّ الطبخ
‎1. ‎حكمة الأرض والعيش
أسهم الأمازيغ إسهامًا عميقًا في بناء الثقافة الغذائية في المغرب والأندلس. فقد قدّموا:‏
• الاعتماد على الحبوب الصلبة والسميد،
• تطوير الكسكس بوصفه غذاءً متوازنًا،
• استعمال زيت الزيتون بدل الشحوم الثقيلة،
• توظيف الأعشاب الجبلية والطبية،
• تقنيات الطهي البطيء، والتجفيف، والتخزين.‏
وهذه العناصر لم تكن مجرد عادات، بل خبرة تراكمية في التكيّف مع البيئة، جعلت من الطعام، وسيلة للصحة، ‏والتحمّل، والوقاية.‏
‎2. ‎من الغذاء القروي إلى الحضارة المدينية
حين دخل هذا الموروث الأمازيغي في تفاعل مع التراث الطبي-الغذائي الإسلامي، تحوّل إلى نموذج حضاري متكامل، ‏قادر على تلبية حاجات المدن، من غير أن يفقد جذوره البيئية.‏
‏"فضالة الخوان”: كتاب المائدة بوصفها هوية‏
ألّف كتاب فضالة الخوان الأديب الأندلسي ابن رزين التجيبي، الذي هاجر من الأندلس في سياق الانكسارات السياسية ‏وسقوط الحواضر الأندلسية. ولم يكن الكتاب مجرد تجميع لوصفات، بل فعل حفظٍ للذاكرة الحضارية، حيث تحوّلت ‏المائدة إلى وطنٍ بديل، وحافظ الطعام على ما عجزت السياسة عن حمايته. يضم الكتاب عشرات الأبواب التي تتناول:‏
• ألوان اللحوم،
• وأطعمة الحبوب والسميد،
• والخضر،
• والحلويات،
• وطرائق الطهي،
• وآداب التقديم والولائم.‏
ومصطلح «الألوان” لا يدل على اللون البصري فحسب، بل على تنويع الأصناف وتوازن المائدة، في انسجام مع ‏فكرة الاعتدال الغذائي الأمازيغي.‏
رابعًا: الطبخ بوصفه ممارسة طبية
‎1. ‎الغذاء قبل الدواء
في التصور الإسلامي، لا يُفصل الطبخ عن الطب. فالأطباء رأوا في الطعام الخط الأول للعلاج، والوقاية قبل التدخل ‏الدوائي.‏
وقد عبّر عن هذا المبدأ بوضوح الطبيب الأندلسي ابن زهر (ت 557هـ)، الذي قال في كتابه التيسير في المداواة ‏والتدبير: "وإذا أمكن العلاجُ بالغذاء، لم يُعْدَلْ إلى الدواء"‏‎.‎‏ ويضيف "وأكثرُ ما يعرض للناس من الأسقام، فإنما سببه فسادُ ‏التدبير، لا شدّةُ العِلّة" وهذا القول يحمّل سوء التغذية وسوء الطهي مسؤولية كبرى في انتشار الأمراض.‏
‎2. ‎ابن رشد: الغذاء والاعتدال العقلي
أما ابن رشد (ت 595هـ)، فقد قدّم في الكليات في الطب رؤية فلسفية-طبية للغذاء، معتبرًا أن ‏‎«‎العلمُ بقوى الأغذية قريبٌ ‏من أن يكون أنفعَ علومِ الطب‎.‎‏” ويرى أن الهضم الجيد أساس الاعتدال البدني والعقلي، وأن فساد الغذاء يفضي إلى فساد ‏التفكير والسلوك، لا الجسد فقط.‏
خامسًا: البعد السياسي – الحِسبة بوصفها سياسة صحية
‎1. ‎الغذاء شأن دولة
في العصر الموحّدي، لم يعد الطعام شأنًا خاصًا، بل أصبح قضية سياسية وصحية. فقد اضطلعت مؤسسة الحِسبة ‏بدور مركزي في:‏
• مراقبة الأسواق،
• فحص اللحوم،
• مراقبة الخبازين والطهاة،
• منع الغش،
• ضبط الأواني والمواد المستعملة في الطبخ.‏
وكان المحتسب مسؤولًا عن سلامة الغذاء بقدر مسؤوليته عن الأخلاق العامة.‏
‎2. ‎سياسة الاعتدال
تعكس هذه الرقابة وعيًا مبكرًا بأن صحة الرعية جزء من قوة الدولة، وأن الجسد المريض يضعف العمران. وهكذا ‏التقت السياسة بالطب، وتحول فنّ الطبيخ إلى ممارسة خاضعة للمعيار العام، لا الذوق الفردي وحده.‏
سادسًا: كتاب ابن سيّار الورّاق – المرجعية المؤسسة
يشكّل كتاب «كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات” حجر الزاوية في هذا التراث. ‏فقد:‏
• ربط بين الطبخ والطب،
• ميّز بين الغذاء الصالح والفاسد،
• شرح طرق إصلاح الطعام،
• قدّم تصورًا علميًا للذوق.‏
وقد أُلِّف هذا الكتاب في بغداد العباسية، غير أن أثره انتقل إلى المغرب والأندلس، حيث تفاعل مع الطبّ الموحّدي ‏والخبرة الأمازيغية، وأسهم في بناء نموذج غذائي متوازن.‏
سابعًا: الطعام مرآة الحضارة
إن فنّ الطبيخ، كما يتبدّى من هذا المسار الطويل، ليس ترفًا ثقافيًا، بل وثيقة حضارية تكشف:‏
• تصور المجتمع لجسده،
• علاقته بأرضه،
• فهمه للصحة والاعتدال،
• وحدود اللذة المشروعة.‏
فالطبق الواحد يلخّص تاريخًا من التفاعل بين المشرق والمغرب، وبين العربي والأمازيغي، وبين الطب والسياسة، ‏داخل حضارة واحدة متعددة الروافد.‏
خاتمة: حين يُحسن الطبخ يصبح حضارة
لقد أدركت الحضارة العربية-الإسلامية، في أوج نضجها، أن سلامة الإنسان تبدأ مما يأكل، وأن الغذاء ليس مادة ‏صامتة، بل معرفة، وتدبير، وأخلاق. وحين يُحسن الطبخ، وفق ميزان العقل والاعتدال، يتحوّل من ممارسة يومية إلى ‏فعل حضاري يؤسّس للإنسان السليم، والمجتمع المتوازن، والدولة المستقرة. حتى على مستوى الافراد فالتلاميذ ‏والطلبة الذين درسوا بعيدا عن بيوتهم وأهلهم منذ انتهاء المدرسة الابتدائية او الثانوية بالإضافة إلى العمال ‏والمهاجرين (وما أكثرهم حتى الآن) يعرفون معنى التدبير ومعرفة الخلطات لخلق نوع من التوازن بين ما توفرهم ‏ميزانياتهم ومنحهم المتواضعة ومتطلبات أجسادهم. ‏
ومن وجهة نظر أخرى يمكن القول إن كتاب ابن سيّار الورّاق يمثّل العقل العلمي المشرقي الذي نظّر للطعام بوصفه ‏علاجًا، بينما يمثّل فضالة الخوان الوجدان الحضاري المغربي-الأندلسي الذي حفظ الذوق، ونقل أسلوب العيش، ‏وصاغ الهوية عبر المائدة.‏
محمد المذكوري
جامعة الأوتونوما بمدريد،






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من المقال إلى التعليق: عنصرية تُكتب على هامش الخبر من إسباني ...
- الاستعمار حين يغيّر أقنعته: إفريقيا بين وهم الاستقلال واستمر ...
- لماذا لم يرث أبناء النخب العربية في المهجر تفوق آبائهم؟
- الأندلس في الوعي العربي والإسباني: صراع الذاكرة أم ‏اختلاف ا ...


المزيد.....




- مشاهد متوترة خلال خطاب ترامب.. انسحابات واحتجاجات ومواجهة كل ...
- إلهان عمر توضح لـCNN سبب صراخها في وجه ترامب خلال خطاب حالة ...
- رسالة حزب الله إلى واشنطن: تدخّلنا العسكري مرهون باستهداف خا ...
- عشية مفاوضات جنيف: طهران مستعدة لـ-الحرب والسلام-.. و-الحسم- ...
- الى زملائنا من الكتاب والقراء : الدكتور عباس السيد جاسم في ذ ...
- -المهاجر-.. لماذا يحتج أطباء في الجزائر على المسلسل الرمضاني ...
- القرد الياباني -بانش- يكوّن صداقات بعد أن تعاطف معه العالم
- ترامب يلقي أطول خطاب للاتحاد في تاريخ أمريكا واحتجاجات نواب ...
- الأمير هاري وميغان في زيارة للشرق الأوسط -دعماً للمجتمعات ال ...
- الحكومة السورية تقرّ بحدوث حالات -فرار جماعي- من مخيم الهول ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - فنّ الطبخ بين الطبّ والحضارة