أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - الأندلس في الوعي العربي والإسباني: صراع الذاكرة أم ‏اختلاف التأويل؟














المزيد.....

الأندلس في الوعي العربي والإسباني: صراع الذاكرة أم ‏اختلاف التأويل؟


محمد المذكوري

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 15:52
المحور: قضايا ثقافية
    


تحتل الأندلس موقعًا فريدًا في الذاكرة التاريخية العربية، فهي ليست مجرد مرحلة من ‏الماضي، بل رمز حضاري وثقافي كثيف الدلالات. في المقابل، تبدو الأندلس في الوعي ‏الإسباني المعاصر موضوعًا إشكاليًا، تحكمه حساسيات الهوية الوطنية، وسرديات الدولة ‏الحديثة، وتوازنات السياسة الثقافية. وبين هاتين الذاكرتين، تتشكل فجوة معرفية وسردية ‏عميقة تستحق التفكيك.‏
الأندلس في المخيال العربي: الفردوس المفقود أم التجربة الحضارية؟
ينظر العرب عمومًا إلى الأندلس بوصفها تجربة حضارية استثنائية في التاريخ الإسلامي، ‏حيث التعدد الديني، والازدهار العلمي، والتفاعل الثقافي الخلّاق بين المسلمين والمسيحيين ‏واليهود. في الكتابات العربية الحديثة، تُستدعى الأندلس غالبًا باعتبارها نموذجًا لما كان ‏يمكن أن يكون: دولة معرفة، وتسامح نسبي، وإنتاج علمي وأدبي بلغ ذروته في الفلسفة ‏والطب والرياضيات والعمارة.‏
غير أن هذا التصور، على غناه الرمزي، يعاني أحيانًا من نزعة رثائية تُغفل التناقضات ‏الداخلية، والصراعات السياسية، والتفاوتات الاجتماعية التي عرفتها الأندلس نفسها. ومع ‏ذلك، يبقى التركيز العربي منصبًا على البعد الحضاري والإنساني، أكثر من كونه عسكريًا ‏أو صداميًا.‏
الأندلس في إسبانيا: تاريخ غير مريح
في إسبانيا المعاصرة، تُدرّس الأندلس ضمن إطار تاريخ وطني يركّز أساسًا على سردية ‏‏«الاسترداد» (‏Reconquista‏)، أي الصراع الطويل بين الممالك المسيحية والسلطات ‏الإسلامية. وبهذا المعنى، تُختزل قرون من الوجود الأندلسي غالبًا في ثنائية تبسيطية: ‏غزو إسلامي ثم استعادة مسيحية.‏
هذا الاختزال ليس بريئًا؛ فهو يخدم بناء هوية قومية حديثة ترى في نفسها امتدادًا مباشرًا ‏لإسبانيا القوطية-المسيحية، وتتعامل مع المرحلة الأندلسية كـ«قوس تاريخي طارئ» لا ‏كجزء مؤسس من الهوية الإسبانية. لذلك، نادرًا ما تُقدَّم الأندلس في المناهج التعليمية ‏الإسبانية باعتبارها عنصرًا بنيويًا في تشكّل اللغة، أو العمران، أو الذهنية الاجتماعية.‏
التعليم والتأريخ: اختلاف المقاربات
في العالم العربي، تُدرّس الأندلس غالبًا ضمن تاريخ الحضارة الإسلامية، مع إبراز ‏الإنجازات الثقافية والعلمية، وأسماء الفلاسفة والعلماء والفقهاء. أما في إسبانيا، فالمقاربة ‏مدرسية-سياسية أكثر منها حضارية، حيث يُفصل التاريخ الأندلسي عن «السردية الوطنية ‏المركزية»، أو يُقدَّم بوصفه مرحلة صراع ديني طويل.‏
هذا الفرق في المقاربة يفسر لماذا يتحدث العرب عن الأندلس بلغة الذاكرة والحنين، بينما ‏يتحدث الإسبان عنها بلغة الماضي المغلق أو «الملتبس».‏
الطوبونيميا ومعركة الذاكرة
من أكثر مظاهر هذا التوتر دلالة، مسألة الطوبونيميا (أسماء الأماكن). ففي إسبانيا ‏المعاصرة، ثمة نزوع أكاديمي-رسمي لإرجاع عدد كبير من الأسماء ذات الأصل العربي ‏إلى جذور رومانية أو لاتينية مفترضة، حتى عندما تكون الاشتقاقات العربية لغويًا أكثر ‏إقناعًا.‏
لا يتعلق الأمر هنا بنقاش لغوي صرف، بل بصراع رمزي حول الشرعية التاريخية. ‏فالاعتراف بالجذور العربية لأسماء المدن والأنهار والجبال يعني الاعتراف العميق بأن ‏الوجود الأندلسي لم يكن عابرًا، بل بنيويًا في تشكيل المجال الإسباني نفسه.‏
لماذا هذا القلق من الأندلس؟

يمكن القول إن الأندلس تمثل لإسبانيا الحديثة مرآة قلقة: فهي تذكير بتاريخ تعددي ‏يتناقض مع سردية الدولة القومية المتجانسة. لذلك، يجري أحيانًا «تحييدها» عبر تحويلها ‏إلى مجرد فصل من فصول الحروب الدينية، بدل كونها تجربة تعايش وصراع وإنتاج ‏مشترك في آن واحد.‏
في المقابل، يحتاج الخطاب العربي أيضًا إلى مراجعة نقدية، تتجاوز التقديس النوستالجي، ‏وتتعامل مع الأندلس كتجربة تاريخية مركّبة، لها إنجازاتها وإخفاقاتها، لا كأسطورة ‏مكتملة.‏
خاتمة: نحو قراءة مشتركة؟
ليست الأندلس ملكًا حصريًا للعرب ولا للإسبان، بل هي جزء من تاريخ متوسطي ‏مشترك. والانتقال من صراع السرديات إلى حوار الذاكرات يقتضي شجاعة معرفية من ‏الطرفين: اعترافًا إسبانيًا أوسع بعمق الإرث الأندلسي، ونقدًا عربيًا أكثر تاريخية وأقل ‏عاطفية.‏
فالأندلس، في نهاية المطاف، ليست فقط ما حدث، بل كيف نختار أن نتذكره.‏
جامعة الأوتونوما بمدريد
رئيس الجمعية الإسبانية للمترجمين ‏
والباحثين والمكونين في الخدمات العمومية






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ترامب يرشح كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي.. إليكم رؤيت ...
- وزير خارجية إيران: مستعدون للمشاركة في مفاوضات نووية -عادلة ...
- -الضربات الأمريكية لن تنقذ الإيرانيين من وحشية الدولة- - مقا ...
- مكتبة الكونغرس تضم 25 فيلما لسجلها الوطني كي توصلها للأجيال ...
- القدس.. مطعم أبو شكري يفتقد زوّار المدينة
- حماس تطالب بتمكين اللجنة الوطنية من العمل في قطاع غزة
- الطفلة هند رجب.. عامان على صرخة لم تُمح من ذاكرة العالم
- مدمرة أمريكية ترسو في ميناء إيلات
- كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة مستقبل التعليم؟
- بين سيناريو -مادورو- و-القذافي-..تلغراف ترسم 6 خيارات لترمب ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - الأندلس في الوعي العربي والإسباني: صراع الذاكرة أم ‏اختلاف التأويل؟