أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - لماذا لم يرث أبناء النخب العربية في المهجر تفوق آبائهم؟














المزيد.....

لماذا لم يرث أبناء النخب العربية في المهجر تفوق آبائهم؟


محمد المذكوري

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 23:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ألم تسائل يوما أيها المهاجر المتوفق لماذا أبنائنا ليسوا مثلنا في دول المهجر؟ أنا شخصيا ‏طرحت على نفسي نفس السؤال وبررته بعامل الخصاص والوفرة كما في مقدمة ابن خلدون ‏وشرحه لتطور الأمم وانحدارها، لكن عندما طرح على هذا السؤال من غيرى تعين التفكير بالعقل ‏المجرد والبحث عما واراء العامل النفسي وارتباطه بالمفهومين السابقين. ‏
وعليه فمن يطالع خرائط البحث العلمي العالمي، أو يتأمل أسماء الأساتذة الكبار والباحثين ‏في المختبرات المتقدمة ووكالات الفضاء وشركات التكنولوجيا الفائقة، يلاحظ حضورًا عربيًا لافتًا ‏من الجيل الأول من المهاجرين العرب والمسلمين. غير أن الملاحظة الأكثر إثارة للأسئلة هي أن ‏أبناء هؤلاء المتفوقين نادرًا ما يبلغون المستوى نفسه من التميز الأكاديمي أو العلمي. هذه المفارقة ‏لا تتعلق بالذكاء، ولا تصلح أن تُختزل في تفسيرات أخلاقية أو ثقافوية ساذجة، بل تستدعي قراءة ‏دلالية ونفسية أعمق.‏
انتقاء قاسٍ صنع الاستثناء
إن الجيل الأول من العرب الذين بلغوا قممًا علمية في الغرب لم يكونوا عيّنة عادية من ‏مجتمعاتهم. كانوا نتاج انتقاء تاريخي شديد القسوة على الطريقة الداروينية التي قد تصيب ‏الصواب في هذا المجال: فقر في اغلب الأحيان وإن كانوا اغنياء قراهم الفقيرة، هشاشة سياسية، ‏أنظمة تعليمية محدودة وإن كانت صارمة، وهجرة محفوفة بالمخاطر. من استطاع العبور والنجاح ‏كان استثناءً إحصائيًا قبل أن يكون إنجازًا فرديًا. فهم
• الأكثر تفوقًا وانضباطًا،
• الأعلى تحمّلًا للضغط والمخاطرة،
• الأشد طموحًا واستعدادًا للتضحية.‏
الهجرة العلمية لم تكن خيار رفاه، بل فعل نجاة. لذلك ارتبط التفوق لدى هذا الجيل بدافع ‏وجودي حاد: إمّا النجاح أو السقوط الكامل. وهناك من قرن نجاحه بحياته إي ببقائه على قيد ‏الحياة، وهذا ليس مجازا، إما النجاح أو الموت. قد يبدو ذلك قاسيا وربما نوعا من الغلو، ولكنه ‏حقيقة. وهذا النوع من التفكير قريب مما قد يشعر به من يبيع نفسه للبحر في قارب قد يصل او لا ‏يصل إلى الضفة الأخرى. جلوس البعض فوق الأرائك والمكاتب المريحة قد يغيب عنا النظرة ‏الواقعية للواقع ومغزى الحياة نفسها. النجاح العلمي الكبير غالبًا ما يحتاج إلي:‏
• إحساس حاد بالهشاشة،
• أو دافع وجودي قوي.‏
‏ أما الأبناء، فقد وُلدوا خارج هذا الشرط القاسي.‏
صدق ابن خلدون: حين تختفي الندرة، يتغير السلوك
أبناء النخب العلمية العربية نشؤا في مجتمعات توفر:‏
• تعليمًا جيدًا، وإن كانوا لا يدركونه لانتفاء عنصر المقارنة.‏
• هوية قانونية مستقرة وحماية قانونية
• حدًا أدنى مضمونًا من العيش الكريم.‏
وهذا مكسب إنساني لا جدال فيه، لكنه يُغيّر جذريًا البنية النفسية للدافع. فالتفوق العلمي ‏المتطرف غالبًا ما يحتاج شعورًا بالهشاشة أو ضغطًا وجوديًا مستمرًا. حين تزول الندرة، يتحول ‏الطموح من «النجاة» إلى «البحث عن المعنى». وهنا تكمن المفارقة: ما صنع تفوق الآباء هو ما ‏حرصوا على ألا يعيشه أبناؤهم.‏
استنزاف الهوية بدل تركيز الطاقة
كثير من أبناء المهاجرين العرب يعيشون في منطقة رمادية:‏
• لا هم مندمجون بالكامل في هوية المجتمع المضيف،
• ولا هم منتمون نفسيًا إلى ثقافة الآباء.‏
فهم بين لغتين وثقافتين، وبين صورة أسرية صارمة وصورة مجتمعية مختلفة، وبين توقعات ‏عالية جدًا من الأسرة وواقع اجتماعي أقل احتفاءً بهم.‏
هذا التمزق الهويتين يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة الذهنية والانفعالية. في حين كان الأب ‏يعرف بوضوح من هو، وماذا يريد، ولماذا يقاتل، يجد الابن نفسه أمام أسئلة وجودية مبكرة تُربك ‏المسار بدل أن تدفعه.‏
من اختراق النظام إلى الاصطدام به
الجيل الأول تعامل مع النظام الغربي بوصفه نظامًا غريبًا يجب فهمه واحترام قواعده ‏واختراقه بذكاء. أما الجيل الثاني فقد وُلد داخل هذا النظام، فاكتشف باكرًا سقوفه الزجاجية وحدوده ‏غير المعلنة. وهنا يتحول التفوق من وعد مفتوح إلى مفاوضة طويلة مع واقع أقل عدلًا مما وُعد ‏به.‏
تفكك سردية النجاح الكلاسيكية
كان للأب سردية واضحة: الدراسة، العمل، الصعود، التمثيل المشرف. أما الابن فيعيش ‏زمنًا تشككت فيه النخب، وتعددت فيه مسارات النجاح، وتراجعت فيه مركزية الجامعة والمختبر ‏بوصفهما الطريق الأوحد للمعنى. كثير من أبناء هؤلاء المتفوقين أذكياء ومبدعون، لكنهم اختاروا ‏مسارات مختلفة: الفن، الإعلام، النقد، الريادة، أو حتى الانسحاب الواعي. ويُقرأ هذا التحول خطأً ‏باعتباره «تراجعًا»، بينما هو في الحقيقة تحول في تعريف التفوق نفسه.‏
السؤال الذي ينبغي طرحه
المشكلة ليست أن أبناء العرب أقل كفاءة، ولا أن المجتمعات المضيفة فشلت في دمجهم ‏بالكامل. المشكلة أعمق: لقد بُني تفوق الجيل الأول على معاناة قصوى لا يمكن —ولا يجب— ‏توريثها. السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يشبه الأبناء آباءهم؟ بل كيف نخلق شروط تفوق إنساني ‏مستدام لا يحتاج إلى الكسر والحرمان كي يولد؟ ذلك هو التحدي الثقافي والتربوي الحقيقي، ليس ‏للعرب وحدهم، بل لكل مجتمعات الهجرة في عالم ما بعد اليقين.‏
د. محمد المذكوري
جامعة الأوتونوما- مدريد






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأندلس في الوعي العربي والإسباني: صراع الذاكرة أم ‏اختلاف ا ...


المزيد.....




- -اشتباكات طرابلس انتهت بفشل محاولة باشاغا الإطاحة بمنافسه-
- محام مقدسي: ترخيص متر البناء في القدس قد يكلف 20 ألف دولار
- -ما وراء الخبر- يناقش الجدل المتواصل حول حصر السلاح في لبنان ...
- ما التأثيرات الخارجية على مسألة حصر السلاح في لبنان؟
- الاتجاه المعاكس.. -مجلس السلام- فرصة إنقاذ لغزة أم بيع للأوه ...
- طهران تنفي تقرير رويترز عن مخاوف داخلية من اندلاع احتجاجات ج ...
- إطلاق -البرنامج العالمي لتسريع أثر الذكاء الاصطناعي-
- شاهد لصين مسلحين يحطمان نافذة متجر لسرقة مجوهراته في وضح الن ...
- السلطات الفرنسية تداهم مكاتب -إكس- التابعة لإيلون ماسك بباري ...
- بعد توقف دام 3 سنوات.. الحكومة المصرية تسمح بعودة تصدير السك ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد المذكوري - لماذا لم يرث أبناء النخب العربية في المهجر تفوق آبائهم؟