|
|
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الرابع
نوفل قاسمي
الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 02:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إليكم الفصل الرابع من كتاب "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد" حول كتابه "الإستشراق". الكتاب متوفر للقراءة والتحميل بصبغة بي دي أف على الموقع التالي: https://www.atramenta.net/m/lire/157116031575158416101576-16081606160115751602-157315831608157515851583-1587159316101583/103969
الفصل الرابع: معركة المطبعة: حين حارب الشرق النور
في أدبيات إدوارد سعيد، يُصوَّر الغرب كقوة غاشمة اقتحمت سكون الشرق الآمن لتعيد تشكيله وفق أهوائها. لكن سعيد، في تدليسه الممنهج، يتغافل عن "اللحظة الصفر" التي حددت مصير القوتين: لحظة اختراع المطبعة. بينما كان الغرب يطبع "العقل" وينشره في المقاهي والبيوت، كان الشرق "المقدس" يصدر الفتاوى بإعدام الآلة وتكفير الحرف المطبوع. في هذا الفصل، نكشف كيف حارب الشرق النور بيده، وكيف أن "الاستعمار" الذي يشتمه سعيد كان هو القوة التي "أجبرت" الشرق على دخول عصر المعرفة بعد قرون من الأمية الاختيارية.
أولاً: تأريخ الجهل.. القرون الضائعة في الفرمانات العثمانية بينما كان "يوهان غوتنبرغ" يضع اللبنات الأولى للمطبعة في منتصف القرن الخامس عشر (1450 م)، فاتحاً الطريق أمام ثورة فكرية لم تشهدها البشرية، كان رد فعل المركز الحضاري للشرق آنذاك (الدولة العثمانية) هو الرفض المطلق. * إعدام الآلة: في عام 1485 م، أصدر السلطان بايزيد الثاني فرماناً صريحاً يمنع الطباعة بالحروف العربية. لم يكن هذا المنع عارضاً، بل تأكد بفرمان آخر من السلطان سليم الأول في 1515 م. ظل هذا الحظر سارياً لما يقرب من مائتين وخمسين عاماً. تخيل حجم الفجوة: قرنان ونصف من الزمان كانت فيها أوروبا تطبع ملايين الكتب في الفلك، والطب، والفلسفة، والسياسة، بينما كان الشرق يمنع الآلة خوفاً على "قدسية الخط اليدوي". * تحالف الفقيه والنساخ: إدوارد سعيد يتحدث عن "هيمنة الغرب"، لكنه لا يتحدث عن "هيمنة الجهل" التي فرضها التحالف غير المقدس بين الفقهاء الذين رأوا في المطبعة تهديداً لاحتكارهم للمعرفة، وبين النساخ الذين رأوا فيها تهديداً لأرزاقهم. لقد حُرمت شعوب الشرق من القراءة لأن بضعة آلاف من الخطاطين أرادوا الحفاظ على مهنتهم، ولأن الفقهاء أرادوا إبقاء الجماهير تحت رحمة "السمع" لا "القراءة". * الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: سُمح لليهود والأرمن واليونانيين بالطباعة داخل الدولة العثمانية بشرط عدم استخدام الحروف العربية. هذا يعني أن السلطة كانت تدرك أهمية الآلة، لكنها تعمدت "تجهيل" الكتلة المسلمة الكبرى لضمان سهولة السيطرة عليها. أين كان "تآمر الغرب" هنا؟ الغرب كان يتقدم، والشرق كان يربط نفسه في عمود التخلف بإرادته المنفردة.
ثانياً: الفجوة المعرفية.. الحاشية التي قتلت المتن لقد استثمر الغرب في "المعلومة" كأداة للتغيير، بينما استثمر الشرق في "الاجترار" كأداة للثبات. هذه الفجوة المعرفية هي التي خلقت "الاستشراق" الذي لم يعجب سعيد. * انفجار المعرفة الغربية: بفضل المطبعة، تحول الكتاب في أوروبا من سلعة نخبوية إلى ملكية عامة. نشأت الصحافة، وتأسست المجتمعات العلمية، وبدأ "العقل" يحاكم "النص". المطبعة هي التي صنعت نيوتن، وديكارت، وفولتير، وهي التي مهدت للثورة الصناعية. الغرب لم يتفوق لأنه "شرير" أو "استعماري"، بل لأنه "قرأ" أكثر وأسرع. * سجون الحواشي: في المقابل، تحول العقل الشرقي إلى "ناسخ". غابت الإبداعات الأصيلة وحلت محلها "الحواشي" و"التقريرات". تجد كتاباً في الفقه أو اللغة، يُكتب عليه حاشية، ثم حاشية على الحاشية، ثم شرح للتقرير على الحاشية. صار العلم "لفظياً" يدور حول نفسه، وانفصل تماماً عن الواقع المادي. لقد استثمر الشرق في "تجميل الجهل" وتقديس الأخطاء القديمة، بينما كان المستشرقون الغربيون يراقبون هذا الجمود بعيون علمية، وهو ما سماه سعيد لاحقاً "نظرة فوقية". الحقيقة أنها لم تكن نظرة فوقية، بل كانت "نظرة من طائرة إلى شخص يسكن في كهف". * موت الفضول العلمي: المطبعة في الغرب غذت الفضول؛ الرغبة في معرفة جغرافيا العالم، وكيمياء الجسد، وحركة النجوم. في الشرق، كان الفضول يُقتل بكلمة "بدعة". وعندما جاء المستشرق ليدرس جغرافيا الشرق أو لغاته، لم يكن يسرق سراً، بل كان يملأ "فراغاً" تركه أهل الدار الذين لم يكن يعنيهم من جغرافيتهم إلا موقع القبلة، ومن لغتهم إلا السجع الطباقي.
ثالثاً: نكران الجميل.. المطبعة تأتي على ظهر البارجة هنا نصل إلى الذروة التي يتحاشاها إدوارد سعيد وأتباعه: المطبعة لم تدخل الشرق بطلب من فقهائه، بل دخلت كـ "غنيمة حضارية" فرضها الاستعمار. * صدمة نابليون: في عام 1798 م، أحضر نابليون بونابرت معه إلى مصر أول مطبعة بالحروف العربية (مطبعة الشرق). كانت هذه اللحظة هي "الانفجار العظيم" للنهضة العربية الحديثة. الغرب "المستعمر" هو من علّم المصريين كيف يطبعون منشوراتهم وكتبهم. هل كان هذا فعلاً "شيطانياً"؟ لولا هذه المطبعة، لبقيت مصر غارقة في ظلام المماليك لقرن آخر. * مطبعة بولاق ومار مارون: بفضل الاحتكاك بالغرب، بدأت تظهر مطابع في لبنان (عبر البعثات التبشيرية) وفي مصر (مطبعة بولاق). هذه المطابع هي التي "أحيت" اللغة العربية التي يكتب بها إدوارد سعيد اليوم. هي التي طبعت دواوين الشعر القديم، وكتب التاريخ، وترجمات العلوم الحديثة. الغرب الذي يتهمه سعيد بـ "طمس الهوية الشرقية" هو نفسه الذي "طبع" هذه الهوية وحولها من مخطوطات تأكلها الأرضة إلى كتب يقرأها الملايين. * المفارقة المضحكة: يكتب المثقفون العرب المعاصرون مقالاتهم بفضل آلات الطباعة (ثم الحواسيب) التي اخترعها الغرب، ويستخدمون المصطلحات التي تم ضبطها وتنميطها بفضل المطابع الاستعمارية، لكي يشتموا الغرب ويصفوه بالعدو الذي يريد تدمير ثقافتهم. إنهم يستخدمون "النور" الذي منحه لهم الغرب لكي يلعنوا "المصباح".
رابعاً: سيكولوجية الرفض.. لماذا يكرهون المطبعة إلى اليوم؟ إن كراهية المطبعة قديماً هي نفسها كراهية "المنهج العلمي الغربي" حديثاً. كلاهما يمثل "الشفافية" و"الوضوح" و"المساءلة". * الخوف من الحرية: الكتاب المطبوع يحرر الفرد من سطوة "الشيخ" أو "الملقن". عندما يقرأ الإنسان بنفسه، يبدأ بالتساؤل. الشرق، الذي يقدس التراتبية والطاعة، رأى في المطبعة أداة للفوضى. إدوارد سعيد استمر في هذا النهج ولكن بطريقة علمانية؛ إذ حاول إيهامنا بأن "المعرفة الغربية" هي أداة سلطة، بينما الحقيقة أن المعرفة (المطبوعة والمنشورة) هي أكبر أداة "لتحطيم السلطة" والاستبداد. * تجهيل الذات: يلوم سعيد المستشرقين لأنهم "عرّفوا" الشرق. لكنه يتناسى أن الشرق كان "مجهولاً" بالنسبة لنفسه. قبل المطبعة، كان ابن القاهرة لا يعرف شيئاً عن تاريخ المغرب، وابن بغداد يجهل حضارة اليمن. المطبعة (التي أحضرها الغرب وحقق مستشرقوها كتبها) هي التي صنعت "الوعي القومي العربي" و"الوعي الإسلامي العام". لقد صنع الغرب للشرقيين "مرآة" ليروا أنفسهم، فكسروا المرآة لأن الوجه لم يعجبهم، واتهموا صانع المرآة بالتزوير.
الخلاصة إن معركة المطبعة تكشف زيف أطروحة "الاستشراق". الغرب لم يكن يحاول "السيطرة بالكلمة" كما يزعم سعيد، بل كان يحاول "إيقاظ الشرق بالكلمة". إن منع المطبعة لـ 250 عاماً هو "الجريمة الكبرى" التي ارتكبها الشرق ضد نفسه، وهي الجريمة التي مهدت للاستعمار لاحقاً؛ فالفجوة لم تكن في السلاح فقط، بل في "الحرف". عندما جاء نابليون بالمطبعة، لم يكن يسرق ثقافة المصريين، بل كان يمنحهم الأداة الوحيدة التي يمكنهم بها مقاومته لاحقاً. إن استغلال الورثة (أمثال سعيد) لهذه الأداة لسبّ من أحضرها هو قمة "نكران الجميل الحضاري". لقد حارب الشرق النور، وعندما فُتحت النوافذ بفضل "صدمة الاستعمار"، وبدأ الضوء يتسلل، خرج علينا إدوارد سعيد ليقول لنا: "أغلقوا النوافذ، إن هذا الضوء مؤامرة غربية لتشويه عتمتنا الأصيلة". إنها دعوة للعودة إلى عصر "النسخ اليدوي" والجهل المقدس، تحت مسمى "الحفاظ على الهوية من الاستشراق".
#نوفل_قاسمي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثالث
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة
المزيد.....
-
رمضان غزة بلا مآذن: الاحتلال يغيب 312 إماماً ويدمر مئات المس
...
-
الجزيرة ترصد أجواء رمضان لدى الجالية المسلمة في برلين
-
مسجد النور بالشارقة.. أيقونة معمارية تجسد السكينة في تفاصيل
...
-
العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية
-
حاخام أمريكي: اليهودية تمنع إنشاء أي دولة والصهاينة يزوّرون
...
-
50 ألف مصل يؤدون صلاتي العشاء والتراويح في المسجد الأقصى
-
رغم التضييقات.. 50 ألفاً يحيون ليلة رمضان في رحاب المسجد الأ
...
-
هيئات الرقابة الشرعية.. ضمير البنوك الإسلامية أم أداة لمصالح
...
-
-توسع إسرائيل في الأراضي الفلسطينية-.. تصريح للسفير الأمريكي
...
-
تنوع أنماط التدين في بنغلاديش: بين عفوية الريف ووعي الحضر
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|