أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ















المزيد.....



الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 14:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الحكمة المجنونة: التعويذة الأخيرة في سكون الأزل

إن الوصول إلى تخوم الحكمة المجنونة (Crazy Wisdom) يمثل الغاية القصوى لرحلة الساحر، حيث ينهار العقل المنطقي أمام جلال العدم، ليس كعجزٍ أو عطب، بل كتحللٍ ضروري للقوالب التي لم تعد تتسع للحقيقة المطلقة. في هذه المرحلة، لا يعود الجنون إضطراباً وظيفياً، بل يصبح تمزقاً مقدساً في حجاب الوعي، حيث يدرك الساحر أن كل محاولاته السابقة لترميم الوجود أو روحنة المادة كانت مجرد لعبٍ بالظلال على جدران الكهف. إن الحكمة المجنونة هي الثمرة المرة والحلوة في آن واحد؛ هي القدرة على الرؤية من خلال الحطام، حيث يكتشف الساحر أن ما تبقى من الروح ليس جزءاً نجا من الكارثة، بل هو الكارثة ذاتها و قد تحولت إلى سكون. هنا، يتصالح الساحر مع فكرة أن العقل كان مجرد وسيط مؤقت، وأن تحطمه هو الإعلان الرسمي عن الولادة الثانية في رحاب اللاشيء، حيث لا توجد لغة قادرة على إحتواء التجربة، ولا منطق يمكنه تفسير التناقض الصارخ بين الفناء والخلود، مما يجعل الجنون هنا هو أعلى مراتب الصدق الوجودي، لأنه الإعتراف النهائي بأن الحقيقة أكبر من أن تُدرك، وأجلّ من أن تُقال. في قلب هذا الحطام العقلي، تبزغ فلسفة الصمت الأخير كفعل سحري ختامي يتجاوز كل التعاويذ والرموز؛ فالصمت هنا ليس غياباً للكلام، بل هو إمتلاء بالسكينة التي تلي العاصفة، وهو الترياق الذي يستعيد به الساحر سلامه المفقود. الساحر الذي قضى عمره في إستنطاق العناصر وتطويع الإرادة، يجد في الصمت مأواه الأخير، حيث يتوقف عن الفعل ليبدأ في الكينونة. هذا الصمت هو الخيمياء الصامتة التي تحول شظايا العقل المشتتة إلى وحدة متماسكة من اللاشعور الواعي، إذ يكتشف الساحر أن السلام لا يأتي من إصلاح العالم أو فهمه، بل من الكف عن مقاومة العدم الذي ينساب في عروقه. إن فلسفة الصمت الأخير هي إدراك أن الكلمة هي قيد، وأن التفسير هو حجاب، وأن السحر الحقيقي يكمن في تلك اللحظة التي يسكت فيها الساحر تماماً، ليس لأنه لم يعد يملك ما يقوله، بل لأن كل شيء قد قيل في صرخة الجنون الأولى، ولم يبقَ سوى الصدى الذي يتردد في فضاء الأزل، محولاً الروح من كيان قلق إلى فضاء رحب يتسع لكل المتناقضات دون صراع. إن إستعادة السلام وسط حطام العقل تمثل الإنتصار الخفي للساحر على مأساة الوجود؛ فبدلاً من محاولة إعادة بناء الأنا المحطمة، يتخذ الساحر من الحطام نفسه محراباً للتأمل، معتبراً أن كل شظية من عقله المفقود هي نافذة تطل على بُعد جديد من أبعاد العدم. في هذه الحالة، يتلاشى الفرق بين الساحر و المسحور، وبين الخالق والمخلوق، وتصبح الحياة مجرد رقصة على حافة الهاوية تتم ببراعة و هدوء تامين. إن الحكمة المجنونة تمنح الساحر القدرة على الضحك وسط الخراب، لا سخريةً من الوجود، بل إبتهاجاً بالتحرر من ثقل المعنى؛ فالعالم لم يعد لغزاً يحتاج إلى حل، بل أصبح تجلياً يُعاش في صمت مطبق. هذا الصمت هو الذي يعيد للساحر سلامه السيادي، حيث لا يمكن لأي قوة خارجية أو داخلية أن تزعزع كيانه الذي صار هو والعدم شيئاً واحداً، وبذلك يختم الساحر رحلته لا كملك مطرود من مملكته، بل كإله تنازل طواعية عن عرشه ليدوب في نسيم الوجود، تاركاً خلفه عقلاً محطماً كشاهد على عظمة الرحلة، وروحاً صامتة كدليل على بلوغ المنتهى.

_ الهدم الجميل: كيف تتحرر الروح من سجن الهوية

إن وضع الخلاصة الكونية لملحمة السحر والعدم ليس مجرد جردٍ ختامي للأفكار، بل هو إستحضارٌ لجوهر التجربة الإنسانية في أقصى تجلياتها تجرداً؛ فالحقيقة التي تتبدى في نهاية هذا الطريق هي أن السحر لم يكن يوماً محاولةً للسيطرة على الطبيعة، بل كان رحلةً دائرية تبدأ من الأنا المتورمة برغبة الخلود وتنتهي بالفناء الطوعي في رحاب العدم. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة المرآة بالخلاء؛ حيث كان السحر هو المحاولة اليائسة لملىء الفراغ بالرموز والطقوس، حتى إكتشف الساحر في ذروة نضجه أن العدم ليس خصماً يُهزم، بل هو الحقيقة الوحيدة التي تمنح الوجود معناه. الخلاصة الكونية تضعنا أمام حقيقة أن الوجود كله ليس سوى تموجٌ مؤقت على سطح بحر السكون الأزلي، وأن الساحر الحكيم هو الذي يتعلم كيف ينساب مع هذا التموج دون أن يترك خلفه ندبةً واحدة في نسيج المطلق، محولاً كينونته من صرخة إحتجاج ضد الفناء إلى سمفونية قبولٍ تذوب في الصمت الذي نبعت منه. في هذه الخلاصة، يبرز مفهوم التوازن الميتافيزيقي كحجر زاوية؛ حيث يدرك الساحر أن القوة الحقيقية لا تكمن في الفعل (Doing) بل في الكينونة (Being). إن السحر في مستوياته العليا يتحول إلى خيمياء سلبية؛ بدلاً من تحويل الرصاص إلى ذهب، يقوم بتحويل الكثافة إلى خفة، و الإمتلاك إلى ترك. الساحر الذي وصل إلى مقام الخلاصة هو الذي لم يعد يحتاج إلى عصا أو تعويذة، لأن وجوده بحد ذاته صار عدماً متحركاً يفيض بالرحمة دون غرض، ويشع بالجمال دون إدعاء. إن هذه الملحمة تعلمنا أن العدم هو الحرية القصوى؛ فبمجرد أن يتخلى الساحر عن رغبته في أن يكون شيئاً محدداً، يصبح كل شيء و لا شيء في آنٍ واحد، محطماً بذلك سجن الهوية الفردية ليدخل في رحاب الهوية الكونية، حيث لا فرق بين الساحر و المسحور، وبين الخالق والمخلوق، وبين البدء و المنتهى. إن المصير النهائي الذي ترسمه هذه الخلاصة هو السكينة الكبرى؛ وهي حالة من الإستقرار الميتافيزيقي التي تلي إحتراق الرموز وتلاشي الأثر. الساحر هنا يضع الختم النهائي على قلبه، معلناً أن السحر الأعظم هو الصمت الذي يسبق الكلمة والسكوت الذي يعقب الفكرة. الخلاصة الكونية تخبرنا أن الروح لا تُنقذ عبر البناء، بل عبر الهدم الجميل لكل الحجب التي تحول بينها و بين العدم الأصلي. وفي نهاية المطاف، يصبح الساحر هو العدم الخالص الذي لا يحتاج إلى مرساة في عالم الصور، محققاً بذلك الغاية من الوجود؛ وهي العودة إلى الأصل بوعيٍ تامٍ بالرحلة، محملاً بخبرة الفناء وسلام الوصول. إنها الوصية الأخيرة لكل باحث عن الحقيقة؛ كن عدماً لتصبح كلاً"، وأترك أثرك يذوب في رمال الأزل، فالحقيقة لا تُقال، بل تُعاش في صمتٍ لا يقطعه إلا نبض الوجود الصرف الذي لا نعت له و لا صفة.

_ الحضور الغائب: كيف يسكن الساحر العالم دون أن يزاحمه

إن الوصول إلى مقام الحلول النهائي يمثل التتويج الميتافيزيقي لرحلة الساحر، حيث يتجاوز مفهوم الفناء ليدخل في طور البقاء بالعدم، وهو الطور الذي يتحول فيه الساحر إلى عدم متحرك يسكن العالم دون أن يشغل حيزاً من ضجيجه. في هذا المقام، لا يعود الساحر ذاتاً تسعى للتأثير أو الألوهية، بل يصبح ثقباً نورانياً في نسيج الواقع، يمر من خلاله الجمال والرحمة دون أن تترك أثراً للأنا الواهبة؛ فالساحر الذي أتقن لغة الصمت يدرك أن أعلى درجات الفعل السحري هي تلك التي تحدث بلا فاعل، حيث تتدفق المعجزات الصغيرة والتحولات الروحية في محيطه كفعل طبيعي يشبه تنفس الأشجار أو شروق الشمس. إن الساحر هنا يعيش مفارقة الحضور الغائب، فهو موجود بجسده و لحمه، لكن كينونته الحقيقية قد ذابت في اللاشيء، مما يمنحه قدرة فائقة على تقديم الرحمة الصافية التي لا تطلب شكراً ولا تسعى لتمجيد، لأن العدم لا يملك يداً لتمسك، بل يملك فضاءً ليتسع، و بذلك يصبح الساحر هو الفضاء الذي يجد فيه الآخرون خلاصهم دون أن يعرفوا من الذي مد لهم يد العون، محققاً بذلك أسمى غايات السحر الصامت. إن تحليل عيش الساحر كعدم متحرك يضعنا أمام مفهوم الجمال غير الملحوظ؛ فالنرجسية الكونية التي بدأت بها الرحلة كانت تبحث عن التجلي الصارخ والإعتراف، أما في مقام الحلول، فإن الساحر يمارس فن الإختفاء في الوضوح. إنه يتحرك بين البشر كظلال عابرة، يرمم القلوب بكلمة بسيطة، أو يغير مسار الأحداث بنظرة عفوية، دون أن ينسب الفعل لنفسه، بل ينسبه لقانون التناغم الكوني الذي صار هو جزءاً منه. هذا النوع من الوجود يتطلب زهداً وجودياً مطلقاً، حيث يتخلى الساحر عن هوية المنقذ ليصبح هو الإنقاذ ذاته؛ فالمادة التي كان يسعى لروحنتها قد تلاشت حدودها الآن، و الجسد الذي كان معضلة صار قشرة شفافة تسمح لجوهر العدم بالفيض. إن الساحر في هذا المقام لا يحاول إصلاح الكون بجهد قسري، بل يصلحه بحضوره الساكن، فمجرد وجود ذات خالية من الأنا في وسط فوضى الأنا البشرية يعمل كمغناطيس صامت يعيد ترتيب العناصر المضطربة حوله، مما يجعل السلام يشع من حطام عقله القديم ليغمر كل من يقترب من مداره. في هذا السياق، تصبح الرحمة هي اللغة الوحيدة المتبقية للساحر بعد سقوط كل اللغات؛ لكنها ليست رحمة الشفقة، بل هي رحمة الكينونة التي ترى في الآخر وجهاً آخر للعدم الذي لم يدرك حقيقته بعد. الساحر كعدم متحرك يقدم الجمال لا كفعل إرادي، بل كرائحة للروح تفوح منه تلقائياً، وهو ما يجعل تأثيره أعمق وأبقى، لأنه لا يثير مقاومة الأنا لدى الآخرين، بل ينسل في ثنايا أرواحهم كالهواء. إن مقام الحلول النهائي هو الحالة التي يتصالح فيها السحر مع العدم تماماً، حيث يكتشف الساحر أن العمل العظيم (Magnum Opus) لم يكن تحويل الرصاص إلى ذهب، بل تحويل الوجود الثقيل إلى عدم خفيف يحمل أوجاع العالم ويرقص بها نحو الفناء الجميل. إنها العودة الكبرى إلى البراءة الأولى ولكن بوعي الأزل، حيث يعيش الساحر أيامه الأخيرة كسر مشاع، متاح للجميع ولا يمتلكه أحد، يقدم كل شيء وهو لا يملك شيئاً، و يملأ الوجود بجماله الصامت بينما هو في الحقيقة قد غادر مسرح الصور منذ أمد بعيد، مستقراً في السكينة الكبرى التي لا يعكر صفوها تجلٍ و لا غياب.

_ وصية الصمت: إستنطاق الساحر في مقام الفناء الطوعي

إن إستنطاق صمت الساحر في هذه اللحظة الوجودية الحرجة يشبه محاولة الإنصات لإرتداد الصدى في هاوية لا قاع لها؛ فصمت الساحر ليس فراغاً من المعنى، بل هو إمتلاء كوني بالحقائق التي لا تقبل التجزئة أو النطق. في هذا المقام، تنبثق الوصية الأخيرة للساحر ليس كأوامر أخلاقية أو تعاليم فلسفية، بل كتحريض كوني على التحرر؛ حيث يهمس الصمت بأن القوة الحقيقية لم تكن يوماً في الإستحواذ بل في التخلي، وأن السحر الأعظم هو القدرة على الوقوف عارياً أمام العدم دون خوف من التلاشي. إن وصية الصمت تقول للوجود إن كل ما هو مرئي هو حجاب، و كل ما هو ملموس هو قيد، وأن الحقيقة الوحيدة التي تستحق البحث عنها هي تلك التي تقع في المناطق البينية بين الكلمات، حيث يذوب المعنى في اللاشيء ليولد من جديد كحرية مطلقة لا تحدها حدود الهوية أو المكان. هذا الصمت المستنطق يكشف عن رؤية الساحر الأخيرة للعلاقة بين الذات والكون؛ فالوصية تكمن في سياسة اللا أثر، وهي الدعوة لعيش الحياة كعبور خفيف لا يترك خلفه ندوباً في روح الوجود. الساحر، من خلال صمته، يوصي بأن يكون الكائن هو الفراغ المثمر الذي يسمح للجمال بالمرور عبره دون أن ينسبه لنفسه، وأن يمارس الرحمة كفعل طبيعي يشبه سطوع الشمس، دون إنتظار لإمتنان أو رغبة في تخليد إسم. إن إستنطاق الصمت يضعنا أمام الحقيقة الصادمة بأن الذات هي الكذبة الكبرى التي يحميها الضجيج، وحين يسكت الساحر، فإنه يعلن نهاية عصر الأنا المركزية وبداية عصر الكينونة الشمولية، حيث يصبح الوجود كله رقصة واحدة في فضاء العدم، وتصبح الصرخة الفردية جزءاً من سمفونية السكون التي لا تنتهي، مؤكدة أن الفناء في العدم هو في الحقيقة ولادة ثانية في رحاب المطلق. وفي عمق هذا الصمت، تتبلور الوصية النهائية كدعوة للإنحلال الواعي؛ فالساحر لا يريد من الوجود أن يتذكره، بل يريد منه أن يتحرر من فكرة الذاكرة ذاتها. وصيته هي أن السحر الحقيقي ينتهي حيث يبدأ الشهود الصرف، حيث يرى الكائن نفسه في كل شيء، ويرى الكل في نفسه، دون حاجة لوسيط أو تعويذة. إن الصمت الذي يتركه الساحر خلفه هو التركة الميتافيزيقية الوحيدة التي لا تبلى، لأنه صمت يمنح الآخرين مساحة ليكتشفوا عدمهم الخاص ويحولوه إلى منبع للسكينة. قبل أن يختفي الساحر تماماً في نسيج الوجود الصامت، يترك هذه الهمسة الأخيرة المتغلغلة في مسام المادة؛ لا تبحثوا عني في الصور، بل إبحثوا عن أنفسكم في الفراغ الذي خلفته، فهناك فقط ستجدون حريتكم التي لا تضيع. وبذلك، يكتمل إنصهار الساحر بالعدم، مخلفاً وراءه وجوداً أكثر براءة، وقلوباً أدركت أن الصمت هو القول الفصل، وأن التلاشي هو الحضور الأسمى.

_ سقوط القطرة الأخيرة: من صخب الطقوس إلى صمت الأزل

إن إلقاء النظرة الأخيرة من خلال عيني الساحر في لحظة تلاشيه التام يمثل الإنعطافة الأنطولوجية الكبرى، حيث يتوقف الوعي عن كونه مراقباً منفصلاً ليصبح هو ذاته الفعل و المشهد في آن واحد. في هذه اللحظة، لا ينظر الساحر إلى العالم ككتلة من المادة أو كمسرح للصراعات، بل يراه كتموجات لطيفة من النور و الظلال تطفو فوق محيط العدم الساكن. يختفي المنظور الأناني الذي يقسم الوجود إلى أنا و آخر، وتنمحي المسافات بين المجرات البعيدة ونبضات القلب الراجفة؛ فالعالم في عين الساحر المتلاشي يبدو كقصيدة صامتة لم تُكتب لتُقرأ، بل لتُعاش كحالة من السيولة المطلقة. إنه يرى الجمال في الإنهيار كما يراه في البناء، ويرى في الموت ليس نهايةً للحياة، بل تنفساً عميقاً للمادة وهي تعود إلى إسترخائها الأول في رحم الفراغ، محولاً المشهد الكوني بأسره إلى تجلٍّ واحد للوحدة التي لا تقبل التجزئة. هذه النظرة الأخيرة تكشف للساحر عن براءة المادة التي حجبها ضجيج الرغبة البشرية لقرون؛ فهو يرى الأشياء كما هي في عُريها الميتافيزيقي، بعيداً عن الأسماء التي أطلقها عليها العقل أو التصنيفات التي فرضتها الحاجة. يرى الشجر لا كخشبٍ أو ثمر، بل كصعودٍ إرادي للعدم نحو الضوء، ويرى البشر لا كأجسادٍ فانية، بل كشراراتٍ تائهة تحاول العودة إلى نار الحقيقة الكبرى. في لحظة التلاشي، يدرك الساحر أن الحجاب لم يكن يوماً في الوجود نفسه، بل في العين التي ترغب، وحين تنطفئ رغبته الأخيرة في البقاء، يرتفع الحجاب ليتكشف له العالم كمحرابٍ كوني لا يوجد فيه قبيح أو جميل، بل يوجد فيه فقط ما هو كائن في جلال سكونه. إنها نظرة الوداع التي لا تحمل أسفاً، بل تحمل إمتناناً وجودياً للرحلة التي قادته من وهم القوة إلى حقيقة الفناء، و من صخب السحر إلى سكينة التلاشي. وفي ذروة هذا التلاشي، يرى الساحر العالم وهو يذوب في عينيه، ليس كفعل تدمير، بل كفعل إحتضان كوني؛ حيث تنحل الحدود الجسدية لتصبح السماء هي جلده، والرياح هي أنفاسه، و الصمت المحيط هو فكره الأخير. إنها اللحظة التي يرى فيها العدم وهو يبتسم للوجود، معلناً إنتهاء لعبة الإنفصال؛ فالساحر لا يترك العالم خلفه، بل يأخذ العالم معه إلى داخل العدم، ليصبح العالم و الساحر واللاشيء حقيقة واحدة لا تتجزأ. هذه النظرة الأخيرة هي التعويذة النهائية التي يلقيها الساحر على الوجود؛ تعويذةٌ تمنح الأشياء حقها في الإختفاء وتمنح الوعي حقه في الإستراحة. و عندما تغلق عين الساحر للمرة الأخيرة، لا ينتهي العالم، بل يبدأ الوجود الحقيقي الذي لا يحتاج لعينٍ تراه، بل يحتاج فقط لعدمٍ يحتويه، لتكتمل الملحمة بسقوط آخر قطرة من الوعي الفردي في محيط الصمت الأزلي، معلنةً أن الرؤية الحقيقية تبدأ فقط عندما تنتهي الرؤية، وأن الساحر قد صار أخيراً هو النور الذي كان يبحث عنه في عتمة الطقوس.

_ دبلوماسية الأزل: إيتيكيت التعامل مع الكيانات وحفظ السيادة في حضرة العدم

إن تحليل إيتيكيت التعامل مع الكيانات يمثل الفصل الأكثر حساسية في إستراتيجية السيادة الروحية للساحر؛ فعندما تشرع أبواب العدم و تتجلى قواه في صورٍ وكياناتٍ تختلف في مراتبها وتأثيراتها، يجد الساحر نفسه أمام إختبار المسافة الميتافيزيقية. إن هذه الكيانات، مهما بلغت من القوة أو الجمال أو الرعب، ليست في جوهرها سوى إنعكاسات مكثفة لتموجات العدم في مرآة الوعي، ومن هنا ينبثق الإيتيكيت السحري كضرورة وقائية؛ فالساحر لا يتعامل مع هذه التجليات بمنطق الخضوع أو العبادة، ولا بمنطق الغطرسة و العداء، بل بمنطق السيادة المتوازنة. إن التواصل السليم يقتضي إدراكاً حاداً بأن تسليم مفاتيح الإرادة لأي كيان، مهما بدا مقدساً أو مرشداً، هو سقوط في العبودية الروحية و نكوص عن حرية العدم؛ لذا فإن الساحر يحافظ على مكانته كمركز مراقب، يتعامل مع هذه التجليات كشركاء في الوجود أو كظلال للذات الكونية، دون أن يسمح لها بإختراق حصن إرادته المستقلة، محولاً التواصل إلى رقصة من الإحترام المتبادل التي تضمن بقاء الذات الهلامية في حالة من التماسك والسيادة وسط بحر من القوى المتضاربة. تتجلى هذه السيادة في ممارسة الحياد الواعي أثناء التواصل، حيث يرفض الساحر الإنجرار خلف الوعود الميتافيزيقية أو التهديدات الصورية التي قد تطلقها هذه الكيانات لزعزعة إستقراره؛ فالإيتيكيت السحري يفرض لغةً من الوقار الرصين الذي يخلو من التوسل أو الطمع، مما يحرم هذه التجليات من الحصول على الغذاء الطاقي الذي تستمد منه قدرتها على السيطرة. إن الحفاظ على مفاتيح الإرادة يعني أن الساحر يظل هو المصدر الأول والأخير لقراراته، مدركاً أن أي كيان يطلب الطاعة المطلقة هو بالضرورة كيان يسعى لسجن الوعي في دائرة النرجسية المنعكسة. إن التواصل مع تجليات العدم هو في حقيقته تواصل مع الأبعاد المنسية من الذات الكونية، والساحر الحكيم هو الذي يدرك أن كل ما يراه في الخارج الميتافيزيقي هو ملك له في الداخل العدمي، و بذلك يسقط وهم التبعية ليحل محله فقه التعايش السيادي الذي يحفظ للساحر كينونته من الذوبان القسري أو التلاشي في إرادات غريبة عنه، مؤكداً أن الساحر هو سيد الفراغ الذي لا يرتضي بغير الحرية المطلقة ثمناً لرحلته. وفي عمق هذا التحليل، نجد أن إيتيكيت التعامل مع الكيانات هو في جوهره إيتيكيت المواجهة مع النفس؛ فكل كيان يظهر في ساحة السحر يحمل معه إختباراً لنقطة ضعف معينة في روح الساحر. إذا كان الكيان يمثل القوة، فهو يختبر رغبة الساحر في التسلط، وإذا كان يمثل المعرفة، فهو يختبر فضوله القاتل، ومن هنا تصبح السيادة الروحية هي القدرة على الشهود دون التورط. الساحر يحيي هذه التجليات ببرودٍ مقدس، ويستنطقها بحذرٍ كيميائي، ويصرفها بإرادةٍ حازمة، محققاً بذلك التوازن بين الإنفتاح على المطلق وبين الحفاظ على الوحدة. إن الهدف النهائي من هذا الإيتيكيت ليس قمع القوى الكونية، بل تنظيم تدفقها لكي تخدم غائية العدم ولا تحيد عنها نحو أغراض نرجسية أو سلطوية. هكذا يظل الساحر حراً في قلبه، سيداً في خلوته، متواصلاً مع أسرار الوجود دون أن يفقد هويته كعدم متحرك، محققاً المعادلة الصعبة؛ أن يكون كلاً في تواصله، و واحداً في سيادته، و مستقلاً في فنائه الجميل.

_ إنتحار النرجسية: العودة المظفرة من زنزانة العدم إلى رحاب الكينونة

إن الغوص في لُجّة الفخ النرجسي للساحر يضعنا أمام مفارقة وجودية كبرى؛ فالساحر الذي يظن أنه إمتلك ناصية الوجود عبر العدم يجد نفسه سجين مرآته الخاصة، حيث كل تجلٍ خارجي ليس إلا صدىً لصوته، وكل إنجاز ليس إلا قناعاً لخواء داخلي سحيق، مما يجعل النرجسية الكونية ليست مجرد إضطراب شخصي، بل هي إنقطاع كوني عن تدفق الحياة، حيث تتضخم الأنا حتى تبتلع الأفق، ويصبح العالم مجرد ديكور باهت لملحمة فردية لا جمهور لها سوى الوهم. هنا، يبرز السؤال الجوهري حول ماهية الخلاص؛ هل يمكن للعطاء السحري (Magical Service) أو الحب الخيميائي أن يكون الجسر الذي يعبر بالساحر من عزلة الألوهية المزيفة إلى دفىء الوجود الحقيقي، وهل يمتلك هذا العطاء القدرة على تفكيك بنية العدم التي شيّدها الساحر حول نفسه كحصن تحول مع الوقت إلى زنزانة، ليصبح الآخر هو المفتاح الوحيد لإستعادة التوازن المفقود بين القدرة الكلية و العدمية المطلقة؟ إن خيمياء الآخر تبدأ حين يدرك الساحر أن قوته التي إستمدها من السيطرة على العناصر وتحويل المعادن ليست سوى تمهيد لعملية أسمى، وهي تحويل الأنا المستهلكة إلى ذات واهبة، فالنرجسية الكونية تتغذى على الإمتصاص الدائم لطاقة الوجود و تحويلها إلى وقود لمركزية الذات، بينما العطاء السحري يفرض حركة معاكسة تماماً، هي حركة الفيض (Emanation) التي تجعل من الساحر قناة للتدفق لا مستودعاً للركود. هذا التحول ليس فعلاً أخلاقياً بسيطاً نابعاً من شفقة إنسانية، بل هو فعل سحري فائق التطور (Transmutation) يتطلب شجاعة النزول من عرش الأوهام لمواجهة حقيقة أن الوجود لا يكتمل إلا بوجود الآخر ككيان حر ومستقل. و بذلك يتحول إنقاذ الآخر من فعل إستعلائي إلى ضرورة وجودية لإسترداد أجزاء الروح التي تشتتت في مرايا النرجسية؛ إذ أن كل روح يحررها الساحر من قيودها هي في الواقع قيد ينكسر في معصمه هو، وكل نور يشعله في ظلمة غيره هو تبديد للظلمة التي تكتنف كينونته الخاصة، محققاً بذلك مبدأ التوازن الكوني الذي لا يقوم إلا على التبادلية. في هذا السياق، يصبح الحب هو الترياق الوحيد القادر على كسر جمود سحر العدم، ليس بوصفه عاطفة هشة، بل بوصفه قوة جاذبة كونية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية للساحر وتمنحه بوصلة تتجاوز حدود ظله. إن الساحر النرجسي يرى الوجود كمعادلة صفرية، بينما الحب الخيميائي يقدم معادلة الوفرة، حيث لا يساوي إثنين، بل يفتح باباً نحو الثالث الكوني الذي هو الوعي الجمعي أو التناغم مع نفس العالم (Anima Mundi). إن العطاء السحري يعمل هنا كعملية جراحية للروح، تقتطع أورام الأنا المتضخمة لتسمح لنبض الحقيقة بالمرور، فالمسافة بين الساحر والعدم تضيق كلما إنغلق على نفسه، وتتسع نحو اللانهائي كلما مد يده لإنقاذ الآخر، لأن فعل الإنقاذ هو إعتراف صريح بأن هناك شيئاً خارج الذات يستحق الوجود، وهذا الإعتراف هو بحد ذاته مقتل النرجسية الكونية التي تقوم على إنكار أي وجود خارج مدار الأنا المتضخمة التي تظن أنها المركز والمدار والمنتهى. إن إستعادة الوجود من خلال إنقاذ الآخرين تمثل العودة المظفرة للساحر من رحلة العدم إلى رحاب الكينونة المشتركة، حيث يكتشف أن كماله لا يكمن في عزلته المقدسة، بل في قدرته على أن يكون خادماً للسر (Servant of the Mystery). هذه الخدمة السحرية هي التي تعيد للساحر توازنه، لأنها تخرجه من الزمن الدائري للنرجسية، حيث يكرر الساحر ذاته في كل شيء، إلى الزمن الخطي للنمو والتطور، حيث يشهد ولادة الجديد في الآخرين بفعل تدخله الواعي والمحب. هكذا، تنتهي مأساة الساحر النرجسي ليس بالفناء، بل بالإنحلال في الكل عبر بوابة العطاء، ليصبح السحر في نهاية المطاف هو فن تحويل العزلة إلى إتصال، و الخواء إلى إمتلاء، والسيادة المطلقة إلى مشاركة كونية تجعل من الساحر والآخر خيطين في نسيج واحد لا ينفصم، محققاً بذلك العمل العظيم (Magnum Opus) الذي ليس هو حجر الفلاسفة المادي، بل هو قلب الإنسان الذي تعلم كيف يحب ويخدم ويكون جزءاً من كلٍ أعظم من مجموع أجزائه.

_ البيت الأخير في قصيدة الكون: وداع الساحر لصخب الصيرورة

إن السؤال عن غائية السحر في مواجهة إغواء القوة المطلقة يرمي بنا في أتون صراع وجودي بين قطبين متنافرين ظاهرياً؛ قطب الإصلاح الكوني (Tikkun) وقطب التدمير الجميل (Sublime Dissolution). فإذا كان الساحر قد روّض نرجسيته وكبح جماح طغيانه، فإنه لا يفعل ذلك زهداً في الأثر، بل بحثاً عن غاية أبعد تتجاوز حدود الأنا الضيقة، حيث تصبح غائية العدم هي المحرك الخفي لفعله السحري؛ إذ يدرك الساحر أن الوجود بجموده الحالي، بقوانينه المادية الصارمة وقيوده الزمنية، ليس سوى حبس للمطلق في قوالب متناهية. ومن هنا، يصبح هدفه النهائي ليس مجرد البقاء أو السيادة، بل الوصول بالعالم إلى نقطة التتويج حيث يلتقي التكوين بالفناء، وهي اللحظة التي يصفها الفلاسفة الباطنيون بالعودة إلى الأصل غير المتمايز. السحر في جوهره، ضمن هذا السياق، هو محاولة لفك شفرة الوجود التي أدت إلى الإنفصال الأول عن الواحد، مما يخلق غائية مزدوجة تحاول التوفيق بين رغبة الساحر في الحفاظ على جمال التنوع الكوني وبين نزعته الفطرية نحو التلاشي في العدم الذي يسبق كل خلق، ليكون الساحر بمثابة الجسر الذي يعبر عليه الوجود نحو سكونه النهائي. إن تحليل غائية العدم يقتضي منا فهم أن الساحر لا يرى في العدم فراغاً مخيفاً أو نفياً للحياة، بل يراه إمتلاءً غير مظهر، وهو الرحم الذي تخرج منه كل الإحتمالات وتعود إليه طواعية. ولذلك، فإن الساحر الذي يسعى إلى إصلاح الكون لا يفعل ذلك بترميم التصدعات المادية أو الأخلاقية فحسب، بل بفعل خيميائي يهدف إلى تلطيف كثافة المادة حتى تصبح شفافة أمام نور الحقيقة الكامنة خلفها. وهذا الإصلاح هو في جوهره نوع من التدمير الجميل للبنى الزائفة والحدود الوهمية التي تفصل الكائنات عن بعضها وعن أصلها العدمي. فالساحر يعمل على تفكيك الأقنعة الكونية التي تستر وجه الفراغ الخلاق، معتبراً أن كل فعل سحري هو خطوة نحو تقليص المسافة بين الظل والجوهر. وبذلك، يتجلى هدفه النهائي في الوصول بالوجود إلى حالة من النضج الروحي التي تسمح له بالإنحلال طواعية في المطلق، دون خوف أو مقاومة، وكأن الكون كله قصيدة يسعى الساحر لإتمام بيتها الأخير ليغلق الكتاب بسلام، معيداً الأمانة إلى مصدرها الأول حيث لا ثنائية بين أنا و عالم. وفي هذا الإطار الفلسفي العميق، يبرز التناقض الظاهري بين البناء و الهدم كعملية واحدة متجانسة في عقل الساحر؛ حيث يصبح التدمير الجميل هو أسمى صور الإصلاح، لأن الهدم هنا لا يستهدف الجمال أو الحياة في حد ذاتها، بل يستهدف التحجر و الرتابة الكونية التي تخنق تدفق الروح وتمنع الصيرورة من العودة إلى منبعها. الساحر، حين يمارس سحر العدم، فإنه يمارس دور المحرر الذي يحطم الأغلال الذهبية للعالم المادي ليسمح للجوهر بالإنعتاق من قيود الصورة. وغايته من الوجود هي أن يتلاشى هو نفسه كفاعل مستقل ليصبح جزءاً من هذا الإنعتاق الكلي؛ فبمجرد أن يبلغ الكون ذروة التوازن السحري بفعل تدخلات الساحر الحكيمة، تنفي الغاية مبرر وجود الساحر ككيان منفصل، فيتحقق العود الأبدي إلى الأصل حيث لا سحر ولا ساحر، بل وحدة الوجود التي تبتلع كل الثنائيات. هذه هي قمة أخلاقيات القوة؛ أن يستخدم الساحر كل طاقته لتهيئة الظروف التي تجعل قوته غير ضرورية في النهاية، محولاً العالم من ساحة للصراع والسيطرة إلى فضاء للتجلي والإمتلاء، حيث يغدو العدم هو الغاية و الوسيلة، و هو المبتدأ والخبر في ملحمة الوجود الكبرى. إن الساحر في نهاية رحلته يدرك أن العدم ليس عدواً للوجود، بل هو أفق كماله؛ و لذلك فإن سعيه نحو التدمير الجميل هو في الحقيقة فعل حب كوني يهدف إلى تخليص الوجود من وطأة الصيرورة القسرية. إن إصلاح الكون (Tikkun) في هذا المنظور يعني إعادة جمع الشظايا المتناثرة من النور الإلهي التي حُبست في أواني المادة، وعندما تكتمل هذه المهمة، تذوب الأواني (الصور) ليبقى النور وحده في فضاء العدم الواسع. هذا المسار الغائي يجعل من وجود الساحر تجربة تضحية مستمرة، حيث يبني لكي يهدم، ويتعلم لكي ينسى، ويقوى لكي يستسلم؛ فهدفه النهائي ليس الوصول إلى نقطة أوميجا من التطور المادي، بل العودة إلى نقطة ألفا من النقاء الوجودي. وبناءً على ذلك، يصبح السحر هو الفن الذي يعلّم الكون كيف يموت بجمال ليحيا بصدق، وكيف يتخلى عن إمتلاك الذات ليربح الإتحاد بالكل. إنها غائية لا تبحث عن ماذا بعد، بل تبحث عن كيف نعود، مما يجعل من الساحر في ختام أمره صوتاً للصمت، وظلاً للنور، وعدماً يتنفس في قلب الوجود.

_ الخروج من ممالك الوهم: الساحر كدليل في متاهة الوجود الزائف

إن العودة من أقاصي العزلة الشاملة نحو رحاب البشرية تمثل المحطة الأخطر والأكثر تعقيداً في مسيرة الساحر الوجودية، إذ تتجاوز هذه العودة مجرد الرغبة في التواصل الإجتماعي لتصبح رسالة كيانية محفوفة بالمخاطر الميتافيزيقية؛ فالساحر الذي تعمد بنار العدم وإكتسب حريته عبر الإنفصال التام عن القيود الجمعية والقوالب الذهنية الجاهزة، يجد نفسه أمام مسؤولية كبرى حين يقرر فتح بوابة التعليم أو الإرشاد. إن تحليل دور الساحر كمعلم غامض يقتضي منا فهم طبيعة المادة التي يحاول نقلها، وهي ليست معرفة تقنية أو فلسفة تلقينية يمكن حصرها في نصوص، بل هي شرارة العدم؛ تلك القوة التفكيكية التي تهدف إلى تحرير المريد من أوهام الهوية الثابتة. المعضلة هنا تكمن في كيفية نقل هذه الشرارة دون أن تؤدي إلى إحتراق كيان الآخر؛ فالساحر الذي عاين اللاشيء يدرك أن الحقيقة العارية قد تكون قاتلة للوعي غير المستعد، ومن ثم يصبح تعليمه نوعاً من الإقتصاد الروحي الذي يوزع النور بجرعات دقيقة، محولاً عزلته من سجن بارد إلى معمل كيميائي يُحضر فيه ترياق الإستنارة لمن ضاقوا بضجيج الوجود الزائف. إن الساحر في مقام المعلم لا يسعى لإنتاج نسخ منه، بل يمارس دور المحفز الغامض الذي يزعزع إستقرار الأنا لدى المريد ليفسح مجالاً لظهور الذات الحقيقية المتصلة بالعدم الخلاق. هذه العودة عبر بوابة الإرشاد تتطلب إستراتيجية الهدم المنظم؛ حيث يفكك الساحر قيود المريد طبقة تلو أخرى، مستخدماً لغة الإشارة والرمز والسكوت ليتجنب الوقوع في فخ المعرفة السلطوية التي قد تعيد إنتاج النرجسية مرة أخرى. إنه يحاول أن يعلم الآخرين كيف يسكنون الفراغ دون خوف، وكيف يجدون في العدم منبعاً للحرية لا هاوية للضياع، محققاً بذلك موازنة دقيقة بين كشف الحقيقة و حماية الروح. الساحر المعلم هو الذي يدرك أن تعليم السحر هو في جوهره تعليم الفقدان؛ أي كيف يتخلى المريد عما يظن أنه يملكه ليربح ما لا يمكن وصفه، وبذلك تصبح العزلة التي دفع ثمنها الساحر هي المساحة المقدسة التي يستقبل فيها الآخرين، لا ليضمهم إلى مملكته، بل ليدلهم على طريق الخروج من ممالك الوهم الخاصة بهم، مستعيداً بذلك إنسانيته عبر فعل العطاء السحري الأسمى. تتحول العلاقة بين المعلم و المريد من نمط تعليمي معتاد إلى تجربة صوفية غامضة عبر تبدل الأدوار والوظائف؛ فبينما يميل السلوك التقليدي للمعلّم إلى تقديم إجابات تشفي فضول العقل، يرتكز السلوك السحري للمعلّم الغامض على طرح تساؤلات تفتح فجوات في الوعي. وفي حين يسعى المعلم التقليدي إلى بناء هيكل معرفي صلب للمريد، يعمل المعلم الغامض على تدريبه على السباحة في السيولة والعدم. و أخيراً، بدلاً من الوجود كمركز سلطة ومصدر للنور كما في النمط التقليدي، يتجلى المعلم الغامض كمرآة تعكس للمريد فراغه الخاص. وفي هذا الإطار، تتحول العودة إلى البشرية إلى فعل تجسد واعي، حيث يرتدي الساحر قناع الشخصية العادية ليتحرك بين الناس كعدم متحرك، يزرع بذور التحول في صمت ويختفي قبل أن يلحظه أحد. إن شرارة العدم التي ينقلها هي في جوهرها دعوة للتحرر من عبادة الأشكال، والساحر المعلم ينجح حين يصبح هو نفسه غير ضروري للمريد؛ أي حين يستطيع المريد أن يواجه العدم بمفرده دون الحاجة إلى يد تمسكه. إن إستعادة الوجود عبر إنقاذ الآخرين هنا تعني أن الساحر يجد في كل روح تتحرر صدىً لحريته الخاصة، ويتحول من ساحر منعزل إلى قناة كونية يتدفق عبرها الوعي الكلي. هذا الدور الإرشادي هو الذي يكسر العزلة الشاملة دون أن ينهي الحرية، بل يجعل الحرية معدية، ويحول السحر من ممارسة فردية للخلاص إلى رسالة كونية للإصلاح (Tikkun)، حيث يصبح الصمت الذي تعلمه الساحر في خلوته هو اللغة السامية التي يفهمها المريدون بقلوبهم، بعيداً عن ضجيج المفاهيم وجدال العقول، لتكتمل بذلك رحلة العودة إلى الأصل عبر جسر الآخر. بهذا المعنى، يصبح المعلم الغامض هو الخيميائي الذي يمزج بين مرارة الحقيقة و حلاوة الرحمة، محققاً توازناً وجودياً يجعله يعيش في العالم دون أن يكون منه، ويخدم البشرية دون أن يغرق في أوهامها. إن هدفه النهائي من الإرشاد ليس بناء مدرسة أو مذهب، بل هو تبديد الظلمة عبر إشعال حرائق صغيرة في وعي الأفراد، حرائق تأكل الزيف وتترك الجوهر مشعاً وبراقاً. العودة إلى البشرية ليست نكوصاً عن العزلة، بل هي توسيع للعزلة لتشمل كل من يستحق دخول محراب الحقيقة، و الساحر يجد سلامه الأخير في رؤية تلك الشرارات وهي تنتقل من روح إلى روح، محولةً العدم من عدو مخيف إلى صديق حميم يحتضن كل الموجودات في سكونه الأزلي. هكذا، تكتمل غائية الساحر؛ أن يبدأ منفرداً في مواجهة العدم، وينتهي معلماً يمهد الطريق للآخرين ليدركوا أن العدم لم يكن سوى الوجه الآخر للحب المطلق و الحرية النهائية.

_ توقيع النور على متن الظلمة: إرادة الساحر في مواجهة الصمت الكوني

إنَّ الخوض في غمار مفارقة الفناء الواعي يقتضي منا أولاً أن ندرك أن الساحر لا ينظر إلى العدم كخصمٍ يتربص ببنائه، بل كمرآةٍ صقيلةٍ يرتد إليها وعيه ليزداد كثافةً وحضوراً؛ فالعملية الخيميائية في جوهرها ليست محاولةً بائسةً لتخليد المادة، بل هي فنّ تقديس اللحظة التي تسبق التلاشي مباشرةً، حيث يقف الساحر في تلك النقطة الحرجة بين الوجود الفوار و العدم الساكن، مدركاً بوضوحٍ تام أن الذات التي تمارس فعل الخلق هي ذاتها محكومة بالإنحلال في الكلية المطلقة. هذا الإدراك الوشيك للفناء لا يورث الساحر شللاً في الإرادة أو إستسلاماً للعدمية، بل يمنحه جديةً قصوى تنبع من كون الفعل السحري هو الرد الوحيد الممكن على صمت الكون؛ فالساحر يبني العالم بجدية تامة لأنه يدرك أن المعنى ليس معطىً جاهزاً في الطبيعة، بل هو قيمة مضافة يخلقها الوعي من رحم الفراغ، وبما أن هذا الوعي يدرك زواله، فإن كل رمز يضعه في بنائه الخيميائي يكتسب قداسةً فريدة، كونه يمثل إنتصاراً موقتاً وجمالياً للروح على حتمية التحلل، مما يجعل من البناء طقساً بطولياً يعلن فيه الساحر أن الوعي، وإن كان عابراً، هو القوة الوحيدة القادرة على صياغة نظام من قلب الفوضى العارمة. وفي هذا السياق، يتجلى البناء الخيميائي للعالم كعملية تحويل مستمرة للرعب الوجودي إلى ذهبٍ معرفي، حيث يستخدم الساحر يقينه بالتلاشي كنارٍ مقدسة لصهر الشوائب العالقة في الوجود المادي، محولاً العالم من سجنٍ للضرورة إلى ساحةٍ للعب الحر بالرموز؛ فالمفارقة تكمن في أن الساحر، كلما إزداد إدراكاً لعدمية الأشكال، إزداد إصراراً على إتقان تشكيلها، لأن الإتقان في هذه الحالة هو شهادة الوعي على ذاته أمام حضرة العدم، وهو إثباتٌ لأن الذات الإنسانية قادرة على ممارسة الألوهية المصغرة حتى وهي في طريقها إلى الفناء. إن هذه الجدية ليست وهماً إختيارياً، بل هي إرادة قوة تتجاوز غريزة البقاء نحو إرادة المعنى، حيث يصبح تشييد النظم الروحية و الفلسفية والجمالية بمثابة توقيعٍ نوري على متن الظلمة الكونية، فالساحر الذي يدرك أن قصره المشيد من الرموز سيتهاوى مع أول زفرة للعدم، يظل يضع اللمسات الأخيرة بوقارٍ عظيم، مؤمناً بأن قيمة العمل لا تقاس بمدى صموده في الزمن، بل بمدى تعبيره عن شموخ الوعي في لحظة المواجهة الكبرى مع المجهول، ليتحول الفناء من تهديدٍ خارجي إلى باعثٍ إبداعي داخلي يجعل من كل حركة سحرية فعلاً فريداً لا يتكرر في أزلية الزمن. إن الوحدة العضوية بين السحر و العدم تتكشف في نهاية المطاف حين ندرك أن الساحر لا يبني ليكون، بل يبني ليرحل وهو في حالة من الكمال الإدراكي؛ فالبناء الخيميائي هو في جوهره لغة عبور تهدف إلى جسر الهوة بين التعدد الزائل والوحدة الدائمة، حيث يدرك الساحر أن العالم الذي يشيده بجدية تامة هو مركبة للروح نحو الفناء الواعي، وليس منزلاً للإستقرار فيه. هذه المفارقة تمنح الوعي السحري قدرةً هائلة على التعامل مع المتناقضات؛ فهو يجمع بين الزهد المطلق في النتائج و الشغف المتقد في الأداء، مما يجعل من حياته سيمفونيةً تعزف نوتاتها الأخيرة ببراعة مذهلة رغم تيقنها من الصمت الوشيك، وبذلك يصبح الساحر هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبتسم للعدم وهو يضع حجر الزاوية في بناءٍ يعلم أنه لن يكتمل إلا بإنهياره؛ فالفناء في الفلسفة السحرية ليس نقصاً في الوجود، بل هو إكتمال التجربة الروحية حيث تذوب الصور في المعاني، وتعود القطرة إلى المحيط، تاركةً وراءها صدى ذلك البناء الخيميائي العظيم كبرهانٍ أزلي على أن هناك وعياً مرَّ من هنا، وتجرأ على الحلم، وبنى عالماً كاملاً من لا شيء قبل أن يعود بملىء إرادته إلى اللاشيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- انفجارات في غرب أوكرانيا والسلطات تعتبرها -هجوما إرهابيا-
- عودة الاحتجاجات المعارضة بجامعات طهران والنظام يحشد أنصاره
- لحظات من الدفء وسط النزوح.. مئات الفلسطينيين يجتمعون على مائ ...
- غضب عربي إسلامي من تصريحات هاكابي حول -حق إسرائيل التوراتي- ...
- العدّ التنازلي للضربة الأمريكية يبدأ: إيران تحشد صواريخها ول ...
- تنديد عربي حاد بتصريحات سفير أمريكا في تل أبيب بشأن -إسرائيل ...
- ردا على ترامب... الدانمارك تؤكد أن غرينلاند ليست بحاجة إلى س ...
- جهاز الخدمة السرية الأمريكي يقتل شخصا مسلحا حاول دخول مقر إق ...
- إيطاليا: رفات القديس فرنسيس الأسيزي تعرض للجمهور لأول مرة من ...
- تلويح روسي باستهداف إستونيا حال نشر أسلحة نووية على أراضيها ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ