محمد سمير رحال
الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 09:50
المحور:
الادب والفن
نموذج تربوي مبتكر في ثانوية الكوثر – جمعية المبرّات – بيروت، لبنان
منذ أن ازدادت وسائل التكنولوجيا والـ(AI) ازدادت آليات الصمت في الحياة؛ فنحن الآن في عصر نحتاج فيه إلى التعبير عن اللغة من دون النطق بها. من هذا المنطلق في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2025، تحوّل مسرح ثانوية الكوثر في بيروت، لبنان، إلى مساحة تربوية غير مألوفة، حيث قدّم طلاب المرحلة الثانوية عرضًا صامتًا بأسلوب «البانتومايم» بعنوان «تحديات اللغة العربية». وقد حضر العرض عدد من الأساتذة والطلاب والأهالي، ممّا أضفى على التجربة طابعًا جماعيًا وتفاعليًا. وتُعدّ هذه التجربة من أوائل المحاولات الموثّقة في لبنان لتوظيف فن «البانتومايم» في التعليم، وهي خطوة تأسيسية يمكن البناء عليها في تطوير أساليب تعليمية مبتكرة، بما يمنحها قيمة أكاديمية وتربوية على حدّ سواء.
التوثيق الرسمي
تمّ تنفيذ التجربة بإعداد وسيناريو وإخراج تربوي من قبل أستاذ مادة اللغة العربية وآدابها في ثانوية الكوثر، وقد جرى توثيقها رسميًا بتوقيع كل من إدارة المدرسة وقسم التنسيق والضيف التربوي الدكتور سلطان ناصر الدين، لتُحفظ كوثيقة أولية ضمن أرشيف المدرسة كنموذج تربوي قابل للتطوير لاحقًا إلى دراسة أكاديمية متكاملة أو تقرير نهائي معتمد. ويتيح هذا التوثيق للطلّاب والباحثين والمعلّمين الاطّلاع على التجربة والاستفادة منها وتعميمها كنموذج مبتكر في التربية والتعليم.
الفكرة والرؤية
انطلقت التجربة من رؤية ترى أنّ اللغة العربية ليست مجرد منظومة قواعد، بل كيان حيّ يتجسّد في المعنى والصورة والإيقاع. لذلك، جرى تحويل اللغة إلى تجربة حسّية– جسدية–بصرية عبر البانتومايم، حيث حمل الطالب الممثّل دور كتاب الأدب العربي في جميع المشاهد، كرمز للهوية والتراث الذي يُخشى عليه من الضياع. بهذا الشكل، أصبح الكتاب عنصرًا دراميًا يرافق العرض، ويذكّر الجمهور بقيمة اللغة كجذر ثقافي لا ينفصل عن الوجود.
الرموز المسرحية ودلالاتها
_ الشمسية السوداء: الغطاء الذي يخفي اللغة، وكشفها يعني بداية السرد.
_ البيانو والكمان: التكامل بين العقل والخيال، بين القواعد والوجدان.
_ الكتاب: التراث والهوية الثقافية، محور المسرحية ورمز الخوف من ضياع اللغة.
_ الأقنعة: القوى المظلمة التي تهدّد اللغة (استعمار، عولمة، إعلام).
_ قناع الهاكرز: التحدّيات الرقمية المعاصرة.
_ الهاتف الذكي: العصر الرقمي كسلاح مزدوج، بين المعرفة والتشتيت.
_ القلم: المعرفة والتعليم كأداة للتحرر.
إن اختيار الكتاب كرمز مركزي يبرز العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر، ويؤكد أن الهوية الثقافية لا يمكن أن تنفصل عن أدوات المعرفة. في السياق الرقمي، يصبح الكتاب رمزًا للمقاومة أمام هيمنة الوسائط الحديثة، وهو ما يعكس التوازن المطلوب بين الأصالة والتكنولوجية.
كما أن إدخال رموز مثل الهاتف الذكي وقناع الهاكرز في العرض يعكس إدراكًا واعيًا للتحديات الرقمية الراهنة. فكما يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف أنماط التواصل عبر معالجة الصور والبيانات غير اللفظية، يتيح البانتومايم إعادة التفكير في اللغة كوسيط حيّ قادر على التكيّف مع هذه التحولات. الصمت المسرحي هنا يوازي قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعنى من الإشارات غير الكلامية، ما يفتح المجال أمام رؤية تربوية جديدة ترى في التكنولوجيا شريكًا للتعليم لا خصمًا له. إن هذه المقاربة تؤكد أن الحفاظ على الهوية اللغوية ممكن عبر التوظيف الواعي للأدوات الرقمية الحديثة.
المشاهد المسرحية
توزعت المسرحية على تسعة مشاهد متكاملة، حمل كل منها رمزًا ودلالة خاصة. في البداية، تدخل تلميذة إلى المسرح وتفتح شمسية سوداء لتكشف كلمة «السرد» على الشاشة، ثم تغلقها وتتجه بخطوات ثابتة لتجلس إلى البيانو، حيث تبدأ موسيقى هادئة ترمز إلى القواعد والأساس البنائي للغة. بعدها تظهر تلميذة أخرى وتشير إلى الشاشة، فتُعرض النص الافتتاحي كاملًا:
«في الصحراء ولدت اللغة العربية كطفل لا يزال ينمو ويتجدّد. طفل يحمل في قلبه "خير أمّة أخرجت للناس"، لكننا اليوم نبحث عن الكمال المنسي، فنحن جزء من هذه الأمة وبالتالي جزء فاعل من هذا السرد الذي لم ينتهِ بعد..»
يتأمل الطفل هذه الكلمات وهو يحمل كتاب الأدب العربي/تاريخ الأدب العربي، ثم يحتضن الكتاب ليؤكد ارتباطه بالهوية والتراث.
يتواصل السرد عبر مشاهد المواجهة، حيث يجسّد الممثلون بالأقنعة السوداء تحديات الاستعمار والعولمة والإعلام، وصولًا إلى ذروة التحديات حين يحيطون بالطفل، فيرفع كتابه عاليًا كرمز للمقاومة. وفي المشهد الثامن، تدخل شخصية الأم ومعها الهاتف الذكي، ويظهر قناع الهاكرز ليجسّد العصر الرقمي، لكن الطفل يختار الكتاب في النهاية، متمسكًا بالهوية والمعرفة.
أما الخاتمة، فيدخل التلميذ الممثل بدور الأستاذ حاملاً قلمه، ويشير إلى كل شخصية فتسقط أرضًا واحدة تلو الأخرى. ثم يرفع الطفل يده عاليًا منتصرًا وهو ممسك بكتابه، فيما ترفع عازفة البيانو يديها بإشارة النصر، وترفع عازفة الكمان آلتها أيضًا، ليكتمل المشهد بانتصار اللغة والمعرفة على كل التحديات. وتنتهي الموسيقى بتناغم بين البيانو والكمان، في إشارة إلى التكامل بين العقل والخيال.
النتائج المتوقّعة:
من شأن هذه التجربة أن تعزّز وعي الطلاب بالتحديات التي تواجه اللغة العربية، وأن تنمّي لديهم الخيال والإبداع عبر الدمج بين الفنون واللغة، كما تسهم في بناء تجربة تعليمية حسية متكاملة تشمل الجسد والبصر والسمع. وإلى جانب ذلك، فهي ترسّخ قيمة الكتاب كرمز للهوية الثقافية، وتقدّم نموذجًا يمكن تعميمه في مدارس أخرى. وفي هذا السياق، أشار الضيف التربوي الدكتور سلطان ناصر الدين إلى أن «المشكلة تكمن في أساليب الاستخدام والتعليم لا في التكنولوجيا»، موضحًا أنّ تطوير طرائق التدريس يُعدّ المدخل الحقيقي لتجديد التعليم.
كما عبّر الطلاب عن أثر التجربة عليهم؛ إذ ذكر أحدهم أن «المسرحية كانت قصيرة، لكنها ساعدتني على فهم أهمية اللغة بطريقة سهلة وجاذبة»، وأضاف آخر: «لأول مرة أشعر بالانتماء إلى اللغة العربية بهذا الشكل». وأشارت طالبة ثالثة إلى دهشتها من طبيعة التجربة، موضحة أنّ «المسرحية كانت عن اللغة العربية وبأسلوب صامت، وهو أمر لم تكن تتصوّره».
وأوضحت إحدى المعلمات، في سياق احتفالي، أن العرض «جمع بين البساطة والإبداع بشكل متوازن». كذلك أشار بعض الأهالي إلى أنّ التجربة «أعادت إلى اللغة العربية حضورها»، موضحين أنهم لم يكونوا يتوقّعون أن تظهر اللغة «بهذه القوة والجمال في العصر الراهن حتى في سياق صامت».
التوازن مع المناهج:
يُعد البانتومايم أداة تربوية مساعدة ينبغي أن يُدمج ضمن المناهج التعليمية بطريقة متوازنة، لا أن يُطرح كبديل كامل عن طرائق التدريس التقليدية. فقد يُخصَّص له أحيانًا حصة كاملة مستقلة، أو يُوظَّف كإحدى الاستراتيجيات داخل الحصة الدراسية، كما يمكن أن يُستخدم في إطار الأنشطة الصفية واللاصفية لتعزيز الفهم والتفاعل. هذا الدمج المرن يتيح الاستفادة من البانتومايم في تنمية الإبداع والخيال، مع المحافظة على البنية المنهجية المعتمدة وضمان انسجام العملية التعليمية.
آفاق أوسع للتعليم
ورغم أن التجربة ركزت على اللغة العربية، إلا أنّ إمكانات البانتومايم والفنون الأدائية تتجاوز حدود اللغة لتشمل مختلف المواد الدراسية. فالرياضيات والعلوم والتاريخ يمكن أن تتحول إلى مشاهد صامتة، تجعل الطالب يعيش المفهوم بدلًا من حفظه، ما يفتح آفاقًا جديدة للتعليم في لبنان والعالم العربي. بهذا المعنى، تمثل التجربة خطوة تأسيسية نحو دمج الفنون في التعليم الأكاديمي بشكل شامل.
تثبت هذه التجربة أن توظيف البانتومايم في التدريس يفتح آفاقًا جديدة للتعليم، حيث تتحول المعرفة إلى تجربة حسية– جمالية– تربوية. إن دمج الفنون الأدائية في التعليم يعزز الفهم العميق ويحفّز الإبداع، ويتيح للطلاب مواجهة التحديات التاريخية والمعاصرة بطريقة رمزية وفاعلة. وجود الكتاب في يد الطفل طوال المسرحية يرمز إلى أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي إرث ثقافي وتاريخي يجب الحفاظ عليه وهي قادرة على التفاعل والتكيف مع جميع العصور وفي جميع القوالب.
إنّ تجربة البانتومايم هذه في ثانوية الكوثر تمثّل خطوة تأسيسية يمكن تطويرها إلى برامج تدريبية للمعلّمين أو إدراجها ضمن المناهج التعليمية، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في العالم العربي.
إعداد وتوثيق: محمد رحّال
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟