محمد سمير رحال
الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 02:37
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
إيران تمارس «الصمت العقابي»
في عالم يلبس الضجيج بات الصوت العالي عارياً، وأصبح الصمت من أقوى أسلحة الحروب، ورغم قوة الكلمة وأفعال القول، قد تشنّ حروب دون همس حتى. في هذا المضمار تبرز إيران كنموذج معاصر لدولة تمارس في أعنف لحظات التاريخ أسلوباً غير تقليدي في هكذا أجواء تفاوضية، يتمثل في ما يمكن تسميته بـ«الصمت العقابي» كأداة للتفاوض، وهو نوع من «البانتومايم» السياسي.
هذا الصمت لا يخفي الكلمات والمواقف فقط، إنما يشكل مادة للدراسة والرؤية عبر الماضي والحاضر فالمستقبل للواقع الذي يحتاج إلى هدوء وتأنٍ، وقد يعتبر من منظور إيراني قوة استراتيجية تحمل أبعاداً نفسية عميقة، تنتهج عبر غموضها إدارة لأزمة قد يبدو من الصعب فهمها وتوقّع نتائجها.
وهنا قد تنجح في توفير حال من عدم اليقين لدى بعض الخصوم ودفعهم إلى إعادة قراءة الحيثيات والمفاهيم الأيديولوجية وربما إلى تغيير المسار، فبدلاً من التصريحات المعلنة أو التصرفات الفورية، تظهر إيران كطرف قادر على استعمال أدوات الصمت للضغط في المفاوضات النووية، فقد سلّطت إيران عبر هذه الاستراتيجية الضوء على أهمية التوقيت ودوره في التأثير على القوى الكبرى في الساحة الدولية، فكيف يمكن للصمت أن يصبح أداة استراتيجية فاعلة في مفاوضات عالمية؟
الاتفاق النووي الإيراني: خلفية
في صيف عام 2015، أبرمت إيران اتفاقاً تاريخياً مع مجموعة (5+1) حول برنامجها النووي، فيما عُرف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة»(JCPOA). لم يكن هذا الاتفاق ثمرة سنوات من مفاوضات شاقة فحسب، بل جاء أيضاً نتيجة تكتيك غير تقليدي هو: «الانسحاب الكلامي المدروس».
لقد استخدمت إيران الصمت كأداة تفاوضية، لتثير عبره أجواء من الغموض والارتباك، فجعلت الأطراف الأخرى – سواء الولايات المتحدة أو أوروبا – تتخذ قرارات غير متوقعة.
هذا الصمت لم يربك الغرب وحده، بل امتد أثره ليشمل روسيا والصين أيضاً، مما ضاعف من تعقيد المشهد التفاوضي، وهو ما فسّره مراقبون في موسكو كإشارة إلى رغبة طهران في كسب الوقت، إذ وصف خبير روسي الصمت الإيراني بأنه «مناورة حذرة للحفاظ على النفوذ الدولي». وهكذا بدا الصمت الإيراني شبيهًا، إلى حد بعيد، باستراتيجيات الصمت التي اعتمدتها دول أخرى في لحظات التوتر الدبلوماسي عبر التاريخ.
مع مرور الوقت، استمر هذا الصمت في تأدية دور محوري. وفي عام 2025، أكّدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في تقريرها أنه «رغم الهجوم الأمريكي على منشأة فوردو لم تُصدر إيران أي ردّ فعل علني» ممّا يعزز السكوت الاستراتيجي.
وقد أسهم هذا الصمت في تعزيز الغموض والالتباس بشأن قدرة إيران على استئناف برنامجها النووي، مما أجبر جميع الأطراف الغربية على إعادة التفكير في استراتيجياتهم تجاه طهران.
وقد صرّح وزير الخارجية عباس عراقجي، واصفاً إياه بأنه «اعتداء جسيم» لكنه لم يشرْ إلى أي ردّ مرتقب، ولم تردّ إيران على هذا الاعتداء مما عزّز مشاعر الحيرة لتتفرّع التفسيرات سلباً وأيجاباً منها: هل تتجنّب إيران بذلك التّصعيد أم أنها تريد كسب الوقت، أم ستتأهّب لتفاجئ العالم بشيء ما..؟ ولا تزال الأسئلة مستمرّة إلى اليوم.
المفاوضات عبر «البانتومايم»
«البانتومايم»، وهو فن التمثيل الصامت الذي يعتمد على تعبيرات الوجه وحركات الجسد لنقل الرسائل دون كلمات، يقدّم اليوم صورة حيّة لكيفية استخدام الصمت في المفاوضات كأداة ضغط.
لقد اختارت الحكومة الإيرانية إرسال وزير خارجيّتها ليمثّلها في المفاوضات، استناداً إلى ما رأت أنه يمتلك من ميزات وخبرات في بلورة المفاوضات وقلب السحر على الساحر وفق رؤيتهم، إذ لم يكن محمد جواد ظريف، مجرد وسيط دبلوماسي بالنسبة إلى الحكومة، بل كان بنظرهم استراتيجياً بارعاً في إدارة اللحظات الحاسمة.
الصمت كأداة تفاوض
ظريف، المعروف عندهم بقدرته على التحكم في مشاعره، وباستخدم غير تقليدي للوسائل، حيث كان يترك فترات صمت مدروسة في النقاشات الجوهرية، ليضغط نفسياً على الأطراف الأخرى ويدفعهم إلى تقديم تنازلات أكبر.
في أثناء مفاوضات «فيينا» التي جرت في المدة الممتدة بين عامي 2013- 2015، كان هناك توقُّع دائم بأن تقدّم إيران تنازلات بسرعة. لكن ظريف كان يختيار اللحظات المناسبة للصمت، وهو ما أضاف ضغوطاً نفسية على المفاوضين الغربيين.
وحين كادت المحادثات تنهار، اختار ظريف الصمت في الاجتماعات المغلقة، وقد التقطت القنوات من بينها قناة الجزيرة، في أثناء تغطية المفاوضات عام 2014، بعض الإيماءات والتعابير الحادة والغامضة في وجهه مما أحدث ارتباكاً كبيراً بين المفاوضين الغربيين ودفعهم إلى تقديم تنازلات غير متوقعة.
وفي في مذكراته «طاقة الصبر» (2016)، يوضح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أن الصمت تم استعماله كأداة تفاوضية فاعلة، إذ قال: «في بعض الأحيان، يكون الصمت نفسه هو الرسالة الأكثر قوة».
البعد الإقليمي
تأثير الغموض الصامت الإيراني لا يقتصر فقط على الغرب، بل يشمل العلاقات مع حلفاء إيران الإقليميين، ومن الممكن اتّخاذ حزب الله في لبنان أو النظام السوري السابق على سبيل المثال، لأن سياسة الصمت تسهم في بناء صورة قوية لإيران كداعم رئيسي ومؤثر في المنطقة من دون أي حاجة إلى التدخل العسكري المباشر. وتتعامل هذه القوى الإقليمية مع إشارات إيران بطرق مختلفة، وتترجم الرسائل الضمنية التي تمرّ عبر هذا التكتيك.
ولكن، في مقابل رؤية تعزيز النفوذ الإيراني، قد ترى بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، استراتيجية الصمت هذه تهديداً استراتيجياً لأمنها وسلطتها على مناطقها أو تراه ترقّباً يتحضّر لانكسار نفوذها.
في تلك الحال، يُعدّ الصمت الإيراني بمثابة رسالة قوية تفتح المجال أمام تحليلات وتوقّعات منها: «هل تعمل إيران على خطة مفاجئة في المنطقة؟».
لذا، في حين أنّ الصمت قد يعزز من مكانة إيران الإقليمية، يمكن له أيضاً أن يُحدث قلقاً وجودياً في العالم العربي، أو من الممكن تفسيره بشكل سلبي لإيران على أنه حياد أو غياب غير واضح مما يثير الجدل حول دلالاته التي قد تصل إلى فهم الإطالة بالصمت بشكل سلبي فبحسب محللين غربيين، أظهرت المفاوضات النووية الأخيرة في مسقط أن «الغموض السياسي والصمت المفرط لم يعد يُفسَّر كقوة تفاوضية، بل كعلامة على تآكل السلطة وتدهور الاقتصاد الداخلي».
قوة التفاوض: رؤية عراقجي
في كتابه قوة التفاوض (2025)، يوضح عباس عراقجي، أنّ «المفاوض الناجح ليس من يكثر الكلام، بل من يعرف متى يصمت». فالصمت، في بعض المواقف، يمثل قوة استراتيجية وإعادة لتوليف توازن القوى، سواء للتغلّب أو للصمود، مما يسمح للمفاوض أن يفرض نفسه على طاولة المفاوضات حتى وهو بعيد عنها.
هذه الرؤية النظرية، المستمدة من تجربته المباشرة في المفاوضات النووية، تعزز فكرة «البانتومايم» السياسي التي اعتمدتها إيران فأصبحت جزءاً من هوّيتها السياسية، حيث بدا الصمت أحياناً لغة مناورة ذات طابع عسكري.
ويرى عراقجي أن «القدرة على ضبط النفس وانتظار اللحظة المناسبة هي ما يمنح المفاوض قوة حقيقية»، ما يفسّر نجاح إيران في إدفع خصومها إلى مراجعة حساباتهم.
وفي ندوة خاصة بعنوان «إيران بين التفاوض والحرب» التي جرت في شارع الحمراء في التاسع من يناير 2026، أجاب عراقجي على سؤال حول الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة بأسلوب تمثيلي صامت قائلاً إنه «لا يوجد إيراني يحرق مسجداً».
فهذا التصريح، وإن بدا دينياً في ظاهره، إلا أنه يعكس في جوهره شكلاً من أشكال الصمت الموارب أو العقابي، إذ يُستخدم لتجنّب الدخول في سجال سياسي مباشر، ويحوّل النقاش نحو القيم العامة بدلاً من التفاصيل الحسّاسة، كما استطاع أن يشير في الوقت نفسه إلى الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها الطرف المسؤول عن كل ما يحدث وما سيحدث.
مقارنة مع استراتيجيات دبلوماسية أخرى
مع تأمّل التاريخ يلاحظ أنّ إيران ليست وحدها استعملت تكتيك الصمت لكنها كنموذج معاصر تبدو الأكثر حضوراً، فقد استخدمت عدّة دول هذا الأسلوب بشكل مشابه في كثير من المواقف، على سبيل المثال، استخدم الرئيس الأمريكي جون كينيدي، الصمت كتكتيك في أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، «قدرة كينيدي على ممارسة ضبط النفس والامتناع عن الإدلاء بتصريحات علنية فورية خلال أزمة الصواريخ الكوبية كانت حاسمة في تجنّب كارثة نووية».
هذا النوع من الصمت كان جزءاً من ممارسة استراتيجية ناجحة لخلق حال من الضغط النفسي على الاتحاد السوفييتي، وتقديمه لتنازلات.
بالمثل، كوريا الشمالية اعتمدت على صمتها في أثناء المفاوضات النووية التي فشلت بصمت مع الولايات المتحدة، وبعدها راحت «تختبر إطلاق صواريخ فرط صوتية، بحسب وكالة الأنباء المركزية الكورية». دون تحذيرات مسبقة، ممّا يعكس نفس التوجّه في استخدام الصمت كأداة تمويه وضغط.
التوقّعات المستقبلية
من المرجح أن يتطور تكتيك الصمت العقابي الإيراني في المستقبل ليصبح أكثر تعقيداً، حتى أن توقف المفاوضات الآن هو نتيجة محرجة للطرف الثاني المفاوض. خصوصاً في مواجهة التصعيدات العسكرية المحتملة أو الضغوط الاقتصادية الدولية.
ففي حال اندلاع توتر في سوريا أو لبنان، يبقى الموقف الإيراني غامضاً، لا أحد يعرف متى سيردّ أو كيف، وهو ما يحوّل الصمت إلى قوة استراتيجية بحد ذاته. هذا الغموض جعل إسرائيل تتأهّب على كل الجبهات، كما أشار رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، في الثلاثاء 6 يناير 2026، إلى تبنّي جيش الاحتلال استراتيجية جديدة متعدّدة المحاور والمستويات، تتمحور حول وقوع «حرب مفاجئة» مما يفسّر استعداداً لاحتمال ردّ إيراني ساحق حتى في أيام الأعياد.
إن سلاح الصمت – وإن نجح في بعض الميادين – فهو على المدى الطويل قد يشكّل عبئًا على حامليه، إذ إن الهدف منه لا يستوجب المماطلة كثيرًا. فالإفراط في استخدام الصمت قد يؤدي إلى نتائج عكسية حتى على الشارع العام، وقد يفقد أثره النفسي ويُفسَّر على أنه ضعف أو انسحاب، كما يحتمل أن يثير ردود أفعال سلبية على مواقع التواصل وغيرها ويكشف – كما أشار تقرير إيران إنترناشونال في ( ديسمبر 2025) - عن « إشكاليات النزاهة وضعف الموقف التفاوضي، وأن الاعتماد على الصمت وحده لا يكفي لمواجهة العقوبات والعزلة الدولي». وفق تقرير نشر في إرم نيوز بتاريخ 11 يناير 2026، صرّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنّ إيران «طلبت التفاوض بشأن برنامجها النووي»، هكذا تصريح في هكذا توقيت يظهر أنّ حرب الصمت التي تنتهجها إيران لم تغلق باب المفاوضات المستقبلية. ورغم التوتر الحاصل تراجعت واشنطن مؤخّراً عن خيارات العنف، إذ قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن إيران أخبرته بأن «القتل قد توقّف» ما يدلّ على تبدّل لهجة الصراع، وعلى أن الصمت قادر على إعادة تشكيل موازين القوى دون أي تصعيد مباشر.وقد ورد في «القناة 14» الإسرائيلية أن واشنطن أبلغت فجراً إسرائيل أن «عملية ضرب إيران توقفت أو غيرت توقيتها» مما يعكس الأثر الأيديولوجي للغة الصمت بين الدول.
الصمت الإيراني اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يظل أداة تفاوضية ناجعة، أو أن تتجاوزه الضغوط العسكرية والاقتصادية لتفرض على طهران تغيير قواعد اللعبة. وهذا ما قد يجعل استراتيجية الصمت أو «البانتومايم» السياسي نافعة، شريطة حسن الاستخدام في الزمان والمكان المناسبين. ويبقى السؤال هنا مفتوحاً: هل سيكون الصمت في المستقبل هو السلاح الأكثر رواجاً في السياسة الدولية، أم أن أثره سيتراجع عبر الزمن؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟