عبد الرحيم التوراني
صحفي وكاتب
(Abderrahim Tourani)
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 18:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يجد المغرب نفسه اليوم في مطلع عام 2026 عند منعطف تاريخي حرج يتسم بالغموض والوجع، حيث تتقاطع نكبات الطبيعة بمرارة الواقع السياسي المأزوم. فبينما لم تندمل بعد الجراح العميقة التي خلفها زلزال الحوز في قلوب الجبال، جاءت فيضانات مدينة القصر الكبير وحوض اللوكوس الأخيرة لتعري هشاشة البنية التحتية، وتكشف زيف الحلول الترقيعية التي طالما تغنت بها المجالس المتعاقبة.
لكن الزلزال الأشد وقعاً لم يكن جيولوجياً هذه المرة، بل كان أخلاقياً بامتياز، تمثل في تسونامي التوقيفات وسحب جوازات السفر والاعتقالات التي طالت رؤوساً سياسية متورطة في ملفات ثقيلة، تمتد من الفساد المالي وتبييض الأموال إلى شبكات الاتجار الدولي في المخدرات والاتجار بالبشر.
في هذا المشهد السريالي نجد أحزاباً من كل الألوان والأطياف السياسية تجتمع تحت سقف الجريمة المنظمة، مما أحدث شرخاً عميقاً في جدار الثقة بين المحكوم والحاكم. وسط هذا الركام، يخيم على الشارع المغربي نوع من اليأس الوجودي، مما يطرح أسئلة حارقة حول الملامح الحقيقية لما تم التبشير به صخباً كدخول للبلاد إلى "مغرب ما بعد 31 أكتوبر 2025"...
هل كان هذا التاريخ مجرد فاصل زمني وهمي لتسويق الوهم، أم أنه كان إعلاناً عن مغرب جديد اصطدم قبل ولادته بواقع مافيات العقار والسياسة التي لا ترحم؟
حمى الاستحقاقات
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يشتعل فتيل حرب التصريحات الاستباقية، وهي معركة لا تتوخى عرض البرامج بقدر ما تستهدف السيطرة على الوعي الجمعي للمواطن، في محاولة دعائية لحسم الموقعة ذهنياً ونفسياً قبل أن تلفظ صناديق الاقتراع أحكامها.
في مشهد 2026، تطل الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري بلغةٍ تفيض بالثقة من داخل حصون حزب الأصالة والمعاصرة، مبشرةً بصدارة مطلقة لحزبها للمشهد السياسي. وفي المقابل، يستنفر نزار بركة القواعد التاريخية لحزب الميزان، مستدعياً إرث التعادلية القديم لإثبات قدرة الحزب العتيد على استعادة ريادته المفقودة.
وفي قلب هذا التجاذب المحموم، يقف عزيز أخنوش، الذي اختار الترجل من رئاسة حزب الأحرار ليظل مُهندس التحالف الثلاثي، مستميتاً في الدفاع عن حصيلة حكومية يصفها بـ"غير المسبوقة والمنقذة للاقتصاد"، في حين لا يجدها المواطن في الأسواق الشعبية إلا نكبةً أتت على الأخضر واليابس من قدرته الشرائية، وحوّلت معيشه اليومي إلى رحلة شاقة في قلب الغلاء.
على الضفة الأخرى، يعزف عبد الإله بنكيران متزعم حزب العدالة والتنمية الإسلاموي، على وتر النوستالجيا أو الحنين إلى عهده، متغافلاً ببراعة سياسية عن حقيقة أن السياسات النيوليبرالية القاسية التي انطلقت في عهده، من تحرير المحروقات إلى إصلاح التقاعد، هي التي عبّدت الطريق للأزمة الحالية. إن هذا الصراع المحموم يطرح سؤالاً وجودياً: هل الصندوق في المغرب هو من يصنع النخب، أم أن هذه النخب تُطبخ في مطابخ وزارة الداخلية ثم يُطلب من الشعب شرعنتها عبر طقس الاقتراع؟
من خطف الصناديق إلى تفتيت الأصوات
لا يمكن فهم المشهد الحالي دون العودة إلى جذور الخطيئة الأولى في العمل الانتخابي المغربي...
تاريخياً، بُنيت الانتخابات منذ فجر الاستقلال على أسس الهندسة القبلية والتدخل الإداري المباشر. في العقود الماضية كان التزوير فجاً، يتم عبر خطف الصناديق وملء الأوراق واستخدام العنف المادي. أما اليوم، فقد تغيرت الأساليب وتوارت خلف التقنية القانوينة، فالتزوير الحديث لا يحتاج لنزع الأوراق من الصناديق، بل يتم عبر التقطيع الانتخابي المدروس الذي يفتت الدوائر بما يضمن عدم بزوغ أي قوة سياسية كاسحة قد تكسر قواعد اللعبة.
كما أن القاسم الانتخابي الذي اعتمد سابقاً على أساس المسجلين لا المصوتين، كان يهدف بوضوح إلى بلقنة المشهد السياسي ومنع أي حزب من الحصول على أغلبية مريحة تسمح له بمواجهة إملاءات الدولة العميقة. هذه الألاعيب القانونية جعلت من المسار الديمقراطي مجرد ديكور خارجي لمبنى قديم، تديره عقليات ترى في الصندوق مجرد إجراء شكلي لشرعنة قرارات سابقة التجهيز .
"البصريوية" وجيوب المقاومة
يظل عام 1998 محطة فارقة في الوجدان السياسي المغربي، ففيه أقسم الملك الراحل الحسن الثاني على نزاهة الانتخابات، مستحضراً آيات تحريم الظلم، في اعترافٍ ضمني بمرارة الماضي الأسود وتجاوزاته. لكن تجربة التناوب التوافقي التي قادها الراحل عبد الرحمن اليوسفي، سرعان ما اصطدمت بصخرة "جيوب المقاومة" التي انتصبت كجدار صلب داخل بنية النظام العميقة.
لقد عاد اليوسفي في صيف 1995 من منفاه الاختياري بجنوب فرنسا، ليجد نفسه لاحقاً يقود حكومة مبلقنة فُصّلت خريطتها بعناية. وبين يدي الملك أدى اليوسفي قسماً على المصحف الكريم.. قسم سري غامض لم يُفصح عن مضمونه وصياغته الحرفية حتى اليوم، لكن آثاره كانت واضحة في الممارسة. فالمعارض الراديكالي الذي قضى عمره في مواجهة السلطة، وجد نفسه وزيراً أول محاصراً بأسوار وزارات السيادة.. الداخلية والخارجية والأوقاف، وهي قلاع ظلت تتحرك في مدارات خاصة بعيدة كل البعد عن فلك رئاسته، مما جعل التناوب يبدو كأنه انتقال في المقاعد لا انتقال في جوهر السلطة.
وفي انتخابات 2002، مع العهد الجديد برعاية الملك محمد السادس، تم إبعاد اليوسفي من الاستمرار في قيادة الحكومة، ضداً على "المنهجية الديمقراطية"، مما دفعه لاعتزال السياسة وإلقاء محاضرته الشهيرة في بروكسيل عام 2003، حيث تكلم بمرارة عن خيباته وتيقنه بأن موازين القوى لم تكن تسمح بإصلاح حقيقي.
رحل اليوسفي ورحل إدريس البصري، لكن "البصروية" كنهج في تدجين النخب وترويض المؤسسات بقيت حية ترزق، بل وتطورت لتصبح أكثر قدرة على احتواء المعارضة وتجميل وجه النظام أمام القوى الدولية، بينما تظل العقليات الأمنية هي الثابت الوحيد في تدبير الشأن العام.
حين تبيع المعارضة روحها
يعد مسخ الأحزاب التاريخية وتدجينها من أعمق الجروح التي أصابت جسد المشهد السياسي المغربي الحالي. فحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان يوماً يزلزل الأرض تحت أقدام السلطوية وكان صوت المقهورين وحامل لواء التغيير الجذري، انتهى به المطاف في عهد إدريس لشكر إلى حالة من الارتهان السياسي المثيرة للشفقة. لقد استُبدلت أدبيات المقاومة بثقافة الموالاة، وتحول الحزب من قوة اقتراحية معارضة إلى ما يشبه الملحق الإداري الذي لا يكتفي بالصمت، بل يزايد أحياناً على أحزاب الأغلبية والمخزن في إبداء الطاعة وتقديم صكوك الغفران للسلطة.
هذا التحول لم يكن صدفة، بل هو نتيجة هندسة دقيقة أدت إلى احتواء المعارضة تماماً، حيث جرى استدراج النخب التاريخية إلى فخ الريع السياسي والمناصب، لتصبح اللعبة السياسية برمتها عبارة عن مسرحية بوجوه مكررة، تؤدي أدواراً كُتبت نصوصها بعناية في مكاتب مغلقة، غايتها الإيحاء بوجود حيوية ديمقراطية، بينما الحقيقة هي استنساخ لنفس السياسات بأسماء مختلفة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الأحزاب، بل امتد المسخ ليشمل المسار الحقوقي برمته. فحتى هيئة الإنصاف والمصالحة التي بُشر بها كمنعطف تاريخي لجبر ضرر سنوات الرصاص وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة، أُريد لها في نهاية المطاف أن تكون مجرد أداة تجميلية للوجه الخارجي للنظام أمام المحافل الدولية. لقد استُخدمت المصالحة كبراءة ذمة سياسية دون إحداث قطيعة حقيقية مع آليات الاستبداد.
فبينما يُروج في الخطاب الرسمي للقطع مع ممارسات الماضي، يستمر الواقع في إنتاج تضييقات متجددة، لكنها هذه المرة ترتدي لباساً قانونياً براقاً. تحت مسميات مطاطة، وتتم محاصرة الأقلام الحرة واعتقال الأصوات المزعجة، مما يؤكد أن الديمقراطية في المغرب لا تزال مجرد متغير تجميلي يُستخدم في المناسبات، وليست عقيدة سياسية راسخة تؤمن بالتعددية وحق الاختلاف. إنها عملية تحديث للوسائل مع الحفاظ على جوهر العقلية الأمنية التي ترى في أي معارضة حقيقية خطراً يجب ترويضه أو استئصاله.
مغرب المونديال مقابل مغرب "البوطة"
بينما تتصارع الأحزاب على الكراسي، يعيش المواطن المغربي في 2026 واقعاً يتسم بالانحسار الاقتصادي. رفع ثمن "بوطة الغاز" لم يكن مجرد زيادة عابرة، بل كان طعنة في قلب الميزانية البسيطة للأسر المغربية، مما أدى لمفعول الدومينو الذي أشعل أسعار الخضروات والنقل. لقد أصبح مبلغ 500 درهم للدعم المباشر مجرد مبلغ رمزي يبتلعه غول التضخم قبل أن يصل ليد المستفيد.
في مغربِ التناقضات هذا، تحولت الصحة إلى سلعةٍ فاخرة لا يطالها إلا ذوو الحظوة والمال، فبينما تئن المستشفيات العمومية تحت وطأة نزيفٍ حاد للأطر الطبية التي اختارت الهجرة قسراً، وتواجه خصاصاً مهولاً في الأدوية، تتوغل الرأسمالية المتوحشة في قطاع المصحات الخاصة التي لا ترحم أنيناً.
وبالتوازي مع هذا الانهيار، بلغت بطالة الشباب مستوياتٍ قياسية تجاوزت 35 %، مما حوّل الحلم المغربي إلى رغبة جامحة في الفرار. إن هذا الواقع المأزوم ليس إلا الدليل الساطع على إفلاس "النموذج التنموي" الذي ما فتئت النخب المطبلة تروج لنجاحاته الوهمية، في محاولة يائسة لحجب شمس الحقيقة بغربال الشعارات الجوفاء.
إن ادعاء بنكيران بأن المغاربة يحنون لعهده يتجاهل بؤس الذاكرة الجمعية، فالمغاربة لا يحنون لشخص أجهز على قدرتهم الشرائية، وهم في حالة يأس جماعي تجعلهم يقارنون بين سيء وأسوأ. الأحزاب الحالية تبيع لغة الأرقام وشعار "مغرب المونديال"، وهي مشاريع تهم الواجهة الدولية، لكنها لا تتقاطع مع هموم المغرب العميق في الجبال والمداشر والأحياء الهامشية..
الانتخابات المقبلة ستكون جولة أخرى في ملعب مسيج، فالفوز لا يعني السلطة، لأن السلطة الحقيقية تتركز في يد المحيط الملكي والتقنوقراط، بينما تكتفي الأحزاب بتدبير الأزمة وتلقي الضربات من الشارع نيابة عن النظام.
لمن الرتبة الأولى حقاً؟
ويبقى السؤال هو ليس ليس من سيفوز بالرتبة الأولى؟، بل ماذا سيربح المواطن من هذا الفوز؟... لقد سئم المغاربة من الوعود التي تتبخر بمجرد تشكيل الحكومة. إن الرتبة الأولى الحقيقية يجب أن تكون لكرامة الإنسان، لعدالة القضاء، ولصحة تحفظ ماء الوجه.
ما لم تتغير الأسس التي تُبنى عليها الثقة، وما لم يتم تحرير الإرادة الشعبية من قيود التبعية والاحتواء، ستظل الانتخابات مجرد طقس دوري لتجديد نخب تدور في حلقة مفرغة، بينما يظل الشعب يبحث عن رتبته في وطن يمنحه المواطنة الحقيقية لا مجرد ورقة انتخابية تُستخدم لمرة واحدة كل خمس سنوات.
#عبد_الرحيم_التوراني (هاشتاغ)
Abderrahim_Tourani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟