مهدي البناي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 13:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
- ما تكبدته ايران مقابل برنامج لم يَمنَحها الردع… ولا الازدهار
- عندما يُرتَهن مستقبل دولة بملف واحد
- كيف لمشروع بدأَ كأداة قوة… ينتهي كفاتورة مفتوحة !
بعد أكثر من عقدين من العقوبات، والعزلة، وتآكل الاقتصاد، لم يعد الجدل حول البرنامج النووي الإيراني سؤالاً تقنياً أو سيادياً، بل مراجعة سياسية واقتصادية كاملة لقرار استراتيجي.
تعود جذور البرنامج النووي الإيراني الى خمسينيات القرن الماضي، تحديداً عام (1957) عندما وقعت الحكومة الإيرانية اتفاقاً نووياً مع الولايات المتحدة ضمن برنامج الرئيس ايزنهاور (الذرة من أجل السلام) وحصلت حينئذ على دعم غربي واسع. وقد مرَّ بمراحل عديدة تبعاً للتطورات السياسية (مرحلة التأسيس ثم مرحلة التوقف والارتباك، ثم مرحلة إعادة النهوض – خلال الحرب مع العراق، ثم مرحلة التوسع والتدويل بداية القرن الحالي).
ومثل غيره من البرامج النووية السلمية كانت أهدافه تتمحور حول الطاقة، والصحة والزراعة، وان كانت العديد من المصادر قد أشارت الى أن الشاه أبقى خيار السلاح النووي مفتوحاً كضمانة استراتيجية للأمن القومي والنفوذ الإقليمي.
في مرحلة التوقف الذي صاحبها انسحاب الشركات الأجنبية، كانت القيادة الإسلامية الثورية ترى أن البرنامج النووي مشروعاً غربياً مرتبطاً بالشاه، واعتبروه مخالفاً للشريعة الإسلامية. أعقبها مرحلة إعادة الاحياء خلال الحرب العراقية – الإيرانية التي شكلت نقطة تحول كبيرة، مدفوعة بالتهديد الوجودي التي شعرت به القيادة الإيرانية، واستخدام العراق للأسلحة الكيميائية، وإدراك أهمية الردع الاستراتيجي. فشرعت بالبحث عن داعمين وشركاء جدد لإحياء البرنامج (باكستان-الصين- روسيا)، ويبدو أن الهدف الأساس قد تحول من مشروع تكنولوجي وتنموي طبيعي الى مشروع وطني للردع الاستراتيجي، يتمحور حول إستراتيجية (القدرة على العتبة النووية) أي عدم الإعلان عن سعيها لامتلاك السلاح النووي، لكنها تعمل على امتلاك التكنولوجيا التي تسمح لها بامتلاك السلاح بسرعة إذا ما قررت ذلك، بمعنى (الردع الكامن)، هذه السياسة شكلت المرحلة اللاحقة (مرحلة التوسع) التي دعت الى انشاء وتطوير منشآت عديدة للتخصيب.
البرنامج النووي الإيراني لم يكن ثابت الهدف، بل تطور حسب تطور البيئة السياسية ومخاوف الامن القومي، فقد بدأَ كمشروع تحديث تكنولوجي واقتصادي في عهد الشاه ، ثم تحول بعد الثورة الإسلامية الى مشروع مرتبط بالأمن القومي والردع الاستراتيجي، ومحوراً للسياسة الداخلية والخارجية لإيران، ولم يَعد ملفاً ضمن ملفات، بل أصبح معياراً للوطنية ، واختباراً للسيادة ، ولطالما أكد المرشد الإيراني علي خامنئي أن ( التراجع عن النووي يعني تراجع عن استقلال البلاد) فأصبح سقفاً نفسياً يمنع أي مراجعة، ثم تطور لاحقاً الى أداة سياسية لتعزيز موقع ايران الإقليمي والدولي، وذريعةً للصراع الدائم، ولو كان الثمن ضياع جيلاً كاملاً من النمو.
شكل عام 2002 بداية الصراع مع القوى الدولية بعد اكتشاف البرنامج السري، وما تبعه من فرض عقوبات دولية قاسية، وخفت التوترات قليلا بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 الذي قَيًّد مستويات التخصيب مقابل رفع جزئي للعقوبات الدولية، الا أن انسحاب الولايات المتحدة الامريكية منه عام 2018 اعطى مبرراً قوياً للعودة الى تسارع عمليات التخصيب وعودة الضغوط والتهديدات الدولية.
بعد صراع، وتهديدات، وعقوبات، ونزاع دولي لأكثر من 24 عاماً دفعت خلالها الجمهورية الإسلامية فاتورة باهظة نتيجة تمسكها واصرارها على تطوير هذا البرنامج ، تمثلت بعقوبات مالية خانقة أدت الى شلل النظام المصرفي ، وانهيار العملة، وتضخم مزمن، وتآكل الطبقة الوسطى ، وهجرة العقول ، واقتصاد ظلّ وفساد ممنهج. حتى صرح حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق (أن العقوبات كانت أخطر من الحرب) وهذا اعتراف بأن البرنامج نقل المعركة إلى داخل المجتمع.
بعد كل ذلك، لابد أن تبرز العديد من الأسئلة الملحة، ليس من بينها (هل لإيران الحق؟)
بل هل كان الثمن الذي دُفع مبرراً؟
وأي عائد تحقق؟
كيف لمشروع بدأَ كأداة قوة… أن ينتهي كفاتورة مفتوحة !
مقابل الأهداف المعلنة كنقل التكنولوجيا وزيادة الطاقة الكهربائية والاستخدامات الطبية والزراعية للبرنامج النووي، ما الذي خسرته إيران فعلياً؟ وكلفة النمو الضائعة، التقديرات غير الرسمية تشير إلى مئات المليارات من الدولارات كنمو ضائع، ليست بسبب نقص الموارد، بل بسبب الإصرار على خيار سياسي واحد، وتهديدات شعبوية، وتحديات متهورة مثال قول الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (حتى لو فُرضت ألف عقوبة لن نتراجع) لكن المجتمع هو من دفع ثمن هذا التحدي، لا من أطلقه.
اقتصادياً، لو لم تدخل إيران دوامة العقوبات لكانت استثمارات الطاقة والغاز تضاعفت، ولزادت صادراتها النفطية وغير النفطية، ولكان دخل الفرد أعلى بكثير، ولما تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد التفاف وتهريب.
اجتماعياً، كانت النتائج.. تراجع القدرة الشرائية، انتشار الفقر، والضعف الحضري، احتجاجات دورية، انكسار الثقة بين الدولة والمجتمع. واضعاف التيارات الإصلاحية.
سياسياً، جعل إيران محور صراع دائم مع الولايات المتحدة، وتعاني من أوسع منظومة للعقوبات في التأريخ الحديث، إضافة الى تقليص العلاقات مع الغرب، وزيادة المواجهات مع خصومها الإقليميين، وتعميق الصراع بالوكالة في المنطقة، وادراج إيران ضمن الدول المهددة للأمن الدولي وتقييد قدرتها على الاندماج في النظام السياسي والاقتصادي الدولي.
البرنامج النووي تحول الى عنصر من عناصر الهوية السياسية الإيرانية، وتم تصويره كرمز للاستقلال الوطني. لكن الاستقلال لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على إطعام شعبها، وتشغيله، وحمايته من الانهيار الاجتماعي.
لماذا دفعت إيران كل هذه الاثمان مقابل برنامجها النووي؟ في الوقت الذي لم يكلف دول أخرى امتلاكها للسلاح النووي علانيةً كل هذا.
لان إيران اتبعت سياسة (الغموض الردعي) الذي لم يؤتي اوكله كثيراً، بالمقارنة مع الهند أنتجت السلاح النووي بلا عزلة، اذ طوّرت سلاحاً نووياً، ورفضت معاهدة عدم الانتشار، وأجرت تجارب نووية. لكنها في الوقت نفسه انفتحت اقتصادياً وجذبت الاستثمارات، ولم تربط النووي بخطاب ثوري، ولم تجعل منه محور الهوية الوطنية. واليوم الهند دولة نووية… ومندمجة اقتصادياً.
مقارنة أخرى بدولة باكستان، التي انتجت السلاح بوضوح، اذ أعلنت هدفها صراحةً وهو الردع ضد الهند، ثم طوّرت السلاح بسرعة وأجرت اختبارات... وحسمت الجدل!
لذلك كانت العقوبات قصيرة ومحدودة.. وانتهت، فالوضوح حمى الاقتصاد.
إسرائيل انتهجت سياسة (الردع الصامت) وبغطاء ودعم غربي سافر انتجت السلاح النووي ولم تعترف رسمياً، ولم توقّع، ولم تفاوض، ولم تستعرض، وعمل (الغموض الردعي) بالطاقة الكاملة.
والأهم لم تجعل البرنامج النووي أداة تعبئة داخلية، ولم تربطه بعقوبات على شعبها، ولم تحوّله إلى صراع مفتوح مع النظام الدولي
انتهجت إيران أسوأ الخيارات الإستراتيجية، فهي لم تُنجز سلاحاً، ولم تنهِ البرنامج، ولم تطبّع وضعها، ولم تحمِ اقتصادها. بل اختارت المنطقة الرمادية، وهي أخطر مكان في السياسة الدولية.
هنري كيسنجر كان يقول (الدول لا تُعاقَب لأنها قوية، بل لأنها غامضة بلا توافق)!
لقد ربطت إيران النووي بسلوك إقليمي صدامي، وجعلته أداة هوية لا أداة أمن، وفاوضت بلا استراتيجية خروج، وربطت مصير الدولة بملف واحد، ثم دَفَّعَت المجتمع ثمن الصراع.
السؤال الحاسم والأهم.. هل كان يمكن تحقيق أهداف إيران الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من دون البرامج النووي؟
ما كان يمنع إيران (وهي ثالث أكبر اقتصاديات منطقة MENA ، وثالث أكبر احتياطيات نفطية عالمية، والثاني عالميا في احتياطي الغاز) أن تصبح قوة طاقة عالمية، وأن تفرض ثقلها الإقليمي بالاقتصاد لا بالبرنامج النووي، وأن تبني تحالفات بدلاً من عداوات، وأن تستخدم وزنها السكاني والجغرافي والحضاري كسلاح نفوذ ناعم، كما فعلت تركيا والبرازيل وإندونيسيا من دون عقوبات وعزلة أو تجويع اجتماعي.
ما خسرته إيران ليس فقط مئات المليارات من الدولارات، بل فرصاً تاريخية لا تتكرر في أن تكون قوة اقتصادية آسيوية، وعقدة طاقة عالمية، وجسراً بين الشرق والغرب. لكنها اختارت أن تُعرّف نفسها بملف واحد، وأن تفاوض العالم من موقع التحدي الأيديولوجي لا المصلحة، وأن تدفع شعبها إلى الصبر الأبدي ، ولم تسأله يوماً إن كان مستعداً للدفع.
لم تكن مشكلة إيران مع البرنامج النووي كخيار تقني، بل في تحوله الى غاية بحد ذاته، ولو على حساب الدولة. كان شارل ديغول مصيباً بقوله (القوة التي لا تخدم رفاه الأمة، تصبح عبئاً على وجودها).
ربما يمكننا ان نصل الى (الخلاصة القاسية) فإيران لم تخسر لأنها سعت للقوة، بل لأنها لم تحسم خيارها، ولم توازن بين الطموح والكلفة، ولم تسأل السؤال البسيط (هل المجتمع قادر على الدفع؟)
النتيجة اليوم، وبعد عقدين من النزاع، ودوامات العقوبات والضربات العسكرية أن (لا ردع مكتمل - ولا اقتصاد مزدهر - ولا مكانة مستقرة) بل دولة عالقة في منتصف الطريق!
ليس من طبيعة التأريخ السياسي أن يحاسب على النوايا، بل على النتائج، وهنا سيكون مبعث السؤال الذي سيطرح في إيران وخارجها.. هل كان البرنامج النووي مشروع قوة… أم خطأ استراتيجي جُمّل بالشعارات؟
إذا كان البرنامج النووي عظيماً إلى هذا الحد، فلماذا كان على الإيراني العادي أن يزداد فقراً بسببه؟
وإذا كان خياراً استراتيجياً ناجحاً، فلماذا تبحث طهران منذ عقدين عن مخرج مشرّف منه؟
#مهدي_البناي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟