أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد حميد الصباغ - دفاتر الربح… وفواتير التاريخ














المزيد.....

دفاتر الربح… وفواتير التاريخ


سعد حميد الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 07:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمتلك أمريكا كل أسباب القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، لكن طريقة استعمال هذه القوة هي ما يكشف حقيقتها. فالقوة التي تُستخدم لفرض الهيمنة والعقوبات الاقتصادية ونهب خيرات الشعوب ليست دليلًا على التفوق، بل علامة إفلاس أخلاقي وغطرسة لا تفهم قوانين التاريخ ولا منطق الصراع. وحين قال هنري كيسنجر ذات مرة:
"القوة هي المنشط الجنسي الأعظم"
لم يقل إنها الضامن الأبدي للبقاء، ولا صكّ الخلود في سجل التاريخ.

التاريخ لا يُجامل. بريطانيا العظمى سبقت إلى هذا الدور، وقبلها فرنسا وإسبانيا والبرتغال. امتلكت هذه الإمبراطوريات نفوذًا واسعًا، لكنها خرجت من مستعمراتها مُنهكة، مثقلة بإرث أخلاقي ثقيل. فرنسا خسرت الجزائر بعد حرب دامية استمرت ثماني سنوات، وبريطانيا انسحبت من الهند مُدركة أن كلفة السيطرة تفوق أي ربح. وأمريكا نفسها خرجت من فيتنام مهزومة رغم كل ترسانتها العسكرية، لا لضعفٍ مفاجئ في القوة، بل لإفراط في استعمالها.

قد يكون الانهيار المادي مؤلمًا، لكن السقوط الأخلاقي هو الأعظم؛ لأنه يترك سجلًا لا يُمحى، ملوّثًا بالاستعلاء والخراب. وقد تجلّى هذا السقوط داخليًا حين جرى توظيف دائرة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) كأداة لإشاعة الخوف وترهيب فئات واسعة من المجتمع، عبر ممارسات لا إنسانية—من المداهمات الفجائية إلى فصل العائلات واحتجاز الأطفال—بما يتناقض مع روح الدستور الأمريكي ومبادئه في الكرامة الإنسانية والإجراءات القانونية الواجبة. هنا لا تكون المشكلة في إنفاذ القانون، بل في تحويله إلى سياسة إذلال. ومتى فُقدت الشرعية الأخلاقية، يصبح الدفاع عن القوة مكلفًا، وتتحول من رصيد سياسي إلى عبء أخلاقي واستراتيجي لا تُخفيه الانتصارات ولا تُبرّره الأرقام.

وما بين خطاب الحرية وممارسة الهيمنة تتكشف المفارقة الكبرى: فالدولة التي تقدّم نفسها حاميةً للديمقراطية لا تتردد في دعم أنظمة القمع حين تخدم مصالحها، ولا ترى في الشعوب سوى أرقام في معادلة الربح. هكذا تتآكل الشرعية ببطء، وتتراكم فواتير التاريخ، حتى وإن تأخر موعد التحصيل.
لا يقتصر النهج الأمريكي على القوة العسكرية وحدها، بل يمتد إلى أدوات أخرى مثل الحروب بالوكالة، والعقوبات الاقتصادية، ودعم الأنظمة الاستبدادية حين تخدم المصالح. المشكلة لم تعد في امتلاك القوة بحدّ ذاتها، بل في الأثر النفسي الذي تخلّفه لدى الإدارة السياسية المتغطرسة؛ حيث يتحول التفوق إلى شعورٍ ضمني بالاستعلاء، وكأن القوة تمنح حقًا طبيعيًا في تحقير الآخر وسحقه. يظهر هذا المنطق بوضوح في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين يُنقِص من سيادة دول حليفة ككندا وأوروبا، ملوّحًا بأن وجودها وأمنها مرهونان بأمريكا، وبأنها "لا شيء" لولاها. هنا لا تعود القوة أداة حماية، بل تتحول إلى لغة إذلال.

ومع سيادة هذا المنطق المتعالي، لا يبدو أن الرئيس الأمريكي لا يعير دروس التاريخ اهتمامًا يُذكر؛ إذ ينشغل بمنطق الربح والخسارة السريع، ويتحدث كما لو كان مالكَ سفينةٍ يطالب ركّابها بالامتنان الدائم لأنه لم يُغرقهم بعد. فسياساته تجاه فلسطين والعراق وسوريا تؤكد انحيازًا مطلقًا للقوة على حساب العدل والكرامة الإنسانية. وبينما تُباد غزة أمام أعين العالم، يستمر الدعم الأمريكي لإسرائيل بلا حدود ولا ضمير، كما لو أن التاريخ لن يسأل، وكأن الضحايا مجرد أرقام في تقرير استراتيجي. هنا يُصيب فائضُ القوة منطقَ الغطرسة الترامبي بالعمى؛ فبالرغم من أن الزمن الراهن حافل بإنجازات عسكرية واقتصادية، فإن هذه النجاحات نفسها قد تُغذّي وهم الاستئثار وتُطيل أمد التعالي.

إن القوة بلا أخلاق تشبه جسدًا ضخمًا فقد إحساسه؛ يتحرك كثيرًا، لكنه لا يشعر بما يدمّره. والتاريخ، مهما تأخر، لا يمنح حصانة دائمة لأحد. وكما قال مهاتما غاندي وهو يواجه الإمبراطورية البريطانية:
"حين يبلغ الظلم مداه، يصبح السقوط حتميًا"
فالتاريخ محاسب صبور، لا يُعلن حكمه إلا بعد أن تكتمل الأدلة. ومن يقرأ دفاتر الربح وحدها، سيكتشف يومًا أن الخسارة لم تكن اقتصادية… بل وجودية. ويبقى التاريخ وحده الدفتر الذي لا يقبل التزوير.

"في الأرض مخلوقان
إنسٌ… وأمريكان!"



#سعد_حميد_الصباغ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُصبح المعرفة بديلاً عن الحياة..... تأمل شخصي في مأزق ال ...
- التقديس
- حديث في رواق المدرسة
- من ذاكرتي العراقية
- قطار الموت: قصة الألم العراقي
- كم أشتهي أن تقول ليّ: أحبكِ
- في رحاب العادات والتقاليد... ( التصريح باسم المرأة امام النا ...
- حكايتي مع أبي
- انجازاتنا في زمن الاختلاف
- شِعر


المزيد.....




- شاهد رد فعل شرطي من نيويورك على صورة مطاردته لمشتبه به في هج ...
- ما حقيقة فيديو -حريق حاملة طائرات أمريكية بسبب صواريخ إيران- ...
- إعلام رسمي إيراني: انفجارات قرب منطقة مسيرة -يوم القدس- في ط ...
- -الخلط المعرفي-: هل تنجح هذه الحيلة الذكية في التغلب على الأ ...
- واشنطن ترفع عقوبات عن نفط روسي: كيف تربح روسيا من حرب إيران؟ ...
- ليلة انفجارات في طهران: سلسلة استهدافات جوية ومسيرات تهز الع ...
- مقتل جندي فرنسي في هجوم بطائرات مسيرة قرب أربيل بكردستان الع ...
- ما الذي ينتظر لبنان في ظل تصعيد الحرب في الشرق الأوسط والتهد ...
- ماكرون يستقبل زيلينسكي في باريس لتأكيد استمرار دعم أوكرانيا ...
- هل تُعرقل حرب إيران زيارة ترمب للصين هذا الشهر؟


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد حميد الصباغ - دفاتر الربح… وفواتير التاريخ