محمود محمد رياض عبدالعال
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 00:37
المحور:
قضايا ثقافية
مقدمة
علم اجتماع المشاعر والعواطف هو فرع حديث من علم الاجتماع يركز على كيفية تشكيل المشاعر وفهمها في السياقات الاجتماعية والثقافية. بدأ هذا المجال في الظهور بشكل ملحوظ منذ السبعينيات، حيث انتقل التركيز من الجوانب المعرفية إلى أهمية المشاعر في التفاعلات الاجتماعية والتماسك الاجتماعي.
تعريف علم اجتماع المشاعر
يعتبر علم اجتماع المشاعر دراسة كيفية بناء المشاعر اجتماعيًا وكيفية اختلافها عبر الثقافات. يُنظر إلى المشاعر على أنها استجابات فسيولوجية تُعطى تسميات اجتماعية وثقافية، مما يعني أن الأفراد يتعلمون كيفية التعرف على المشاعر والتعبير عنها وفقًا للمعايير الثقافية المحيطة بهم.
المشاعر الاجتماعية
تُعرف المشاعر الاجتماعية بأنها تلك التي تعتمد على أفكار أو مشاعر أو أفعال الآخرين، مثل الشعور بالذنب أو الفخر أو الحرج. هذه المشاعر تتطلب وعيًا بالذات وبوجود الآخرين، مما يجعلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطور الإدراكي والاجتماعي.
أهمية المشاعر في السلوك الاجتماعي
تلعب المشاعر دورًا حاسمًا في تشكيل السلوك الاجتماعي. فهي ليست مجرد استجابات فطرية، بل هي نتاج اجتماعي يتم تشكيله وتنظيمه من خلال "قواعد الشعور" التي تحدد ما هو مقبول من التعبيرات العاطفية في مواقف معينة. على سبيل المثال، يُتوقع من المضيفين في بعض المهن أن يظهروا مشاعر معينة، حتى لو كانت مشاعرهم الحقيقية مختلفة.
التفاعل بين المشاعر والمجتمع
تُظهر الأبحاث أن المشاعر ليست فقط محركات للسلوك، بل هي أيضًا نتاج للتفاعلات الاجتماعية. فالمجتمع يؤثر على كيفية شعور الأفراد وكيفية تعبيرهم عن مشاعرهم، مما يخلق علاقة معقدة بين المشاعر والسلوك الاجتماعي.
علم اجتماع المشاعر والعواطف يمثل مجالًا حيويًا لفهم كيفية تأثير المشاعر على الحياة الاجتماعية. من خلال دراسة هذا المجال، يمكننا أن نكون أكثر وعيًا بمشاعرنا وكيفية تأثيرها على سلوكنا وتفاعلاتنا مع الآخرين.
أبرز النظريات في علم اجتماع المشاعر والعواطف
علم اجتماع المشاعر والعواطف هو مجال متنامٍ يدرس كيفية تأثير المشاعر على التفاعلات الاجتماعية والهياكل الثقافية. هناك عدة نظريات رئيسية تساهم في فهم هذا المجال، وسنستعرض أبرزها فيما يلي.
1. النظريات الدرامية (Dramaturgical Theory)
تعتبر هذه النظرية من أبرز النظريات في علم اجتماع المشاعر، حيث يقارن المؤلف إرفينغ غوفمان الحياة الاجتماعية بمسرحية، حيث يلعب الأفراد أدوارًا معينة في مواقف اجتماعية مختلفة. يُظهر هذا المفهوم كيف يتم تقديم الذات وكيف يتم إدارة المشاعر في سياقات اجتماعية مختلفة.
2. النظريات الرمزية التفاعلية (Symbolic Interactionism)
تركز هذه النظرية على كيفية بناء المشاعر من خلال التفاعلات الاجتماعية. يُنظر إلى المشاعر كنتاج للتواصل بين الأفراد، حيث يتم تشكيلها وتفسيرها من خلال الرموز والمعاني التي يتم تبادلها في المجتمع.
3. نظريات الطقوس التفاعلية (Interaction Ritual Theory)
تدرس هذه النظرية كيف تؤثر الطقوس الاجتماعية على المشاعر. الطقوس، مثل الاحتفالات أو المناسبات الاجتماعية، تلعب دورًا في تنظيم المشاعر وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد.
4. نظريات القوة والمكانة (Power and Status Theories)
تبحث هذه النظريات في كيفية تأثير القوة الاجتماعية والمكانة على التعبير عن المشاعر. يُسمح للأفراد ذوي المكانة العالية بالتعبير عن مشاعر معينة، بينما يُمنع الآخرون، مما يؤثر على كيفية تجربة المشاعر وإدارتها.
5. نظريات التبادل (Exchange Theories)
تدرس كيف تؤثر العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على المشاعر. يُعتبر التبادل الاجتماعي جزءًا من بناء المشاعر، حيث يتم تقييم المشاعر بناءً على المكافآت والتكاليف المرتبطة بها.
6. نظرية إدارة المشاعر (Emotion Management Theory)
طرحتها أرلي هوشيلد، حيث تركز على كيفية إدارة الأفراد لمشاعرهم لتتناسب مع المعايير الثقافية والاجتماعية. تتضمن هذه النظرية مفهوم "عمل المشاعر"، حيث يسعى الأفراد إلى تعديل مشاعرهم لتناسب السياقات الاجتماعية.
تساهم هذه النظريات في توسيع فهمنا لكيفية تأثير المشاعر على الحياة الاجتماعية، وكيف يمكن أن تكون المشاعر أدوات للتغيير الاجتماعي أو الحفاظ على الهياكل الاجتماعية القائمة. من خلال دراسة هذه النظريات، يمكننا فهم كيفية تشكيل المشاعر للعلاقات الاجتماعية والهوية الثقافية.
أبرز الباحثين في علم اجتماع المشاعر والعواطف
علم اجتماع المشاعر والعواطف هو مجال متنامٍ في علم الاجتماع، وقد ساهم العديد من الباحثين في تطويره وفهمه. فيما يلي أبرز هؤلاء الباحثين ودورهم في هذا المجال.
1. أرلي هوشيلد (Arlie Hochschild)
تعتبر هوشيلد من الرواد في هذا المجال، حيث قدمت مفهوم "عمل المشاعر" الذي يصف كيفية إدارة الأفراد لمشاعرهم لتتناسب مع المعايير الثقافية والاجتماعية. دراستها حول قواعد الشعور والتعبير عن المشاعر في سياقات العمل، مثل دراسة مضيفات الطيران، كانت محورية في فهم كيفية تأثير السياق الاجتماعي على المشاعر.
2. توماس شيف (Thomas Scheff)
شيف معروف بنظريته حول "دورة الخجل والغضب"، حيث يدرس كيف تؤثر المشاعر الاجتماعية مثل الخجل على العلاقات الاجتماعية والصراعات. يعتبر شيف من الباحثين الذين ساهموا في فهم كيفية تأثير المشاعر على التفاعلات الاجتماعية.
3. جوناثان تيرنر (Jonathan Turner)
تيرنر هو باحث بارز في علم اجتماع المشاعر، حيث قدم نظريات حول كيفية تأثير المشاعر على الهياكل الاجتماعية. عمله يركز على العلاقة بين المشاعر والهوية الاجتماعية.
4. راندال كولينز (Randall Collins)
يعتبر كولينز من الباحثين الذين درسوا الطاقة العاطفية ودورها في الحياة الاجتماعية. يركز على كيفية تأثير المشاعر على التفاعلات الاجتماعية والعلاقات.
5. دوان روبنسون (Dawn Robinson)
حصلت روبنسون على جائزة الإنجاز مدى الحياة من قسم علم اجتماع المشاعر في الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع. تركز أبحاثها على كيفية تأثير المشاعر على الهياكل الاجتماعية والمعاني الثقافية، وتدرس الروابط بين الهوية والمشاعر.
6. إميل دوركهايم (Émile Durkheim)
على الرغم من أنه يعتبر من مؤسسي علم الاجتماع، إلا أن دوركهايم قدم مساهمات مهمة في فهم المشاعر من خلال دراساته حول الطقوس الجماعية وتأثيرها على المشاعر الجماعية.
تساهم هذه الشخصيات في توسيع فهمنا لكيفية تأثير المشاعر على الحياة الاجتماعية، وكيف يمكن أن تكون المشاعر أدوات للتغيير الاجتماعي أو الحفاظ على الهياكل الاجتماعية القائمة. من خلال أبحاثهم، نكتسب رؤى أعمق حول العلاقة بين المشاعر والسياقات الاجتماعية والثقافية.
كيف ساهمت أرلي هوشيلد في تطوير مفهوم عمل المشاعر؟
أرلي هوشيلد، عالمة الاجتماع الأمريكية، تعتبر من الرواد في دراسة المشاعر في سياق العمل، وقد قدمت مفهوم "عمل المشاعر" في كتابها الشهير "إدارة القلب" (The Managed Heart) الذي نُشر عام 1983. هذا المفهوم أحدث ثورة في فهم كيفية إدارة المشاعر في بيئات العمل، خاصة في القطاعات التي تتطلب تفاعلات مباشرة مع العملاء.
تعريف عمل المشاعر
عمل المشاعر يُعرف بأنه إدارة المشاعر من أجل خلق عرض للجسد والوجه بحيث يكون ملاحظاً للعيان. يتطلب من الأفراد تنظيم مشاعرهم لتلبية متطلبات العمل، مثل الابتسام أو إظهار التعاطف، حتى لو كانت مشاعرهم الحقيقية مختلفة.
استراتيجيات تنظيم المشاعر
هوشيلد حددت ثلاثة استراتيجيات رئيسية لتنظيم المشاعر:
الاستراتيجية المعرفية: تتضمن تغيير الأفكار أو الصور الذهنية بهدف تغيير المشاعر المرتبطة بها.
الاستراتيجية الجسدية: تتعلق بتغيير الأعراض الجسدية لإنتاج عاطفة مرغوبة، مثل التنفس العميق لتخفيف الغضب.
الاستراتيجية التعبيرية: تتضمن تغيير الإيماءات التعبيرية لتغيير المشاعر الداخلية، مثل الابتسامة عند محاولة الشعور بالسعادة.
التمثيل السطحي والعميق
هوشيلد قسمت عمل المشاعر إلى نوعين:
التمثيل السطحي: حيث يعرض الأفراد المشاعر المطلوبة دون تغيير مشاعرهم الحقيقية. هذا النوع يمكن أن يكون ضارًا بالصحة النفسية.
التمثيل العميق: يتطلب من الأفراد تغيير مشاعرهم الداخلية لتتناسب مع توقعات العمل، مما يؤدي إلى عرض مشاعر أكثر طبيعية وصادقة. هذا النوع يعتبر أكثر صحة من الناحية النفسية.
أهمية عمل المشاعر في السياقات الاجتماعية
عمل المشاعر أصبح جزءًا أساسيًا من العديد من المهن، مثل التمريض، التعليم، وخدمة العملاء. هوشيلد أظهرت كيف أن هذه المتطلبات العاطفية ليست فقط جزءًا من العمل، بل تؤثر أيضًا على الهوية الذاتية للأفراد وكيفية تفاعلهم مع الآخرين.
من خلال عملها، ساهمت أرلي هوشيلد في تغيير الطريقة التي نفهم بها المشاعر في العمل، مما أدى إلى زيادة الوعي حول تأثير العمل العاطفي على الصحة النفسية والرفاهية العامة. مفهوم "عمل المشاعر" لا يزال موضوعًا حيويًا للبحث والدراسة في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس.
الاستراتيجيات الثلاثة التي حددتها أرلي هوشيلد لتنظيم المشاعر
أرلي هوشيلد، عالمة الاجتماع الشهيرة، قدمت مفهوم "عمل المشاعر" وحددت ثلاث استراتيجيات رئيسية لتنظيم المشاعر، وهي:
1. الاستراتيجية المعرفية:
تتضمن تغيير الأفكار أو الصور الذهنية بهدف تغيير المشاعر المرتبطة بها. على سبيل المثال، يمكن للشخص أن يفكر في صورة عائلية سعيدة عندما يحاول الشعور بالسعادة.
2. الاستراتيجية الجسدية:
تركز على تغيير الأعراض الجسدية لإنتاج عاطفة مرغوبة. على سبيل المثال، يمكن للشخص استخدام تقنيات مثل التنفس العميق لتخفيف مشاعر الغضب أو التوتر.
3. الاستراتيجية التعبيرية:
تتعلق بتغيير الإيماءات التعبيرية لتغيير المشاعر الداخلية. على سبيل المثال، يمكن للشخص أن يبتسم عند محاولة الشعور بالسعادة، حتى لو لم يكن يشعر بها في البداية.
هذه الاستراتيجيات تساعد الأفراد في إدارة مشاعرهم بشكل يتناسب مع متطلبات العمل أو السياقات الاجتماعية المختلفة.
أمثلة على المهن التي تتطلب عمل المشاعر
عمل المشاعر هو مفهوم يشير إلى إدارة المشاعر والتعبيرات لتلبية متطلبات العمل، ويظهر بشكل خاص في العديد من المهن التي تتطلب تفاعلات مباشرة مع الآخرين. إليك بعض الأمثلة على هذه المهن:
المعلمين: يتطلب التعليم، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، إدارة المشاعر بشكل كبير لضمان بيئة تعليمية إيجابية وداعمة للأطفال.
الممرضات: يُتوقع من الممرضات إظهار مشاعر التعاطف والرحمة تجاه المرضى، مما يتطلب منهن إدارة مشاعرهن بشكل فعال.
موظفي خدمة العملاء: مثل النادلين، موظفي الاستقبال، ومندوبي المبيعات، حيث يتعين عليهم تقديم خدمة ودية وإيجابية حتى في الظروف الصعبة.
المضيفات في الطيران: يُطلب منهن الحفاظ على ابتسامة ودودة وتقديم الدعم العاطفي للركاب، مما يتطلب منهن إدارة مشاعرهن بشكل مستمر.
العمال في مجال الرعاية الاجتماعية: مثل الأخصائيين الاجتماعيين، الذين يحتاجون إلى التعامل مع مشاعر العملاء ومساعدتهم في الأوقات الصعبة.
العمال في مجال الضيافة: مثل موظفي الفنادق والمطاعم، حيث يتطلب العمل تقديم تجربة إيجابية للضيوف.
تتطلب هذه المهن وغيرها من الأدوار التي تشمل تفاعلات مباشرة مع الآخرين مستوى عالٍ من إدارة المشاعر لضمان تحقيق نتائج إيجابية سواء للعملاء أو للبيئة العامة.
#محمود_محمد_رياض_عبدالعال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟