عماد الشمري
كاتب وباحث وشاعر وصحفي استقصاء
(Imad Fadhil Ibrahim Alshammari)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 02:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تحليل أثر الرسوم الجمركية والسياسات الضريبية على الاقتصاد الأمريكي والمجتمع الديمقراطي
تثير السياسات الاقتصادية المقترحة من قبل دونالد ترامب، وخاصة فرض رسوم جمركية شاملة، جدلاً واسعاً حول قدرة هذه الأدوات على "إسقاط" أو إضعاف الاقتصاد الأمريكي، وكيفية تصادمها مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أولاً: الآليات الاقتصادية للتدمير المحتمل
يرى معظم الاقتصاديين أن فرض ضرائب (رسوم جمركية) مرتفعة على الواردات يمكن أن يؤدي إلى النتائج التالية:
استيراد التضخم: الرسوم الجمركية ليست ضريبة تدفعها الدول المصدرة، بل هي ضريبة يدفعها المستورد الأمريكي (الشركات)، والتي تقوم بدورها بنقل التكلفة إلى المستهلك النهائي. هذا يؤدي لارتفاع أسعار السلع الأساسية.
تعطل سلاسل الإمداد: تعتمد الصناعة الأمريكية على مواد خام ومكونات مستوردة. فرض رسوم عليها يرفع تكلفة الإنتاج المحلي، مما يجعل السلع الأمريكية أقل تنافسية عالمياً.
الردود الانتقامية: عندما تفرض أمريكا ضرائب، ترد الدول الأخرى بضرائب مماثلة على الصادرات الأمريكية (مثل الزراعة والتكنولوجيا)، مما يضر بقطاعات واسعة من العمال الأمريكيين.
فقدان الوظائف: تشير الدراسات إلى أن مكاسب التوظيف في قطاعات محمية (مثل الصلب) غالباً ما يقابلها فقدان أكبر للوظائف في القطاعات التي تعتمد على تلك المواد.
ثانياً: الصدام مع قيم الديمقراطية
في مجتمع يؤمن بالديمقراطية، تواجه هذه السياسات تحديات مؤسسية:
تغول السلطة التنفيذية: يعتمد ترامب غالباً على "قوانين الطوارئ الاقتصادية" (مثل قانون IEEPA) لفرض رسوم دون الرجوع للكونجرس. هذا يضعف دور السلطة التشريعية ويخلق نوعاً من "الديكتاتورية الاقتصادية".
استقلال القضاء: المحاكم الأمريكية هي الخط الدفاعي الأول. تاريخياً، رُفعت دعاوى قضائية تتهم الرئيس بتجاوز سلطاته الدستورية في فرض الضرائب، وهو ما يختبر مرونة النظام الديمقراطي.
حرية التعبير والاحتجاج: التضخم الناتج عن السياسات الاقتصادية يؤدي عادةً إلى اضطرابات اجتماعية. في الديمقراطيات، تُترجم هذه الضغوط إلى خسائر انتخابية للحزب الحاكم أو احتجاجات واسعة.
ثالثاً: علاقة الاقتصاد بحقوق الإنسان
قد لا يبدو الرابط مباشراً، لكنه عميق:
الحق في مستوى معيشي لائق: التضخم الجامح والرسوم الجمركية يضربان الفئات الأكثر فقراً بشكل غير متناسب، حيث يستهلكون نسبة أكبر من دخلهم على السلع الأساسية المتأثرة بالضرائب.
الحق في العمل: السياسات التي تؤدي إلى ركود اقتصادي أو تسريح جماعي للعمال تضعف الاستقرار الاجتماعي وتؤثر على "حقوق العمال".
الاستقرار العالمي: السياسة الحمائية تضعف التعاون الدولي، وقد تؤدي إلى "عقوبات اقتصادية غير مباشرة" تضر بحقوق الإنسان في الدول النامية التي تعتمد على التصدير لأمريكا.
لا يمكن لترامب أو غيره "تدمير" الاقتصاد بسهولة في ظل وجود مؤسسات رقابية (الكونجرس، القضاء، الإعلام المستقل). ومع ذلك، فإن الاستخدام المفرط للسلطات التنفيذية في فرض الضرائب والرسوم يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين، ويؤدي إلى ركود تضخمي (Stagflation) يضعف القوة الشرائية للمواطن الأمريكي، وهو ما يعتبره البعض "سقوطاً" لمكانة الاقتصاد الأمريكي القيادية عالمياً.
تظل الولايات المتحدة الأمريكية لغزاً سياسياً واجتماعياً محيراً؛ فبينما يراها البعض "أرض الميعاد" التي تستحق المخاطرة بالأرواح في زوارق الموت، يرى آخرون أن بريقها الديمقراطي خفت تحت وطأة التحولات السياسية الأخيرة، وتحديداً مع صعود ظاهرة "الترامبية".
أولاً: مفارقة المهاجرين وزوارق الموت
رغم كل الجدران والتشريعات الصارمة، لا يزال المهاجرون من مختلف القارات يخاطرون بكل شيء للوصول إلى أمريكا. هذا الاندفاع يغغذيه عاملان:
1. القوة الناعمة التاريخية: الصورة الذهنية لأمريكا كراعية لحقوق الإنسان والديمقراطية لا تزال راسخة في مخيلة الشعوب التي تعاني من القمع أو الفقر المدقع.
2. البحث عن الفرصة الاقتصادية: حتى مع تغير الخطاب السياسي، تظل أمريكا في نظر المهاجر العادي مكاناً حيث يمكن للجهد الفردي أن يغير واقع الإنسان، بعيداً عن قيود الطبقية أو المحسوبية في بلدانهم.
ثانياً: دونالد ترامب ونهاية "المشروع الرسالي"
يرى المحللون أن دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مثّل نقطة تحول جوهري من "الدولة الرسالية" إلى "الدولة التاجرة":
* عقلية الربح والخسارة: أدار ترامب السياسة الخارجية والداخلية بمنطق "الصفقة" (The Deal). بالنسبة له، التحالفات الدولية ليست التزامات أخلاقية لدعم الديمقراطية، بل هي عقود يجب أن تكون مربحة مالياً لأمريكا أولاً.
* تفكيك صورة الراعي: عندما يتم التعامل مع حقوق الإنسان كأوراق مساومة في صفقات تجارية، تفقد أمريكا دورها كمرجع أخلاقي عالمي، وهو ما تسميه "إنهاء مشروع الديمقراطية".
* المغامرة والمقامرة: التاجر بطبعه يميل للمخاطرة (Risk-taking). في السياسة، تحولت هذه المخاطرة إلى قرارات مفاجئة وانسحابات من معاهدات دولية، مما أشعر حلفاء أمريكا بأن "ربان السفينة" يلعب القمار بمستقبل الاستقرار العالمي.
ثالثاً: الصدام بين بناء الدولة وعقلية السوق
هناك فرق جوهري بين "إدارة شركة" و"بناء دولة":
1. المؤسسات مقابل الفرد: بناء الدولة يعتمد على المؤسسات (القضاء، الدستور، البيروقراطية المستقرة)، بينما عقلية التاجر تعتمد على الكاريزما الفردية والقرار السريع وتجاوز الروتين.
2. القيم مقابل الأرقام: الدولة الديمقراطية تستثمر في قيم قد لا تعود بربح مادي سريع (مثل دعم الأقليات أو حماية البيئة)، بينما التاجر يبحث عن النتائج الربع سنوية والأرقام الملموسة.
إن ما يشهده العالم اليوم هو صراع بين إرث "الآباء المؤسسين" الذين وضعوا دستوراً قائماً على القيم، وبين واقع جديد يفرض "منطق السوق" على كل شيء. المهاجر الذي يركب البحر لا يزال يطارد صورة "أمريكا القديمة"، بينما يجد نفسه عند وصوله أمام واقع "أمريكا الجديدة" التي لم تعد تهتم كثيراً بتبشير العالم بالديمقراطية بقدر اهتمامها بتوازن ميزانيتها وصفقاتها التجارية.
شهدت الفترة الأخيرة من ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية (2025-2026) مجموعة من القرارات والتصرفات التي أثارت جدلاً واسعاً بين خبراء الأمن القومي والمحللين السياسيين. فيما يلي استعراض لأبرز السلبيات وتأثيراتها العميقة.
أولاً: أبرز السلبيات في التصرفات الأخيرة
1. تقويض استقلالية المؤسسات الفيدرالية
* إقالة الكوادر المهنية: شهدت الإدارة موجة إقالات غير مسبوقة لموظفين فيدراليين واستبدالهم بموالين سياسيين، مما أدى إلى فقدان "الذاكرة المؤسسية" والخبرات الفنية في وكالات حساسة مثل وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات.
* التدخل في البنك المركزي: المحاولات المستمرة لإقالة أعضاء من مجلس الاحتياطي الفيدرالي (مثل ليزا كوك) تسببت في حالة من عدم اليقين الاقتصادي وهزت الثقة في حيادية السياسة النقدية.
2. السياسات التجارية الصارمة (سلاح الرسوم الجمركية)
* استخدم ترامب قانون الطوارئ الاقتصادية لفرض رسوم جمركية واسعة على الحلفاء والخصوم على حد سواء، مما أدى إلى توتر العلاقات مع شركاء تجاريين رئيسيين مثل المكسيك، كندا، والاتحاد الأوروبي.
3. "أمننة" الهجرة وعسكرة الداخل
* استخدام قانون "العدو الأجنبي": تفعيل قوانين قديمة لتسريع الترحيل الجماعي ونشر قوات حرس الحدود والجيش في مدن أمريكية (مثل مينيابوليس وبورتلاند) لمواجهة الاحتجاجات، مما أثار مخاوف من عسكرة السياسة الداخلية.
* التهديد بقانون الانتفاضة (Insurrection Act): التهديد المستمر باستخدام الجيش لقمع الاضطرابات المدنية يضعف الثقة في الفصل بين السلطات العسكرية والمدنية.
4. نهج "الصفقات" في السياسة الخارجية
* تفضيل الاتفاقيات الثنائية القائمة على المقايضة بدلاً من الالتزام بالتحالفات الدائمة (مثل الناتو)، مما جعل السياسة الخارجية الأمريكية غير قابلة للتنبؤ ومتقلبة.
ثانياً: التأثير على الأمن القومي الأمريكي
تؤثر هذه التصرفات على الأمن القومي من عدة زوايا استراتيجية:
1. إضعاف جبهة الحلفاء (الردع الجماعي)
* عندما يهاجم ترامب أوروبا أو يشكك في جدوى الناتو، فإنه يضعف "الردع الجماعي" ضد خصوم مثل روسيا. تراجع الثقة بين واشنطن وحلفائها يجعل هؤلاء الحلفاء يبحثون عن بدائل أمنية أو يميلون للحياد، مما يقلل من نفوذ أمريكا العالمي.
2. تآكل القوة الناعمة والقيادة المعنوية
* استخدام لغة عنصرية في "استراتيجية الأمن القومي لعام 2025" تجاه المهاجرين في أوروبا وتجاه دول الجوار (مثل التهديد بالعمل العسكري ضد المكسيك أو كولومبيا بسبب المخدرات) أدى إلى نفور الشعوب والحكومات، مما يجعل التعاون الاستخباراتي والأمني أكثر صعوبة.
3. خلق ثغرات استخباراتية
* تسييس أجهزة الاستخبارات والصدام مع قادتها قد يؤدي إلى إحجام هؤلاء القادة عن تقديم تحذيرات "غير مريحة" للرئيس، مما يزيد من احتمال حدوث مفاجآت استراتيجية أو فشل في رصد التهديدات قبل وقوعها.
4. التهديد بالاستقرار الداخلي
* الاستقطاب الحاد واستخدام المؤسسات الأمنية ضد المعارضين السياسيين قد يؤدي إلى اضطرابات مدنية واسعة. الأمن القومي يبدأ من "التماسك الداخلي"؛ وعندما يتم استهلاك موارد الجيش والشرطة الفيدرالية في النزاعات الداخلية، تضعف قدرة الدولة على التركيز على التهديدات الخارجية.
5. التبعات الاقتصادية كتهديد أمني
* الرسوم الجمركية المرتفعة قد تؤدي إلى تضخم عالمي وحروب تجارية، مما يضعف الاقتصاد الأمريكي. في العقيدة العسكرية الحديثة، "القوة الاقتصادية" هي الركيزة الأساسية للقدرة العسكرية، وأي تدهور اقتصادي يترجم مباشرة إلى تقليص في ميزانيات الدفاع والابتكار التكنولوجي.
خلاصة
بينما يرى مؤيدو ترامب أن تصرفاته تعيد "الهيبة" لأمريكا وتضع مصالحها أولاً، يرى خبراء الأمن القومي أن الافتقار إلى القدرة على التنبؤ، تقويض المؤسسات، واستعداء الحلفاء تخلق بيئة عالمية أكثر خطورة، مما يجعل الولايات المتحدة أكثر عرضة للتهديدات في عالم يزداد تعقيداً.
#عماد_الشمري (هاشتاغ)
Imad_Fadhil_Ibrahim_Alshammari#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟