أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق العبودي - من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم














المزيد.....

من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم


شفيق العبودي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن انكسار المجتمعات لا يُقاس فقط بمؤشرات الفقر أو الاستبداد الظاهر، بل يُقاس – على نحو أعمق – بما يحدث داخل الوعي الجمعي. فحين ينتقل الإنسان من كونه مواطنًا مقهورًا إلى مواطنٍ مهزوم، نكون أمام تحوّل أنطولوجي وأخلاقي خطير: انتقال من الألم بوصفه وعيًا بالظلم، إلى الاستسلام التام بوصفه قطيعة مع إمكان التغيير. كما أن القهر ليس مجرد وضعية اقتصادية، اجتماعية أو سياسية، بل هو علاقة قوة غير متكافئة، حيث تُفرض السلطة لا فقط على الجسد، بل على المعنى. في هذا السياق، يرى كارل ماركس أن الاستغلال لا يَكتَمِل إلا حين يُعاد إنتاجه في وعي المستغَلّ، فيقبل وضعه بوصفه قدرًا لا مفر منه.
المواطن المقهور، رغم ضعفه ما يزال يحتفظ بشرارة الوعي: يدرك الظلم، يسميه، يشكو منه، ويغضب. القهر هنا حالة توتر، والصراع ما يزال ممكنًا. بينما الهزيمة ليست استمرارًا للقهر، بل انْقِلاَبُه. فالهزيمة هي اللحظة التي يتوقف فيها القهر عن كونه حدثًا خارجيًا، ليصير بنية داخلية. يلتقي هذا التحليل مع مفهوم الهيمنة عند الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، حيث لا تحتاج السلطة إلى القمع الدائم ما دام الخاضعون قد تبنّوا منطقها وخطابها وقيمها حتى. في هذه اللحظة بالضبط، يتراجع الغضب لصالح اللامبالاة، ويتحول النقد إلى سخرية، كما أن الأمل يصبح "سذاجة"، ويُختزل الوطن إلى وظيفة أو مباراة في كرة القدم أو خبر عابر. المواطن المهزوم إذن لا يحتج، ليس لأنه راضٍ عن أوضاعه أو خائف من القمع المادي والسجن، بل لأنه لم يعد يؤمن بأن الاحتجاج ممكن أو ذي معنى، كما ان اهتماماته صارت مختلفة وحتى غضبه تم توجيهه بعناية فائقة، حيث يمكن ان ينفجر غضبا اذا خسر فريقه المفضل في كرة القدم وقد يَفْرِد جزءا كبيرا من وقته في الحديث عن الأسباب التي تقف وراء ذلك، مطالبا في نفس الوقت بمحاسبة المسؤولين عن الفشل واقالتهم، لكن بالمقابل يدير ظهره كليا أمام فشل المسؤولين عن النهوض بأوضاع البلاد في شتى المجالات، لدرجة أن الظلم الاجتماعي لا يحرك فيه شيئا مقارنة بظلم الحكم في مباراة كرة القدم.
وهذا ما يوافق مع ما أوضحته الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت بتآكل الفعل السياسي المفضي إلى ما تسميه تفاهة الشر، حيث يصبح الامتثال للظلم سلوكًا عاديًا. صحيح أن المواطن المهزوم لا يصنع الشر، لكنه يمرّ بجانبه دون مقاومة ويتعايش معه كقدر لا فكاك منه، وهذا أخطر أشكاله. لذلك فإن هزيمة المواطن هنا ليست سياسية فقط، بل أخلاقية، على مستوى ضمور الحس بالمسؤولية، وتبرير الظلم بحجج الواقعية، ناهيك عن الخوف من الحرية أكثر من الخوف من القمع، لأن السلطة الحديثة كما أوضح ميشيل فوكو لا تعمل فقط عبر القوانين والسجون، بل عبر تطبيع السلوك وتدجين الرغبات. المواطن المهزوم هو نَتَاج سلطة نجحت في جعل الهزيمة نمط حياة، من خلال تحويله إلى مواطن يستهلك بدل أن يشارك، يشاهد ويَنْفَعِل بدل أن يفعل، وفي أحسن الأحوال يعلّق بدل أن يغيّر.
ها هنا يكمن الفرق الجوهري بين الإنسان المقهور والإنسان المهزوم، حيث أن الأول يتألم، بينما الثاني ينسى، لهذا فإن استعادة الفعل تبدأ من استعادة الذاكرة: ذاكرة الظلم، وذاكرة الكرامة.
كما أن التحرر لا يبدأ بالثورة، بل بإعادة الاعتبار للغضب بوصفه قيمة أخلاقية، وللسؤال بوصفه فعل مقاومة.
أخيرا يمكن القول بأن الانتقال من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم ليس قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة مسار طويل من الإحباط والتطبيع مع العجز. أخطر ما في الهزيمة أنها صامتة، ناعمة، ومقنعة. لكن ما دام القهر قد صُنِع تاريخيًا، فإن الهزيمة يمكن تفكيكها تاريخيًا أيضًا، فحيث يوجد وعي، ولو هشًّا، ما يزال باب الفعل مفتوحًا، وما تزال الهزيمة غير نهائية..
العرائش يناير 2026



#شفيق_العبودي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا يعني اعتراف العديد من الدول بالدولة الفلسطينية ؟
- العدوان على إيران: بين الدعم والتفرج
- 30 مارس ذكرى يوم الأرض لأصحاب الأرض
- في مفهوم انتصار المقاومة الفلسطينية بغزة
- فلسطين تعيد صياغة مفهوم الوطنية
- ملاحظات سريعة على هامش النقاش الدائر حول -مدونة الأسرة- المغ ...
- اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطينى والمقاومة كخيعر وحي ...
- الكذب السياسي: خطاب النيتن ياهو أمام الكونغرس نموذجا
- لماذا قضية فلسطين قضية وطنية؟
- الغش في الامتحانات وصناعة المواطن الفاسد
- المحكمة الدولية ضمير الغرب الذي لا ضمير له
- الحراك التعليمي بالمغرب بين العفوية والتنظيم
- في الحاجة إلى تشكيل وعي نقابي كفاحي
- من أجل إعادة صياغة مفهوم النضال والمناضل
- الحوار هدف أم وسيلة؟
- بروباغاندا الدعم التربوي وهدر المال العام
- في نقد الفكر اليومي للشغيلة التعليمية بالمغرب
- قراءة سريعة في المعركة البطولية لاحتجاجات الشغيلة التعليمية ...
- اضراب الشغيلة التعليمية بالمغرب يوم 5 اكتوبر 2023 دروس وعبر
- الكوارث الطبيعية وتبييض سمعة الفاسدين


المزيد.....




- العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد
- مدفوعة بتسهيلات ضريبية.. تزايد ملحوظ في هجرة يهود بريطانيا إ ...
- دراسة أميركية تربط حل أزمة السودان بكسر قبضة -الإخوان-
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- سوريا: فشل جديد للمفاوضات بين دمشق و-قسد- وقلق حول مصير سجنا ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن اعتقال اعضاء خليتين ارهابيتين بمحا ...
- مجسّم المسجد الأقصى في طرابزون.. رسالة تضامن تركية مع القضية ...
- سوريا: فرار العشرات من عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سجن ...
- وفاة فالينتينو الأب الروحي للأناقة الراقية عن عمر 93 عاما


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق العبودي - من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم