مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 09:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة :تعقيدات المشهد السوري
تعيش سوريا اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تحولت من دولة ذات سيادة إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية متشابكة، تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والطائفية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. ومع مرور أكثر من عقد على اندلاع الأزمة السورية، يبدو أن المشهد يتجه نحو مزيد من الانقسام والتنافس على الجغرافيا السورية، خاصة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية مثل الساحل السوري، التي أصبحت محط أطماع القوى المتصارعة.
التمدد التركي في الساحل السوري: تحديات الطموح والمحددات
تسعى أنقرة منذ سنوات لتعزيز نفوذها في الداخل السوري، متجاوزة دورها التقليدي في الشمال والحدود المشتركة. الجديد في مساعيها اليوم يتمثل بمحاولات مد جسور مع الطائفة العلوية، من خلال استخدام مشايخ علويين أتراك لاستقطاب بعض الوجهاء السوريين. ويبرز في هذا السياق أسماء مثل خالد الأحمد وفادي صقر، المرتبطين بالسلطة الحالية، حيث تحاول أنقرة تقديم نفسها كوسيط أو راعٍ لمصالحهم بهدف ضمان نفوذ دائم في الساحل السوري.
لكن هذا التمدد التركي لا يلقى قبولاً لدى جميع اللاعبين، إذ يعتبر الساحل السوري نقطة اشتباك خفي وغير معلن بين روسيا وتركيا. فبينما تسعى موسكو لترسيخ وجودها العسكري والسياسي في قاعدة طرطوس ومحيطها، ترى أن أي نفوذ تركي هناك يهدد مصالحها الاستراتيجية المباشرة. وتشير التقارير التحليلية إلى أن روسيا تعتبر الساحل السوري منطقة نفوذ حصرية، وهي غير مستعدة للتخلي عن هذا المكاسب الاستراتيجية التي حصلت عليها خلال سنوات الحرب.
المحور الإيراني-الإسرائيلي: مواجهة بالوكالة على الأرض السورية
المعادلة تزداد تعقيداً مع دخول إيران على خط التنافس في الساحل السوري، حيث تقف طهران إلى جانب أنقرة في محاولة لتوسيع نفوذها، مستفيدة من علاقاتها التاريخية بالسلطة السورية، وذلك في مواجهة إسرائيل. الأخيرة ترفض أي تمدد تركي–إيراني في الساحل، وتدعم موسكو كقوة ضامنة لمصالحها الاستراتيجية، خصوصاً على الجبهة الشمالية.
هذا التوازن الهش جعل من سوريا مسرحاً لحروب بالوكالة، حيث كل طرف يسعى لتكريس نفوذه دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. أما الولايات المتحدة، فما زالت تكتفي بالمراقبة، دون أن تقدم موقفاً حاسماً، تاركة المجال مفتوحاً أمام القوى الأخرى. ويشير محللون إلى أن الموقف الأمريكي يعكس حالة من الحيرة الاستراتيجية في التعامل مع الملف السوري، خاصة مع انشغال واشنطن بالتحديات الصينية في المحيط الهادئ والأزمة الأوكرانية.
المأساة الإنسانية: معاناة الشعب السوري تحت وطأة الصراع
إلى جانب الصراع السياسي والعسكري، يتكشف بعد آخر أكثر مأساوية يتعلق بالاضطهاد الطائفي. الإعلامي وحيد يزبك وصف ما يجري في بعض أحياء دمشق مثل السومرية بأنه "إبادة طائفية"، مؤكداً أن الاعتقالات تطال حتى الأطفال، مع اقتحام منازل العلويين بالسيوف وطرد سكانها والاستيلاء عليها. هذه الانتهاكات المستمرة منذ أيام، بحسب شهاداته، تجري في ظل صمت دولي مريب، يزيد من شعور الضحايا بالعزلة والتهميش.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الانتهاكات تطال مختلف مكونات الشعب السوري، حيث أصبحت المعاناة الإنسانية سمة مشتركة لكل السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية. وقد أدت سنوات الحرب إلى نزوح ملايين السوريين داخلياً وخارجياً، وتدمير البنية التحتية للبلاد، وانهيار النظام الصحي والتعليمي، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
المفاوضات السورية-الإسرائيلية: أوراق مساومة وهشاشة التفاوض
في خضم هذه الفوضى، ظهرت تسريبات من هيئة البث الإسرائيلية تشير إلى أن تل أبيب بحثت مع الحكومة السورية إمكانية تسليمها مزارع شبعا وجبل روس مقابل وقف المطالبة بالجولان المحتل. غير أن هذه المفاوضات توقفت بعد أحداث السويداء الأخيرة، ما يعكس هشاشة أي تفاوض في ظل الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية.
ويشير مراقبون إلى أن أي مفاوضات بين سوريا وإسرائيل تبقى رهناً بالمواقف الإقليمية والدولية، خاصة الموقف الإيراني والروسي، حيث لا يمكن للسلطة السورية اتخاذ قرارات مستقلة في هذا الملف الحساس. كما أن التطورات الداخلية في إسرائيل وتشكيل الحكومات الائتلافية الهشة يجعل من الصعب تحقيق تقدم في هذا الملف.
مشروع الفيدرالية: رؤية جديدة لإعادة ترتيب البيت السوري
في تطور آخر، أعلن المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا بياناً تأسيسياً طرح فيه رؤية لإقامة نظام فيدرالي يضم اللاذقية وطرطوس وحمص وأجزاء من أرياف حماة، على أسس جغرافية و و مدنية وعلمانية. البيان شدد على أن هذه الصيغة ستبدأ بالمكوّن العلوي، مع إمكانية انضمام بقية المكوّنات لاحقاً، إذا رغبت.
البيان اعتبر أن السلطة الحالية "منظومة إرهابية" تستند إلى دعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأن الفيدرالية تمثل السبيل الوحيد لضمان السلام والعدالة بين الأقاليم السورية. كما دعا المجلس مجلس الأمن إلى تفعيل القرار 2254، وتشكيل هيئة انتقالية بمدة زمنية لا تتجاوز 18 شهراً، مع صياغة دستور مدني علماني جديد.
زبدة الكلام: إلى أين يتجه الصراع في سوريا؟
المشهد السوري إذن مرشح لمزيد من الانقسام، حيث تتقاطع المشاريع الدولية والإقليمية على حساب وحدة البلاد واستقرارها. فروسيا وإسرائيل تصطفان في معسكر واحد ضد أي تمدد تركي–إيراني في الساحل، بينما تراقب الولايات المتحدة المشهد من بعيد. في المقابل، تبرز مشاريع سياسية جديدة كحق تقرير المصير الذي يتبناه الدروز في مناطقهم و الفيدرالية التي يقترحها "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، واللامركزية السياسية التي يطرحها شمال شرق سوريا ، ما قد يفتح الباب أمام إعادة رسم الجغرافيا السياسية لسوريا بشكل جذري.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن القوى السورية المحلية من فرض إرادتها، أم أن مستقبل البلاد سيبقى مرهوناً بصفقات القوى الإقليمية والدولية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير سوريا وشعبها لعقود قادمة، في وقت تزداد فيه التحديات الإنسانية والاقتصادية والأمنية تعقيداً.
المراجع:
1. يزبك، وحيد. تصريحات إعلامية حول أحداث السومرية – دمشق (2025).
2. هيئة البث الإسرائيلية. تقارير عن مفاوضات سورية–إسرائيلية بشأن مزارع شبعا وجبل روس (2025).
3. المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا. البيان التأسيسي (2025).
4. مجلس الأمن الدولي. قرار مجلس الأمن رقم 2254 بشأن الحل السياسي في سوريا (2015).
5. معهد دراسات الشرق الأوسط – واشنطن. تقارير تحليلية عن النفوذ الروسي والتركي والإيراني في سوريا (2024).
6. الأمم المتحدة. تقارير عن الوضع الإنساني في سوريا (2023-2024).
7. منظمة العفو الدولية. تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا (2024).
8. المركز السوري للأبحاث السياسية. دراسات حول المشاريع السياسية المطروحة لحل الأزمة السورية (2024).
9. معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. تحليلات حول السياسة التركية في سوريا (2024).
10. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. أوراق بحثية حول الدور الإيراني والروسي في سوريا (2023).
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟