أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ياسر يونس - من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 3















المزيد.....

من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 3


ياسر يونس
(Yasser Younes)


الحوار المتمدن-العدد: 1816 - 2007 / 2 / 4 - 10:47
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من المتناقضات في التاريخ الإسلامي أيضاً إطلاق أحد الرواة أو المؤرخين لمصطلح ما على علاته دون توخي الدقة، سواء بحسن نية أو بسوء نية، ثم يتبعه من يأخذ عنه من الرواة أو المؤرخين دون تمحيص. وكالعادة تغيب النظرة النقدية عند المؤرخ ونادراً ما يصدر المؤرخ حكماً أو تعليقاً على حدث أثار استياءه إلا إذا كان يريد البحث عن مخرج أو مبرر للشخصية التي ينسب لها الحدث فينجح تارة ويثير السخرية تارة أخرى. وربما يكون الأمر الإيجابي في هذا الغياب للنظرة النقدية هو نقل الأحداث كما هي دون محاولة إخفائها عن الأجيال القادمة، ومن باب المباهاة أحياناً، فلا يغيب عن القارىء الواعي أن التاريخ كتب على أيدي المنتصرين، وهكذا وصلت إلينا أحداث التاريخ. ولكن أكثر ما أخشاه أن يكون ما حدث أسوأ بكثير، وأن ما وصل إلينا وصل بعد تنقية وحذف وتجميل أو إضافة. ومن أمثلة عدم الدقة في استخدام المصطلح عند المؤرخين أنهم أطلقوا تعبير " حروب الردة " على حروب الردة وعلى حروب غيرها مثل حروب الزكاة وحروب مدعي النبوة.

والأدلة على ذلك كثيرة، فحرب بني تميم التي شهدت مقتل مالك بن نويرة هي حرب زكاة لا حرب ردة حتى أن الأنصار اعترضوا على هذه الحرب وامتنعوا عن الذهاب مع خالد بن الوليد لحرب بني تميم وقالوا له " يا أبا سليمان إنك لست عندنا بمتهم، غير أن أبا بكر لم يعهد إلينا عهداً في ذلك ، فإن كان أمرك بالمسير إلى بني تميم فسر راشداً فإنا غير سائرين " ( كتاب الردة للواقدي ). وإن كانوا قد لحقوا به في ما بعد لا لشيء إلا لكي لا يقال إن الأنصار خذلوا المهاجرين.

أما موقعة اليمامة ضد بني حنيفة وعلى رأسهم مسيلمة فكانت حرباً على مدعي نبوة، فلم يكن مسيلمة قد أسلم من الأصل لكي يرتد.

وسأعرض فيما يلي لمثال على الخطأ الصارخ في إطلاق هذا المصطلح على الحرب التي شنها زياد بن لبيد عامل الخليفة أبي بكر على قبيلة كندة في اليمن، وهي من المضحكات المبكيات.
فكيف سارت الأحداث ؟
كان زياد بن لبيد هو عامل الخليفة على حضرموت " فجعل قوم يعطونه الزكاة طائعين وقوم يعطونه إياها كارهين وزياد بن لبيد يجمع الصدقات ولا يريهم من نفسه إلا الصرامة غير أنه أخذ يوماً من الأيام ناقة من إبل الصدقة فوسمها ....... وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري من قشير فاقبل إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة فقال له : يا بن عم إن زياد بن لبيد قد أخذ ناقة لي وجعلها في إبل الصدقة وأنا مشغوف بها فإن رأيت أن تكلمه فيها فلعله يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي فإني لست أمنع عليه. فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد.......... فقال له زياد إنها قد دخلت في حق الله...........ثم قال أطلقها وأنت كريم وإلا أطلقها وأنت لئيم ........... فغضب زياد من ذلك. " ( كتاب الردة للواقدي)
وبعد ذلك :
" ونادى حارثة بن سراقة بن معدي كرب، فأقبل إلى زياد وهو واقف، فقال: أطلق بكرة الرجل وخذ غيرها. فقال زياد: ما لي إلى ذلك سبيل. فقال حارثة: ذاك إذا كنت يهودياً وعاج إليها؛ وأطلق عقالها ثم ضرب على جنبها وبعثها وقام دونها، فأمر زياد شباباً من حضرموت والسكون فمنعوه وكتفوه وكتفوا أصحابه وأخذوا البكرة، وتصايحت كندة وغضبت بنو معاوية لحارثة وأظهروا أمرهم، وغضبت حضرموت والسكون لزياد، وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء، ولم يحدث بنو معاوية شيئاً لمكان أسرائهم، ولم يجد أصحاب زياد سبيلاً يتعلقون به عليهم، وأمرهم زياد بوضع السلاح فلم يفعلوا، وطلبوا أسراءهم فلم يطلقهم، ونهد إليهم ليلاً فقتل منهم وتفرقوا، فلما تفرقوا أطلق حارثة
ومن معه........... وعاد زياد بن لبيد بالأموال والسبي، واجتازوا بالأشعث، فثار في قومه فاستنقذهم وجمع الجموع. " ( الكامل لابن الأثير ).

إنها حرب خاضها مسلمون ضد مسلمين فسبوا نساءهم ونهبوا أموالهم وعاثوا في ديارهم فساداً، بل لم يسلم الأطفال من السبي أيضاً حسبما ورد في كتاب الردة للواقدي ( " واحتوى المسلمون على النساء والأولاد " ). ولعل ذلك من أسباب إطلاق مصطلح حروب الردة على علاته لكي لا يميز الناس فلا يدركون أن نساء المسلمين تعرض للسبي على أيدي المسلمين و أن أموال المسلمين نهبت على أيدي المسلمين ورقاب المسلمين قطعت على أيدي المسلمين، وذلك كله في عصر صدر الإسلام .

ونلاحظ هنا أن الأشعث ثارت ثائرته وجمع الجموع عندما رأى جيش زياد وقد سبى نساء كندة ونهب الأموال. وهو ما يجعلنا نرى صورة عبثية بكل معنى الكلمة حيث تهرق كل هذه الدماء وتقاد كل هذه النساء سبايا لأجل ناقة ! ! !


وإذا حاولنا التماس العذر في ذلك وقلنا إنه كان لتثبيت سلطة الدولة رأينا صورة أكثر عبثية فسلطة الدولة لا تثبتها " ناقة " وإنما يثبتها العدل والإنصاف. وإذا كنا نعني " سلطة الدولة " يصبح الأمر كله سياسة في سياسة ومن حسن السياسة أخذ الناس باللين.

فالحكومات المعاصرة قد تتراجع عن قرارات من قبيل زيادة الضرائب وزيادة الأسعار إذا اعترضت عليها جماهير الشعب، فما بالك ببعير لقد كان بإمكان زياد بن لبيد أن يتنازل عن عنته ويأخذ ناقة أخرى فلا تضرب كل هذه الأعناق وتسبى كل تلك السبايا وتقاد الحرائر لتصبح جواري. ولابد من أن نشيد هنا بموقف عمر بن الخطاب الذي لولاه ما عاد ما تبقي من نساء المسلمين المسبيات إلى ديارهن. ولكن الجند الذين سمح ضميرهم بالسبي والنهب أصلاً لا يُضمن أن يطبقوا الأمر الصادر عن عمر بإعادة السبايا، كما أن من الصعب في هذه الظروف ان يتحقق عمر من عدد السبايا اللائي أرجعن إلى ديارهن ، ناهيك عما قد يكون حدث لهن قبل ذلك.

ويقال إن عمر أمر بعد ذلك بألا تسبى نساء العرب. وهذا قرار يجرم سبي النساء وإن كان قد اقتصر على نساء العرب، ويا ليته اتسع ليشمل جميع النساء لكان جنب الكثير من البشر مآسي وفواجع مازالت تحفظها لنا كتب التاريخ رغم أنف المكابرين.

ومن الجدير بالذكر أن مسيلمة والأسود العنسي ادعيا النبوة في حياة الرسول ولم يحاربهما. كما أن سجاحاً ادعت النبوة ثم انضمت إلى مسيلمة وتزوجها ثم عادت إلى الإسلام بعد مقتله وانقطعت أخبارها. وكذلك " طلحة " إذ ادعى النبوة وحاربه الخليفة ثم عاد إلى الإسلام وشارك في الغزوات. وكان حرياً بمن صفح عن سجاح أن يصفح عن ذوي من حاربوه فليس للنساء ولا الأطفال ولا الشيوخ ناقة ولا جمل في هذه الحرب.

والحقيقة أن الخليفة نفسه عفا عن الأشعث هذا وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة بعد حوار قال فيه الأشعث للخليفة حينما هم بالأمر بقتله : " إني ما غيرت ولا بدلت ولا شححت على مال ولكن عاملك زياداً جار على قومي فقتل منهم من لا ذنب له فأنفت ذلك ........ ثم أطلقه أبوبكر رضي الله عنه من حديده وأطلق من كان معه من ملوك كندة ........ وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة " ( الردة للواقدي ). ولعل هذا دليل على أن ما جرى كان نتيجة تعنت زياد بن لبيد وعلى أن كندة لم ترتد ولم تبدأ بالقتال وإلا لما عفا عنهم أبوبكر وصاهر الأشعث.


أما نحن الآن فبديهي لدينا أن أرواح البشر هي أغلى وأثمن ما في الكون، وأن كرامة الإنسان وعدم قهره وإذلاله أصبحت من المسلمات بعد قرون من نضال البشر من أجل الخير والحرية والعدالة.

ويبقى أن هذه الحرب تحديداً يمكن أن تسمى، وبكل اطمئنان، حرب البعير أو حرب الناقة أو شيئاً من هذا القبيل، على طريقة العرب القدامى في تسمية الحروب كحرب البسوس وداحس والغبراء فليس في الأمر ردة ولا منع زكاة.



#ياسر_يونس (هاشتاغ)       Yasser_Younes#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 2
- من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 1
- عن المراة والحجاب
- ذهنية العنف


المزيد.....




- بعد معاناتها من فيضانات كارثية.. باكستان تواجه تفشيًا جديدًا ...
- سفير ألمانيا بلندن: الكشف عن تسرب رابع بخط أنابيب نورد ستريم ...
- دواء للزهايمر يبطئ تطوّر التدهور المعرفي في التجارب السريرية ...
- ترامب يتوقع تصعيدا كبيرا وحربا
- بتهمة انتهاك قانون الأسرار الرسمية.. محكمة في ميانمار تحكم ...
- رصد تسرب جديد ـ سيناريوهات محتملة لعملية -التخريب- في -نورد ...
- الهند تزود أرمينيا بأسلحة وذخائر قيمتها أكثر من 244 مليون دو ...
- صحيفة صينية تلمح إلى -من ضغط على الزر- في حادثة السيل الشمال ...
- -أليس تطير-.. أول طائرة ركاب كهربائية تنجح في التحليق لمدة س ...
- العراق.. أنصار الصدر ينسحبون من مناطق الاحتجاج والكاظمي يدعو ...


المزيد.....

- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ياسر يونس - من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 3