أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ياسر يونس - من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 2















المزيد.....

من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 2


ياسر يونس
(Yasser Younes)


الحوار المتمدن-العدد: 1812 - 2007 / 1 / 31 - 07:38
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



متابعة لمقالتي السابقة أعرض هنا لنموذج آخر من المتناقضات في التاريخ الإسلامي وأتناول شخصية أبي طالب عم الرسول وهو نموذج مختلف فالرجل كان سيداً في قومه قبل الإسلام وإن كانت له سيادة بالشرف حيث لم يكن له حظ من المال، فالتنافس بين بني هاشم وبني أمية كان قد انتهى ببني هاشم إلى تلك السيادة الشريفة وببني أمية إلى السيادة بالمال..
والتناقض الذي اكتنف ما ورد في طيات كتب السير والتاريخ محوره إسلام أبي طالب من عدمه.
والروايات المتضاربة في هذا كثيرة ولكنني سأركز على الروايتين التاليتين، لأنهما تنسبان إلى العباس بن عبد المطلب ما ينفي الخبر وما يؤكده مع اختلافات في الرواية ونسبتها أحياناً !!!

الرواية الأولى:
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا عبد الملك حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا العباس بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار . ( انظر صحيح البخاري على سبيل المثال )

الرواية الثانية:
" فلما تقارب من أبي طالب الموت ، نظر العباس إليه يُحرّك شفتيه ، قال فأصغى إليه بأذنه ، فقال : يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها ، قال : فقال رسول الله لم أسمع. " (انظر سيرة ن هشام على سبيل المثال )

إن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من إعمال العقل فالحديثان منسوبان إلى العباس أخي عبد المطلب ، وله شأن آخر فقد أسلم ولم يشهر إسلامه إلا يوم فتح مكة ، وكان عيناً للرسول على مشركي مكة طيلة تلك الفترة بين الهجرة إلى المدينة وفتح مكة، وهذا مما يدل على أن الرواية الثانية غير دقيقة ( انظر السيرة الحلبية على سبيل المثال ) .
إذن ماذا نصدق؟
فكلتا الروايتين مسجلة في أمهات الكتب المعتبرة، بل وردتا في نفس الكتاب أحياناً ( انظر الصحيحين على سبيل المثال)

و لسنا في حاجة إلى التدليل على أن أب طالب حمى الرسول ودافع عنه بل قيل إنه مات بُعيد الخروج من شعب مكة إذ كان شيخاً طاعناً في السن فأوهنه الحصار. وهناك روايات أخرى منها ما يحاول أن يستدل بأي شكل على إسلام أبي طالب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومنها من ينفي إسلامه على الإطلاق. فالواضح أن أبا طالب عمل بوصية عبد المطلب إذ أوصاه بحماية الرسول والدفاع عنه. والموقف الجدير بالإشارة هو أن الرجل بذل في ذلك الجهد رغم أنه لم يؤمن بدعوته وهنا لم يفهم الرواة كيف يدافع أبو طالب عن الرسول ولا يصدق ما جاء به، كما أن مما دفعهم إلى محاولة إثبات إسلام أبي طالب أن موت عم الرسول الذي دافع عنه على شركه قد شق عليهم، خصوصاً مع نزول آيات القرآن التي تقدح في المشركين، ولم يفهم الرواة ولا من أخذ برواياتهم السياق التاريخي للأحداث ولم يلتفتوا إلى آيات من قبل " ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". وهم في أغلب الأحوال كانوا يأخذون بعموم اللفظ لا خصوص السبب، إلا إذا كان لهم غرض آخر، ولهذا حديث يطول لا مجال له هنا.
والملاحظ أيضاً أن موت أبي طالب على شركه شق أيضاً على العلويين حين تبلورت دعوتهم وتحالفوا مع العباسيين لإسقاط بني أمية فلم يقبلوا أن يكون أبو الإمام قد مات مشركاً. واللافت في هذا السياق أن الروايتين منسوبتان إلى العباس الذي سميت الدولة العباسية باسمه.
وقد حاول علي بن الحسين أيضاً الاستدلال على إسلام أبي طالب من خلال أحداث حياته، ولو كان لديه إبان ذلك نص الحديث المذكور لما احتاج إلى الاستدلال، فقد سئل عن إيمان أبي طالب وكفره فقال " واعجبا ، إن الله نهى رسوله أن يقر مٌسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات " ( شرح نهج البلاغة ).

وهناك نص آخر يبين أن عدم إسلام أبي طالب كان أمراً مفروغاً منه قبل أن يتلاعب بنا الرواة، حيث أورد بن حجر العسقلاني النص التالي:
" وقد فخر المنصور على محمد بن عبد الله بن الحسن لما خرج بالمدينة وكاتبه المكاتبات المشهورة ومنها في كتاب المنصور وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وله أربعة أعمام فآمن به اثنان أحدهما أبي وكفر به اثنان أحدهما أبوك " ( الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر العسقلاني ).


ولا يفوتنا أن الرواية المنسوبة إلى بن عباس وتشير إلى إسلام أبي طالب تفتقر إلى اللهجة الواثقةً ، فالرواية تتضمن تعبيرات مثل " يحرك شفتيه " و " يقولها " و " فقال رسول الله : لم أسمع " .

هذا عن الأحاديث فماذا عن القرآن؟

لنرجع إلى أسباب نزول القرآن للواحدي حيث ورد النص التالي:
" لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله سبحانه وتعالى، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل (ما كانَ لِلنَبِيِّ وَالَّذينَ آَمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلو كانوا أُولي قُربى) الآية، وأنزل في أبي طالب (إِنَّكَ لا تَهدي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدي مَن يَشاءُ) رواه البخاري عن أبي اليمان، ورواه مسلم، عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري." ( أسباب نزول القرآن للواحدي )

النص لا يحتاج إلى تعليق ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك خلافاً بين بعض المفسرين حيث يعتقد بعضهم أن آية (ما كانَ لِلنَبِيِّ وَالَّذينَ آَمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلو كانوا أُولي قُربى) نزلت حين أراد الرسول أن يزور قبر أمه ويستغفر لها في فتح مكة. ( انظر الكشاف على سبيل المثال ).
إن هذه النظرة المحدودة والجزئية في الفقه والتفسير من أسباب التناقض الذي ما كان له أن يكون لو أعمل هؤلاء عقولهم أكثر من ذلك أو لو خلصت نوايا من كانت لهم مآرب أخرى. وأستدل هنا بالقرآن نفسه حيث وردت فيه هذه الآية:
" مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " (الإسراء 15 ).

إذن الرسول يعرف أنه لا خوف على والدته لأنها لم تشهد البعثة المحمدية والقرآن نفسه يقر هذه الحقيقة فلا يعقل أن تكون هذه الآية قد نزلت في آمنه بنت وهب، أما أبو طالب فقد شهد البعثة وعلى هذا نستطيع أن نقول ونحن مطمئنون أن المعني بالآيتين المذكورتين أو بواحدة منهما على الأقل هو أبو طالب.

وفي الواقع أن موقف أبي طالب ينم عن علو النفس فالرجل كان يرعى ابن أخيه الذي أوصي به ولم يكن يحارب قومه في هذه الفترة من الدعوة فخشي عليه منهم وأحاطه بحمايته، والواضح أن الرجل كان موضوعياً في تصرفه فهو لم يتنازل عن عقيدته السابقة ليعتنق الإسلام ولكنه لم يحارب الإسلام ولا الرسول كما حاربه عمه الآخر أبو لهب بدليل الرواية التالية:
" فقال أبو طالب ‏‏:‏‏ أي ابن أخي ، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت ‏‏.‏‏( سيرة بن هشام )

ومما يدل كذلك على موضوعيته وتسامحه على نحو يعد ، قياساً بعصره، استثناء فريداً هذه الرواية:
وذكروا أنه قال لعلي ‏‏:‏‏ أي بني ، ما هذا الدين الذي أنت عليه ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ يا أبت ، آمنت بالله وبرسول الله ، وصدقته بما جاء به ، وصليت معه لله واتبعته ‏‏.‏‏ فزعموا أنه قال له ‏‏:‏‏ أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه ‏‏. " ( سيرة بن هشام )

وهي جميعاً روايات متسقة مع سيرة الرجل، العم الحاني، والسيد الشريف، والذي لا يغير عقيدته تحت تأثير القرابة ولا العاطفة ما دام غير مقتنع.
وبقي أن حدثاً كإسلام أبي طالب ما كان ليُخفى ولا يُستر بل كان سيعلن على الملأ تعضيداً للإسلام ورسوله وكانت ستتناقل الألسن إسلام هذا السيد الشريف عم الرسول وتعلو التكبيرات مثلما حدث يوم إسلام حمزة.
كما أن أبا طالب كان طاعناً في السن حتى عند بداية الدعوة مما يصعب اقتناعه بدين جديد أو حتى بأية فكرة جديدة فتلك طبيعة البشر وعادة الأمور خصوصاً في ذلك العصر.
وحتى إذا تجاهلنا الآية المذكورة، وصدقنا الروايات التي تذكر إسلامه وهو على فراش الموت، هل إذا وقع شخص عقداً ما وهو في سكرات الموت يُعد هذا العقد صالحاً، أو إذا طلق امرأته مثلاً هل يصح هذا الطلاق. إن في الفقه الإسلامي نفسه ما يبطل عقداً أو طلاقاً من هذا القبيل لأن عقل المرء لا يكون حاضراً بالفعل وهو على هذه الحال . فإذا ردد قولاً وراء أحد الحاضرين أو أومأ إيماءة أو غمغم غمغمة هل يعتد بذلك ؟



#ياسر_يونس (هاشتاغ)       Yasser_Younes#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 1
- عن المراة والحجاب
- ذهنية العنف


المزيد.....




- شاهد.. كاميرا -مطارد عواصف- توثق القوة الهائلة لإعصار إيان ع ...
- البنتاغون يعرض على الدنمارك المساعدة في التحقيق في انفجارات ...
- ثلاثة قتلى على الأقلّ و14 جريحاً بسبب انهيار جسر في البرازيل ...
- أردوغان: بوتين إذا نوى أمرا فعله
- منظمات أممية تدين القصف الصاروخي الإيراني على إقليم كردستان ...
- شبان روس ينظمون حفل زفاف مشتركا قبيل الالتحاق بصفوف الاحتياط ...
- المغرب: وفاة 19 شخصا تسمما إثر تناولهم مشروبات كحولية فاسدة ...
- الكويتيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس الأ ...
- نيكاراغوا تطرد سفيرة الاتحاد الأوروبي
- الاحتلال يجيز اغتيال المقاومين الفلسطينيين من الجو وواشنطن ت ...


المزيد.....

- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ياسر يونس - من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 2