أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرعي ابازيد - الروح المحطمة














المزيد.....

الروح المحطمة


مرعي ابازيد

الحوار المتمدن-العدد: 1789 - 2007 / 1 / 8 - 09:39
المحور: الادب والفن
    


الـروح المحطمة

يتذكر نفسه وحيدا دائماً على الرغم من مرور الزمن. عاش طفولته وترعرع في كنف ملجأ الأيتام دون أن يكون لديه مجرد صديق في هذا الملجأ البائس. كان منغلقاً على نفسه دائما لإحساسه بأنه ليس وسيماً منذ الولادة ولا يثير الشفقة والاهتمام لدى الآخرين وكأنه ليس موجودا. فقط فتاة وحيدة مثله هي الوحيدة التي كانت تشعر به وتحس بأن روحيهما متقاربتان، دائماً حزينة متعبة من شدة المرض الذي تعاني منه. كانا يجلسان في مكان متواضع ساعات طويلة بالقرب من بعضهما دون أن ينبسا ببنت شفة منزويين عن الآخرين.
إنهما شخصيتان منسيتان من قبل الناس والإله. عندما تركته وفارقت الحياة باكرا شعر بالوحدة أكثر من ذي قبل وشعر أن جزءاً من روحه قد مات معها.
مرت السنون ومرت معها سنون الملجأ حيث كان الكبير يأمر الصغير والقوي يتسلط على الضعيف وهذا الوضع كان يلامس أعماق روحه المحطمة أصلاً دون هذه التصرفات ومن ثم المعهد المهني الذي درس به في إحدى المدن الصغيرة التي هي أقرب ما تكون إلى القرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث كانت كل الشوارع توحي بالبؤس والحزن والضجر، و الوحدة تحولت إلى مرض مخيف ومعذب. عاش طويلا في هذه المدينة البائسة بعد تخرجه حيث بقي للعمل هناك، لا يهم أين يبقى! كل الأماكن بالنسبة له متساوية، ليس لديه أهل وليس لديه أحد في مسقط رأسه، ولا يعرف أين سقط رأسه أساسا. لم يحبه أحد في هذه المنطقة المنسية، المراهقون يخافون منه والشباب يستهزؤون منه والكبار أسموه "الذئب المتوحد" !، حتى الكلاب كانت تبتعد عنه عندما تراه في الطريق! حتى أنها تمر بعيدا عن بيته، فقط فتاة نحيلة الجسم تعمل في مكتبة المدينة الموجودة في المركز الثقافي كانت تتعامل معه بلطف وتساعده في اختيار الكتب. كان قلبه يتجمد في كل مرة يزور بها المكتبة التي تعبق برائحة الكتب القديمة والصحف والفتاة نفسها تذكره بتلك الفتاة التي ماتت وأخذت معها جزءاً من روحه في أيام الطفولة، إنها فتاة صغيرة مريضة، لكنها بسرعة وجدت سعادتها مع شاب كان يؤدي خدمته الإلزامية في الجيش ( خدمة العلم ) في هذه المدينة، تعرفت عليه صدفة في المكتبة ورحلت معه إلى العاصمة. مرة أخرى أصبح وحيداً كما في الماضي. أحس بألم حاد في قلبه، مرة أخرى وجد نفسه وحيداً بدون كتب وبدون عينيها وبدون الكلمة اللطيفة.
كان يجلس في كل مساء على رف نافذة منزله الحقير الذي يقع في نهاية الطريق، يشبه كوخاً بائساً فقيراً في وسط غابة، جلس ليشرب الشاي والحياة تمر من جديد عبر ذاكرته كفيلم سينمائي قديم "أسود وأبيض" ولم يلاحظ إلا في هذا المساء بعد أن شرب الشاي وجود كلب يجلس تحت النافذة منذ عدة أيام لافاً ذيله متقوقعا من شدة البرد والجوع، تنبه بعد أن تلاقت نظراته بنظرات هذا الكلب البائس، عندما نظر إليه الكلب كان كأنه يستجدي منه شيئاً. خرج من بوابة النافذة بشكل لا شعوري وحمله بيده وأدخله إلى البيت بنفسه. لأول مرة منذ زمن طويل لم يلامس هذا الكلب إنسانا بجسمه ولم يلعق شخصا وهذا الرجل أيضا لم يتحسسه أحد قط ولم يلعقه أحد قط فوضع له البطاطس المطبوخ على الأرض فأكل بكل امتنان لأنه لم يأكل في حياته من على أرض نظيفة. يأكل وينظر إلى الرجل وكأنه يريد أن يقول له شكراً لك يا أخي في الوحدة والعذاب فأنت مثلي وحيد ومكروه في هذا العالم اللاإنساني. مسح الرجل دمعه البخيل الذي طالما طلبه ولم يلب بينما كان ينظر إلى الكلب بصمت. الاثنان متشابهان إلى حد كبير، عاشا وحيدين منبوذين والتقيا وحيدين في غربة الزمن وسوف يكون سهلاً عليهما الموت معاً.


مرعي أبازيد





#مرعي_ابازيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيون الملاك
- هدية الأرض للسماء
- لماذا توسيع حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) يشكل خطرا على روسيا ...
- تساؤلات
- لماذا توسيع حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) يشكل خطرا على روسيا ...
- لماذا توسيع حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) يشكل خطرا على روسيا ...
- الأدباء الروس واللغة العربية
- فـي الصـمـت الجـائـر
- من الممكن ان تضيع أمريكا دورها كدولة عظمى
- مـذكـرة - 3 لماذا توسيع حلف الأطلسي(الناتو)يشكل خطرا على الع ...
- حتى لا يبقى شعري أصداء
- كـوارث الـلـغـات
- لماذا توسيع حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) يشكل خطرا على روسيا ...
- حرب العطش وصراع الأجيال
- مستعمرات القرن الحادي و العشرين


المزيد.....




- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرعي ابازيد - الروح المحطمة