أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام بن الشاوي - -بِأسْنانٍ صَاغَها اللّيْل- لعبد الوهاب العريضّ : نصوص تفتك ببياض الكينونة الملطخ














المزيد.....

-بِأسْنانٍ صَاغَها اللّيْل- لعبد الوهاب العريضّ : نصوص تفتك ببياض الكينونة الملطخ


هشام بن الشاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8078 - 2024 / 8 / 23 - 01:26
المحور: الادب والفن
    


الليل ليس مجرد ظاهرة طبيعية تبدأ مع غروب الشمس وتنتهي عند طلوع الفجر، بل هو مصدر إلهام للشعراء والحكائين، صديق للمبدعين والفنانين، ومؤنس للعشاق والمهمومين، الذين لن ينشغلوا بالتفكير في دوران الأرض حول محورها، لكي يتوالى تعاقب الليل والنهار.
عند القراءة الأولى لديوان الشاعر السعودي عبد الوهاب العريضّ "بأسنان صاغها الليل" يلفت انتباهنا أن ثيمة الليل تطغى على نصوص هذه الأضمومة الشعرية، ويخيل إلى القارئ أن هذه القصائد بعض ظلام ذلك الليل السرمدي الطويل، اللّا ينجلي، الذي خيم على القصيدة العربية منذ ليل امرئ القيس والنابغة الذبياني وغيرهما، وقد خلدت نصوص العريضّ ليل الدواخل وظلمة الأعماق، وأبدعت في رسم بياض الكينونة الملطخ بالأسى والألم.
الليل في قصائد عبد الوهاب العريضّ ليس مجرد وعاء زماني يؤثث المشهد المشروخ، إنه ليل سيكولوجي يُعمّق الوحدة والوحشة، حيث تترك ظلمة اللحظة الراهنة الباب مواربًا لأعطاب القلب وهزائم العمر، لكي تتسكع على رصيف البوح والحنين، بحثـاً عن سلوى مؤقتة تردم هوة الوجود السحيقة، وتكتم عواء الحزن في بيداء الأعماق.
أسرف عبد الوهاب العريضّ في الاحتفاء بالتفاصيل الصغرى؛ تلك التفاصيل التي نتجاهلها - عادة- في حياتنا اليومية، عبر صور شعرية تعض وحشة الزمن النفسي وتفتك بقلق اللحظة الإبداعية. في قصيدة "يستديرون بالوجع" نقرأ عن قسوة وخذلان ما يمكن أن نعتبره أزمة منتصف العمر، حيث تطغى على الصور الشعرية لغة الاسترجاع، البحث في ما وراء الأرقام/ الأعوام التي لا تعود، ولا أحد يحملق في هذا الليل سوى الشاعر، الطفل الشارد بالقرب من قارعة الطريق:


أحكّ بحافر القلب ما سكن في السفح
أبجدية الليل والنساء وقوارب الصيد التي غادرت
موانئ الروح
تبحث عن بقايا جسدكَ المسجى خلف المطر
آه! يا لتلك الخشبة التي خلفها أسرجت الليل وما
كنت سوايَ
وأنظرُ داخلي
فأجدني جسدا ينكسر في الخمسين
متربصا بفرح الفتيات بجسد الثلاثين
ينتظرُ عودة غرباء العشرين
حين ينجلي الليل، ويلوح الصباح الصدئ، تغدو الحياة في شعر عبد الوهاب العريضّ بمثابة طريق يعلوها الغبار والأسى وهواء ملوث بالعابرين، كما في قصيدة "غبار"، والغبار - هنا- كناية عن الهشاشة الإنسانية وضعف الطبيعة البشرية، ويرمز - دينيا- إلى الفناء والزوال أيضًا، كما يشي طغيان حضور الطريق/ الرصيف بقلق الذات الشاعرة وبحثها المحموم عمّا لا يمكن استعادته؛ فالعمر يشبه الماء المنفلت من بين الأصابع المنفرجة، التي لن تظفر سوى بقبض الريح/ الخيبة، لأن العمر الهارب نحو الضفة الأخرى للوجع، يسلب سلامنا الداخلي.
وإذا كان الشعراء القدامى ينتظرون انبلاج الصبح، هروبًا من وطأة الليل وهمومه الخانقة، فالعريضّ يتغنى بمباهج الليل في قصيدة "الليل نشوة هاربة"، بعد أن خانه العمر والوقت والحب والدرب، فهذا "الليل تاريخ الحنين وأنت ليلي" بتعبير محمود درويش :
الليل نشوة هاربة
بين كفّي الحبيب
يسقطُ الوهم
فيعانقُ كأسه
يفرشُ حبّات ثلجه
ويدخل كهوف الكلمات
في قصيدته "الأصدقاء"، كتب خوليو كورثاتار ذلك "الولد المؤدب"، الذي (لا يعرف حلّ رباط حذائه لتعضّ المدينة قدمه) : "يوماً ما، سأغطي صدري بكل هذا الغياب/ بهذا الحنان العتيق الذي يسمّيهم/ في قارب الظل". قد يشيخ القلب، وتذبل زهرة الشغف، لكن الصداقة لا تموت، حتى في شتاءات الغياب؛ بعدما انفرط أصدقاء من المسبحة، وتناثرت وجوه على الرصيف، تساءل الشاعر عبد الوهاب العريضّ مدججًا بطفولة القلب وقسوة الحنين : " أيّ حزن في هذا الشتاء؟!".
في قصيدة "تغمضُ يديك" يلملم الشاعر شظايا الذاكرة، ذات مساء، يطوي المسافة بين المكان ومسبحة الأصدقاء، ويستعيد عطر اللحظة : "تعيد الذاكرة نحو المكان والظلال الوارفة بالشجر، ضحكات أرجلهم مازالت تنساب في أعماق صدركَ، وأنت بينهم غريب يطل على الخليج، تهب نفسك لحظة غياب فتغمض يديك على الطاولة، تكسر ذاكرتك وترتحل على عتبات ساحل حاول أن ينثر بقايا منك على رماد المقعد والرفقة المنسابة في نهر الذاكرة، الصديق الذي قضى نحبه بين كأس وكفّ في الهواء…".
وفي قصيدة "خطيئة الذاكرة" يسير الشاعر، بعد أن سكن غربة المكان وسكنته، نحو الهاوية في الليل : " متوهم بالموج ينثر رذاذه على أناملي، أحمل جلجامش معي، أحرك الأصدقاء في داخلي، لأتيقن أن روحي تهيم في لجة النهار".
تتوزع نصوص هذه المجموعة "ما بين الحب والألم والتأمل والتعرّض للحياة والرغبة فيها كل ذلك في خيط قوي من الذاكرة التي يبدو أنها مجمع النصوص كلها، فالعريضّ يكتب نصه على ورقة الليل ذاتها، دون اعتناء بتحديد اتجاه واضح إلا للقصيدة ذاتها، التي تسير هي وبقية النصوص لتشكيل مجموعة تمثّل صوت الشاعر، وإحساسه العميق بالوجود والحياة" .



#هشام_بن_الشاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلوس اللبن...
- الباحث الأورنثولوجي د. سعيد لحروز يدعو محبي الطيور إلى التسل ...
- رسالة مفتوحة إلى عبد الرحيم هومي
- عام الوحش
- فسحة خارج المقرر
- أوجاع أحمد
- رسالة إلى وزير الشباب والثقافةوالتواصل
- #رسالة_مفتوحة_إلى_وزير_الثقافة_والشباب
- موت بالتقسيط
- السخرية في السيرة الشعبية
- رسالة مفتوحة إلى : جيف بيزوس
- سفر الأحزان... رواية جديدة لهشام بن الشاوي
- مدخل إلى دراما أسامة أنور عكاشة
- مجلة أفكار الأردنية تحتفي بدراما أسامة أنور عكاشة
- من يوميات الحجر الصحي
- الدراما التلفزيونية
- الهواية: التلصص
- الطيور تهاجر لكي لا تموت.. والكتابة من أجل شيء
- شعرية الاحتجاج عند أسامة أنور عكاشة
- المغاربة


المزيد.....




- هندسة الخطاب الصراعي: من السيولة اللغوية إلى التثبيت الميدان ...
- وثيقة غامضة تربك الرواية.. أين اختفت رسالة انتحار إبستين؟
- صورة لطائر في وجه رياح عاتية تفوز بجائزة اختيار الجمهور بمسا ...
- ليالي اوفير تجمع العالم علي المسرح
- بينهم كانسيلو وألونسو.. كيف أضعفت -حمى الهجوم- فنون الدفاع ا ...
- الفنان المجهول بانكسي يَنصب رجلا يخطو في الفراغ فجأة وسط لند ...
- الكرنك يتكلّم.. يحيى الطاهر عبد الله واستعادة النص المفقود
- نائب قائد المنطقة الشمالية الإسرائيلية السابق: ما يحدث في ا ...
- -مايكل-.. هل يغني الإبهار الموسيقي عن الدراما؟
- «هل تحبّني» فيلم وثائقي للمخرجة لانا ضاهر.. رحلة عبر الذاكرة ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام بن الشاوي - -بِأسْنانٍ صَاغَها اللّيْل- لعبد الوهاب العريضّ : نصوص تفتك ببياض الكينونة الملطخ