أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صلاح عبد العاطي - الصهيونية المسيحية الأصولية الأمريكية المعاصرة















المزيد.....



الصهيونية المسيحية الأصولية الأمريكية المعاصرة


صلاح عبد العاطي

الحوار المتمدن-العدد: 1743 - 2006 / 11 / 23 - 05:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقديم:-

تعد الأصولية المسيحية عنصرا أساسيا في التاريخ الديني و الاجتماعي و السياسي الغربي,انتعش في البيئات البروتستانتية, وبلغ ذروته في القرن التاسع عشر مع
بداية التوسع الاستعماري و الإمبريالي، وقد كان مركزها في البداية أوربا, لكنها انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاحقا, و أصبحت نصيرة الحركة الصهيونية العالمية, وعاملة على تحقيق أهدافها.
هذا و تكتسي دراسة الصهيونية المسيحية الأصولية الأمريكية المعاصرة أهمية خاصة، لما لها من إبعاد تتعلق بتحديد مستقبل المجتمع العربي والتحديات التي تواجهه في ضوء الصراع الدائر بين الشعوب العربية وبين الحركة الصهيونية العالمية ومن يقف وراءها،كون هذا الدراسة توضح لنا الدور المنحاز الذي قامت وتقوم به الولايات المتحدة الأمريكية لصالح إسرائيل بالكامل، والأسباب الكامنة وراء انتهاج الولايات المتحدة لذلك الخط، والبعد العقائدي الذي أصبح يصبغ السياسة الخارجية الأمريكية بشأن هذا الصراع.
فلقد تغلغلت الصهيونية في الثقافة الأميركية لتجعل من السياسة الأميركية تتكيف مع المتطلبات الصهيونية، فالدعم الحازم للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة لا يأتي فقط من جانب اللوبي الصهيوني, بل من جانب الأصولية المسيحية التي ترسخت أولا في الحياة الدينية من خلال الكنائس المسيحية وفي مختلف الطوائف و الفرق و الاتجاهات المذهبية المسيحية, وان كانت تجلياتها ظهرت وتظهر بقوة لدي الطائفة البروتستانتية التي تفرع عنها أيضا مذاهب متعددة, لعل أشدها تطرفا هو مذهب البيوريتانية"التطهرية والذي لا يزال سائدا حتى يومنا هذا، لذا فالولايات المتحدة تعد أوضح مثل للصهيونية المسيحية المسيطرة في المجتمع الأمريكي دينيا وسياسيا واقتصاديا وإعلاميا وثقافيا،وتشير معظم الدارسات التي وقع عليها الباحث حول الصهيونية المسيحية في أمريكا بأنه من المستبعد جدا أن يكون هناك حل عادل تقدمة الولايات المتحدة للقضية الفلسطينية أو للقضية العربية، ما لم يتصد الغرب، والعرب ببسالة للطبيعة الحقيقية للصهيونية المسيحية، ويتحرر المجتمع الأمريكي ومراكز صنع القرار فيه من الأفكار الصهيونية الراسخة الجـذور في الفكر الأمريكي.
وتهدف الورقة إلى وصف ظاهرة الـصهيونية المسيحية الأمريكية،وإبراز الجذور التاريخية واللاهوتية للصهيونية المسيحية وتنهي بالحديث عن تأثيرها في المجتمع الامريكي والحياة السياسية وخطرها في آن معا.

أولا :تعريف الصهيونية المسيحية

تعرف الصهيونية المسيحية بأنها "الدعم المسيحي للصهيونية" كما يقول ثيودور هرتزل أول من استعمل تعبير الصهيونية المسيحية ، ثم تطور هذا المعنى فيما بعد ليأخذ بعدا دينيا،وهو أن المسيحي الصهيوني هو:إنسان مهتم بمساعدة الله لتحقيق نبوءاته من خلال الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من الوجود الجسدي للمسيح " .
وقد قيل أيضاً أنها "حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض". ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم كمدافعين عن الشعب اليهودي وخاصة "دولة إسرائيل" ويتضمن هذا الدعم معارضة كل من ينتقد أو يعادي "إسرائيل" ،كما وتعرف بأنها "مجموعة من المعتقدات التي تهدف إلـى تأييد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين بوصفها حقا لليهود،باعتبار أن عودة اليهود إلي ارض الميعاد، برهان علي صدق التوراة، وعلي اكتمال الزمن، وعودة المسيح ثانية" .
أما ملخص اعتقادات المسيحيين الصهيونيين فهي: - المسيح قادم ليحكم اليهود في فلسطين مدة ألف عام.
- تجميع كل يهودي العالم في فلسطين.
- بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.
- القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.
- على الحكومات أن تعترف بإسرائيل دبلوماسيا لتدعمها دوليا، وتعارض أي مقاطعة اقتصادية لها.
- السماح لهجرة اليهود من جميع أنحاء العالم وخاصة من الاتحاد السوفييتي.
- على جميع الدول نقل سفاراتها إلى القدس.
- على جميع الشعوب الصديقة أن تكف عن تسليح أعداء إسرائيل.
- على جميع الحكومات أن تتوقف عن استضافة الإرهابيين.
– تشجيع توطين اللاجئين واستيعابهم في البلاد العربية؛ لأن نداءات القادة العرب عام 1948م هي التي أجبرتهم لإخلاء ميادين القتال.
- الاستيطان في الأجزاء من الأرض غير الآهلة بالسكان.

ثانيا : تاريخ الأصولية المسيحية الأمريكية

مع بداية حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر، انطلاقت المسيحية الصهيونية حيث كان اليهود قبل ذلك الوقت يعيشون تحت لعنات الناس، لأنهم صلبوا السيد المسيح، وطردوا من فلسطين عقاباً على فعلتهم، ولكن هذه النظرة بدأت بالتغير بعد ظهور حركة الإصلاح الديني علي يد مارتن لوثر كينج، الذي بشر في كتابه "المسيح ولد يهودياً"، أن الروح القدس شاءت أن تتنـزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، وأن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف والغرباء" ، واستمر وضع اليهود بالتحسن في أوروبا، بعد الثورة الفرنسية ، وفي نهاية القرن ‏التاسع عشر دعا تيودور هرتزل إلى قيام دولة يهودية، على أساس أن اليهود ليس لهم مستقبل في أي دولة في العالم إلاّ في دولتهم الخاصة بهم. وقد تبنى الاستعمار الغربي (أوروبا ثم أميركا) هذه الدعوة، وعمل على تحقيق أهدافها، فقام ‏الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.
مع اكتشاف الولايات المتحدة الأمريكية تدفقت وفود الهجرات الأوروبية في شكل موجات بشرية متلاحقة، وذلك في النصف الثاني من القرن الـ(19)، حيث شكل المهاجرون الجدد -البيوريتانيون- هذا المجتمع بما يتوافق مع عقيدتهم التي تقوم علي فكرة تنصير اليهود،حملوا معهم التقاليد والقناعات التوراتية وتفسيرات العهد القديم التي انتشرت في إنجلترا وأوروبا قبل ذلك، وذهب كثير من الباحثين إلى أن المهاجرين الجدد من المسيحيين المتصهينين بما يحملونه من أفكار ومفاهيم قد ساهموا بشكل مباشر في تكوين الشخصية الأمريكية في ضوء هذه المفاهيم والأفكار التي تمثل لقاء حيا للمسيحية والصهيونية الأصولية، كما تؤكد رجينا الشريف ويوسف الحسن ورجية غارودي.
وهذا ما نتلمّسه في مجريات الحياة الدينية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ لحظة الاستقلال، لدرجة انه بلغ بالرئيس توماس جيفرسون- واضع وثيقة الاستقلال- أن يقترح بأن يمثل رمز الولايات المتحدة الأميركية، على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمة وفي الليل عمود من النار، وهذا الأمر يتفق مع النص التوراتي الوارد في سفر الخروج، والذي يقول: "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب يهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نور ليضيء لهم". في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ التعاطف الأمريكي مع اليهود يتحول إلى عمل ملموس لتحقيق النبوءات التوراتية، سواء عن طريق أفراد أو جمعيات أو كنائس وهذا ما سيرد توضيحه في ثنايا ورقتنا البحثية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وبالتحديد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث ظهرت في أمريكا عدة مذاهب بروتستانتية نادت بعودة اليهود إلى فلسطين، انطلاقاً من إيمانها بالمعتقدات المسيائية، وقامت هذه الفئات بأعمال تخدم فكرة العودة اليهودية، كتأسيس المستوطنات في فلسطين ومنها ما قام به في عام 1850 واردكريون القنصل الأمريكي في القدس، من تأسيس لمستوطنة زراعية في منطقة القدس، والتخطيط لإنشاء مستوطنات أخرى، كما شهد هذا القرن ظهور الطوائف والجمعيات المسيحية التي دعت إلى ضرورة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، حيث أخذت تنشر دعوتها بين العامة، بالإضافة إلى سعيها للتأثير على الشخصيات المهمة في أمريكا، منها جماعة (أخوة المسيح)، والتي تقوم دعوتها التبشيرية بشكل رئيسي على تطبيق النبوءات التوراتية وسفر الرؤيا على الأحداث الحاضرة والمستقبلية، وجمعية بنات بريث (أبناء العهد) في مدينة نيويورك، بهدف تسهيل إعادة اليهود إلى فلسطين.
وقد علق على ذلك هنري فورد في كتابه "اليهودي العالمي"، بقوله: "لقد سيطر اليهود على الكنيسة في عقائدها وفي حركة التحرر الفكري المسماة بالليبرالية، وإذا كان ثمة مكان تدرس فيه القضية اليهودية دراسة صريحة وصادقة، فهو موجود في الكنيسة العصرية، لأنها المؤسسة التي أخذت تمنح الولاء دون وعي أو إدراك إلى مجموعة الدعاية الصهيونية.
يمكن القول إن التأسيس للمسيحية الصهيونية قد بدأ في الوقت الذي وصل فيه المهاجرون البورتيان الأوروبيون إلى الأرض الجديدة وأطلقوا عليها تسمية "كنعان الجديدة الإنكليزية"، واعتبر بعضهم أنهم جاؤوا إلى هذه الأرض لمعاقبة الوثنيين من سكان أمريكا الأصليين الذين أطلق عليهم وصف الهنود الحمر وتعرضوا لإبادة بشعة" ،وفي كنعان الجديدة الإنكليزية حمل أبناء المهاجرين الأوائل أسماء عبرية، وكذلك مستوطناتهم الأولى. ومن اللافت أن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد في العام 1642م، وكانت بعنوان "العبرية هي اللغة الأم"، وأول كتاب صدر في أمريكا كان «سفر المزامير» وأول مجلة كانت مجلة "اليهودي"، ويرصد كثير من المؤرخين كيف أعطى المهاجرون الأوائل "أبناءهم أسماء عبرانية (إبراهام، سارة، أليعازر...)، كما أطلقوا على مستوطناتهم أسماء عبرانية (حبرون، وكنعان...)، وفرضوا تعليم اللغة العبرية في مدارسهم وجامعاتهم، حتى إن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد في عام 1642 كانت بعنوان "العبرية هي اللغة الأم"، وأول كتاب صدر في أمريكا كان "سفر المزامير"، وأول مجلة كانت (اليهودي)"، يضاف إلى ما سبق أنه سمح لليهود "ببناء محافلهم الدينية في وقت مبكر إثر هجرتهم إلى العالم الجديد الأمريكي، وتم لهم ذلك قبل أن يسمح البروتستانت البيوريتانيون المسيطرون على معظم المستوطنات الجديدة، أو للطائفة الكاثوليك ببناء كنائسها"، وقد أسموا أنفسهم "أطفال إسرائيل" في طريقهم إلى الأرض الموعودة"،واحتفلوا بيوم السبت كيوم راحة لهم.
وفي الفترة الممتدة من عام 1800 إلى عام 1850 تم التركيز على عقيدة القداسة والعقيدة الألفية، بحيث ترسخت العقيدة القدرية ، اثر الحرب الأهلية (1860-1865)، ومع نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي أصبحت القدرية إحدى صور الصهيونية المسيحية المقبولة لدى الإنجيليين الأمريكيين ولدي نفر غير قليل من القادة داخل التيار السائد في البروتستانتية (المشخيين، والأسقفيين، والميثوديست، إلخ). وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي جون ادامز كان قد دعا عام 1818 إلى إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة حكومة يهودية مستقلة،وفي عام 1887، أسس القس «وليم بلاكستون» في شيكاغو منظمة «البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل» بهدف حث اليهود على الهجرة على فلسطين، وهذه البعثة مستمرة حتى اليوم باسم «الرسالة الأميركية المسيحية.ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت القدرية قد أضحت هي المقاربة الوحيدة لكل مباحث الأخرويات في صفوف الإنجيليين الأمريكيين الأصوليين، فقد استمدوا اسمهم وبرامجهم المذهبية من سلسلة من الكتيبات التي نشرت بين العامين 1910 و1915 والتي عنونت "بالأصول" ووزعت مجانا في أنحاء الولايات المتحدة كلها. وقد أيد جل الإنجيليين والأصوليين العقيدة القائلة إن إنشاء دولة يهودية بفلسطين يعد تتميما لبعض النبوءات الكتابية، إلا أن المؤمن العادي لم يكن ليفكر فيما تنطوي عليه هذه العقيدة من فرضيات كتابية وسياسية ولا ما ينجر عنها من تشعبات، وبذلك بدأت المقاربة "القدرية السابقية" تتنامى في العديد من طوائف التيار الأصولي في البروتستانتية، ولاسيما في صفوف جمهور المؤمنين وفي دوائر القساوسة المحافظين" .

ثالثا: الكنائس وبدايات الصهيونية المسيحية الأمريكية
تؤكد معظم الدراسات التي استخدمها الباحث بان الكنائس كانت المغذي والمحرك الأول لانطلاقة المسيحية الصهيونية في أمريكا والتي أمنت"بالألفية‏، وهي تقوم
على نوع من "المهدية المسيحية‏" التي تقول: لا بد من أن يتغير العالم على يد المسيح العائد حيث تأثرت الصهيونية المسيحية بحركات ثلاث تنطلق جميعها من تفسيرات للنبوءات الدينية الواردة في التوراة. تهتم الحركة الأولى بقضية مؤشرات نهاية الزمن، وتهتم الحركة الثانية بقضية التقرب من اليهود من أجل المسيح، أما الحركة الثالثة فإن اهتمامها يتركز على الدفاع عن إسرائيل وعلى مباركتها، ورغم تباين هذه الاهتمامات، بل وحتى تناقضها أحيانا، فإنها تلتقي أولا حول التأويل الحرفي للتوراة، وتلتقي ثانيا حول الإيمان بأن المستقبل الكارثي للإنسانية أمر مبرمج ومقرر إلهيا، وتلتقي ثالثا حول وجوب مساعدة اليهود على التجمع في فلسطين.
وتعد الكنائس المسيحية في أمريكا من اقوي المشجعين لقيام "إسرائيل" و بقائها، ومن ثم على إعادة بناء الهيكل اليهودي في فلسطين فوق قبة الصخرة في المسجد الأقصى، لأن هذا هو موضع الهيكل‏ كما يزعمون، وذلك لاعتقادهم أن المسيح لن يعود إلاّ إذا عاد اليهود جميعهم إلى أرض الميعاد، ويستشهدون على ذلك بالنصوص التوراتية وامتدت هذه الفكرة بين المثقفين والأكاديميين الذين لا يؤمنون بحرفية التوراة، "لاهوت ملكوت اللّه" ساعدت في نشرة الجامعات وسائل الإعلام التابعة للكنائس. وتشير كتابات القساوسة المؤمنين بهذه الحركة إلى مدى تشددهم في ربط الفكر الديني بالموقف السياسي من إسرائيل ومن القضية الفلسطينية.
فمنذ عام 1814، انطلقت الدعوات الأميركية الإنجيلية لتوطين اليهود في فلسطين، وهاجر بعض الإنجيليين وأنشئوا مستوطنة زراعية يهودية ضمت يهوداً وإنجيليين أمريكيين عام 1850، ثم أنشئت مستوطنات أخرى، لكن الإنجيليين كانوا أكثر حماساً من اليهود للإقامة فيها، أو للهجرة من أمريكا أصلاً، وقد قامت عام 1867، أول بعثة مسيحية أمريكية للاستيطان في فلسطين مع 150 قسيساً إنجيلياً أمريكياً وفي العام التالي أقيمت مستوطنة بمشاركة 70 شخصية دينية إنجلينية.
وللتدليل علي الدور الذي قام به القساوسة في نشر أفكار الحركة الصهيونية المسيحية نورد هنا بعض السماء الهامة التي ساهمت في الترويج لأفكار وأهداف الحركة الصهيونية المسيحية، نبدئها ب"جون نلسون داربي" الذي يعد الأب الشرعي للحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة ،تبعه في حمل لواء دعوته مجموعة من القساوسة منهم القس «سايروس سكوفيلد» ( 1843- 1921) وضع الأساس النظري لتوجهات الصهيونية المسيحية، وعلى الرغم من أن سكوفيلد كان أميا»، إلا أنه نشر في عام 1888 أول مؤلف له، وكان عنوانه «واجب تجزئة كلمة الحق» وفي هذا المؤلف طرح سكوفيلد المبادئ اللاهوتية للأصولية الإنجيلية التدبيرية، الذي طبع لأول مرة في عام 1909، فقد التبس على الكثيرين التمييز بين نص الإنجيل المقدس وتفسيرات سكوفيلد الواردة في إنجيله، وهو بمضمونه وسعة انتشاره أصبح العمود الفقري للفكر الأصولي للإنجيلية الصهيونية ، ومنه يستمد قساوسة هذه الحركة المعاصرون أمثال بيل غراهام وابنه فرانكلين، وجيري فولويل وبات روبرتسون وسواهم، أفكارهم التي يبنون عليها التزامهم الديني بإسرائيل، وبما يعتقدون أنه حقها التوراتي . و منهم أيضا دوايت مودي، وليم بلاكستون،الذي وضع في عام 1887م كتابا بعنوان " المسيح قادم "، وقد تُرجم هذا الكتاب إلى 36 لغة، وفيه أكد على نظرية حق اليهود التوراتي في فلسطين وبأنهم سوف يزدهرون هناك.وفي إطار نشاطه تمكن بلاكستون من جمع توقيعات 413 شخصية مسيحية ويهودية أمريكية على مذكرة رُفعت إلى الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت بنجامين هاريسون، تطالب بعقد مؤتمر دولي من أجل إعادة اليهود إلى فلسطين،وجاء في المذكرة: " لماذا لا تُعاد فلسطين إلى اليهود ثانية؟ فعلى أساس توزيع الله للأمم، فإن فلسطين هي وطنهم، إنها ملك لهم طُردوا منه بالقوة ... فلماذا لا تُبادر القوى الدولية، بموجب معاهدة برلين 1878م، التي أعطت بلغاريا للبلغار، وصربيا للصرب أن تعيد فلسطين إلى اليهود " .وهناك القس أرنو غيبيلين، الذي أرسى قواعد النظرية التي تقول إن التعاطف مع اليهود شيء، والإيمان بحتمية تدميرهم في معركة هرمجيدون شيء آخر، وهناك الكثيرين من القساوسة المنتشرين في كنائس الولايات المتحدة يروجون للمعتقدات الصهيونية المسيحية،إذ يعمل في ميدان التبشير فيها 80 ألف قسيس،كما وتتمتع هذا الكنائس بحضور إعلامي قوي، فهي تملك وتشرف مباشرة على مائة محطة تلفزة، وعلى ألف محطة إذاعة، بالإضافة إلي أنها ساعدت في حقبة الثمانينات وحدها علي إنشاء 250 مؤسسة وجمعية دينية أمريكية مؤيدة لإسرائيل في إطار برامج الصهيونية المسيحية الأصولية.
ويظهر لنا مما سبق أهمية الكنائس في تعميم الأفكار والمعتقدات إلى تعتنقها المسيحية الصهيونية كما وتطهر لنا بأن دعم اليهود وتأييدهم ومساعدتهم لا يتم من أجل اليهود كيهود، إنما من أجل توفير الشروط اللازمة للعودة الثانية للمسيح.

رابعاً : تأثير الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية
مع حلول القرن العشرين كان المزج بين المقدس والسياسي قد ارتفع إلى مرتبة عالية، ما سبب ولأوقات طويلة ارتباكا في تعيين توصيف دقيق لتعيين ما يحصل، والخلوص إلى نتائج بشأن طبيعة العلاقة القائمة بين الصهيونية اليهودية ( المصرة على توصيف نفسها كمشروع سياسي لإقامة الوطن القومي اليهودي) وبين القوى الداعمة لها السياسية والدينية. وترافق ذلك مع أنشطة بذلها الصهيونيين المسيحيون في أمريكا، بالضغط على الحكومة وتوظيف ضغوط دبلوماسية وعسكرية وسياسية على دول أخرى، حيث امتدت معتقدات المسيحية الصهيونية إلى السياسيين بمن فيهم بعض رؤساء الولايات المتحدة، وان كان من المعروف أن بريطانيا تبنت المشروع الصهيوني اليهودي بشكل كامل، لكن هذا التبني لم يكن مقتصراً في الواقع على بريطانيا، بل كان أميركياً أيضا، وإذا كانت العوامل السياسية، هي الأكثر ظهوراً في التبني البريطاني، خصوصاً منذ تأسيس صندوق استكشاف فلسطين، وتاليا بعد اتفاقيات سايكس بيكو ( 1916) ووعد بلفور (1917) فإن الدمج بين السياسي والمقدس كان هو الغالب لدى الولايات المتحدة ولهذا جذوره التي اشرنا إليها أنفا أيضا.
ففي عام 1918 أعلنت الولايات المتحدة وبواسطة رئيسها "ودروديلون" عبر رسالة إلى الحاخام ستيفن وايز الصهيوني عن تأييد وعد بلفور، الذي التزم ويلسون رسميا بتنفيذه في العام نفسه، وفي العام 1922، صدر قرار عن مجلس النواب الأمريكي بضرورة منح اليهود الفرصة التي حرموا منها لإعادة إقامة حياة يهودية وثقافة خاصة في الأراضي اليهودية القديمة وفي العام نفسه صادق مجلسا النواب والشيوخ رسميا على وعد بلفور، ومع هذه التطورات وقع التلاقي الكامل بين السياسي بنزعته الاستعمارية العدوانية، والديني ( الجماعات اليهودية- الإنجيليون المؤمنون ببعث إسرائيل ومعركة هرمجدون)،وقد أدى حاصل هذا التلاقي إلى دفع كبير لمشروع الدولة اليهودية في فلسطين.
وفي عام 1936 أصدر المؤتمر المسيحي- الأميركي إعلانا بدعوة المجتمعات المتحضرة إلى مساندة الفارين من ألمانيا وأوروبا الشرقية، للعودة إلى فلسطين ملاذهم الطبيعي، وقد رفعت هذه المنظمات شعار"الأرض الموعودة"، وشعار "شعب الله المختار" وربطت بين الشعارين، وعلمت الناس أن أفضل عمل يقوم به المسيحي تقرباً إلى الله، هو المساهمة المادية والمعنوية في تحقيق إرادة الله بإعادة اليهود إلى فلسطين تمهيدا لعودة المسيح. " وفي عام 1944 اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً تتعهد الولايات المتحدة بموجبه بذل قصارى جهدها من أجل فتح أبواب فلسطين أمام اليهود للدخول إليها بحرية ولإتاحة الفرصة أمامهم لاستعمارها، حتى يتمكن الشعب اليهودي من إعادة تكوين فلسطين يهودية ديموقراطية حرة وعندما تولى هاري ترومان رئاسة الولايات المتحدة فإنه كان مجسدا للصهيونية المسيحية بكل تفاصيلها، وهو دعا عام 1947 إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين .
كما وبذلت الإدارة الأميركية جهوداً ضخمة لتمرير قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة عام 1947. واعترفت واشنطن بالدولة اليهودية فور قيامها في مساء 14/5/ 1948، علي اثر قيام الدولة اتخذ نشاط الصهيونية المسيحية شكلاً جديداً، باعتبار أن تأسيس الدولة يعني بدء تحقيق النبوءة ومن الضروري العمل على تشكيلها، حيث ازداد نفوذ الكنائس المسيحية الصهيونية في التأثير علي السياسية الأمريكية ولعل ابرز مثال علي ذلك الدور ما لعبة القساوسة التالي عرض دورهم :-
1- جيري فولويل الذي يعتبر من أهم القساوسة الذين تأثروا بالاحتلال الإسرائيلي للقدس في عام 1967، وقاموا بإعطاء هذا الاحتلال معنى دينيا توراتيا.
2- بات روبرتسون الذي يتمتع بنفوذ واسع في الدوائر السياسية والدينية،ويكفي أن نعرف بأنه قد أنشأ في عام 1990 محطة تليفزيون سماها" المحطة العائلية" والتي بلغ عدد المشتركين فيها 63 مليونا شخص حيث يؤكد" إنه ينتظر اللحظة التي ستتولى محطته نقل وقائع نزول المسيح فوق جبل الزيتون في القدس".
3- هول ليندسي الذي يحدد في كتابه نهاية الكرة الأرضية العظيمة الواسع الانتشار سيناريو نهاية الزمن، بقيام صهيون، ووقوع هرمجيدون، والعودة الثانية للمسيح، ومن ثم الألفية التي تسود العالم عدلا وسلاما، ويستند في ذلك إلى نبوءات توراتية يربط تفسيرها بوقائع سياسية معاصرة ورغم أن هذه الوقائع تتغير باستمرار، فإن السيناريو ثابت، لدرجة أن الرئيس رونالد ريجان المعروف عنه بأنه من أكثر الرؤساء الأمريكيين إيمانا والتزاما بعقيدة الصهيونية المسيحية، وكان يؤمن بنظرية هرمجيدون، وكان يقول: " إننا الجيل الذي سيرى هرمجيدون" .
على أن هذا المشهد المنتظر لن يتم في مفهوم الحركة الصهيونية المسيحية ما لم تتهود فلسطين كاملة، ولذلك فإن القس روبرتسون وجّه مذكرة إلى الكونجرس الأمريكي في أبريل 2002، دعا فيها إلى دعم إسرائيل بكل الوسائل ضد" الإرهاب"الفلسطيني، لعل الخطر السياسي العميق يمكن فيما تؤمن به هذا الحركات الممعنة في الأصولية الغيبة حيث تؤمن الأصولية المسيحية الصهيونية بعقيدة "هرمجدون" وقد أظهر إستطلاع للرأي أجرته جامعة أكرون العام 1996 حول الدين والسياسة أن 31 في المئة من المسيحيين يعتقدون أن نهاية العالم ستكون في معركة "هرمجدون", ونسبة ال31 في المئة تعني أن 62 مليون أمريكي يوافقون على هذه الملحمة الغيبية، ولم يقتصر الامر عند هذا الحد بل امتد إلى أنصار الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الذين أصبحوا يوظفون الأصولية المسيحية لمصلحة الكيان الصهيوني, ويتغاضون عن طروحاتها المعادية لليهود,بما في ذلك نبوءات اندثارهم, وحتمية اعتناقهم المسيحية,من أجل الضغط لمصلحة الكيان الصهيوني ، بالطبع لا تستطيع الإدارة الأمريكية تجاهل هذا الجسم الإنتخابي الكبير والمهم, الذي يطالب صراحة بالمذبحة الكبرى في الأرض المقدسة.
ويتضح لنا مما سبق بان النخب الأصولية المسيحية الصهيونية قد أجادت العزف علي وتر الأفكار الدينية، المقبولة والمفهومة لدى قطاعات واسعة من الشعوب الاوريية والأمريكية, وتمكنت من إستقطاب دعاة متحمسين لها عملوا على نقل المنظور الأصولي إلى شرائح واسعة من المجتمع الأمريكي، ولعل ما نراه اليوم من تنامي تأيد المسيحيون الأصوليون لليهود الأصوليين في طرحهم برنامجا سياسيا يركز على بسط السيادة اليهودية على "أرض إسرائيل الكاملة" يعد خير شاهد علي التلاحم والترابط بين الأصوليات والتي أمست أصولية مسيحية صهيونية بامتياز تؤمن أن هذه الخطوة الحاسمة تؤدي الى التعجيل في إتمام عملية الخلاص الكونية التي قضت الإرادة الإلهية بها؛ ونظراُ لأدراك النخب الأصولية المسيحية الأمريكية أن الحياة الثقافية الأمريكية تخضع لسيطرة وسائل الإعلام و للكنائس لما كان هذان البوقان (الإعلام و الكنيسة) من التأثير و القوة و الفاعلية, فقد استطاعت الأصولية المسيحية الصهيونية أن تستغلهما إلى أقصى الحدود لغرس إيديولوجيتها في أذهان المجتمع الأمريكي، بحيث بسطت نفوذها لدي معظم القوي السياسة الأمريكية "الرسمية والشعبية", التي تعتنق خطابا رائجا حول الديمقراطية وحقوق الإنسان, وأطروحات الأصولية المسيحية الغيبية و لذلك أصبح موضوع الكيان الصهيوني حاسما في أوساط الأصولية المسيحية، وفي المقابل تبدو صورة العربي والإسلامي في الثقافة الأمريكية "كإرهابيين ومتعطشين إلي الدماء"! كما تروج لذلك شبكة المدارس و الجامعات والكنائس وسائل الإعلام التي يشرف عليها الأصوليون المسيحيون الصهاينة من أمثال جيري فالويل و بات روبرستون وغيرهم.
"وقد تناولت دراسات عديدة الطريقة التي تغلغـلت بها المـواقف المعادية للعرب والمؤيدة لإسرائيل في كتب المدارس الثانوية الأميركية وتوصل أحد التحليلات إلى أنه ليس في الكتب العشرين التـي تـناولها مـا يمتدح الشعب العربي بينما كان الكثير منها مؤيدا لإسرائيل، هذه المواقف التي يتشبث بها الرأي العام الأميركي هي التي تـشكل المؤشرات السياسية التي تحدد السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط لأن النظام السياسي في النهاية يشكل سياسته الخارجية تبعا لمصالحه القومية وسعيا وراء مضاعفتها، وهذا ما دعا بعـض الأميركيين إلى حث العالم العربي على سلوك الطريق غـيـر المباشـر لـتغيير السياسة عن طريق تعزيز صورته داخل الولايات المتحدة" . وسوف نورد بشئ من الإيجاز مدي تأثير المسيحية الصهيونية علي الإدارة الأمريكية ومؤسساتها.
أ- تأثير الحركة الصهيونية المسيحية علي الإدارة الأمريكية :
يوصف الكونغرس بأنه نسخة اكبر من الكنيست الصهيوني، وذالك باعتبار أن معظم أعضائه يؤيدون الكيان الصهيوني تأييدا عميقا و ثابتا, ولقد كان الكونغرس دوما صاحب العديد من المبادرات المنحازة بصورة سافرة للكيان الصهيوني ففي عام 1922، اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً، وقّع عليه الرئيس هاردنج جاء فيه "بأنه نتيجة للحرب، أعطى بني إسرائيل الفرصة التي حرموا منها منذ أمد بعيد لإقامة حياة وثقافة يهوديتين مثمرتين في الأراضي اليهودية القديمة، وإن كونغرس الولايات المتحدة يوافق على إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي".بعد أن أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض في عام 1939، والذي حدَّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين،وفي التسعينات أصدر "قانون نقل السفارة الأمريكية للقدس" كما أن الكونغرس كثيرا ما كان يهدد بقطع أو تخفيض المعونات للدول التي تنتقد الكيان الصهيوني. وفي الأزمة الحالية في الشرق الأوسط يوجد حالة من التماهي الكامل بين موقف الكونغرس و موقف الحكومة الصهيونية ولذلك لم يكن غريبا أن يتنافس زعماء الحزبين في الكونغرس خلال الفترة الماضية لدعم قرار يقول إن المجلس يؤيد الخطوات الضرورية التي تتخذها "إسرائيل" لحماية شعبها.
ويكفي أن نشير إلي أن الرئيس ترومان قد أيد الحل الصهيوني المتمثل بتقسيم فلسطين، وأصدر في 4 تشرين الأول من عام 1945 بياناً طالب فيه بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، كما أوصى بتطبيق خطة التقسيم حسب الخطوط التي اقترحتها الوكالة اليهودية، وعندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل، اعترف الرئيس ترومان بها بعد دقيقة من إعلان قيامها، كما أنه قام بتصرف يخالف كل المبادئ الدبلوماسية المعروفة، عندما اعترف بدولة إسرائيل قبل أن تطلب الاعتراف رسمياً وقبل انتهاء الانتداب البريطاني بعشر ساعات. وقدمت حكومة الولايات المتحدة لها قرضاً قيمته مليون دولار، وفي عام 1943 مبلغ 150 مليون دولار.
واستمر الرؤساء الامريكين من أيزنهاور... وحتى كلينتون في دعم الكيان الصهيوني وان بشكل متفاوت، إلي أن فاز جورج دبليو بوش والذي تجمعت لديه ووفيه العوامل التالية:العامل الأول: إيمانه والتزامه بعقيدة حركة الصهيونية المسيحية، الأمر الذي تجسّد في تقرّب قادة هذه الحركة منه.العامل الثاني: نجاح المنظمات والمؤسسات والجمعيات التابعة لحركة الصهيونية المسيحية في تعزيز حضورها السياسي والإعلامي والديني، وتحولها إلى قوة انتخابية، وإلى قوة ضغط شديدة الفعالية والتأثير.العامل الثالث: وقوع احداث11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، التي ألهبت مشاعر العداء ضد المسلمين والعرب. والتي قسمت العالم إلى معسكرين: إما أن تكون مع الولايات المتحدة و إما مع الإرهابيين، فتحولت قضية الصراع العربي الصهيوني، التي أصبحت محكومة بما تقبله أو ترفضه الحكومة الإسرائيلية ,إلى سلسلة من المناورات و الأكاذيب السياسية التي تخترعها في الأصل، آلة الأكاذيب الصهيونية ثم لا تلبث أن تعتمدها أمريكيا بعد ذلك.
ويمكن القول أن غالبية الرؤساء الأمريكيين كانت سياستهم واحدة و ثابتة وهي دعم الكيان الصهيوني، إلى درجة أنها أثارت علامات استفهام كبيرة في الوطن العربي، من الذي يقف وراء هذا الثابت و يعمل على تعزيزه و تأكيده و رفعه إلى مستوى المقدسات؟ لعل الإجابة تتخلص فيما سقناه سابقا حول تغلل المسيحية الصهيونية الأصولية في المجتمع الأمريكي.
ويكفي أن نعرف بأن اتجاهات الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونغرس الصهيونية هي مجرد انعكاس لاتجاهات الرأي العام الأميركي ،خـاصـة وأن وجـهـة النظر المعاكسة ليست فاعلة، والقول بأن الكونغرس ووسائل الإعلام والجامعات جميعا خاضعة لليهود أو متأثرة بسيطرتهم ليس تفسيـرا خـاطـئـا للتأييد غـيـر الـيـهـودي للصهيونية فحسب، ولكنه يخفي في الواقع القوة الحقيقية للصهيونية وهي اندماجها في الثقافة الغربية والأميركية . ولكي لا يتم إغفال دور اللوبي الصهيوني والجالية اليهودية في الحياة السياسية والدينية بأمريكا في نشر أفكار الصهيونية المسيحية سنورد بإيجاز ثقلها ودورها.
ب- دور الجالية اليهودية والمنظمات الصهيونية المسيحية في تأصيل المسيحية الصهيونية:
انتقلت مراكز الصهيونية العالمية وأجهزتها القيادية من أوربا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وحصلت عمليات تقارب واسعة بينها وبين الأجهزة السياسية والدعائية والاقتصادية للولايات المتحدة بعد اختيارها كمركز للصهيونية العالمية، بسبب أن المنظمات اليهودية الصهيونية الموجودة فيها هي الأكثر تعداداً والأضخم نفوذاً من النواحي السياسية والمالية، ومكّنها ذلك من التزاوج مع المجتمع الأميركي الصناعي الحربي، لأن الأميركيين من أصل يهودي يبلغ تعددهم ستة ملايين شخص تمثل 2% من المجتمع الأمريكي يملكون ويديرون الشركات الضخمة والبنوك والمصارف العالمية وشركات الاتصالات والتأمين، فهم إذاً يسيطرون فعلياً على أهم الشركات المتلفزة وأهم الصحف الأميركية (الواشنطن بوست)، إضافة لأضخم جهاز إداري، وأشهر المنظمات اليهودية (يونيتيد جويش إبل) و(بناي بريث) و(إيباك) وتحويل مركز الصهيونية العالمية إلى الولايات المتحدة الأميركية كونها استفادت من تحويل الشركات والاستثمارات والبنوك من أوربا إليها قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، وبالتالي اختيار الرؤيا السياسية التي تبنتها الدوائر الأميركية والكنيسة المورمانية الأميركية، فتغيرت مع ذلك قوة تأثير اليهودية والصهاينة على المسرح السياسي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية حتى هذه اللحظات .
هذا بخصوص الجالية اليهودية أما الحركة المسيحية الصهيونية فقد نشطت في تكوين المنظمات والهيئات الشعبية والدينية لتوفير الدعم المعنوي والمادي من أجل تحقيق النبوءات التوراتية، ففي عام 1930 تم تأسيس منظمة الاتحاد الأميركي من اجل فلسطين للدفاع عن تأسيس الوطن القومي اليهودي، وبعد عامين أسس السناتور روبرت واجنر اللجنة الأميركية – الفلسطينية "بهدف إعداد الرأي العام الأميركي من غير اليهود، للعمل من أجل إعادة اليهود إلى فلسطين، وقد ضمت اللجنة 68 عضواً من مجلس الشيوخ، و200 عضو من مجلس النواب وعدداً من رجال الدين الإنجيليين ورجال الأعمال وأساتذة جامعات وصحافيين وأدباء مشهورين ،فالانتقال بالإيمان من الروحي إلى الممارسة السياسية، يحتاج إلى جهود تقوم بها منظمات ومؤسسات متخصصة ومتفرغة، وهذا ما قامت وتقوم به الحركة الصهيونية المسيحية منفردة، وبالتعاون مع الحركة الصهيونية اليهودية في الولايات المتحدة. إن عدد المنظمات والجمعيات والمؤسسات التي تعمل في هذا الإطار كبير جدا وفعال جدا، ولعل أهم وأنشط مؤسستين تعملان في هذا المجال، هما: " اللجنة المسيحية الإسرائيلية للعلاقات العامة"، ويرمز لها اختصارا بالاسم إيباك، والثانية هي " مؤسسة الائتلاف الوحدوي الوطني من أجل إسرائيل "، وتضم هذه المؤسسة 200 جمعية ومنظمة يهودية ومسيحية أمريكية، يبلغ مجموع أعضائها حوالي 40 مليون شخص. ولعل ابرز ممثلي تيار المسيحية الأصولية وأخطرهم اليوم هم جماعة "السفارة المسيحية العالمية في القدس". تأسست هذه السفارة في عام1980 رداً على سحب ثلاثة عشرة دولة سفاراتها من القدس استنكاراً لإعلانها عاصمة لإسرائيل، ولهذه السفارة فروع في خمسين دولة في العالم، ولها في الولايات المتحدة الأميركية عشرون مكتباً قنصـلياً، المكاتب تقوم بعمل دعائي من مختلف الأنواع، وتجمع المساعدات المالية والعينية وتسوق البضائع الإسرائيلية،إن السفارة المسيحية في القدس هي مثال واضح ومفضوح لانحياز التيار المسيحي الأميركي الأصولي لدولة إسرائيل، و لتوظيف الدين توظيفاً مغرضاً في السياسة.
يتضح لنا مما سبق أن المجتمع الأميركي إجمالاً:مجتمع ديني،تتعاطف معظم قطاعاته مع"إسرائيل" حيث يقول هارون ولدا فسكي :إن إسرائيل من الغرب ومن صنعه وله سواء أحب الناس ذلك أم لم يحبوه، وإسرائيل بقرارها التطور تحس وتشم وتبدو كبلد غربي و هي ليست كفيتنام..إنها ليست جزءا من المحيط الخارجي للغرب ولكنها لبه، إن إسرائيل هي نحن سواء أكان ذلك للأفضل أم للأسوأ. ما يؤكد بدورة أن أصالة الالتزام الأميركي بإسرائيل ليست مستمدة من العامل اليهودي أو اللوبي الصهيوني فقط بل من طبيعة المجتمع الأميركي وإيمانه الراسخ بالأفكار الدينية التي تتبنها المسيحية الصهيونية الأصولية، فكثير من المواقف والنشاطات الصهيونية غير اليهودية ذاتية وليست مجرد استجابات للضغوط الصهيونية أو الإسرائيلية، زد علي ما سبق أن اليمين النيوليبرالي الأمريكي أو ما بات يعرف بالمحافظين الجدد يتواجدون الآن وبقوة في مواقع صنع القرار في الإدارة الأمريكية والبنتاغون، و هؤلاء المحافظون الجدد يمثلون جميعا خطا مؤيدا للكيان الصهيوني بإطلاقيه,لأن الكيان الصهيوني من وجهة نظرهم يجلب لهم الخلاص المسيحي.

الخاتمة:
نستطيع القول بإيجاز أن الصهيونية المسيحية انتقلت من ارويا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وازداد دورها في الحياة السياسية الأمريكية بعد إنشاء دولة
إسرائيل،حيث ساهمت المعتقدات التي تبنتها المسيحية الصهيونية، دعم دولة إسرائيل وبقوه، وصلت اليوم إلي حد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تشهد انقلاباً جذرياً، محوره النبؤات والخرافات التوراتية، على مستوى النظرة الشاملة الى العالم، وتحديداً ما يسمّى بالشرق الأوسط،فالإدارة الأميركية الحالية يطغى عليها الصهاينة واليهود،من أعلى مستويات السلطة إلى العديدين من المستشارين، وإذا كان الرئيس الأميركي الحالي هو أكثر الرؤساء افتتاناً بنظريات الصهيونيين المسيحيين فهو مصر على "تفصيل العالم على مقاس هذه الإيديولوجيا المغرقة في غيبيتها ولو أدى ذلك الى استعداء العالم كله على الولايات المتحدة، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الادعاءات الأميركية بالقضاء على الإرهاب وإحلال السلام والديمقراطية في العالم، تصبح الوجه الآخر للعملة المزيّفة التي تطبعها واشنطن،كما أن التوجه أحدي الجانب للتاريخ، أو الأحرى نهاية التاريخ كما توحي به الإدارة الأميركية، أمر من شأنه أن يدخل المنطقة في دوامة من الحروب المستديمة التي لن تخدم إلاّ المصلحة الإسرائيلية وحدها .
وفي ختام الورقة نود الإشارة إلى إن ما يسمى بالصهيونية المسيحية لا يمت بصلة الى المسيحية الحقيقية بل إنها اقتناص للمسيحية لوضعها رهينة في خدمة مصالح الصهيونية، وهي تشويه مشبوه الغايات لبعض ما جاء في أسفار الكتب المقدسة، فهي تضرب كل مشروع حواري ما بين المسيحية والإسلام، وتبرر أطروحات صراع الحضارات والأديان، ولعل هذا الأمر يطرح علينا جميعاً تحديا كبيرا وهو بناء الوعي الذي يمنع تزييف الدين واستخدامه في تبرير سياسات الظلم والعدوان أو إضفاء القدسية على أحلام وأوهام مدمرة، فالصهيونية الأميركية المسيحية تستخدم اليوم كقناع ووسيلة لتبرير مشاريع العدوان علي الشعوب ومقدراتها هذا هو الأمر الحاصل للأسف اليوم في أميركا.






المراجع:-

1. أيمن خالد أمريكا وإسرائيل..بين السياسة والدين، htm http://www.qudsway.com/Links/almujahed/
2. بيان نويهض الحوت، فلسطين القضية،الشعب، الحضارة-التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين 1917م ، دار الاستقلال، بيروت، لبنان،1991م.
3. جورجي كنعان، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي ، الجزء الأول الدعوة و الدعاة، بيسان للنشر و التوزيع، بيروت ط1، تموز 1995.
4. رجينا الشريف، ترجمة عبد اللة،عبد العزيز،الصهيونية غير اليهودية، سلسلة كتب عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والادب، الكويت، 1999.
5. رجيه غارودي، ترجمه عمرو زهيري، أمريكا طليعة الانحطاط،دار الشروق، 1999.
6. رياض جرجور، المسيحية الصهيونية ندوة فكرية،بيروتأيـار2003،http://www.bintjbeil.com/articles/2003/ar/0505_jarjour.htm
7. سمير مرقص، السياسة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، موقع أسلام اون لاين:
http://www.islamonline.net/Arabic/mafaheem/political2006/09/02b.shtml
8. منير العكش، أمريكا وسياسة الإبادات الجماعية، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 1996.
9. محمد السماك، الدين في القرار الأمريكي، دار النفائس، بيروت، ط1، 2003 .
10. عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ، دار الشروق، ط1، 2002.
11. نافذ أبو حسنة، المتدينون والعلمانيون في إسرائيل، مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق،بيروت،ط1، 1999.
12. هالة أبو بكر سعودي: السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1968م. يوسف الحسن، البعد الديني في السياسية الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني دراسة في الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،ط1، فبراير 1990.
13. يوسف الحسن، البعد الديني في السياسية الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني دراسة في الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،ط1، فبراير 1990.
14. محمد علي سرحان، مجلة النبأ، العدد53، ص53، الحلف المقدس تحت النجمة الصهيونية، http://www.annabaa.org



#صلاح_عبد_العاطي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلام عن الحرية.. العزلة .. الانكشاف
- الاقليات وحقوق الانسان في المجتمع العربي
- الحركة السياسية الفلسطينية -دراسة تطبيقية- حركة القوميين الع ...
- العلمانية والأصولية في المجتمع العربي
- الموقف القانوني من الانفصال احادي الجانب واعادة الانتشار لقو ...
- الحماية الاجتماعية بين الحاجة .. و الإطار القانوني
- الفلتان الأمني .. ظاهرة خطف الأجانب.. تلحق أفدح الضرر بالقضي ...
- العمل النقابي في فلسطين ... بين الواقع والطموحات؟؟
- السلم الأهلي و نبذ العنف في القانون الأساسي والمواثيق الدولي ...
- المرأة والقانون
- المرأة الفلسطينية والمشاركة السياسية والاجتماعية
- الديمقراطية والتنمية في العالم العربي وفلسطين
- الحكم المحلي والهيئات المحلية في فلسطين
- قراءة في التعاطي القانوني والرسمي مع ملف الأراضي التي ستخليه ...
- حقوق المواطن في ظل الواقع الراهن ..وسؤال ماالعمل؟؟
- قانون رعاية الشباب الفلسطيني الي اين...؟
- دور منظمات المجتمع المدني في الرقابة على الانتخابات
- قراءة في تقرير الهيئة المستقلة لحقوق المواطن -الرقابة علي ان ...
- ازمة الثقافة
- ما العمل؟؟!


المزيد.....




- نزلها الان.. تردد قناة طيور الجنة الجديد 2024  للاستمتاع بأح ...
- إيهود باراك: علينا إنشاء -محور اعتدال- لمواجهة -محور المقاوم ...
- “أغاني حلوة وابتسامة جميلة” اضبط تردد قناة طيور الجنة بيبي ع ...
- حدث الآن أقوى أشارة لتردد قناة طيور الجنة بيبي على نايل سات ...
- إقامة الليلة الثانية من مراسم العزاء الحسيني بحضور قائد الثو ...
- هالصيصان شو حلوين.. أحدث تردد لقناة طيور الجنة بيبي على جميع ...
- استمتع بأجمل الأغاني التعليمية والأناشيد الأخلاقية على قناة ...
- تردد قناة طيور الجنة الجديد علي نايل سات وعرب سات لمتابعة مم ...
- الملك حسين اقترح على بريطانيا مشروعا لمواجهة الصحوة الإسلامي ...
- اقتصادي يحدد مكامن الضعف في السياحة الدينية ويؤكد: السائح ال ...


المزيد.....

- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد
- ( ماهية الدولة الاسلامية ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- كتاب الحداثة و القرآن للباحث سعيد ناشيد / جدو دبريل
- الأبحاث الحديثة تحرج السردية والموروث الإسلاميين كراس 5 / جدو جبريل
- جمل أم حبل وثقب إبرة أم باب / جدو جبريل


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صلاح عبد العاطي - الصهيونية المسيحية الأصولية الأمريكية المعاصرة