أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - مصاحفُ فوق الأسنة وأمةُ بلا نبي















المزيد.....

مصاحفُ فوق الأسنة وأمةُ بلا نبي


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 7604 - 2023 / 5 / 7 - 13:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مات النبي. أن تكون نبياً ليس معناه أن تقول أو تفعل شيئاً حقيقياً، مهماً، صادقاً أو صواباً. قد يكون أغلب ما تقوله وتفعله وهم وكذب وهراء وخاطئ قادر على أن يملئ الأرض حرائق ودماراً إذا ما شق طريقه من ثغرة ما إلى التطبيق الفعلي وسط الأحياء فوقها. لكي تكون نبياً، يجب أن يصدقك من حولك فيما تقول وتفعل، تصديق إلى حد الإيمان الأعمى. هذا هو "سحر النبوة" الذي لا يبلغه سوى قلة من عظماء الأمم يُعدُّون على الأصابع ومعروفون بالاسم. ولكي يتحقق هذا السحر ويفعل مفعوله، يجب أن تؤمن كل أمة بحقيقة الصلة التي قد ربطت بين نبيها وبين القوة العليا خالقة الكون والبشر. من دون هذا الايمان بوجود هذه الصلة حقيقةً، ما وجدت نبوة وما تولد منها السحر المستمر مفعوله فينا حتى اليوم وفي كل أنحاء العالم. وبموت النبي، تنتهي النبوة. لكن سحرها لا ينتهي ولا يموت، بل يتكاثر ويتعاظم مفعوله فينا إلى ذرى ما كان يتخيلها حتى الأنبياء أنفسهم، عبر صِنف آخر من السحرة يحلقون كالفراشات حول شموس الأنبياء والأديان في كل زمان ومكان ووسط كافة التجمعات البشرية.

النبوة لا تُوَرَّث. بل تتنزل مرة واحدة في حياة كل أمة وتموت. ولابد أن تموت إذا كان للدين الجديد أن يحيا وينتشر من خلال سحرها، بواسطة وعلى يد سحرة هذا الدين الجديد. لكن يبدو أن ذلك كان غائباً عن وعي وبصيرة المسلمين الأوائل، صحابة النبي نفسه الذين لم يصدقوا أن النبي مات فعلاً وماتت معه نبوته، التي لم يتبقى منها سوى سحره الشخصي الذي كان لا زال فاعلاً فيهم بقوة. وأصروا على أن يرثوه ويخلفوه في كلا الاثنين معاً، نبوته وسحره الشخصي.

ما كان للنبي مصحف، وما كان ينبغي أن يكون له واحداً. الأنبياء يَكفيهم سحرهم الشخصي، يَغنيهم عن كل مصاحف وكتب الدنيا المقدسة. مهما قِيل ورُوج بخلاف ذلك، ما من نبي على وجه الأرض قد خَطَّ مصحفه أو كتابه المُنزل بيده أو بأمر منه شخصياً. لو كانت المصاحف والكتب المقدسة بالأهمية التي نتصورها الآن، ألم يكن من الأحرى بهم أن يكتبوا بأنفسهم الكلام الذي نتصور أن ربنا خاطبهم به؟! وإذا كانوا في زمانهم يسجلون من كلام البشر كل ما يشكل أهمية ويحفظ الحقوق وينظم المصالح والمعاملات فيما بينهم، فهل كان كلام الخالق الأعظم أقل قيمة من ذلك لحفظ وعمران الحياة البشرية؟! إن المصحف أو الكتاب المقدس بحد ذاته، لو افترضنا أن الأنبياء كتبوه فعلاً بأنفسهم، ينتقص في مقتل من سحر النبوة، الذي يُمارس من خلال الاتصال المادي المباشر وجهاً لوجه وعيناً لعين ولا يحتاج أصلاً إلى الحجج والبراهين والفذلكات الذهنية التي يتقنها الكَتَبة وتزخر بها كُتُبهم. في الحقيقة، كل المصاحف والكتب المقدسة لم تكتب في حياة الأنبياء، بل بعد وفاتهم. ولما كان لكل نبي حواريين وصحابة ومسحورين كُثر بسحره، كان هؤلاء أنفسهم هم من ألفوا أو جمعوا، أو فسروا أو شرحوا، كلمة الله أو الرب كما أَسَّر بها لنبيه فيما اصطلحت عليها البشرية فيما بعد "المصاحف والكتب المقدسة".

ربما في غفلة أو جهل منهم، حاول صحابة النبي بعد موته أن يرثوه ليس فقط في دوره كحكم وملاذ أخير فيما ينشأ بين جماعة المؤمنين بسحره من خلافات ومنازعات في أمور ومساءل دنيوية، لكن في نبوته وسحره الشخصي كذلك. ونظراً لأن النبوة لا تورث لكن تموت، ولابد أن تموت، حتى تنتشر، كانوا في واقع الأمر بمحاولتهم تلك متورطون في حماقة كان بمقدورها، إذا ما قُدِّر لها أن تمضي إلى منتهاها، أن تقضي عليهم جميعاً وعلى دينهم الجديد حتى من قبل أن يبدأ. ظل الخطر قريباً وحقيقياً، لكنه كان لا يزال مختبئاً تحت الرمال في انتظار مجرد شرارة. وهذه وفرها ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان، الذي أمر بوضع أول مصحف في الإسلام. ثم أصبح عثمان أول الضحايا فيما سيتحول سريعاً إلى حريق ضخم في جسد الجماعة المسلمة الوليدة كلها. هل كان مصحف عثمان واحداً من جملة المواد الملتهبة والقابلة للاشتعال التي زَكَّت محفزات الفتنة وفجرت الحريق؟ هل اشتم خصومه من صنيعه ذلك محاولة ماكرة منه لكي يحتكر لشخصه كرامة النبي وسحره الشخصي ومقامه الرفيع الذي كان له وسطهم قبل موته؟ لكن عثمان مجرد واحد منهم، أحد الصحابة مثلهم، لا يملك من مقومات السحر ما يقنعهم بتصديقه إلى حد الإيمان الأعمى مثلما فعلوا مع نبيهم محمد. لماذا أمر بجمع القرآن في مصحف؟ أهي محاولة لتعويض ما ينقصه حتى تصبح له وحده الغلبة عليهم جميعاً، وهل مجرد مصحف من الورق والحبر كافٍ لكي يضفي عليه سحر النبوة؟

ربما لم يفطن الكثيرون من نخبة المسلمين الأوائل إلى حقيقة أن الدين بطبيعته السحرية إذا ما اختلط بواقع الحياة الدنيوية الفعلية قد يؤدي إلى حريق ودمار يهددان استمرار الحياة نفسها. في الواقع، الدين والسلطة يشبهان البنزين والنار، لا تتحقق أهميتهما المؤكدة لحياة البشر إلا بمعزل وانفصال محسوب بعناية وحذر عن أحدهما الآخر، رغم قدرتهما على الحضور سوياً متشابكي الأيادي (بصورة أنكجة العشاق) في شتى مناحي الحياة اليومية للشعوب وحتى في مخيلة وسلوك الشخص الواحد نفسه، شرط أن يمضي كل منهما في فلك مستقل عن الآخر لأن خروج أي منهما عن مساره الصحيح قد يشبه اصطدام الأرض بكوكب آخر، الذي مهما كان تافهاً وصغير الحجم سيسفر حتماً عن عواقب كارثية. وكان هذا بالضبط هو ما كشفت عنه أقوالهم وأفعالهم حين رفعوا المصاحف على أسنة السيوف في أوج فتنة كانوا هم في الأصل من خلقوها بسبب غفلتهم وجهالتهم أنفسهم. ما كانوا يدركون أن المصحف، من دون سحر النبي الشخصي، هو مجرد حبر على ورق لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، لا يحل ولا يعقد، سواء من فوق الأسنة أو من أعماق الحناجر.

لكن الأقدار شاءت مستقبلاً آخر أكثر طولاً وانتشاراً لهذا الدين الوليد حين قيدت له أحد أبنائه الذين تميزوا على نظرائهم بغرائز عزَّت على معظمهم مثل الخبرة والفطنة والبصيرة النافذة وحسن تقدير الأمور الدنيوية بميزان دقيق وحساس- ويفوقهم في القسوة والدموية في الوقت ذاته- معاوية بن أبي سفيان. بفضل هذا الرجل، تحرر الإسلام مرة واحدة وللأبد من خطر كاد أن يقصف بعمره حتى من قبل أن يبدأ الانتصاب فوق أعمدة مستقرة: من خطيئة الحاكم المُتَنَبي، من يحاول أن يحشر نفسه في جلباب النُبُوَة وما هو بنبي. بعد عثمان، لقي آخر حاكمين مُتَنَبيين- علي بن أبي طالب وابنه الحسين، جزاء محاولتهما التخفي في ثوب النبي في قتلة هي الأشر والأقسى والأبشع والأخلد في ذاكرة التاريخ الإسلامي، لا تزال حتى يومنا هذا مجسدة ونابضة بالحياة، وحتى تقطر دماً ساخناً حقيقياً. لكن رغم المرارة والألم، بقيت الحقيقة جلية ومثبتة- معاوية بن أبي سفيان أنقذ بذكائه وعنفه الإسلام من حماقة المسلمين الأوائل، ولولاه ما كان قد بقي منا اليوم لا مسلمون ولا إسلام!

ظلت فتنة المصاحف وما خلفته من حرب أهلية شاملة وجرح عميق حية في ذاكرة ووجدان جماعة المسلمين طوال عمرها البالغ نحو ألف وخمسمائة عام، يُخصم منها بضع عشرات السنين الأول التي قد ظلت خلالها العوامل المحفزة للفتنة تختمر في صمت وغفلة وجهل منهم، لدرجة أن أحداً من نخب المسلمين من التيار العام فيما بعد لم يفكر إطلاقاً طوال هذا الزمن السحيق حتى في الاقتراب مما سبق وأقدم عليه الأوائل أمثال عثمان وعلي والحسين. رغم ذلك، يبدو أن جهد معاوية وفضله على الإسلام والمسلمين كان لا يزال ينقصه أو يعيبه شيء ما، لأن أمثال هؤلاء المُتَنَبيون، من يحاولون تقمص دور الأنبياء، رغم نزوحهم من العمق وسط التيار العام إلا أنهم تمكنوا من الاختباء والتعشيش في العتمة على الهامش، يطلون برؤوس مكفهرة ومتربة وشعثاء بين الفنية والأخرى ليضربوا ضربتهم الخبيثة والمباغتة ثم يعودون أدراجهم إلى جحورهم النائية عن العمران. وقد ظل هؤلاء المتطرفون الهامشيون- الحالمون بالإمساك بالسلطة والنبوة بيد واحدة واليد نفسها- يشكلون خطراً لا ينقطع على أمة المسلمين، من زمن معاوية إلى الوقت الحاضر، ومن آخر نسخهم المعاصرة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي. مع ذلك بقي خطرهم وسيظل دائماً وأبداً هامشياً مثلهم لا يشكل أي تهديد جاد وحقيقي لوجود الجماعة المسلمة، التي تخطى تعدادها الآن المليار فرد.

بعكس هذه الطفيليات التي تولد وتتكاثر في المياه الآسنة بمعزل عن التيار العام المتدفق بالمياه العذبة للأنهار الكبرى، شهد العصر الحديث ولأول مرة في مسيرة السلطة عبر العالم الإسلامي منذ بدايتها البكر المتعثرة ولادة حركات سياسية كبرى تنطلق من عمق التيار العام ذاته ويراودها الحلم الخادع ذاته الذي كاد يهلك الأولين ويبقي حتى اليوم بالمتطرفين منبوذين ومبعدين من التيار العام- الإمساك بالسلطة والدين في قبضة واحدة والقبضة نفسها. هؤلاء المحدثون استبدلوا المصاحف التي رفعها الأولون على أسنة سيوفهم بـ"الشريعة" التي تنضح بها أدبياتهم وتزعق بها أبواقهم صباح مساء من فوق منابرهم، يقودهم الإسلام السياسي بشقيه الشيعي ممثلاً في ولاية الفقيه، والسني ممثلاً في الإخوان المسلمين. كلاهما قد نشأ وترعرع في كنف التيار العام ويرتعان طولاً وعرضاً وسط مياهه العذبة المتدفقة على جميع الأعماق، ويحضران- سواء عن دراية أو غفلة وجهل بدرس الفتنة التاريخي- لاختمار العوامل المحفزة ذاتها التي كادت تقصف بعمر الجماعة المسلمة في مستهله. هل إذا ما كررت جماعة المسلمين الحماقة نفسها مرة أخرى ستلطف بهم الأقدار ثانية وتقيد لهم معاوية معاصر ينقذهم من أنفسهم وينقذ لهم دينهم من حماقتهم؟!



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أليست الجمهورية الإيرانية -إسلامية-؟
- ماذا لو حكم الإخوان المسلمون؟
- في الإسلام، الديمقراطية حلال أم حرام؟
- نظرة على مستقبل الجيوش في الجمهوريات العربية
- ميلشياوية من أزمة شرعية
- كيف حُشِّرت مصرَ في العُنُق
- الاستعمار بين المثالية والواقعية
- حتى لا نخون الوطن بسبب طاغية: صدام نموذجاً
- كيف نتطور؟
- غزوة الصناديق الإسرائيلية
- لماذا نعيش؟
- هل كان غزو العراق كارثة أمريكية أسوأ من فيتنام؟
- حلفاء روسيا هم قلة من الأمم المتنافرة والمتناقصة 2
- حلفاء روسيا هم قلة من الأمم المتنافرة والمتناقصة
- روافد السلوك السوفيتي .
- إصلاح ما لا يمكن إصلاحه- الإسلام
- روافد السلوك السوفيتي
- ألا تكفي الحياة غاية نفسها؟
- كذبة احترام العلمانية للأديان
- مقاربة معرفية بين العلمانية والدين


المزيد.....




- بدء تجنيدهم الاسبوع المقبل..مواجهات بين اليهود الحريديم والش ...
- “أسعدي أولادك بأغاني البيبي الصغير” أقوى أشارة لتردد قناة طي ...
- -داعش- يعلن مسؤوليته عن -هجوم المسجد- في سلطنة عمان
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى الهجوم على مسجد للشيعة في مسق ...
- -داعش- يعلن مسؤوليته عن -هجوم المسجد- في عُمان
- الجيش الإسرائيلي يبدأ تجنيد اليهود الحريديم الأسبوع المقبل
- أجدد أغاني البيبي مع طيور الجنة.. تردد قناة طيور الجنة toyou ...
- نصر الله: عملية طوفان الأقصى ساهمت في تخفيف الاحتقان المذهبي ...
- المسلمون الشيعة يحيون ذكرى عاشوراء في مرقد الامام الحسين في ...
- الشرطة الإسرائيلية تقمع احتجاج اليهود المتشددين ضد التجنيد ا ...


المزيد.....

- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد
- ( ماهية الدولة الاسلامية ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- كتاب الحداثة و القرآن للباحث سعيد ناشيد / جدو دبريل
- الأبحاث الحديثة تحرج السردية والموروث الإسلاميين كراس 5 / جدو جبريل
- جمل أم حبل وثقب إبرة أم باب / جدو جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - مصاحفُ فوق الأسنة وأمةُ بلا نبي