أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - قاسم المحبشي - بروميثيوس اليمن الذي لم يفقد الأمل















المزيد.....


بروميثيوس اليمن الذي لم يفقد الأمل


قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)


الحوار المتمدن-العدد: 7426 - 2022 / 11 / 8 - 14:01
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


حينما يعجز الواقع عن إشباع المعنى، نضطر إلى استلهام الأسطورة التي تمنح الخيال أجنحة إضافية للتفكير والتعبير في أزمنة الضيق والمحنة. ثمة ملمحًا أسطوريًا في حياة المفكر اليمني الأبرز أبوبكر السقاف إذ إنه يشبه بروميثيوس حامل المشعل ومضي الطريق. أسمه يعني بعيد النظر الذي يمتلك القدرة على التنبوء بالمستقبل فضلا عن العقل الجريء والضمير النقي والقلب الطائش . إذ " عهد زيوس إلى بروميثيوس وأخيه ابيمثيوس تشكيل الحيوانات والبشر.قام ابيمثيوس بتشكيل الحيوانات بينما شكل بروميثيوس البشر، أنهى ابيمثيوس الحيوانات بسرعه بينما استغرق بروميثيوس الكثير من الوقت بالرغم من رغبة بروميثوس اتقان تشكيل البشر إلا أن بطئه الشديد جعل أخيه يستهلك كل الموارد المتاحه في تشكيل الحيوانات : السرعة في العدو، الرؤية عن بعد، السمع عن مسافات بعيدة كما أعطاهم رداء من الفراء ليدفئهم من البرد، ومختلف الأسلحة للدفاع عن نفسها مثل القرون والأنياب ولم يبق شئ للأنسان. أشفق بروميثيوس على البشر ولجأ إلى زيوس طالباً مساعدته فقد هام بروميثوس حباً بالبشر أكثر مما توقع زيوس الذي لم يشاركه في حبه للبشر، بل كان يريدهم أن يكونوا ضعفاء خائفين حتى لا يمتلكوا القوة التي تمكنهم من تحديه في أحد الأيام.كان زيوس يرى أن المعرفة والمهارات والمواهب لن تجلب الا الشقاء للبشر الفانين، ولكن بروميثيوس كان له رأى أخر وفضل البشر على ملكه المجنون بالسلطة والعظمة، أعطى بروميثيوس البشر العديد من العطايا والهبات التي سرقها من آلهة الأوليمب هيفاستوس وأثينا وغيرهم فأعطاهم فنون العمارة والبناء، النجارة، أستخراج المعادن، علم الفلك، تحديد الفصول، الأرقام والحروف الهجائيه، كما علمهم كيفية أستئناس حيوانات ابيمثيوس وركوبها والأبحار بالسفن، كما أعطاهم موهبة التداوى والشفاء.غضب زيوس من بروميثيوس غضباً شديداً ورأي أنّه بالغ في شأن البشر ولكنه لم يعاقبه واكتفى بتحذيره. لم يكتفى بروميثيوس بتشكيل البشر بكل تلك الهبات بل قام بسرقة النار من جبل الأوليمب وأعطاء قبس منها للبشر فقد حزن بروميثيوس لرؤية البشر في برد الشتاء محرومون من الدفء والأمن فقرر أن يحضر لهم النيران التي تدفئهم وتؤنسهم بنورها، ذهب بروميثيوس إلى هيفاستوس في جبل الأوليمب سراً حتى لا يفتضح أمره لزيوس، أخذ يبحث بين الكهوف والمغارات عن مقر هيفاستوس وفجأة شق الظلام شراره من النار ووجد برميثيوس نفسه أمام البوابة الضخمة لمقر إله الحدادة هيفاستوس (المكلف بصناعة الأسلحة والدروع للآلهه وفوق ذلك صنع صواعق زيوس). وبينما هيفاستوس منشغل بعمله استطاع بروميثيوس أن يسرق أحد صواعق زيوس وأخفاها داخل عصا مجوفه صنعها من النباتات ثم اعطي قبس منها للبشر، تعلم البشر كيف يقتلوا الحيوانات ويطهون لحومها، تصاعدت رائحة الشواء إلى الأوليمب وعلم زيوس بخيانة بروميثيوس وسرقته للنار ورأي ان البشر لن يدينون له الولاء المناسب إذا غرقوا في النعم فقدم بروميثيوس له عرضاً دليل على الولاء، عرض عليه أن يقاسم البشر لحومهم الشهيه مقابل أن يسمح لهم الأحتفاظ بالنار.قام بروميثيوس المشهور بالدهاء والمكر بتقديم قربانبن إلى زيوس وآلهة الأوليمب" وهذا هو ما فعله بطل حاضرة عدن، مدينة الوهط الظليلة low land الأرض المخفضة.إذ ولد ونشاء فيها منذ ثلاثينيات القرن العشرين. واحة صغيرة تقع في منتصف الطريق بين عدن الساحلية وحوطة لحج العبدلية على ضفاف وادي تبن. في تلك الواحة الزاخرة بالعلم والتعليم والفن والثقافة التقليدية قضى السقاف طفولته مع اقرانه من الذين لمعت اسماءهم فيما بعد أمثال أحمد محمد زين علوي السقاف رئيس دائرة المعارف والنشر وأول وزير معارف في دولة الكويت ومؤسس مجلة العربي الثقافية و البروفسور الدكتور محمد جعفر زين السقاف، أول رئيس لجامعة عدن، والدكتور عبدالله بكير السقاف وزير الصحة الأسبق ومن الوهط نبغ سالم زين محمد السقاف، عضو لجنة مفاوضات الاستقلال مع الاستعمار البريطاني في جنيف والأديب الراحل عمر الجاوي رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وغيرهم كثر نذكر منهم المهندس المثقف، حسين جعفر السقاف، المقيم في هولندا وابنته مريم السقاف عضوة مجلس مدينة أوتريخت الهولندية. كان السقاف متفوقا في تحصيله العلمي وتم ابتعاثه للدراسة في مصر "وبعد قيام الثورة المصرية عام 52، مع الطلاب الأوائل الذين التحقوا بالجامعات المصرية. نشط الطالب المجد والمجتهد في التحصيل العلمي، وفي الانفتاح على تيارات العصر الحديث وفلسفاته المختلفة، وتابع باهتمام التطورات الفكرية والأدبية والسياسية في العصر والمنطقة العربية واليمن بصورة أخص.كان العنوان الأبرز في المؤتمر العام الأول 1955 للطلاب اليمنيين. انتخب السكرتير الأول للمؤتمر العام للطلاب في القاهرة" وفي عام 1959 ابتعث للدراسة في الاتحاد السوفيتي تخصص فلسفة وهناك طاب له المقام وتزوج من رفيقة دربه لينا فأنجب منها ابنته الوحيدة الدكتورة لوبا. وحينما عاد إلى اليمن كانت تعيش لحظة تحولات ثورية ضد الاستعمار البريطاني في عدن والنظام الكهنوتي في صنعاء. التحق في قسم الاجتماع والفلسفة بجامعة صنعاء منذ تأسيسها عام 1975م بينما كانت عدن الثورية جدا حينها أضيق مما يراهن عليها. لمع اسمه بوصفه كاتب رأي وناقد أدبي ومفكر نظري يمني متميزا برؤية منهجية يسارية إنسانية عميقة الثقافة وسعة الأفق.
كان واقع اليمن المتخلف شديد الاحباط للحلم والأمل الذي يحملها المفكر أبوبكر السقاف ولكنه كان واقعيا في نظرته للحياة والتاريخ بحكمة العارف وحلم المثقف الحاذق. بعد سنوات من العيش والتدريس والتأمل والكتابة في جامعة صنعاء أصدر كتابه الأولى ( الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي) باسم مستعار (محمد عبدالسلام) خوفا من بطش السلطان في تلك الأيام التي لم يكن بها أحدًا يجرؤ على الكلام. كتاب نفذ إلى صميم المعضلة التي تردت فيها الجمهورية الوليدة واحكمت الخناق حولها حتى اجهزت عليها. ورغم كل صار تظل السقاف حاملا للمشعل بروح مفعمة بالأمل والتغيير. بعد أن تفتحت مداركنا والتحقنا في جامعة عدن كانت مقالات أبوبكر السقاف هي زادنا المعرفي الثمين. كنا نغبط جامعة صنعاء وطلابها على وجوده فيها. إذ لم تعرف المؤسسة الأكاديمية اليمنية اكاديميا مثقفا مثله ابدا. ولكن مسألة ازدهر العلم والمعرفة ليست مسألة علمية وأكاديمية بل تتصل بالسياق التاريخ والثقافي الذي يحيط بها من جميع الجهات. كان السياق الاجتماعي والثقافي الذي عاشه السقاف لا يبيح هامشا لإنتاج المعرفة النقدية في المؤسسات الأكاديمية اليمنية التي جعلتها النظم السياسية المتعاقبة احد اجهزتها السلطوية وقد كان الفتح الجديد الذي أوجد حرية البحث العلمي هو من اخطر الثورات الفكرية والاجتماعية في تاريخ البشرية، ولقد أعطى العلم بصفته الشكل النموذجي للبحث الحر، مهمة وضع مجالات الفكر كلها في الوضع الصحيح لذا فإن العلم هو العدو الطبيعي للمصالح القائمة كلها سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو الدينية بما فيها مصالح المؤسسة العلمية ذاتها، ذلك أن الحرية ترفض التسليم ببقاء الأشياء على حالها. والشك المنظم الذي تتصف به الطبيعة العلمية أمر دائم الحضور ودائم التشكك بأخر الاقتناعات الفكرية، بما فيها تلك التي طال أمد التسليم بها. وكما يقول توبي أ. هف » بما أن العلم قد أعطى هذه المهمة الفكرية لفحص صور الوجود وأشكاله كلها فانه غدا العدو الطبيعي للنظم التسلطية بشكل خاص وهذه النظم لا تستطيع أن توجد حقاً إلا إذا كبتت أشكال البحث العلمي التي تظهر الطبيعة الحقيقية للنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخطيرة والمدمرة لتسلطها وحكمها. ولما كانت الجامعة هي المؤسسة التي تنهض برعاية العلم وتنميته وتقدمه وازدهاره، فلابد لها من أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر “إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية”، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره.وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية؛ مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله”أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع . وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار.هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.كتب منصور هائل كان السقاف ومن وقت مبكر انتقد انحدار دور الجامعة الأكبر في اليمن ـجامعة صنعاءـ وخضوعها لـ”بيت طاعة الدولة الأمنية”، قبل أن يجري إخضاعها لـ”بيت طاعة المليشيا”، دعا إلى رفع يد الإرهاب الرسمي عن الجامعة، “وجعل الجامعة ساحة مستباحة علنًا وبزهو فاجع لا يمكن أن يمليه إلا منطق الاستقواء بالأمن العسكري الذي ينطوي على إهانة بالغة لكرامة العلم وكل من يعمل في رحابه”.ووقف ضد تدخل مؤسسة الرئاسة في شؤون الجامعة، رافضًا أن تكون مساهمة في إعادة إنتاج القهر، أو مساعدة على إنتاج الواقع في ثباته، ومؤكدًا على أن “وضع الجامعات المتردي ناتج عن عسكرتها وفرض وصاية الأمن عليها في شؤونها كافة”.وتبعًا لذلك، لاحظ أن الجامعات والمدارس، “أصبحت سجونًا للتدجين والقمع وتزييف الوعي وصنع الطاعة”، مؤكدًا على أن “تحرير العلم هو المقدمة الكبرى لتحرير المجال السياسي ومجال المجتمع المدني من أغلالهما”، وقد كان سباقًا -كالعادة- إلى الإعلان بأن “التعليم منطقة كارثة وطنية”وإذا كانت مهمة برومثيوس هي منح النار لبني البشري لكي يتدبروا طريقهم برؤية ومسؤولية أخلاقية فأن أبوبكر السقاف حمل تلك المهمة على عاتقه واحده ولم يشاركه فيها أحد أنه اشبه بسيزيف حامل الصخرة في الأسطورة اليونانية الذي حاول أن يخدع إله الموت والدمار ثاثاتوس فعاقبه بحمل الصخرة من أسفل الجبل إلى اعلاه. فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا إلى الأبد، فأصبح رمزًا للعذاب الأبدي. وهكذا كتب على برومثيوس اليمن أن يحمل صخرة سيزيف حتى اليوم. كتب منصور هائل يصف الحال والمآل بالكلمات التالية" لقد غادر صنعاء بعد مشوارٍ طويل من العطاء المثمر والعناء والآلام والدماء، وبعد أن تعرض لحملات التنكيل والاعتداءات الوحشية ومحاولات الاختطاف والاغتيال التي نجا منها بأعجوبة أكثر من مرة.فقد تعرض للاعتداء الهمجي الأول في 10 مايو 1995، لأنه كان يدافع عن الصحفيين الشباب الذين تعرضوا للسجن والتعذيب، وكان ما ناله من بشاعة أفظع بما لا يقاس من معاناة الصحفيين، وقد نشرت صحيفة “يمن تايمز” في اليوم التالي، صورته بعد الاعتداء عليه، بالألوان، وتوزعت الصورة على نطاق واسع، وصممت حينها بطاقة بريدية تحمل صورته، وزعتها المعارضة في الخارج نقلًا عن الصحيفة.
وتعرض للاعتداء الهمجي الثاني في 22 ديسمبر 1996، بعد أن شارك في فعاليات المنتدى الإقليمي حول ترقية واستقلالية الإعلام في المنطقة العربية، وقد وزع فيه رسالة حول الاعتداء الذي تعرض له، وأدانه الرأي العام المحلي والعربي والدولي، وعلى ذلك كان الاعتداء الثاني أكثر بشاعة وهمجية، حيث قامت عصابة مسلحة تابعة للدائرة الأمنية برئاسة الجمهورية، باختطافه وتكبيله، وانهالت عليه بالعصي الكهربائية، ورمت بجسده النازف في قرية “بيت بوس”، غير أنه نجا للمرة الثانية، وكانت تلك أكثر من أعجوبة، فقد تهشم وتكسر في أكثر من موضع وضلع، وفقد إحدى عينيه، وساعدته بنيته الجسدية القوية وإرادته الأقوى على النهوض مرة ثانية، ليخوض معركته الكبرى دونما كلل.كانت صورته التي نشرت حينها فاجعة مروعة، وقاطعة على انحدار “النظام” إلى ما دون الحضيض، وإلى الاستنقاع في الدم الذي غرق في بركة -في وقت لاحق وسريع- على نحو ما تنبأ به السقاف العظيم.لقد اتسمت الاعتداءات على العملاق أبو بكر بالهمجية والوحشية، بناءً على تعليمات من رأس النظام الذي استفزته سلسلة مقالاته حول “غزو الجنوب والاستعمار الداخلي”، التي نشرت حينها في صحيفة “الأيام” العدنية.. وكان الرد بـ”اللبج”، حسب التعبير الفج لشيخ القبيلة والرئيس عبدالله بن حسين الأحمر" (ينظر،منصور هائل، في البدء كان السقاف : بورترية متجدد، صحيفة الندإ، 5 نوفمبر2022). نعم غادر صنعاء وقد بلغ الثمانين من العمر وعلمت بإنه اليوم يعاني من تدهور حالته الصحية في منفاه إذ وردني هذا الخبر بالواتساب من صديق عزيز انقله اليكم بالحرف الواحد " الفيلسوف والمفكر والمناضل الوطني الدكتور أبو بكر السقاف يمر بحالة صحية صعبة وحرجة، و من هم على مقربة منه لا يستطيعون فعل شئ لإنقاذه ، فهو يحتاج الى مستشفى ورعايه خاصه كونه لا يتحرك وزوجته كبيرة في السن لا تستطيع تحريكه، فوزنه ثقيل وجسمه مليء بالتقرحات بسبب النوم على السرير وعجزه عن الحركة !!! للعلم هو الآن في موسكو ولا توجد لدى أسرته الامكانيات الكفيلة بالتصرف الطبي والاسعافي العاجل ، ووضعه يسوء يوما عن يوم ... الحالة تحتاج لتحرك سريع من وزارة الخارجية ومن الجهات العليا لتأمين علاج وعناية سريعة قبل أن نفقده ...
لا أظن اننا نحتاج للتذكير بمن تكون هذه الشخصية الوطنية والعلمية المكافحة و التي قدمت الكثير والكثير لوطننا وواجهت معاناة قاسية وهي تدافع بتفاني ووفاء ونكران ذات عن حقوق وحريات شعبنا المغلوب على أمره.
لتتكاثف جهود الجميع في سبيل إنقاذ الدكتور أبو بكر السقاف" الذي يتكلم ثلاث لغات فضلا عن العربية، الروسية والفرنسية والإنجليزية وقد كان بامكانه العيش والعمل في إي بلد محترم في العالم إذ كان يلقي محاضراته في جامعة السوربون ويشارك في مؤتمر ومحافل دولية في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية عالية الجودة والاهمية، لكنه فضل البقاء في اليمن على أمل انها ستتغير نحو الأفضل. له العشرات من الكتب منها ؛ دفاعا عن الإنسان والحرية، والجمهورية بين السلطنة والقبيلة، وكتابات ودراسات فكرية وأدبية»، كان مثقفا عضويا بالمعنى الغرامشي، صوت من لا صوت لهم. كتب عبدالباري طاهر فيه" تولى تغطية صفحة حقوق الانسان في صحيفة التجمع.. وغالباً ما يشاهد الاستاذ الاكاديمي بقامته المديدة يتصدر المسيرات والاحتجاجات ضد العدوان على الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الانسان وهو من اكثر المدافعين عن حقوق الانسان في مقالاته وبياناته الشجاعة.وقد تعرض الدكتور للاختطاف والاعتداء اكثر من مرة, وجرى السطو على منزله المتواضع في الحي السكني في حدة ولا تزال قامة هذا العالم الجليل والمنافح الانسان تتحدى اعداء الحرية والانسان"
أشعر بمرارة تخنقني وأنا أكتب عن المفكر اليمني الأبرز أبوبكر السقاف الذي بذل كل طاقته وروحه ودمه من أجل وطنه وعزته وازدهار فكان جزاه أن يعيش وحيدا في منفاه. وقد كنت شاهدا على واقعة المناظرة بينه وبين تاجر الدين والدماء عبدالمجيد الزنداني الذي يرفل في بحبوحة من العيش الرغيد في تركيا مع عشرات من ابناءه واحفاده وانصاره بينما المفكر الوطني الأصيل يرقد على فراش المرض بلا رعاية ولا اهتمام من أحد. واليكم القصة التي كانت شاهدا عليها : ذات يوم من عام 1992 كنت في جامعة صنعاء لغرض متابعة تعييني معيدا في كلية الآداب بناءًا على رسالة من رئيس جامعة عدن حينها محمد العمودي إلى رئيس جامعة صنعاء عبدالعزيز المقالح دعكم منها. في صباح ذلك اليوم ذهبت إلى كلية الآداب بالجامعة. وشاهدت جموع محتشدة بجانب قاعة جمال عبدالناصر. معظمهم بالزي اليمني التقليدي وبعضهم يحملون أسلحة نارية. سألت؛ أحدهم ماذا يوجد هنا؟ فأجابني مناظرة فكرية بين الشيخ عبدالمجيد الزنداني والدكتور أبو بكر السقاف. شكرته وتوجهت مباشرة إلى القاعة. كانت مزدحمة بذوي الرؤوس المعممة ولم الحظ الطلاب وجود للطلاب والطالبات. أخذت مكان في الخط الثاني في زاوية قريبة للمنصة التي كانت خالية. بعد عشر دقائق من الانتظار الممل في قاعة تعج بالضجيج القبلي. دخل الأستاذ الدكتور أبو بكر السقاف منفردًا لا يرافقه أحد. فنهضت لاستقباله وعرفته بنفسي، فأنا من المعجبين به وبكتاباته الرصينة منذ كنت طالبا في جامعة عدن. رحب بي وجلس في حالة من الذهول والدهشة من نوعية الحضور. بعد ثلاث دقائق اكتظت البوابة العريضة بسيل من المسلحين الرسميين والقبليين برفقة الشيخ الزنداني. نهض معظم الذين كان في القاعة مرددين الشعار الأثير (الله أكبر) مع همهمات غير مفهومة. شق موكب الزنداني طريقة مباشرة إلى المنصة في مشهد احتفالي غوغائي من التصفيق الحماسي. اجلسوا الشيخ على المقعد الأول في المنصة. كان مبتسما كعادته ابتسامة الواثق من نفسه وربه. فحضر شخص أخر ،هو زنداني كان عضوا في هيئة التدريس في الجامعة لم اعد اتذكر اسمه الكامل ربما منصور أو ما يشابهه وعلمت أنه كان رئيسا لنقابة هيئة التدريس في الجامعة حينها. أخذ المكرفون وافتتح الجلسة بمقدمة طويلة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والترحيب بالشيخ الجليل وقال بلهجة ساخرة أين الفيلسوف أبو بكر السقاف؟! رد السقاف بصوت خفيض أنا هنا. قال: تعال إلى المنصة. نبدأ المناظر الفكرية! رد السقاف أي مناظرة فكرية في ثكنة عسكرية؟! لن أصعد المنصة قبل أن تختفي تلك المظاهر المسلحة ليس خوفًا منها ولكن احترامًا للمؤسسة الأكاديمية وللفكر ذاته. اتدرون ماذا كان رد الشيخ الزنداني؟! قال بلكنة ساخرة تفتقد إلى إي خلق فكري. هؤلاء جند الله لا تخاف منهم أصعد يا سقاف! نهض الدكتور أبوبكر بحقيبته المعلقة على كتفه فانصرف بهدوء من القاعة. فضجت بالتصفيق البليد بانتصار الشيخ على الفيلسوف. انتظرت أنا لأرى ما الذي سوف يحدث بعد إنسحاب الدكتور أبوبكر السقاف من القاعة، فكانت محاضرة دعوية تحريضية ضد الفكر والفلسفة والمفكرين الأحرار ردد خلالها الشيخ الكثير من الترهلات والخزعبلات التب لم ينزل الله بها من سلطان. في قاعة تعج بتلاميذ الشيخ فقط. وأنا استمع اليه شعرت بحالة من الخوف والقرف والغثيان وأيقنت أن البلاد ذاهبة في ستين داهية. لم اكمل الاستماع وخرجت بعد أن سمعته يصرخ بضرورة إغلاق أقسام الفلسفة في الجامعات اليمنية وتحويلها إلى أقسام للعلوم الشرعية. وهذا ما تحقق بعد أيام ،حيث تم إغلاق قسم الفلسفة في كلية التربية صنعاء. خرجت من القاعة وأنا أتصبب عرقا في عز الشتاء. وحمدت الله أنني غريب في وسط هذه الجلبة ولا أحد يعرفني أو يعرف تخصصي. إيوجد إرهابا فكريًا أكثر من هذا؟! من يجروء على الكلام! فكيف يمكن للفكر والعلم والمجتمع أن ينمو ويزدهر في بيئة قمعية متوحشة مثل هذه؟! وهكذا ازدهر خطاب الشيخ المسلح وتهمش خطاب الفيلسوف المدني فضاعت البلد في ستين داهية وهاهي الآن البلاد والعباد في مهب العاصفة ولا تلوح في الأفق الظليم بادرة للانفراج.



#قاسم_المحبشي (هاشتاغ)       Qasem_Abed#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزع السحر عن العالم والمس الأخير
- في المجتمع والنظريات الاجتماعية
- في تحولات النقد والعقل وميلاد الحداثة
- الإعلام الرقمي، الخصائص ، التحديات ، الفرص
- المؤسسات العامة بوصفها شبكات حماية للمجتمع
- تأملات في نهاية عالم كنا نعرفه
- فلسفة التاريخ في القرن التاسع عشر
- في معنى التاريخ وفلسفته
- في فلسفة التاريخ النقدية
- الإنسان مبدع العلوم وموضوعها
- حينما لا تجد الذات من يعينها
- حوار عام عن الديني والفضاء العمومي مع الأستاذ الدكتور بن شرق ...
- من سؤال الإنسان إلى سؤال التاريخ
- الكائن والكينونة والاسطورة
- ما يشبه الحوار حول مشروع تدريس الفلسفة للأطفال مع صالح الوائ ...
- أزمة التربية والتعليم في عالم سريع التغيير
- في فلسفة اللغة والثقافة والهوية
- الفلسفة وسياقاتها واسئلتها
- مجتمع الأقارب ومجتمع الغرباء الغائب
- قلق التربية في عالم متغير


المزيد.....




- مصانع تقطير الويسكي -الأشباح- في إسكتلندا تعود للحياة..ما ال ...
- مصر تفرض حالة الطوارئ في خليج العقبة تحسبا لوقوع تسرب من سفي ...
- مسؤول إسرائيلي لـCNN: سنرد على الهجوم الإيراني ونطاق الرد لم ...
- هل أبلغت طهران دول الجوار قبل هجومها على إسرائيل؟ وزير خارجي ...
- -حزب الله- ينعى أحد مقاتليه
- إيران لم تستخدم أقوى مسيّراتها.. تعرّف على أسطول المسيرات ال ...
- تداول صورة لحطام صاروخ إيراني في منطقة سياحية شهيرة
- الإيرانيون يخرجون إلى شوارع طهران احتفالا بالهجوم على إسرائي ...
- كيربي: بعض الصواريخ الإيرانية أطلقت على إسرائيل من 3 دول عرب ...
- -حماس-: الهجوم الإيراني على إسرائيل حق طبيعي وردّ مستحق


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - قاسم المحبشي - بروميثيوس اليمن الذي لم يفقد الأمل