أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلبير الأشقر - قراءة في خطاب فلاديمير بوتين














المزيد.....

قراءة في خطاب فلاديمير بوتين


جلبير الأشقر
(Gilbert Achcar)


الحوار المتمدن-العدد: 7392 - 2022 / 10 / 5 - 10:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




إن الخطاب الذي ألقاه فلاديمير بوتين قبل أيام بتاريخ الثلاثين من أيلول/ سبتمبر، بمناسبة توقيعه على قرار ضمّ أربع مناطق أوكرانية إلى الاتحاد الروسي، إنما يستحق التوقف عنده لأسباب تختلف عن تلك التي أشغلت أجهزة الإعلام في الدول الغربية. فإن الذي أثار اهتمام هذه الأخيرة هو بالدرجة الأولى الحقد ضد «الغرب» برمّته تارة، وتارة أخرى ضد «الأنكلو- سكسونيين» (أي الشعوب المنحدرة بغالبها من أصل بريطاني، وهي، عدا بريطانيا نفسها، الولايات المتحدة وأستراليا بصورة رئيسية).
أما لو قرأنا نصّ الخطاب من وجهة نظر تنتمي إلى الجنوب العالمي بوجه عام، والمنطقة العربية بوجه خاص، فستكون لدينا انطباعات مختلفة بالتأكيد. ذلك أن الكثير مما قاله الرئيس الروسي إنما هو تكرار لما يُقال منذ القِدم في إحدى مناطق العالم التي تعرّضت للاستعمار الأوروبي ومن بعده الهيمنة الإمبريالية الأمريكية. وقد ضمّن بوتين خطابه حملة عنيفة على الغرب ونزعة «الاستعمار الجديد» لديه، وهي ظواهر مألوفة لدينا خاضت شعوبنا ولا زالت تخوض نضالات مريرة ضدها. بل يمكننا أن نزيد الكثير على ما جاء في خطاب بوتين في هذا الصدد، بما في ذلك ما يتعلّق بالصهيونية، ربيبة الإمبريالية الغربية، التي لم يذكرها بوتين على الإطلاق في خطابه، وذلك لسبب بديهي هو أنه متواطئ مع الدولة الصهيونية في الساحة السورية.
أما الذي لا بدّ أن يستلفت انتباهنا، إلّا لو كنّا من السذّج الذين تكفي دغدغة مشاعرهم لإبطال أي إدراك نقدي لديهم، إنما هو الدرجة العليا من النفاق التي انطوى عليه خطاب الرئيس الروسي. فهي ليست المرة الأولى بالتأكيد التي نرى فيها دولة إمبريالية بامتياز تدّعي مناهضة الاستعمار والإمبريالية. فحتى الولايات المتحدة ذاتها كثيراً ما استهلكت الخطاب المناهض للاستعمار متحججة بكونها دولة تمرّدت على الاستعمار البريطاني وخاضت ضده حرب استقلال قبل قرنين ونصف، ساكتة عمّا ارتكبته في عقر دارها من إبادة للشعوب الأصلية واستعباد شنيع للسود المستورَدين من أفريقيا بالقوة. وكذلك فإن ألمانيا النازية قد استهلكت الخطاب المناهض للاستعمار عند محاولتها جذب الشعوب الخاضعة للهيمنة البريطانية، متغافلة عن أن أدولف هتلر أعرب عن إعجابه بالاستعمار البريطاني واحتقاره للشعوب المستعمَرة في كتابه المشؤوم «كفاحي»، ناهيكم من أن سجل الاستعمار الألماني في أفريقيا لا يقلّ فظاعة عن سجل سائر الدول الاستعمارية الأوروبية وأن ألمانيا كانت متحالفة مع إيطاليا واليابان وهما من أشنع الدول الاستعمارية.


فلا يختلف بوتين عن أسلافه من الاستعماريين الذين ادّعوا نفاقاً مناهضة الاستعمار. والحال أن الاستعمار الروسي عريق في القِدم، لم يتميّز عن سائر حالات الاستعمار الأوروبية سوى في أنه استعمر بلداناً متواصلة جغرافياً مع روسيا في إطار إمبراطورية عظيمة الاتّساع، على غرار الإمبراطورية العثمانية التي سيطرت هي أيضاً على مناطق شاسعة بتواصل جغرافي غير منقطع. وليست بلدان القوقاز وآسيا الوسطى وحدها التي أخضعها الاستعمار الروسي، بل أخضع أيضاً بلداناً أوروبية تقع على غربه الشمالي كبلدان البلطيق أو الجنوبي كأوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا.
فإن خطابات بوتين المتكرّرة التي أكد فيها أن أوكرانيا جزء من «العالم الروسي» وأنها يجب أن تعود إلى حظيرته، وأدان فيها لينين والبلاشفة لأنهم، وفاء لعقيدتهم المعادية للاستعمار، منحوا حق تقرير المصير للبلدان التي كانت روسيا القيصرية قد أخضعتها في إطار إمبراطوريتها، وهو ما تجلّى بتشكيل جمهوريات خاصة بهذه البلدان في إطار الاتحاد السوفييتي، خطابات بوتين إذاً إنما هي من النمط الاستعماري بامتياز. كما أن عدوانه على أوكرانيا محاولاً في البداية احتلالها برمّتها وإسقاط الحكم القائم فيها على غرار ما فعلت الولايات المتحدة في العراق، ثم انكفاءه إلى مناطق شرق أوكرانيا المحاذية لشبه جزيرة القرم التي ضمّها في عام 2014 وإجراءه استفتاءات صورية فيها تحت الاحتلال تمهيداً لضمّها رسمياً إلى روسيا، إنما هي أفعالٌ استعمارية تقليدية.
والأخطر في الأمر أن بوتين، في الوقت الذي تتكبد قواته هزيمة بعد أخرى عن أيدي الأوكرانيين الذين يتفوقون عليها معنوياً تفوّق المدافع عن أرضه على الغازي، قد أعلن ضمه لأربع مناطق لا تسيطر قواته على قسم هام منها، بل أعلن أن الضمّ نهائيٌ لا رجعة عنه ولا تفاوض بشأنه بما يعني سدّ الباب أمام أي مفاوضات سلام إذ لا تفاوض في نظر الرئيس الروسي سوى على سلام يتضمن قبول أوكرانيا بالتخلّي عن أراضيها المحتلة في عام 2014 والعام الراهن.
هذا وقد أرفق بوتين مرة أخرى خطابه بتهديد مكشوف باستخدام السلاح النووي متذرّعاً بأن الولايات المتحدة قد خلقت «سابقة» باستخدامه ضد اليابان في عام 1945. وهي حجة بالية، إذ إن شناعة ما أدّى إليه قصف مدينتين يابانيتين في تلك السنة، وهو عمل إجرامي شنيع بلا شكّ، هي بالضبط ما جعل المبادرة إلى استخدام السلاح النووي تُعدّ جرماً عظيماً ضد الإنسانية تحرّمه القوانين الدولية. فإن ضرب بوتين عرض الحائط بتلك القوانين إنما يدلّ على انحطاط أخلاقي مخيف، لاسيما إذا ما قارنّاه بالتصريحات الإيرانية المتكررة القائلة إن استخدام السلاح النووي يتنافى مع قِيَم إيران الأخلاقية.



#جلبير_الأشقر (هاشتاغ)       Gilbert_Achcar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلاح بيد الجاهل يجرح!
- تحية لنساء إيران البواسل!
- انقلاب الموازين بين روسيا وإيران وعواقبه الإقليمية
- الاعتداء على النساء نهج الجبناء
- الاقتداء بمقتدى هو الحلّ!
- “ثقافة الإلغاء” في منطقتنا: ليس رشدي سوى أحدث نماذجها
- مصير غزة والمصير الفلسطيني: عودٌ على بدء
- سياسة واشنطن إزاء الصين: من الدهاء إلى الغباء
- كفى نفاقاً: قيس سعيّد صنيعٌ وليس صانعاً
- حينما يتصارع الكبار ينفرج الصغار
- زيارة بايدن في المنظور الاستراتيجي
- عسكر السودان: أخلاق مسالمة أم خوف من الشعب؟
- إنكار الاستقلالية باسم الجيوسياسة و/أو السلم
- حلف الناتو بين الهائج والهادئ
- روسيا وإيران تسرّعان مشروعهما المنافس لقناة السويس
- ملك بلجيكا يعرب عن «أسفه»
- في استقبال اللاجئين وبيتنا الزجاجي
- عن تصورات الديمقراطية في منطقتنا
- في سبر غور أردوغان
- «كلّن يعني كلّن» والانتخابات اللبنانية


المزيد.....




- جينيفر لوبيز تغطي وجهها بالبرقع في أسبوع الموضة بباريس
- في سلطنة عُمان.. طائرة -درون- تكشف امتدادًا شاسعًا لتلال بنف ...
- مسؤول بارز في -OpenAI- يرد على وصف ترامب للذكاء الاصطناعي بأ ...
- قيادي حوثي يعلق على إعلان استهداف الجماعة لمحطة في المدينة ا ...
- السعودية.. إلقاء القبض على شخص في مكة أثار الهلع بين المارة. ...
- فلسطينيون يقيمون جنازة جماعية بعد العثور على رفات تحت أنقاض ...
- ولاية أمريكية ثانية تعلن عيد الفطر وعيد الأضحى عطلتين رسميتي ...
- دراسة تكشف تأثيرا مفاجئا للسكر في بكتيريا الأمعاء أثناء العل ...
- بوتين: مستعدون لبدء مفاوضات حول أوكرانيا بشروط تقبلها روسيا ...
- ترامب في تصريح غامض: أوروبا -تُلتهم حية-


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلبير الأشقر - قراءة في خطاب فلاديمير بوتين